1

وبالنسبة لبكرا شو؟

يقف حزب الله اليوم أمام منعطف آخر فيما يسعى إلى الحفاظ على موقعه داخل الدولة اللبنانية المتغيّرة.


وجّه استعراض قوة حزب الله العسكرية في بلدة عرمتى الجنوبية في 21 أيار/مايو الفائت رسائل عدة، ولا سيما لإسرائيل. ففي ظل اتفاقات المصالحة التي شهدتها المنطقة، أولًا بين السعودية وإيران ثم التقارب بين السعودية وسورية، يبدو أن حزب الله عاد ليوجّه تركيزه مجدّدًا نحو عدوّه في الجانب الآخر من الحدود الجنوبية. وقد ظهرت مؤشرات على ذلك في أوائل نيسان/أبريل حين أطلقت مجموعة غير محدّدة (بموافقة حزب الله لا شك) ما لا يقل عن 34 صاروخًا من لبنان باتجاه شمال إسرائيل، ما ولّد تكهّنات بأن الحزب يسعى إلى توحيد جبهات لبنان وغزة وسورية.

بغضّ النظر عن سلاح حزب الله، هل يملك فعليًا ما يلزم لخوض حرب مع إسرائيل اليوم؟ إن الدمار الذي سينجم عن ذلك سيكون مهولًا وقد يسفر عن ردود فعل مُزعزعة للاستقرار داخل لبنان في أوساط سكان لم يعد لديهم الكثير ليخسروه. لذا، يمكن طرح سؤال أطول أمدًا عن حزب الله، هو التالي: ما هي غايته النهائية؟ مثلما كشف قرار مشاركته في الانتخابات النيابية في العام 1992 عن رغبته بأن يصبح أحد مكوّنات الدولة اللبنانية، يقف حزب الله اليوم أمام منعطف آخر. فعليه الآن، باعتباره طرفًا بارزًا، أو بالأحرى الطرف البارز في لبنان، أن يقرّر ما الذي يريد أن يفعله بالدولة، وداخل الدولة، كي يحافظ على موقعه في المعادلة.

لا تزال الإجابة بعيدة المنال. فكل الخيارات المحتملة التي قد تراود حزب الله تطرح مخاطر له. إذا كان هدف الحزب الوحيد هو الاستمرار في دوره كوكيلٍ لإيران، فستتمثّل أولويته في الإبقاء على سلاحه وفرض حالة من الجمود في لبنان تضمن عدم تعرّض سلطة الحزب لأي تهديد. لكن سيؤدّي ذلك إلى تداعيات سلبية، من خلال تأجيج الاستياء المحلّي الذي تفاقمه النزعات الطائفية، فيما يحاول الحزب الحفاظ على تفوّقه ويدعم في الوقت نفسه نظامًا متداعيًا إلى حدٍّ كبير ومقاومًا للإصلاحات. لا يستطيع حزب الله أن يُبقي سائر البلد تحت سطوته إلى ما لا نهاية.

على سبيل المثال، من خلال تبنّي حزب الله رسميًا ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، اتّخذ الحزب خطوة غير معهودة إذ حاول فرض رئيس مسيحي ماروني على الطائفة المارونية التي تعارض جميع أحزابها السياسية الرئيسة بشدة ترشيح فرنجية. تشير التقارير الصادرة في اليومَين الماضيَين إلى أن الأحزاب الثلاثة الأساسية، وهي القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر وحزب الكتائب، اتّفقت على دعم مرشّح منافس لفرنجية هو الوزير السابق جهاد أزعور الذي يتولّى راهنًا منصب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي.

سنرى ما ستؤول إليه هذه الخطوة، لكن الأكثر دلالةً كان الردّ الصادر عن رئيس كتلة حزب الله محمد رعد على هذا الترشيح، إذ أعلن في 28 أيار/مايو، والغضب بادٍ عليه، أن أزعور هو مرشح “البعض في لبنان الذين يملكون الوقاحة اللازمة للتصريح علنًا برفضهم وصول مرشح للممانعة، في مقابل رضاهم بوصول ممثل الخضوع والإذعان والاستسلام”. أتت رسالة رعد واضحة: فالحزب مستعدٌّ لخوض حوار حول الاستحقاق الرئاسي، شرط أن يدافع الرئيس عن أولويات الحزب. تسبّب مساعي الحزب لفرض مرشّحيه في مناصب غير مخصّصة للطائفة الشيعية استياءً عارمًا في الدوائر غير الشيعية، ولا شكّ أن هذا الشعور سيتنامى في المستقبل.

ثمة خيار ثانٍ أمام حزب الله يتمثّل في إعادة تشكيل نفسه للإبقاء على هيمنته في ظل نظام اجتماعي وسياسي لبناني متغيّر. في هذه الحالة، قد يتعيّن على الحزب البدء جديًّا بالمساومة مع نظرائه الطائفيين والسياسيين، لكن ليس لتغيير النظام السياسي الذي يهيمن عليه الحزب، بل للحفاظ عليه. وسيشمل ذلك اتّخاذ خطوات فعلية لمعالجة قضايا جوهرية بالنسبة إلى الحزب، مثل سلاحه وتدخله في الصراعات الإقليمية، لكن بشكلٍ تسهم من خلاله التسويات الناشئة في ترسيخ أهداف حزب الله داخل النظام اللبناني.

من المستبعد للغاية أن يختار حزب الله هذا المسار. كان هذا نوعًا ما المنطق الكامن خلف سياسات البيريسترويكا التي انتهجها ميخائيل غورباتشوف في الثمانينيات، والتي اعتبر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي أن نتيجتها كانت انهيار الاتحاد السوفياتي. لا بدّ من أن حزب الله يدرك أيضًا أنه بمجرد أن يبدأ تقديم التنازلات بصورة انتقائية في قضايا محدّدة، قد يفقد سيطرته على الديناميكيات ويُرغَم على التخلّي عن أمور أكثر بكثير مما قد يريد. لكن سلوك الحزب مضى في الاتجاه المعاكس، إذ حاول توسيع المجالات التي يمكنه فيها فرض اهتماماته الاستراتيجية على لبنان، بغضّ النظر عمّا يعنيه ذلك للسياسات الطائفية الداخلية.

أما الخيار الثالث أمام حزب الله فهو أشدّ خطورةً بعد، ويتمثّل في ذهابه إلى أبعد حدٍّ في محاولة إعادة تشكيل عقد اجتماعي لبناني جديد يتمحور حول مصالحه الخاصة وتحقيق استقراره، بهدف ترسيخ سلطته في الدولة إلى أجل غير مسمّى. يعني ذلك إعادة هيكلة النظام الدستوري والطائفي، والسيطرة على المؤسسات من خلال بلورة ميثاق وطني جديد يمنح الطائفة الشيعية المزيد من السلطة، ما يُفسح المجال أمام حزب الله لإقامة حواجز دائمة لحماية تفوّقه في البلاد.

لكن هذا المخطّط قد يؤدي إلى تشظّي لبنان، إذ إن الطائفة المسيحية الأوسع ستكون الخاسر الأكبر من الميثاق الوطني المعدّل. وفيما يتداول المسيحيون علنًا الحديث عن الفدرالية، أو حتى عن التقسيم، فإن إرساء عقد اجتماعي جديد يتمحور بشكل أساسي حول الطائفتَين الأكبر في البلاد، أي السنّة والشيعة، سيُفضي بشكل شبه مؤكد إلى شعور الكثير من المسيحيين بحالةٍ من الغربة النفسية. وستترتّب عن هذا السيناريو تداعيات تشمل تعبئة مسيحية أكبر ضد التغيير، تليها هجرة طائفية أكبر من البلاد، فيضطرّ حزب الله والشيعة إلى خوض مواجهة في المقام الأول ضد طائفة سنّية لا نية لها في تحويل لبنان رسميًا إلى وكيلٍ لإيران.

لكن إقدام حزب الله على تعديل الميثاق الوطني اللبناني لصالحه قد يتطلّب منه تقديم تنازلات كبيرة للطوائف الأخرى، من بينها منح المسيحيين لامركزية إدارية ومالية واسعة، ووضع استراتيجية جديدة للتعامل مع السنّة الذين يشكّلون الآن على الأرجح غالبية في البلاد وسيرغبون في تعزيز سلطتهم داخل المؤسسات الوطنية. ستكون عمليةٌ من هذا النوع معقّدة ومحفوفة بالمخاطر لحزب الله، ويبدو من المستحيل تخيّل ألّا يطالب السنّة بنزع سلاح حزب الله كشرط مسبق للموافقة على منح الشيعة دورًا أكبر في الدولة. لا يمكن أن يولد أي ميثاق جديد من وضعٍ يُنظر فيه إلى طائفة معينة على أنها تملك سلطات مهيمنة على الصعيد الوطني.

هذا ما لا يُدركه حزب الله تمام الإدراك. فالسياسات الطائفية في لبنان ستكون دائمًا أقوى من أي التزام إيديولوجي بـ”المقاومة” أو مبدأ آخر مماثل. علاوةً على ذلك، تتسبّب الثقة المفرطة التي يُبديها الحزب وهو يحاول التأكيد على الخيارات التي يفضّلها بإثارة مخاوف وجودية في أوساط أقليات لبنانية أخرى. وفي ظل غياب هيكلية مؤسّساتية فعّالة لتوجيه هذه المخاوف ومعالجتها، فقد تكون النتيجة الانزلاق إلى العنف. وهذا الخيار هو الأسوأ لحزب الله لأنه قد يُغرقه في حرب أهلية مفتوحة سيحاول الكثير من خصومه الإقليميين والدوليين استغلالها لصالحهم.

لا يبدو حزب الله قلقًا حيال هذه الأمور، فأسلحته تكسبه ثقة كبيرة بالنفس. لكن الحرب لا تُعتبر خيارًا له، لأنه لم يستطِع بناء أي أُسس دائمة على الأنقاض. واقع الحال أن النظام الطائفي يبقى، على الرغم من العيوب التي تشوبه، الحصن المنيع الأقوى في وجه حزب الله. لهذا السبب، يحاول الحزب بشكل متواصل زعزعة توازن خصومه الطائفيين وإبقائهم منقسمين. يشرح هذا الأمر سبب انزعاج محمد رعد الكبير من احتمال وقوف المسيحيين صفًّا واحدًا ضد فرنجية. قد تكون للوقائع الطائفية قريبًا الغلبة على حزب الله، وهذا وضع لا يستسيغه الحزب.


مايكل يونغ – مدير التحرير في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط

المصدر: مركز مالكوم كير – كارينغي للشرق الأوسط




توجّه الصين نحو الشرق الأوسط

يناقش عبد الله باعبود، في مقابلة معه، دور بيجينغ المتنامي في منطقة الخليج، حيث تكمن أولويتها في إرساء الاستقرار.


عبد الله باعبود باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، وأستاذ كرسي دولة قطر لدراسات المنطقة الإسلامية، وأستاذ زائر في كلية البحوث الدولية والتعليم في جامعة واسيدا في طوكيو. نشر مؤخرًا مقالًا لكارنيغي بعنوان “لماذا تبرز الصين كمروِّج أساسي للاستقرار في مضيق هرمز“. أجرت “ديوان” مقابلة معه في أواخر أيار/مايو لمناقشة مقاله هذا والاطّلاع على وجهة نظره عمومًا حيال الدور المتغيّر للصين في الشرق الأوسط، ولا سيما تجاه دول الخليج.

مايكل يونغ: كتبتَ مؤخرًا مقالًا حول دور الصين في مضيق هرمز. ما هي فكرتك الأساسية فيه وما أبرز الخلاصات التي توصّلت إليها؟

عبد الله باعبود: جادلتُ بأن الصين، نظرًا إلى اعتمادها على منطقة الخليج للحصول على كمية كبيرة من النفط والغاز، لديها مصلحة وازنة في الحفاظ على الاستقرار والأمن في المنطقة، وخير مثال على ذلك توسّطها مؤخرًا في اتفاق المصالحة بين السعودية وإيران. تتيح منطقة الخليج فرصة مهمّة للصين في تنافسها الجيو-استراتيجي العالمي مع الولايات المتحدة. فعلى خلاف واشنطن، تتمتع بيجينغ بعلاقات ثنائية وثيقة مع الدول الواقعة على جانبَي مضيق هرمز. وستصبح الصين، مع تنامي مصالحها في المنطقة، طرفًا فاعلًا أساسيًا في أمن المضيق. وهذا ما أكّده الاتفاق السعودي الإيراني، إذ ساهم في نزع فتيل التشنّجات في مضيق هرمز والمنطقة الأوسع.

يُضاف إلى ذلك أن الوجود العسكري للولايات المتحدة وحلفائها في المضيق شجّع الصين على المشاركة في تحمّل عبء الحفاظ على أمن المنطقة لحماية مصالحها التجارية، ولا سيما أن بيجينغ عُرضة للتأثّر بشدّة من الاختلالات التي قد تطرأ على الإمدادات النفطية. وأظهرت المساعي التي بذلتها الصين في تسهيل ولادة الاتفاق بين السعودية وإيران أن بيجينغ تعوّل على النفوذ الاقتصادي الذي تتمتّع به في المنطقة لتعزيز دورها في التأثير على الديناميكيات الأمنية الإقليمية، ومدّ جسور دبلوماسية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية من أجل حماية مصالحها التجارية. لم تعد الصين “راكبًا بالمجّان”، كما وصفها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، يعمل تحت المظلّة الأمنية الأميركية والغربية.

يونغ: هل يمكن أن تخبرنا ما يعنيه، من الناحية العملية، واقع أن الصين كانت الراعي الرسمي للمصالحة بين السعودية وإيران؟ وكيف يمكن أن تؤثّر بيجينغ على عملية تطبيق الاتفاق أو عدمه؟

باعبود: حقّقت الصين إنجازًا ملحوظًا على مستوى الديناميكيات الأمنية في منطقة الخليج، من خلال توسّطها في إبرام الاتفاق بين إيران والسعودية. صحيحٌ أن طهران والرياض كانتا تسعيان على ما يبدو إلى تخفيف حدّة التوترات بينهما عقب جولات عدّة من المحادثات التي سهّلتها كلٌّ من عُمان والعراق، إلا أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما لم يكن متوقعًا في هذا الوقت القريب، ولا سيما أن النزاع في اليمن لا يزال من دون حلّ.

اعتمدت الصين منذ فترة طويلة استراتيجية التوازن الدبلوماسي الحذر في الشرق الأوسط، محافظةً على علاقات جيدة مع الدول الإقليمية كافة. مع ذلك، شكّل توسّطها في إبرام اتفاق المصالحة بين طهران والرياض خروجًا عن هذا النهج المعتاد، إذ باتت بيجينغ تؤدّي اليوم دورًا أكبر في دعم عملية السلام بين الأفرقاء المتخاصمين في المنطقة. وقد أسهم توقيعها اتفاقيتَي شراكة استراتيجية شاملة مع إيران والسعودية في العامَين 2021 و2022 على التوالي، فضلًا عن كونها شريكًا تجاريًا أساسيًا للدولتَين، في تحقيقها موقعًا فريدًا قادرًا على التأثير بنتائج اتفاق المصالحة.

في الواقع، تُعدّ الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، ومستهلكًا أساسيًا للنفط السعودي والإيراني. إضافةً إلى ذلك، أجرى الصينيون استثمارات كبيرة في مشاريع بنى تحتية ضخمة في البلدَين.

وعلى الرغم من أن نجاح المصالحة سيعتمد في نهاية المطاف على مدى استعداد طهران والرياض لتقديم تنازلات، قد يكون نفوذ بيجينغ الاقتصادي فعّالًا في دفع عملية تنفيذ الاتفاق قدمًا. تخوض السعودية راهنًا عملية إصلاح اقتصادي سريع لتحقيق أهداف رؤية العام 2030، فيما تتخبّط إيران في ظل تدهور أوضاعها الاقتصادية نتيجة العقوبات المتنامية التي فرضتها عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ولا شكّ من أن تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين وتوسيع استثماراتها في الدولتَين سيزيدان من جاذبية المصالحة.

يونغ: كيف تندرج منطقة الخليج الأوسع ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، وبأي طريقة يهدّد ذلك دور الولايات المتحدة في المنطقة؟

باعبود: لقد اتّسعت مصالح الصين في منطقة الخليج، متجاوزةً حاجاتها في مجال الطاقة لتشمل مجموعة أوسع من الأنشطة الاقتصادية، ما دفع بيجينغ إلى النظر إلى المنطقة على أنها ذات أهمية استراتيجية. ويشير تنامي حجم الاستثمارات الصينية في المنطقة، ولا سيما في مشاريع البنى التحتية الكبرى مثل الاتصالات والخدمات اللوجستية، إلى الأهمية التي تتمتّع بها منطقة الخليج الأوسع في مبادرة الحزام والطريق الصينية. يؤدّي الشرق الأوسط، بفضل موقعه الاستراتيجي عند تقاطع أفريقيا وآسيا وأوروبا، دورًا أساسيًا في طموحات بيجينغ العالمية، ويُعدّ محوريًا في التنافس المتنامي بين قوتَين عظيمتَين هما الصين والولايات المتحدة. وعلى الرغم من الانسحاب العسكري الأميركي المتصوّر من الشرق الأوسط، تسعى واشنطن إلى إثبات التزامها المتواصل بأمن حلفائها في المنطقة، حيث لا تزال تحتفظ بوجود عسكري ملحوظ.

على الرغم من أن نفوذ الصين العسكري في المنطقة محدود، تشعر واشنطن بالقلق حيال الانخراط المتزايد للشركات الصينية في شراكات في مجالَي الموانئ والتكنولوجيا، بما فيها مشاريع البنى التحتية للاتصالات، مثل إنشاء شبكات الجيل الخامس التي تشارك فيها شركة هواوي الصينية. وقد وجّهت واشنطن تحذيرات إلى حلفائها بأن التعاون مع مثل هذه الشركات قد يعرّض آفاق التعاون الأمني المستقبلي مع الولايات المتحدة للخطر. لكن، على الرغم من تنامي حدّة المنافسة بين بيجينغ وواشنطن، للجانبَين مصلحة في صون أمن المنطقة واستقرارها، ما قد يفسح المجال أمام تعاون محتمل بينهما.

يونغ: أشرْتَ إلى أن استجابة الولايات المتحدة للتقدّم الذي تحرزه الصين في الخليج ستتمثّل على الأرجح في دعم الاتفاقات الابراهيمية ومحاولة تحقيق تطبيعٍ للعلاقات بين السعودية وإسرائيل. ما مدى واقعية ذلك، وهل من شأن هذه المساعي أن تقوّض استراتيجية الصين، نظرًا إلى أن الرياض لن تقطع على الأرجح علاقتها مع بيجينغ؟

باعبود: وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تطبيع العلاقات مع السعودية على قائمة الأهداف الأساسية لسياسته الخارجية. تُمثّل الاتفاقات الابراهيمية للولايات المتحدة فرصة لإحراز تقدّم أكبر على صعيد التعاون بين إسرائيل ودول الخليج، ما قد يُفسح المجال أمام تعاون أمني أكبر بين هذه الدول التي ترى جميعها أن إيران تمثّل تهديدًا إقليميًا كبيرًا. قد يعود هذا السيناريو بالفائدة على واشنطن من خلال توفير حماية أفضل لأمن إسرائيل القومي في مواجهة إيران، ويعزّز في الوقت نفسه محور حلفاء واشنطن في المنطقة.

وفيما من المستبعد أن يعرقل هذا السيناريو اتفاق المصالحة الذي توسّطت الصين في إبرامه بين السعودية وإيران، قد يضع بعض العقبات في وجه مصالح بيجينغ الإقليمية. فتطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج قد يؤثّر على مصالح الصين من خلال عزل إيران سياسيًا عن المنظومة الأمنية الإقليمية. صحيحٌ أن السعودية عازمة على تحفيف حدّة التوترات الإقليمية مع إيران، إلا أن الرياض لا تزال تعتبر طهران خصمًا أساسيًا. وقد تؤدي مواءمة المصالح بين السعودية وإسرائيل، من خلال تهميش إيران وإثباط محاولات دمجها في اقتصاد المنطقة، إلى عرقلة طموحات الصين الرامية إلى إنشاء منطقة نفوذ خاصة بها في الخليج، ما يضعف مبادرة الحزام والطريق الصينية.

مع ذلك، ذكرت تقارير أن السعودية فرضت شروطًا محدّدة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل – منها توثيق التعاون الدفاعي الأميركي، وتوفير ضمانات أمنية أميركية، وتخفيف القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة الأميركية إلى المملكة، والحصول على المساعدة الأميركية في تنفيذ مشروع نووي مدني – يُرجّح أن تواجه معارضة من الكونغرس في واشنطن. علاوةً على ذلك، أدّى تزايد أعمال العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ أن تسلّمت السلطة حكومة يمينية متطرّفة برئاسة نتنياهو في كانون الأول/ديسمبر الماضي، إلى تراجع إمكانية قبول السعودية والعالم الإسلامي الأوسع باتفاق مع إسرائيل.

يونغ: يبدو أن الصين لا تستطيع أن تتنافس مع الولايات المتحدة على المستوى الأمني. لماذا هذا الأمر مهم، وكيف تتوقع أن تعالج الصين هذا الوضع؟

باعبود: على الرغم من أن الجيش الصيني يحتلّ المرتبة الأولى عالميًا من حيث عدد القوات العاملة في الخدمة، فإن خبرات الصين العسكرية وإمكانياتها البحرية والجوية لا تزال متأخرة عن نظيرتها الأميركية بشكل كبير. فعمليات تمديد النفوذ الأميركي لا تزال بلا منازع، نظرًا إلى شبكتها الواسعة من القواعد البحرية المنتشرة خارج الأراضي الأميركية، في حين أن القاعدة العسكرية للصين في جيبوتي هي قاعدتها الوحيدة خارج حدودها. إضافةً إلى ذلك، لا تستطيع الصين بعد التنافس مع هيمنة واشنطن على سوق السلاح العالمي، إذ بلغت حصة الولايات المتحدة من تجارة الأسلحة العالمية 40 في المئة بين 2018 و2022، مقارنةً مع 5.2 في المئة للصين.

مع ذلك، حقّقت الصين اختراقات مُلفتة في سوق السلاح في الشرق الأوسط على مدى العقد الفائت، بما في ذلك إبرام اتفاقات مهمة في المجال الدفاعي مع حلفاء بارزين للولايات المتحدة مثل مصر والسعودية. وفيما تسعى دول خليجية عدة إلى تنويع شبكة مورّدي الأسلحة لديها والحدّ من اعتمادها على الأسلحة الأميركية، ستحاول الصين حتمًا زيادة حصّتها في سوق السلاح المدرّ للربح في المنطقة. وستعمل كذلك على إقامة شبكة من القواعد العسكرية خارج حدودها، مع تركيز خاص على منطقة الشرق الأوسط، كما أظهر الجدل الذي أثارته الأنباء عن بدء بيجينغ بمشروع بناء قاعدة عسكرية في ميناء خليفة في أبوظبي.

لا تبدو الصين على عجلة من أمرها لتحلّ مكان الولايات المتحدة، وهذا ليس هدفها على الأرجح. لكن مزيج نفوذها الاقتصادي والسياسي ومصالحها الأمنية والاستراتيجية سيؤدّي إلى تكثيف انخراطها في الأمن الإقليمي. بصرف النظر عن التنافس بين هاتَين القوتَين العظيمتَين، قد يعود الانخراط الأمني المتزايد للصين في منطقة الخليج بالفائدة على الأمن الإقليمي والعالمي.


مايكل يونغ – مدير التحرير في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط

المصدر: مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط




لماذا تبرز الصين كمروِّج أساسي للاستقرار في مضيق هرمز

نظرًا إلى اعتماد الصين على دول الخليج للحصول على كمية كبيرة من النفط والغاز، لديها مصلحة وازنة في الحفاظ على الأمن في المنطقة. ومن هذا المنطلق، عمدت إلى التوسّط مؤخرًا في اتفاق المصالحة بين السعودية وإيران.


يُعَدّ مضيق هرمز أهم ممرّ للطاقة في العالم، إذ يشكِّل نقطة التقاء بين الخليج العربي وخليج عُمان. عالميًا، يمرّ أكثر من سدس النفط وثلث الغاز الطبيعي المُسال عبر هذا المضيق الضيّق. وفيما يمكن تجاوز معظم نقاط الاختناق باستخدام طرق شحن أخرى، ليست لمضيق هرمز بدائل عملية. فيمكن أن تتصاعد حادثة ما في البحر، سواء كانت متعمّدة أو غير مقصودة، وتتحوّل سريعًا إلى مواجهة عسكرية مباشرة تهدّد إمدادات النفط والشحن التجاري. كان المضيق ساحةً للتوترات في الأعوام الأخيرة، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، ما تطلّب وجودًا عسكريًا خارجيًا زاد من احتمال نشوب نزاع.

باتت الصين، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم، تعتمد بدرجة كبيرة على النفط الخليجي الذي شكّل أكثر من 50 في المئة من الواردات الصينية في الربع الأول من العام 2022. وفي العام 2021، استوردت الصين كمية هائلة من النفط الخام بقيمة 128 مليار دولار أميركي من بلدان خليجية قرب مضيق هرمز، ما يعادل ثلاثة أضعاف الكمية التي استوردتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعَين. وقد صنّفت وزارة الدفاع الأميركية المضيق بأنه “منطقة تركيز معروفة” للمخطّطين العسكريين الصينيين. ويمثّل الشرق الأوسط، بفضل موقعه الاستراتيجي عند تقاطع أفريقيا وآسيا وأوروبا، عنصرًا أساسيًا في مبادرة الحزام والطريق الصينية. علاوةً على ذلك، تتيح منطقة الخليج فرصة مهمّة للصين في تنافسها الجيو-استراتيجي العالمي مع الولايات المتحدة. فعلى خلاف واشنطن، تتمتع بيجينغ بعلاقات ثنائية وثيقة مع الدول الواقعة على جانبَي مضيق هرمز. وستصبح الصين، مع تنامي مصالحها في المنطقة، طرفًا فاعلًا أساسيًا في أمن المضيق. وهذا ما أكّده اتفاق المصالحة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي أُبرم بوساطة صينية في 10 آذار/مارس 2023، وساهم في المساعي التي تبذلها بيجينغ لنزع فتيل التشنّجات في مضيق هرمز والمنطقة الأوسع.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز

يبلغ طول مضيق هرمز نحو155 كيلومترًا وعرضه حوالى 34 كيلومترًا عند نقطته الأضيق. شُحِن نحو 21 مليون برميل من النفط يوميًا عبر هذه البوّابة المحورية في العام 2020، وهو العام الذي تتوافر عنه آخر الأرقام. الخيارات التي تسمح بتجاوز هذا المضيق محدودة، ويُشار إلى أن السعودية والإمارات العربية المتحدة هما الدولتان الوحيدتان اللتان لديهما خطوط أنابيب يمكنها شحن النفط الخام إلى خارج منطقة الخليج. ووفقًا لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن76 في المئة من النفط الخام والمكثّفات التي مرّت عبر المضيق في العام 2018 كانت وجهتها الأسواق الآسيوية، وبصورة خاصّة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، إذ استحوذت هذه البلدان على 65 في المئة من مجموع كميات النفط التي شُحِنت عبر المضيق في ذلك العام. في المقابل، استوردت الولايات المتحدة نحو 1.4 مليون برميل نفط في اليوم عبر مضيق هرمز في العام 2018، ما شكّل حوالى 18 في المئة من مجموع واردات النفط الخام الأميركية.

يبلغ عرض قنوات الشحن في المضيق التي يمكن أن تتسع لناقلات النفط العملاقة ميلَين بحريَّين فقط، لذا تُضطرّ السفن إلى المرور عبر المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية. وقد هدّدت إيران في مناسبات عدّة بإغلاق الممر، ولكن الإقدام على هذه الخطوة بشكل أُحادي يمثّل انتهاكًا للقانون الدولي نظرًا إلى أن سلطنة عُمان تُقاسمها السلطة على المجرى المائي. ولكن المضيق ظلّ موئلًا أساسيًا للنزاعات منذ العام 1987 وما يُسمّى بـ”حرب الناقلات” خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين استهدفت بغداد سفن الشحن الإيرانية. وفي الآونة الأخيرة، تحوّل المضيق إلى حلبة أساسية للمواجهة البحرية بين واشنطن وطهران، إذ اتهمت الولايات المتحدة الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري الإيراني بمضايقة سفنها العاملة في المضيق.

بما أن مضيق هرمز هو ممرٌّ عالمي للطاقة، يُعَدّ أمنه ضروريًا لحسن سير الاقتصاد العالمي. فقد استخدمت إيران بصورة خاصة موقعها عند المضيق لردع الولايات المتحدة وحلفائها من خلال مهاجمة سفن تجارية وعسكرية تعبر المجرى المائي. وأدّى تصاعد التشنّجات بين إيران والغرب، ولا سيما مع تقدّم طهران في برنامج التخصيب النووي، إلى تعزيز الانتشار العسكري في المضيق. فالأسطول الخامس الأميركي المتمركز في البحرين ينشط بصورة خاصة هناك، حيث يشارك في مساعدة البحّارة، وحماية البنى التحتية، وردع القراصنة، فضلًا عن العمليات القتالية. وفي كانون الثاني/يناير 2012، استخدمت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قناة سرّية للتواصل مع إيران من أجل تحذير مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي، من أن إغلاق مضيق هرمز هو “خط أحمر” ستردّ عليه واشنطن بقوّة. وكان ذلك بعد أربع سنوات من التحذير الذي وجّهه قائد الأسطول الخامس منبِّهًا إلى أن إغلاق المضيق سيُعتبَر عملًا حربيًا.

تشارك القوات البحرية الأميركية في عددٍ من فرق العمل البحرية المتعدّدة الجنسيات في المنطقة، وتشمل القوات البحرية المشتركة التي تضم 34 بلدًا وتتمركز في البحرين، والتحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية المؤلَّف من 11 بلدًا، وذراعه العملياتي المتمثّل بفريق عمل التحالف المعروف بـ”سنتينل”، والمتمركز أيضًا في البحرين. وعمدت بعثة التوعية البحرية في مضيق هرمز التي تقودها أوروبا وتضم تسعة بلدان، والتي أُنشئت بناءً على اقتراح فرنسي وتتّخذ من الإمارات مقرًّا لها، إلى زيادة نشاطها في الحفاظ على حرّية الملاحة في المضيق منذ كانون الثاني/يناير 2020. وشاركت سفن حربية صينية وروسية أيضًا في تدريبات بحرية مشتركة مع إيران في خليج عُمان، فيما نشرت اليابان وكوريا الجنوبية سفنًا حربية للدفاع عن سفنها التجارية. سلّط الوزير المسؤول عن الشوؤن الخارجية السابق يوسف بن علوي، في كلمة أمام مؤتمر الأمن في ميونخ في شباط/فبراير 2020، الضوء على مخاوف مسقط من خطر وقوع “خطأ” بسبب تزايد أعداد السفن التابعة للقوات البحرية في المضيق. والحال هو أن القوات البحرية الأميركية والإيرانية تسبّبت بوقوع حوادث خطيرة عدّة على مر العقود، مثل قيام السفينة الحربية الأميركية USS Vincennes بإسقاط طائرة مدنية إيرانية في تموز/يوليو 1988. ففي ظل تنامي الانتشار العسكري الخارجي في المضيق، من شأن أي خطأ أو سوء تقدير أن يقود سريعًا إلى التصعيد.

كذلك، تصاعدت التشنّجات البحرية بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأشهر الأولى من العام 2023. ففي 20 نيسان/أبريل، قال قائد بحري إيراني إنّ غوّاصة أميركيةخرقت المياه الإقليمية الإيرانية وأرغمتها البحرية الإيرانية على الصعود إلى سطح المياه. لكن واشنطن نفت ذلك. وبعد أسبوع، أقدمت القوات البحرية الإيرانية على احتجاز ناقلة نفط ترفع علم جزر مارشال في المياه الدولية لخليج عُمان. قال التلفزيون الرسمي الإيراني إن الناقلة تجاهلت النداءات اللاسلكية بعد اصطدامها بسفينة إيرانية. وأشارت بعض المصادر إلى أن هذا التحرّك الإيراني انطلق ربما من دوافع انتقامية ردًّا على مصادرة الولايات المتحدة ناقلة نفط إيرانية كانت متّجهة إلى الصين قبل ذلك بأيام. ووقعت حادثة مشابهة أخرى في 3 أيار/مايو، حين عمدت زوارق إيرانية سريعة تابعة للقوات البحرية إلى محاصرة ناقلة النفط اليونانية Niovi التي ترفع علم بنما، مرغمةً إياها على التوجّه إلى المياه الإقليمية الإيرانية قبالة مدينة بندر عباس. وقد راقبت الصين بحذر هذه الحوادث، نظرًا إلى أن اقتصادها يعوّل بقوّة على التدفّق السلس للنفط عبر المضيق.

المصلحة الصينية في أمن المضيق

مع تنامي اعتماد الصين على النفط الخليجي، ازدادت أيضًا مصلحتها الاستراتيجية المتمثّلة في صون الأمن والاستقرار في مضيق هرمز. يُضاف إلى ذلك أن الوجود العسكري للولايات المتحدة وحلفائها في المضيق شجّع الصين على توسيع تأثيرها في المنطقة لحماية مصالحها التجارية. وفيما تتشارك بيجينغ وواشنطن الرغبة في ضمان عبور النفط بحرّية، تُعتبر الصين عُرضة للتأثّر بشدّة من الاختلالات التي قد تطرأ على الإمدادات النفطية من المنطقة، ولا سيما أنها تخطّت الولايات المتحدة لتصبح المستورد السنوي الأول للنفط الخام في العالم في العام 2017. لذلك، يُعدّ ضمان إمدادات النفط بصورة مطّردة أساسيًا لأمن الطاقة في الصين.

خلال السنوات القليلة الماضية، تمكّنت الصين من الالتفاف على العقوبات الأميركية من أجل استيراد النفط الإيراني. فإيران هي ثالث أكبر مورّد للنفط إلى الصين بعد روسيا والسعودية. ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على قطاع النفط الإيراني عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران في أيار/مايو 2018، خفّضت طهران إلى حدٍّ كبير أسعار نفطها بمقدار25 في المئة على الأقل. تُعتبر الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، فضلًا عن أنها أكبر شريك تجاري للجمهورية الإسلامية. وهي استفادت بشكل كبير من الحظر الأميركي على النفط الإيراني، ومن قيام مجموعة الدول السبع والاتحاد الأوروبي بوضع حدٍّ أقصى لسعر النفط الروسي ردًّا على الحرب الروسية الأوكرانية. يُضاف إلى ذلك أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أُبرمت لمدّة 25 عامًا بين الصين وإيران في آذار/مارس 2021، والتي تشمل بيع النفط الإيراني إلى الصين بأسعار مخفّضة مقابل إجراء الصين استثمارات في إيران، أدّت إلى توسيع بصمة بيجينغ الاقتصادية في المنطقة، ممهدةً الطريق ربما لتعزيز نفوذها العسكري.

وعلى الجانب الآخر من مضيق هرمز، نسجت الصين بتأنٍّ علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي الست، أي البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات. صحيحٌ أن هذه العلاقات كانت ترتكز في بادئ الأمر على صادرات النفط والغاز من هذه الدول، لكن نطاق التعاون الاقتصادي الصيني معها اتّسع بوتيرة متسارعة ليشمل قطاعات مثل البنى التحتية، والتمويل، والاتصالات، واستكشاف الفضاء، والطاقة المتجدّدة، والطاقة النووية، وحتى تصنيع الأسلحة. وفي كانون الأول/ديسمبر 2022، وقّعت الصين والسعودية اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة تضمّنت 34 اتفاقًا في مجالَي الطاقة والاستثمار في قطاعات شتّى. علاوةً على ذلك، وتماشيًا مع مبادرة الحزام والطريق، استثمرت الصين مليارات الدولارات في موانئ عدة في المنطقة، على غرار ميناءَي خليفة والفجيرة في الإمارات، وميناء الدقم الجديد في عُمان، وميناء تشابهار في إيران، وميناء جوادر في باكستان. وفي العام 2012، أنجزت الشركة الصينية للهندسة والإنشاءات النفطية بناء خط أنابيب حبشان-الفجيرة، الذي ينقل النفط لمسافة 380 كيلومترًا من أبوظبي عبر الداخل الإماراتي وصولًا إلى ميناء الفجيرة، متجنّبًا بالتالي المرور عبر مضيق هرمز. وفي الوقت الراهن، تشارك الشركات الصينية في بناء شبكة الاتحاد للسكك الحديدية في الإمارات، التي ستربط الموانئ الإماراتية بمراكز تجارية وصناعية مهمة في مختلف أنحاء منطقة الخليج.

ألمحت وزارة الدفاع الأميركية إلى أن الصين تسعى إلى إرساء وجود عسكري مديد لها في المنطقة، وذكرت أن الإمارات هي من بين الدول التي تدرس بيجينغ إمكانية تنفيذ هذه الخطة فيها. وفي العام 2021، أصبح ميناء خليفة في قلب الجدل، حين رصدت وكالة الاستخبارات الأميركية أن الصين بدأت سرًّا ببناء منشأة عسكرية فيه. يُذكر أن واشنطن وجهّت تحذيرًا إلى الإمارات بشأن الأنشطة الصينية، ما أدّى على ما يبدو إلى توقّف أعمال البناء. تجدر الإشارة إلى أن الصين، على خلاف الولايات المتحدة، لا تمتلك قوة عسكرية دائمة في المنطقة، لكن سفن القوات البحرية الصينية تشارك منذ العام 2008 في مهمّات حراسة لمكافحة أعمال القرصنة، وترسو في موانئ إقليمية عدة. وقد أسهمت هذه الاستخدامات للموانئ في تعزيز دبلوماسية الصين العسكرية، وسمحت في الوقت نفسه بإعادة إمداد سفن القوات البحرية العاملة في البحار المحيطة.

تسعى الصين إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، إلا أنها تفتقر إلى الخبرات والتجهيزات العسكرية اللازمة لمنافسة الولايات المتحدة في موقع الجهة الضامنة لأمن المنطقة. مع ذلك، أدّى الانسحاب العسكري الأميركي المتصوّر من الشرق الأوسط، وسط توجّه بوصلة أولويات واشنطن نحو آسيا، إلى منح الصين فرصة لاكتساب موطئ قدم في المنطقة. وأسفرت العلاقات الباردة بين إدارة جو بايدن من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى عن تحوّل ملحوظ في سياسات كلٍّ من الرياض وأبوظبي. وبما أن دول الخليج لم تعد راضية عن التطمينات الأمنية الأميركية، لجأت بشكل متزايد إلى التحوّط الاستراتيجي في علاقاتها الثنائية مع واشنطن وبيجينغ، مفسحةً المجال أمام انخراط دبلوماسي صيني أكبر. لكن احتمال أن يؤدّي تنامي النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي الصيني في المنطقة إلى تعاظم نفوذ بيجينغ العسكري، فهذا أمرٌ يعتمد في المقام الأول على مدى وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها الأمنية تجاه حلفائها في مجلس التعاون الخليجي.

تأثير المصالحة بين السعودية وإيران

في مطلع العام 2023، كشفت الصين عن دورها الدبلوماسي المنتامي حين توسّطت في إبرام اتفاق المصالحة بين السعودية وإيران. ولا يمكن المبالغة في تقدير أهمية هذا الاتفاق. صحيحٌ أن إيران والسعودية كانتا تسعيان إلى تخفيف حدّة التوترات بينهما عقب جولات عدّة من المحادثات التي سهّلتها كلٌّ من عُمان والعراق، إلا أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين طهران والرياض لم يكن متوقعًا في وقت قريب جدًّا، ولا سيما أن النزاع في اليمن لا يزال من دون حلّ.

وصف أوباما الصين بأنها “راكب بالمجّان” في العام 2014، ووُجِّهت على نحو متزايد دعوات إلى بيجينغ للمشاركة في تحمّل أعباء الحفاظ على الأمن العالمي، لذا شكّل دورها في تسهيل إبرام اتفاق بين السعودية وإيران إنجازًا مهمًا. وفي حال أفضى هذا الاتفاق إلى إرساء تقارب مستدام بين الرياض وطهران، فستُثبت بيجينغ أن تأثيرها في منطقة الخليج لا يقتصر على المجال الاقتصادي فحسب. وعلى الرغم من أن البيان الثلاثي المشترك لكلٍّ من إيران والسعودية والصين لم يأتِ على ذكر مسائل محدّدة على السعودية وإيران حلّها، فإنّ الجانبَين أعربا عن “رغبتهما في حل الخلافات بينهما من خلال الحوار والدبلوماسية”. ستتمثّل الخطوة الأولى من الاتفاق في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجانبَين، على الرغم من أن تأثير ذلك على الصراعَين اليمني والسوري – ولا سيما في أعقاب المصالحة بين السعودية وسورية وإعادة سورية إلى كنف جامعة الدول العربية – لا يزال غير واضح المعالم. وكذلك الأمر أيضًا بالنسبة إلى انخراط الصين في العملية التفاوضية بين السعودية وإيران ومدى قدرتها على دفع الرياض وطهران إلى تقديم تنازلات.

أما الاختبار الحقيقي لمدى فعالية الاتفاق فيتمثّل في وقْعه على الصراع في اليمن. قد يكون لإيران تأثيرٌ على حركة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، لدفعها إلى الحدّ من هجماتها على الدول المجاورة، لكن قدرتها على تحريك الديناميكيات اليمنية المحلية محدودة أكثر على الأرجح. مع ذلك، تبدو السعودية عازمةً على سحب قواتها من الصراع اليمني المُهلك والمُكلف، فيما ترمي إيران إلى خفض وتائر التوترات الإقليمية وسط استمرار الاضطرابات المحلية التي تشهدها، وتدهور أوضاعها الاقتصادية نتيجة العقوبات الأميركية.

يُعدّ فرض العقوبات على إيران في صُلب المقاربة الأمنية التي تنتهجها الولايات المتحدة في الخليج. وقد ساندت واشنطن في الوقت نفسه منافسَي إيران الإقليميَّين، أي السعودية وإسرائيل، من خلال مبيعات الأسلحة والدعم العملياتي. وعلى الرغم من أن الاتفاق النووي الذي أُبرم في العام 2015 أحرز بعض النجاح في الحدّ من أنشطة التخصيب النووي الإيراني، فإنه لم يؤثّر كثيرًا في التقليل من الممارسات الإيرانية التخريبية في الشرق الأوسط. علاوةً على ذلك، أدّى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي واغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في كانون الثاني/يناير 2020 إلى تأجيج جذوة العداوات الإقليمية. وعلى الرغم من النفوذ العسكري الأميركي في المنطقة، واجهت واشنطن صعوبات في مسائل عدّة، سواء في بناء كتلة موحّدة لمواجهة الصين، وفي حشد الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا، وحتى في إقناع حلفائها بالتعاون من أجل خفض أسعار النفط. أما الصين، مع أنها لا تملك وجودًا عسكريًا في المنطقة، فقد كانت حريصةً على إقامة علاقات متوازنة مع إيران من جهة وخصوم طهران الإقليميين من جهة أخرى، ما أتاح لبيجينغ أن تؤدّي دور وساطة سيصبّ في نهاية المطاف في خدمة مصالحها الاقتصادية الإقليمية.

يُضاف إلى ذلك أن الطبيعة السلطوية للحكومة الصينية والتزامها بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولا سيما في قضايا حقوق الإنسان، يكسبان بيجينغ ميزة تفاضلية كبيرة مقابل واشنطن على مستوى التعاون مع بلدان الشرق الأوسط. فقد دفع قرار واشنطن تجميد مبيعات الأسلحة للسعودية والإمارات بشكل مؤقت، وتعليقها صفقة بيع طائرات مقاتلة من طراز إف-35 إلى الإمارات، بكلًّ من الرياض وأبوظبي إلى البحث عن جهات مورِّدة بديلة، ومن ضمنها الصين. مع ذلك، وعلى الرغم من إحراز بيجينغ بعض التقدّم في ولوج سوق السلاح الإقليمي، فهي لا تستطيع بعد التفوّق على الولايات المتحدة التي تحتل المرتبة الأولى في توريد السلاح إلى المنطقة.

وعلى الرغم من تركيز واشنطن المتزايد على احتواء المساعي التوسّعية الصينية في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، فهي لا تزال تنظر إلى الشرق الأوسط، وتحديدًا منطقة الخليج، باعتبارها ميدان التنافس الاستراتيجي مع بيجينغ. تسعى الولايات المتحدة، من خلال ما عُرف بالاتفاقات الابراهيمية التي أدّت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعددٍ من الدول العربية، إلى تشكيل كتلة تضم حلفاءها الإقليميين بهدف الوقوف في وجه المصالح الإيرانية والصينية، والروسية بدرجة أقل، في منطقة الشرق الأوسط الأوسع حيث لا تزال واشنطن تتمتع بنفوذ كبير بفضل وجودها العسكري وتفوّق السلاح الأميركي. وعلى الرغم من الفتور الذي لا يزال يخيّم على العلاقات بين إدارة بايدن وكلٍّ من السعودية والإمارات، فإن السماح ببيع أسلحة أميركية متطوّرة لهذَين البلدَين، مثل طائرات من طراز إف-35، من شأنه أن يظهر التزام واشنطن تجاه حلفائها الإقليميين.

مع ذلك، حدث بالفعل تبدُّل ما في المواقف الإقليمية. فكما أظهرت المصالحة بين السعودية وإيران، ترى دول المنطقة مزايا تُجنى من عدم الاعتماد على قوة عظمى واحدة، والاستفادة من التنافس بين مختلف القوى العظمى. وسيستمرّ هذا الوضع فيما تحاول دول الشرق الأوسط التوصّل إلى توازن جديد بين بعضها البعض بعد عقود من الصراعات والهيمنة الأميركية. وستكون الصين على الأرجح في قلب عملية إعادة الاصطفاف هذه التي تشهدها المنطقة.

خاتمة

قد يؤدّي خفض وتائر التوتر الإقليمي نتيجةً للاتفاق الذي أُبرم بوساطة الصين بين السعودية وإيران إلى منح بيجينغ دورًا متميّزًا في مستقبل المنظومة الأمنية الإقليمية. مع ذلك، تدرك الصين أنها لا تستطيع في الوقت الراهن منافسة الهيمنة العسكرية الأميركية. مع ذلك، أظهرت المساعي التي بذلتها الصين في تسهيل ولادة الاتفاق بين السعودية وإيران أن بيجينغ تعوّل على النفوذ الاقتصادي الذي تتمتع به في المنطقة لتعزيز دورها في التأثير على الديناميكيات الأمنية الإقليمية، ومدّ جسور دبلوماسية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية من أجل حماية مصالحها التجارية.

لا يعكس الاتفاق السعودي الإيراني سوى جزءٍ واحد من طموحات بيجينغ الأوسع في الشرق الأوسط. ومن شأن نجاح الاتفاق أن يولّد سلسلةً من النتائج الطويلة الأمد التي لن تقتصر على المنطقة فحسب بل ستطال أيضًا مستقبل التنافس بين قوتَين عظيمتَين هما الصين والولايات المتحدة. ومن أجل الوقوف في وجه المصالح الصينية، ستستمر واشنطن في دعم الاتفاقات الابراهيمية، مركِّزةً على أولوية تحقيق تطبيعٍ للعلاقات بين السعودية وإسرائيل. وسيسمح ذلك بتشكيل كتلة متراصّة من الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة، ما قد يفضي إلى حدوث تعاون أمني أكبر في مواجهة إيران من جهة، واحتواء النفوذ الصيني المتنامي من جهة أخرى.


عبد الله باعبود باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط وأستاذ كرسي دولة قطر لدراسات المنطقة الإسلامية وأستاذ زائر في كلية البحوث الدولية في جامعة واسيدا طوكيو.

المصدر: مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط




الاقتصاد البريطاني سيسجل ثاني أسوأ نمو في مجموعة السبع هذا العام

كشف تحليل جديد أن الاقتصاد البريطاني سيعاني ثاني أسوأ نمو في مجموعة الاقتصادات المتقدمة السبعة (مجموعة السبع) هذا العام في وقت سيرتفع معدل البطالة.

ألمانيا فقط التي شهد اقتصادها ركوداً خلال بداية العام من المقرر له أن يستمر طوال عام 2023، سيكون أداؤها أسوأ من المملكة المتحدة، على رغم تحسن توقعات النمو.

ورجح تحليل أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن اقتصاد المملكة المتحدة بالكاد سيحقق نمواً هذا العام، مع توقعات بأن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3 في المئة قبل أن يتحسن في شكل معتدل إلى واحد في المئة عام 2024، على رغم توقع ارتفاع نسبة البطالة لتصل إلى 4.5 في المئة العام المقبل.

والتوقعات الحالية أفضل من الأرقام السابقة للمنظمة التي صدرت في مارس (آذار) الفائت التي كانت توقعت حصول انكماش في الاقتصاد البريطاني بنسبة (0.2-) في المئة هذا العام ليعاود بعدها ويرتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.9 في المئة العام المقبل.

ومن المرتقب أن تنمو الاقتصادات الأخرى في “مجموعة السبع” كلها باستثناء ألمانيا، أي الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وإيطاليا واليابان، بمعدلات أسرع هذا العام في مؤشر على فشل بريطانيا في اللحاق بركب نظيراتها على الساحة الدولية.

وفي هذا السياق يعتبر معدل نمو الاقتصاد البريطاني أبطأ بكثير مقارنة باقتصادات مجموعة الـ 20 التي من المتوقع أن تشهد نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.8 في المئة هذا العام و2.9 في المئة العام المقبل.

ومن المرتقب أن تكون الولايات المتحدة الأفضل أداء في مجموعة الدول السبع، إذ من المتوقع أن ينمو اقتصادها بنسبة 1.6 في المئة هذا العام قبل أن يتراجع إلى واحد في المئة عام 2024.

22.jpg

 تحليل صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يتوقع أن يحقق اقتصاد المملكة المتحدة بالكاد نمواً هذا العام (أ ب)

وقالت كبيرة الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كلير لومبارديلي، “يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً لكنه يواجه طريقاً طويلة لتحقيق نمو قوي ومستدام”.

وبحسب المنظمة فإن الاقتصاد البريطاني سيدعمه استثمار وإنفاق حكوميان، بما في ذلك إجراءات دعم فواتير الطاقة، ومع انخفاض أسعار الطاقة سيتراجع التضخم وستتحسن الظروف الاقتصادية العالمية.

وأضافت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها، “مع ذلك سيؤثر ضعف نمو مداخيل الأسر في الاستهلاك على رغم انخفاض التضخم، وسيبطئ تشديد السياسات النقدية [رفع معدلات الفوائد] كلاً من قطاع الإسكان والاستثمار التجاري البطيء بالفعل، وسيواصل عدم اليقين تقليل مساهمة التجارة في النمو”.

ومن المتوقع أن يكون التضخم الأساس الذي لا يحتسب أسعار الأغذية والطاقة أكثر ثباتاً، إذ سيتراجع فقط إلى 3.2 في المئة عام 2024، وفق التوقعات.

كذلك أكدت المنظمة التي تتخذ من باريس مقراً على أن مهارات النساء لا تستغل في شكل كامل في سوق العمل لأنهن يعملن في شكل غير متناسب بدوام جزئي بسبب واجبات الرعاية.

وحضت على تنفيذ سريع للإجراء الحكومي الجديد في شأن رعاية الأطفال لتحسين مشاركة المرأة في القوة العاملة الوطنية، ويعرض الإجراء رعاية أطفال مجانية لمدة 30 ساعة في الأسبوع على الوالدين العاملين ذوي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين تسعة أشهر و24 شهراً.

ومن غير المقرر أن تدخل هذه السياسة حيز التنفيذ حتى عام 2024، وقد لا تدخل حيز التنفيذ الكامل حتى سبتمبر (أيلول) 2025.

وشددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أيضاً على وجوب سحب دعم الطاقة تدريجياً باستثناء التدابير التي تدعم الأسر الضعيفة.

الكاتبة تارا كوبهام

المصدر: صحيفة اندبندنت عربية نقلاً عن الاندبندنت البريطانية




امرأة تحكم “المركزي التركي” فهل يصحح أردوغان المسار؟

فيما يبدو بداية لتصحيح المسار الاقتصادي المتراجع عين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم الجمعة المسؤولة المالية السابقة في “وول ستريت” حفيظة غاية إركان حاكمة للمصرف المركزي التركي، في مؤشر إلى تحول محتمل في سياساته غير التقليدية الرامية لمكافحة التضخم.

وكان الرئيس التركي وعد مناصريه في برنامجه الانتخابي بتشكيل فريق اقتصادي قوي ومستقل يحظى بمكانة دولية مرموقة، لاتخاذ إجراءات جدية لمعالجة الوضع وتقديم خطة مستقبلية لبناء اقتصاد تركيا لما بعد المئوية الأولى لقيام الجمهورية الحديثة.

وبمجرد أن بدأ الرئيس التركي فترة الولاية الرئاسية الثالثة أعلن حكومته الجديدة السبت الماضي، إذ عين محمد شيمشك المتخصص الاقتصادي السابق لدى “ميريل لينش” وزيراً للمالية، وكان اختيار الأخير بمثابة مفاجأة، إذ إنه كان في السابق وزيراً للمالية ونائباً لرئيس الوزراء في حكومات سابقة بزعامة حزب العدالة والتنمية الحاكم، وكان أكثر المعارضين لسياسات أردوغان غير التقليدية المتمثلة بخفض معدلات الفائدة لمواجهة التضخم.

وبعد تولي حفيظة غاية إركان منصبها الجديد تكون أول امرأة تتولى منصب حاكم المصرف المركزي التركي، بعد أن عملت كرئيسة تنفيذية سابقة لشركة “غريستون” للتمويل العقاري ورئيسة تنفيذية لمصرف الجمهورية الأول “فيرست ريبابليك بنك”، كما عملت مديرة عامة لـ”غولدمان ساكس”.
وتتولى إركان التي نشر خبر تعيينها في الجريدة الرسمية التركية اليوم الجمعة المنصب خلفاً لشهاب قاوغي أوغلو الذي خفض معدلات الفائدة على رغم قيام المصارف المركزية حول العالم بعكس ذلك لمواجهة التضخم، إذ خفض معدل الفائدة إلى 8.5 في المئة في حين كان المعدل 19 في المئة عام 2021.

خسائر الليرة

أما على صعيد خسائر الليرة منذ بدء الولاية السابقة للرئيس التركي ففقدت العملة التركية أكثر من 80.5 في المئة من قيمتها في مقابل نظيرتها الأميركية، إذ قفز سعر صرف الدولار من مستوى 4.48 ليرة في يونيو 2018، إلى نحو 23 ليرة في الوقت الحالي، لتصل مكاسب الورقة الأميركية الخضراء إلى أكثر من 413.4 في المئة خلال السنوات الخمس الأخيرة، بمتوسط مكاسب سنوية تقترب من 70 في المئة.

وقبل أيام ارتفعت نسبة متداولي المشتقات المالية الذين يتوقعون تراجع سعر صرف الليرة التركية إلى 29 ليرة لكل دولار من المستويات الحالية عند 20 ليرة، إلى 53 في المئة في مقابل 36 في المئة كانوا يتوقعون صعودها إلى هذا المستوى بعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في تركيا.

وحول تعيين إركان قالت المحللة البارزة لدى “سويسكوت بنك” إبيك أوزكاردسكايا في مذكرة إن “البنك المركزي استبدل المصرفي الذي كان مجرد دمية”، مشيرة إلى أن “الحاكمة الجديدة ستعيد المصرف على الأرجح إلى سياسة نقدية أكثر تقليدية تستدعي رفع المعدلات، متوقعة تراجع التدخلات في سوق الصرف الأجنبي التي ستؤدي أولاً إلى تراجع إضافي في قيمة الليرة للحاق بالركب بعد غيبوبة باهظة الكلفة استمرت عاماً ونصف عام”.

ولدت إركان في تركيا وتخرجت من جامعة بوغازجي المرموقة في إسطنبول، ونالت منحة لدراسة الدكتوراه في برينستون الأميركية، وانضمت عام 2005 إلى غولدمان ساكس كمعاونة لتعين مديرة عامة في 2011.

عملت لاحقاً في مصرف الجمهورية الأول عام 2014، إذ تولت مناصب نائبة رئيس أولى وكبيرة مسؤولي الاستثمار ورئيسة مشاركة للمخاطر.

وقبل اجتماع البنك المركزي التركي في الـ22 من يونيو (حزيران) الجاري لبحث موقف أسعار الفائدة سجل معدل التضخم في تركيا إلى أقل من 40 في المئة في مايو (أيار) للمرة الأولى منذ 16 شهراً، ويعتقد اقتصاديون مستقلون بأنه أعلى من ذلك بكثير.

المستثمرون يترقبون

ويعول المستثمرون كثيراً بعد اختيار فريق اقتصادي كان آخرهم أركان لإعادة تصحيح المسار الاقتصادي، إذ يشير محللون إلى أن المستثمرين غير مهتمين بدرجة الموهبة لدى الفريق الاقتصادي الجديد بقدر اهتمامهم بقدرتهم على مقاومة الضغط من أردوغان الذي سبق ووصف معدلات الفائدة المرتفعة بأنها “أساس الشر كله”.

وفي أول تصريح له بعد إعلانه وزيراً للمالية، قال محمد شيمشك

إن “بلاده لا خيار لديها إلا العودة لأساس منطقي في السياسات الاقتصادية لضمان القدرة على التنبؤ بتبعاتها”.

وقال على “تويتر”، “لا يوجد طريق مختصر أو حلول سريعة، اطمئنوا بأن خبرتنا ومعرفتنا وتفانينا سيساعدوننا في تجاوز أي عوائق محتملة”، مضيفاً “تتمثل أولويتنا بتعزيز فريقنا وتصميم برنامج يمكن الوثوق به”.

وفسر المحللون هذا التصريح المقتضب على أنه بمثابة انقلاب على السياسات التي انتهجها البنك المركزي التركي خلال السنوات الماضية، التي تسببت في وصول التضخم إلى معدلات قياسية غير مسبوقة، خصوصاً أن شيمشك معروف عنه تأييده للنظريات الاقتصادية التقليدية، وهو أمر يتعارض مع وجهة نظر أردوغان التي تميل إلى أن أسعار الفائدة المرتفعة تسبب التضخم المتزايد بدلاً من علاجه.

وقال متخصص الاقتصاد المتخصص بالأسواق الناشئة تيموثي آش على “تويتر” إنه “سيحكم على شيمشك وإركان بناء على التحركات المرتبطة بالسياسة النقدية والتضخم والليرة”.
 التحديات

وتشمل التحديات الرئيسة التي يواجهها إركان هذا العام إصلاح جو العمل في المصرف المركزي، بحسب كبير المتخصصين الاستراتيجيين بالأسواق الناشئة إريك مييرسون، إذ قال على “تويتر” إنه “جرى تطهير وإعادة تعيين وخفض رتب وإقصاء عديد من أفضل خبراء الاقتصاد وهناك مواهب كامنة يجب أن تسعى إلى جذبها، لكن هل سيرغبون بالعودة؟”.

خفض التصنيف الائتماني لتركيا

وتسببت سياسات خفض أسعار الفائدة التي انتهجها الرئيس التركي وفرضها على البنك المركزي في عديد من الأزمات، وتصدر التضخم المرتفع قائمة الأزمات العنيفة التي واجهت الأتراك، وأرهقت الخسائر العنيفة التي طاردت الليرة الأسر التركية بعد أن سجل التضخم مستوى يتجاوز 85 في المئة خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

الأزمات الاقتصادية التي تحاصر الاقتصاد التركي، خصوصاً ما يتعلق منها بانهيار الليرة وارتفاع معدل التضخم مع استمرار تهاوي احتياطات البلاد من النقد الأجنبي في إطار محاولات احتواء خسائر الليرة في مقابل الدولار الأميركي، دفعت مؤسسة “أس أند بي غلوبال ريتينغز” للتصنيف الائتماني، إلى خفض نظرتها المستقبلية للتصنيف الائتماني السيادي لتركيا إلى سلبية بدلاً من مستقرة، مشيرة إلى سلسلة التحديات التي تواجه إسطنبول بما في ذلك كلفة التعافي من الزلازل والتضخم الذي خرج عن السيطرة.

ولفتت الوكالة إلى أن عمليات إعادة الإعمار في أعقاب سلسلة من الزلازل التي ضربت البلاد خلال فبراير (شباط) الماضي، تحتاج إلى تمويل داخلي وخارجي يصل إلى 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وخلال فبراير الماضي خفض البنك المركزي التركي سعر الفائدة الأساسي إلى 8.5 في المئة على رغم أن التضخم السنوي كان يدور حول مستوى 55 في المئة، مقارنة بهدف البنك الرسمي البالغ نحو خمسة في المئة.

وفي أغسطس (آب) الماضي خفضت وكالة “موديز” تصنيف تركيا إلى B3 مشيرة إلى أن “مخاطر ميزان المدفوعات”، بينما خفضت وكالة “فيتش” تصنيف الديون السيادية لتركيا إلى B في يوليو (تموز) الماضي بسبب مخاوف ارتفاع التضخم.

الكاتب محمود الجمل

المصدر: صحيفة اندبندنت عربية




مناورة “اللكمة الساحقة”… الهدوء أقرب من الحرب

مناورة “اللكمة القاضية أو الضربة الساحقة” في القيادة الشمالية الإسرائيلية، ستكون عبارة عن تدريب واسع النطاق، من رأس القيادة في “الجيش” وحتى آخر مقاتل في الميدان، ورغم كل ما تبع المناورة من تهديدات إسرائيلية تجاه حزب الله ومحور المقاومة، وقدرة “إسرائيل” على خوض معركة متعددة الجبهات في آن واحد، فإن الظروف الموضوعية للحالة القتالية الإسرائيلية منذ عام 2006 تؤكد أن “إسرائيل” غير قادرة على خوض حرب واسعة، بل إنهم أطلقوا لقب سيناريو “يوم القيامة” على احتمالية الحرب متعددة الجبهات، والتي سعت وتسعى “إسرائيل” لتفاديها.

وهنا، يمكن الإشارة إلى ما صرح به قائد المنطقة الشمالية، في “الجيش” الإسرائيلي اللواء أوري جوردين بأن مناورة “اللكمة الساحقة” تهدف إلى “شيئين أساسيين بالنسبة لنا: الدفاع والنصر في الحرب.”. بمعنى آخر، جعل جوردين قدرة “إسرائيل” على الدفاع وامتصاص الضربات التي بالتأكيد ستتلقاها الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بإمكانية تحقيق النصر. تكمن أهم معضلات “إسرائيل” في تفعيل قدراتها العسكرية، إذ لا يكفي أن تمتلك القوة العسكرية الأكثر شراسة وتطوراً في الشرق الأوسط، بل يجب أن تملك القدرة على تفعيل هذه القوة العسكرية، وهنا توجد الخاصرة الرخوة في الأمن الإسرائيلي القومي، الجبهة الداخلية، التي باتت أكثر حساسية تجاه الخسائر المادية والبشرية والنفسية.

ومن الواضح أن كل الجهود التي بذلتها “إسرائيل” منذ حرب تموز/يوليو 2006، حتى الآن في تمتين الجبهة الداخلية باءت بالفشل، بل في ظل الأزمات الداخلية السياسية والاجتماعية العميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، باتت القضية أكثر تعقيداً بشكل كبير جداً.

ورغم محاولات “الجيش” الإسرائيلي تطوير منظومة دفاعاته الجوية ضد الصواريخ، وامتلاكه منظومة متعددة المستويات ضد أنواع الصواريخ كافة، بدءاً من “القبة الحديدية” للصواريخ قصيرة المدى، ومنظومة “العصا السحرية” أو “مقلاع داوود” للصواريخ المتوسطة المدى، ومنظومات “السهم” لمواجهة الصواريخ البالستية، فإن تجارب الحروب والتصعيدات العسكرية الإسرائيلية مع المقاومة في غزة، تؤكد أن منظومة “القبة الحديدية” وحتى منظومة “مقلاع داوود” التي استخدمت ضد صواريخ “سرايا القدس” الجناح العسكري لحركة “الجهاد” في معركة “ثأر الأحرار” لا يمكنها توفير حماية كاملة للجبهة الداخلية.

فحسب المعلومات الإعلامية الإسرائيلية المبالغ فيها تجاه نسب الإسقاط التي سجلتها “القبة الحديدية” فإنها لم تتعد الـ 90%، بمعنى هناك 10% من الصواريخ ستصل إلى أهدافها. في حالة استخدام حزب الله ومحور المقاومة تكتيك الإغراق الصاروخي تجاه الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فستزيد نسبة وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي وتقل نسب نجاح تلك المنظومات الدفاعية، وحسب تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان”، فإن لدى حزب الله مخزوناً صاروخياً يقدر بـ 150 ألفاً، وقدرة إطلاق تصل إلى 3000 صاروخ في اليوم الواحد، وفي عملية حسابية بسيطة، نجد أن 300 صاروخ، على أقل تقدير، من حزب الله ستصل إلى هدفها، فهل يمكن للجبهة الداخلية التي تعاني من أزمة نقصان التحصين والملاجئ أن تتحمل هذا الحجم من الصواريخ، ومن جبهة واحدة فقط؟ بالتأكيد لا.

أضف إلى ما سبق، أن “إسرائيل” تدرك التحوّلات العسكرية لدى حزب الله من العقيدة الدفاعية الاستنزافية للعدو إلى العقيدة الهجومية الساعية للنصر، وليس فقط للصمود كما كان في السابق. منذ معركة تحرير حلب، أدركت “إسرائيل” خطورة كتيبة “الرضوان” وقدرتها على قتال المدن في الليل والنهار مع التنسيق الواسع مع المدفعية والطيران.
والأخطر على “إسرائيل” كان الثقة الكبيرة التي نالها حزب الله بعد نجاحه في منع انزلاق الفوضى والتكفيريين إلى داخل لبنان من جهة، ونجاح الحزب في حماية الدولة السورية من جهة أخرى. ولذلك، فإن عودة كتيبة “الرضوان” وانتشارها في مواقع متقدمة على جبهة الجنوب اللبنانية، والحديث عن خطة تحرير الجليل، واكتشاف بعض الأنفاق الهجومية للحزب، باتت هناك قناعة إسرائيلية أن حزب الله لديه توجه هجومي استراتيجي وليس مجرد تهديدات كلامية، وخاصة بعد عملية “مجدو” المحاطة بسرية إسرائيلية كبيرة حتى الآن.

لذلك، فإن مناورة “اللكمة الساحقة” العسكرية في هذه الظروف عبارة عن محاولة إسرائيلية لإرسال رسائل لتثبيت قواعد اشتباك مع حزب الله خاصة، ومع محور المقاومة عامة، بأنها لن تسمح بفرض معادلات هجومية جديدة على “إسرائيل”، وليس التحضير لضربة عسكرية كما تهدد الأوساط السياسية الإسرائيلية، خاصة في ضوء قناعة حزب الله أن الظروف مواتية لتحسين قواعد الاشتباك لصالحه، وهذا ما تستشعره “إسرائيل”، خاصة بعد إطلاق الصواريخ في رمضان الماضي من جنوب لبنان، وبالتالي تحاول “إسرائيل” أن ترسل رسائل ردعية لكي لا يواصل الحزب تثبيت قواعد هجومية جديدة أكثر راحة له.

القراءة الشاملة لمناورة “اللكمة الساحقة” تتطلب عدم إهمال الرسائل الداخلية من قبل “الجيش” الإسرائيلي الذي، ولأول مرة، يحصل على موازنة مالية بهذا الحجم، مع رئيس أركان غير كارزماتي، ولكنه عملياتي جداً، يسعى لتنفيذ خطة متعددة السنوات على غرار سابقه، ناهيك بالإشكالات التي ارتبط بها “الجيش” بخصوص التظاهرات الاحتجاجية، ناهيك بمحاولة المستوى السياسي بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يعاني أزمة حقيقية مع الإدارة الأميركية والتي لم تستضفه حتى الآن في البيت الأبيض بعد عودته إلى رئاسة الوزراء، وعدم وجود تنسيق سياسي بينه وبين الرئيس جو بايدن بخصوص كيفية مواجهة الملف النووي الإيراني، وهنا تبرز أهمية المناورة لفتح قنوات الحوار مجدداً وتعزيزها مع الأميركيين.

من الضروري للولايات المتحدة كدولة عظمى في العالم، معرفة النيات الإسرائيلية الحقيقية، وخاصة أن السلوك الإسرائيلي السياسي والعسكري يوتر أجواء الشرق الأوسط، الأمر الذي لا يصب في مصلحة الاستراتيجية الأميركية العليا.

في حقيقة الأمر، لا تسمح الظروف الدولية والإقليمية لـ”إسرائيل” بفتح حرب شاملة متعددة الجبهات، إذ تدرك أن مهاجمتها لحزب الله في لبنان، البوابة الأكبر لاندلاع تلك الحرب، لذلك عوامل الكبح أكبر بكثير من عوامل الانفجار، ولكن يبقى الخوف من سوء التقديرات الإسرائيلية الناتجة من خلل في قراءة النيات في الميدان، الأمر الذي حذر منه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.

الكاتب حسن لافي

موقع فلسطين اليوم




البنك الدولي: توقعات متشائمة لمعدلات نمو الاقتصاد دولياً

إذا لم تثبت صحة فرضية البنك الدولي، واستمر التضخم في التصاعد أكثر من المتوقع، فإن ذلك سوف يدفع المصارف المركزية نحو مزيدٍ من التشدد نقدياً، الأمر الذي سيسفر عن معدلات نمو اقتصادي أقل من التي توقعها البنك.


صدر هذا الأسبوع تقرير البنك الدولي “آفاق الاقتصاد العالمي” Global Economic Prospects، حاملاً توقعات بمزيدٍ من الركود التضخمي دولياً في العام الجاري والذي يليه، مع احتمال ازدياد الحال تدهوراً إذا تفاقمت أزمات المصارف في الدول المتقدمة، ومع احتمال تفاقم ذلك التدهور بصورةٍ أكبر إذا انتشرت أزمات المصارف عالمياً.

بنى تقرير البنك الدولي توقعاته المتشائمة إذاً على فرضية مفادها أن أزمات المصارف في الدول المتقدمة لن تتفاقم، كما بناها على فرضية أخرى أيضاً هي أن تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي عالمياً، والسياسات النقدية الانكماشية التي تتبعها المصارف المركزية في الدول المتقدمة، سوف تهدّئ روع التضخم. فإذا لم تثبت صحة تلك الفرضية أيضاً، واستمر التضخم في التصاعد أكثر من المتوقع، فإن ذلك سوف يدفع المصارف المركزية نحو مزيدٍ من التشدد نقدياً، الأمر الذي سيسفر عن معدلات نمو اقتصادي أقل من التي توقعها البنك الدولي، كما قال في تقريره.

الفيصل هنا هو معدل التضخم الأميركي الذي يحدد بوصلة الاحتياطي الفيدرالي بخصوص معدلات الفائدة. فإذا لم ينخفض التضخم أميركياً، فإن معدلات الفائدة الأميركية مرشحة لمزيد من التصاعد من أجل كبح جماحه. وكان معدل ارتفاع الأسعار أميركياً حلّق إلى 9.1% في حزيران/يونيو 2022، ليتدرج هبوطاً في الأشهر التالية، كما يدل المؤشر العام، حتى انخفض إلى 4.9% في نيسان/أبريل الفائت، على أساس سنوي.

كان يُفترض أن يكون هذا خبراً جيداً، بما أن معدل الفائدة الأميركي ذو أثرٍ مزلزلٍ في الاقتصاد العالمي (انظر “معدلات الفائدة الأميركية كرافعة للهيمنة العالمية“)، إلّا أن معدل التضخم الأميركي ما برح حالياً أعلى كثيراً من معدله طويل المدى، والبالغ 2.47% آخر 20 عاماً، وأعلى من الـ 2% التي حددها الاحتياطي الفيدرالي سقفاً لمعدل ارتفاع الأسعار، وهذا يعني أن مزيداً من رفع معدلات الفائدة الأميركية ربما يتلطى في الأفق.

ليس كل شيء على ما يرام هنا إذاً، لأن معدل التضخم الأميركي لمّا ينخفضْ بعدُ إلى المستوى المتوخى أميركياً، ولأن ارتفاع معدل الفائدة الأميركي: 

أ – يرفع تكلفة الاقتراض دولياً للاقتصادات الصاعدة والنامية. 

ب – يدفع رؤوس الأموال إلى الهجرة من عملات الدول النامية والصاعدة، الأمر الذي يقلل توافرها للاستثمار محلياً ويضعف النمو الاقتصادي وعائدات الدول، ويضرب العملة المحلية بموجب قانون العرض والطلب.

ج – يجعل خدمة الديون السابقة المسحوبة بالعملة الصعبة أكثر صعوبةً، لأن دفع القسط أو الفوائد ذاتها على دين بالدولار الأميركي يصبح في حاجة الآن إلى عملة محلية أكثر، بالضبط حين تبدأ إيرادات الدول النامية والصاعدة تتقلّص.

د – يجبر الاقتصادات النامية والصاعدة على الرقص على إيقاع نغم الاحتياطي الفيدرالي، الذي يحدد نبضه الوضع الداخلي الأميركي، لا العالمي. فإن رفعت الدول النامية الفائدة دفاعاً عن عملاتها الوطنية، وخوفاً من زيادة عبء خدمة دينها الخارجي، فإن ذلك يعني إدخال اقتصاداتها في أتون الركود، بينما تحاول الخروج من عواقب أزمة كوفيد 19، اقتصادياً واجتماعياً.

تتفاقم أزمة الديون العالمية نتيجة ذلك كله إذاً، وخصوصاً في الدول منخفضة الدخل، ولا يعود من المفاجئ أن تزداد حالات التعثر عن تسدد الديون دولياً كلما رفع الاحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة الأميركي، منذ سبعينيات القرن الـ 20 وثمانينياته. 

وها هي تلك الأزمة تتجدد اليوم. ولا مخرج من حلقة الديون المفرغة هذه إلا عبر فكّ الارتباط بالدولار الأميركي وبعملات الدول الإمبريالية. لكنّ ذلك لا يتحقق عبر القفز الحر في الفراغ، بل يتطلب قراءة دقيقة لخريطة الاقتصاد الدولي وقوانينه، كما حاولتُ أن أظهرَ في أكثر من مادة في “الميادين نت”.

قراءة في إحصاءات تقرير البنك الدولي الأخير

بالعودة إلى تقرير البنك الدولي وتوقعاته الاقتصادية لبقية عام 2023 وعام 2024، يشار إلى أنه:

أ – قُدّر معدل نمو الاقتصاد الدولي بـ 2.1% لعام 2023، وبـ 2.4% لعام 2024، وبـ 3% لعام 2025، مقارنةً بمعدل نمو بلغ 3.1% عام 2022، و6% عام 2021. تعني هذه الأرقام أن معدل النمو الاقتصادي يتباطأ، وأن الاقتصاد الدولي يدلي قدميه في مستنقع الركود، وإن لم يغرق فيه تماماً بعد.

ب – رفَعَ معدل النمو المتوقع لعام 2023 من 1.7% في تقرير البنك الدولي السابق، المنشور في كانون الثاني/يناير الفائت، إلى 2.1%، أي بزيادة 0.4%. يعود ذلك إلى أن أداء اقتصادَي الولايات المتحدة ومنطقة اليورو سيكون أقل سوءاً بقليلٍ مما كان متوقعاً، أي 1.1% للاقتصاد الأميركي بدلاً من 0.5%، و0.4% لمنطقة اليورو بدلاً من صفر مكعب من النمو لعام 2023. أما الاقتصاد الياباني فكان يتوقع أن ينمو بمعدل 1% كاملة، جرى تخفيضها في التقرير الجديد إلى 0.8%. 

ج – توقَّع أن ينمو اقتصادا الصين وروسيا بمعدلٍ أعلى، واقتصاد البرازيل أعلى قليلاً، واقتصاد الهند أقل قليلاً، مما كان يتوقعه البنك الدولي بداية العام الجاري. والحصيلة هي رفع معدل النمو العالمي المقدر لعام 2023 من 1.7% إلى 2.1%. والرافعة الكبرى للنمو العالمي هنا طبعاً هي الصين التي يتوقع أن ينمو اقتصادها عام 2023 بمعدل 5.6%، بدلاً من 4.3%، بعد رفعها قيود كوفيد 19، وخصوصاً أن معدل النمو العالمي هو وسطٌ مرجحٌ بحجم اقتصادات الدول إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

د – اعترفَ بأن الاقتصاد الروسي سينكمش بمقدار 0.2% فقط، لا بمقدار 3.3%، كما قال التقرير السابق للبنك الدولي. وهذا مهم، لأنه اعترافٌ من مؤسسة غربية مرموقة، لا يمكن رميها بالتعاطف مع روسيا، بأن الاقتصاد الروسي يتأقلم بنجاح مع منظومة العقوبات الغربية.

هـ – خفّضَ معدل النمو المتوقع للاقتصاد الدولي لعام 2024 من 2.7% إلى 2.4%، بفعل السياسات النقدية الانكماشية التي يجري اتباعها في الاقتصادات المتقدمة، وهي سياسات يمكن أن تزداد تشدداً إذا لم ينخفض معدل التضخم الأميركي إلى المستوى المحدد من طرف الاحتياطي الفيدرالي، كما سلف.

و – عزّزَ ما ذهبنا إليه في مادة (لوحة اقتصادات الدول: حصاد 2022)، من أن ميزان القوى الاقتصادي يميل بالتدريج مع البريكس والاقتصادات الصاعدة، التي تزداد أحجامها بالتدريج كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبالنسبة إلى الاقتصادات المتقدمة. 

يشار هنا الى أن متوسط معدل النمو المتوقع في تقرير البنك الدولي للاقتصادات المتقدمة عام 2023 يبلغ 0.7%، صعوداً من 0.2% كانت متوقعة بداية العام الجاري، في حين أن معدل نمو الاقتصادات الصاعدة والنامية ككل هو 4%. يتعزز ذلك الاتجاه عام 2024، بحسب تقرير البنك الدولي ذاته، والذي يقدر معدل نمو الاقتصادات المتقدمة عند 1.2%، في مقابل معدل نمو يبلغ 3.9% للاقتصادات الصاعدة والنامية ذلك العام، أو لأهمها بالأحرى.

يعني ذلك، بأبسط تعابير ممكنة، أن اقتصادات الجنوب والشرق ستكبر بمعدل أكبر من معدل نمو الاقتصادات المتقدمة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة على الأقل، بحسب تقرير البنك الدولي. يعني هذا بدوره أن نسبة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي عالمياً سوف تنسب إلى الجنوب والشرق، بكل ما يحمله ذلك من أبعاد اقتصادية وسياسية، وحتى عسكرية.

يُتوقع في هذا السياق أن تكون منطقة شرقي آسيا وجنوبيّها قاطرة الاقتصاد العالمي عام 2023. وتبرز في الصدارة هنا معدلات نمو دولٍ مثل الهند (6.3%)، والصين (5.6%)، وبنغلادش (5.2%)، وإندونيسيا (4.9%)، ومصر، غير الآسيوية جغرافياً، (4%)، وتايلند (3.9%)، كدولٍ ستحقق معدلات نمو مرتفعة نسبياً في المستقبل القريب. بناءً عليه، يتوقع أن تصبح ملامح الاقتصاد الدولي أكثر فأكثر آسيويةً.

تقارير غربية أخرى تعزز الاستنتاجات ذاتها

يشار إلى أن تقريراً آخر صدر عن صندوق النقد الدولي في نيسان/أبريل الفائت، بعنوان World Economic Outlook Projections، يعزز الاستنتاجات العامة ذاتها التي ذهبنا إليها أعلاه، وإن تباينت بعض إحصاءاته قليلاً. 

يضع صندوق النقد الدولي توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد الدولي مثلاً عند 2.8% لعام 2023، وعند 3% لعام 2024، في حين يضعها البنك الدولي عند 2.1% و2.4% بالتوالي، كما رأينا أعلاه. أما تقديرات صندوق النقد الدولي لمتوسط معدل النمو في الاقتصادات المتقدمة عامي 2023 و2024 فهي 1.3% و1.4% على التوالي، في حين يضعها البنك الدولي عند 0.7% و1.2% كما رأينا أعلاه.

لكنّ تقديرات صندوق النقد الدولي لمعدل نمو الاقتصادات الصاعدة والنامية يظل أعلى كثيراً أيضاً من تقديراته لمعدل نمو الاقتصادات المتقدمة، عند 3.9% و4.2% على التوالي، في حين يضعها البنك الدولي عند 4% و3.9%. 

ويضع صندوق النقد الدولي معدل نمو الصين في عام 2023 عند 5.2%، في حين يضعه البنك الدولي عند 5.6%. 

ويضع صندوق النقد الدولي معدل نمو الهند عام 2023 عند 5.9%، في حين يضعه البنك الدولي عند 6.3%.

من الواضح إذاً أن تقديرات صندوق النقد الدولي أعلى قليلاً بالنسبة إلى الاقتصادات المتقدمة، وأقل قليلاً بالنسبة إلى الاقتصادات الصاعدة، لكنها تكرس الاتجاه ذاته، وهو: ركودٌ نسبيّ في الاقتصادات المتقدمة في العام الجاري والذي يليه، مع معدل نمو أعلى للاقتصادات الصاعدة مقارنة بالمتقدمة.

للأمانة، يُذكر أن تقدير صندوق النقد الدولي لمعدل نمو الاقتصاد الروسي عام 2023 بلغ 0.7%، وهي نسبة أعلى مما قدره البنك الدولي في هذه الحالة، وهو – 0.2 (سالب)، وهو اعتراف أقوى بأن روسيا تتأقلم مع الحرب الاقتصادية التي يشنها الغرب عليها بصورةٍ جيدة.  ويمكن أن نعزو تباين الإحصاءات بين الصندوق والبنك الدوليين إلى اتباع منهجيتين متباينتين، إذا أردنا تفسير الفوارق من بوابة علم الإحصاء التحليلي، كما يمكن أن نعزوها إلى تحيز سياسي مسبق كان لا بد من توريته برفع معدلات نمو روسيا، ولا بد من أن تكون الحقيقة في مكانٍ ما بين التفسيرين. 

لا يخرج تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، التي تمثل الدول الغربية وتلك الدائرة في فلكها، عن الاستنتاجات العامة الواردة أعلاه، على رغم اختلاف بعض إحصاءاته أيضاً.

صدر تقرير منظمة الـ OECD في 7/6/2023 تحت عنوان OECD Global Outlook. يتوقع ذلك التقرير نمواً عالمياً بمعدل 2.7% في عام 2023، و2.9% في عام 2024، أي عند مستوى أقل مما قدره صندوق النقد الدولي وأعلى مما قدره البنك الدولي. 

وهو يضع معدل نمو دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في هذين العامين عند 1.4% ثابتة، أي عند مستوى قريب مما قدره البنك الدولي، يظل أقل كثيراً من معدل النمو عالمياً، لكنه يضع معدل نمو الصين عند 5.4%، ومعدل نمو الهند عند 6%، أي أقل قليلاً مما قدره البنك الدولي معدلاً لنمو هاتين الدولتين عام 2023. أما معدل النمو الروسي، فيضعه تقرير الـ OECD عام 2023 عند – 1.5% (بالسالب)، أي أقل من تقريرَي البنك وصندوق النقد الدوليين كثيراً، الأمر الذي يثير الشك في صدقية تلك الأرقام بصراحة، وما إذا كانت منحازة سياسياً، لأن مع رفع معدلات نمو الاقتصادات المتقدمة، وتخفيضها معدلات تلك الصاعدة والنامية بـ”صورةٍ معقولةٍ”، لا تعود ثمة حاجة إلى ممارسة التورية.

يضاف أن فئة الـ OECD تضم 38 دولة، فيها الدول الغربية، ومنها أستراليا ونيوزيلندا في أوقيانيا، وفيها كوريا الجنوبية واليابان شرقي آسيا، كما فيها الكيان الصهيوني وتركيا غربي آسيا، وبلدانٌ أوروبية مثل سويسرا والنرويج وبريطانيا غير منضوية في الاتحاد الأوروبي، وعددٌ من دول أميركا اللاتينية، مثل المكسيك وتشيلي وكولومبيا وكوستاريكا. وهي نقطة نسوقها هنا لأنها تعزز فكرة أن الاقتصادات الأكثر ارتباطاً بالدولار في هذه المرحلة ستكون الأقل نمواً.

يُذكر أن التقارير الغربية، بصورة عامة، تعزو تباطؤ النمو الاقتصادي عالمياً إلى 3 عوامل تتلخص في الأثر الاقتصادي لـ:

أ – كوفيد 19.

ب – الأزمة الأوكرانية، وخصوصاً في أسواق حوامل الطاقة والمعادن والغذاء.

ج – سياسات التشدد نقدياً، من أجل مكافحة التضخم الناتج، بحسب تلك التقارير، من الأزمة الأوكرانية. 

أما كوفيد 19، فإن معدلات النمو المرتفعة نسبياً عام 2021 تُظهر أن أثره راح يخفت قبل عامين، ولو أن الأزمات في بعض سلاسل الإمداد استمرت بعده، وخصوصاً ذات المنشأ الصيني.  

لكنّ الصين رفعت قيود كوفيد 19 في الشهر الأخير من عام 2022. العبرة إذاً في الأزمة الأوكرانية. يشار هنا إلى أن كل التقارير الدولية أعلاه تلوم روسيا على الأزمة الاقتصادية، التي انتابت الاقتصاد الدولي عام 2022، متجاهلةً أن حرب الغرب الاقتصادية على روسيا، والتي أبرزت دور روسيا المفصلي في تزويد العالم بحوامل الطاقة والمنتوجات الزراعية والمعادن، أدّت دوراً رئيساً في اندلاع أزمة التضخم بالترافق مع زيادة الطلب دولياً على المواد الخام، مع خروج الاقتصاد الدولي من أزمة كوفيد 19.

لا بد من التفكير إذاً في أن رفع معدلات الفائدة، والسياسة النقدية المتشددة من لدن الاحتياطي الفيدرالي، كان لهما أثر جيوسياسيّ بارزٌ ومتفرعٌ من تخفيض أسعار المواد الأساسية مع تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي عالمياً، الأمر الذي تضررت منه روسيا بالذات، كونها من أهم مصدريها. فهل أدّى ذلك دوراً في اتخاذ قرارات رفع أسعار الفائدة الأميركية بصورةٍ متتالية؟

لا نحسم الشك باليقين في تلك المسألة، لكنها فرضية تحتاج إلى دراسة بالضرورة.

ماذا يقول تقرير البنك الدولي عن الاقتصادات العربية إذاً؟

لم تكن روسيا وحدها المتضررة من تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي عالمياً، وإنما تضررت معها إيران وفنزويلا والدول العربية بصورة عامة.

خفّض تقرير البنك الدولي توقعاته لمعدلات نمو الدول العربية كافةً بنسبٍ متفاوتة خلال عام 2023، مقارنةً بتقريره الصادر في بداية عام 2023. وكانت أغلبية الدول العربية شهدت معدلات نمو مرتفعة نسبياً عام 2022، ما عدا لبنان، الذي شهد تقلصاً في ناتجه الإجمالي، نسبته 2.6%، وليبيا، التي شهدت تقلصاً بمقدار 1.2%، وسوريا، التي تقلص ناتجها الإجمالي بنسبة 3.5% عام 2022.

يرى تقرير البنك الدولي أن معدلات النمو العربية لعام 2023 سوف تكون أقل من المتوقع سابقاً، لأن الدول النفطية والغازية تشهد انخفاضاً في أسعار صادراتها وفي الكمية التي تصدرها منها، إرادياً، في محاولة لرفع أسعارها، أو لاإرادياً، بحكم تباطؤ الاقتصاد العالمي والشتاء الدافئ بصورة غير معهودة، على النحو الذي مر على أوروبا.

أمّا الدول العربية غير النفطية، فحدّث ولا حرج طبعاً، من جراء مزيجٍ من ارتفاع معدلات التضخم، وأزمة توافر الدولار، والسياسات النقدية والمالية الانكماشية، التي اضطرت إلى تبنيها.

في جميع الأحوال، فإن الصورة هي كما يلي، بالنسبة إلى معدلات نمو الدول العربية عام 2023، في تقرير البنك الدولي: 

وربما يكون بعض تلك الإحصاءات مسيساً طبعاً، وذا منحى تحريضي، لكن يُشار إلى أن تقدير البنك الدولي لمعدل نمو إيران عام 2023 مثلاً بقي ثابتاً عند 2.2% في تقريرَي البنك الدولي السابق والحالي. وربما تكون تلك لعبة تورية أيضاً أسوةً برفع أرقام روسيا أعلاه عندما يراد تقليل معدل نمو الاقتصادات الصاعدة والمستقلة.

إبراهيم علوش – مؤلف وأستاذ جامعي

المصدر: موقع الميادين




“القارة العجوز” تدخل حالة الركود.. كيف ستتأثر موقعية أوروبا السياسية؟

الإعلان الرسمي عن أرقام الربع الأول من العام 2023 كان شديد الوطأة على الدوائر السياسية في القارة العجوز، ولاقته الأوساط الصحافية والإعلامية باستياء كبير، لا سيما وأنّ المفوضية الأوروبية توقعت، الشهر الفائت، نمواً لبقية العام عبر منطقة اليورو.


دخلت منطقة الاتحاد الأوروبي في الركود الاقتصادي “التقني” رسمياً، بعدما أعلنت وكالة الإحصاء التابعة للاتحاد الأوروبي “يوروستات”، في تقرير صدر اليوم الخميس، أنّ الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد جاء سلبياً خلال الربع الأول من العام 2023، للربع الثاني على التوالي.

وعلى الرغم من أنّ كثيراً من الخبراء الاقتصاديين والمؤسسات البحثية ومراكز الدراسات حذّرت خلال الفترة السابقة من أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو الركود الاقتصادي لأسباب عديدة، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن أرقام الربع الأول من العام 2023، كان شديد الوطأة على الدوائر السياسية في القارة العجوز، ولاقته الأوساط الصحافية والإعلامية باستياء كبير.

إذ أشار موقع “بوليتيكو” الأميركي إلى أنّ “السياسيين الأوروبيين، الذين لطالما كانوا متفائلين تجاه قدرة القارة على مقاومة الضغط الاقتصادي الكبير، الذي مرّت فيه خلال السنوات الماضية، لا سيما بعد التعافي من أزمة “الركود الكبير” عام 2008 وبعد أزمة “كوفيد-19″، ظهروا اليوم كأنهم غير ناضجين في تحليلاتهم الإيجابية”.

وكانت المفوضية الأوروبية قد توقعت، الشهر الفائت، نمواً لبقية العام عبر منطقة “اليورو”، وشاركتها “يوروستات” أيضاً تنبؤاتها “بنمو طفيف”، ولكنها عادت وخفّضت آمالها بأن تشهد القارة تحسناً، بعد أن أعلنت ألمانيا -أكبر اقتصاد في أوروبا- أواخر الشهر الماضي، أنها دخلت في ركود اقتصادي.

أسباب أساسية

وتبرز بين الأسباب الأساسية للانكماش الاقتصادي، حالة التضخم المستمرّ، التي أضيفت إلى ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض الطلب في البلدان التي تستخدم اليورو كعملة لها.

استمرار التضخم المرتفع

أدّى التضخم الذي وصل إلى 8.1% في نيسان/أبريل الفائت، وهو نفس المستوى الذي كان عليه في نفس الفترة من العام الماضي، إلى استمرار المعاناة المعيشية للمواطنين الأوروبيين، الذين فقدوا جزءاً غير بسيط من قدرتهم الشرائية، في وقت تتضاعف فيه أرقام فواتير الكهرباء والغاز والخدمات الأساسية، وهو ما يضاعف ثقل الأزمة على أرض الواقع.

رفع أسعار الفائدة

وأضيف التضخم إلى محاولات البنك المركزي الأوروبي دعم العملة عبر رفع أسعار الفائدة، في مجاراة للمسار الذي بدأ فيه الاحتياطي الفدرالي الأميركي، الذي رفع سعر الفائدة 0.25% الشهر الفائت، للمرة العاشرة توالياً خلال 14 شهراً.

وترتبط البنوك الأوروبية، بشكل وثيق، بنظيراتها الأميركية، ولذلك أصبحت نسبة الفائدة في بنوك أوروبا 5.25%، بعد أن كانت تقارب الصفر في آذار/مارس 2022.

وهذا ما أدّى إلى جعل الاستثمارات ومخاطرها ورقة غير مربحة، وكدّس الأموال في البنوك، ما دفع لمفاقمة سرعة توجه الاقتصاد الأوروبي نحو الانكماش، في الربع الأول من العام.

فقدان الغاز الروسي

كذلك، أثّر فقدان الغاز الطبيعي الروسي بشكل هائل على الاقتصاد، لا سيما في الدول الصناعية مثل ألمانيا، وهو ما تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرت مئات المؤسسات الصناعية إلى إغلاق أبوابها، ليتورم التضخم مجدداً.

بالإضافة إلى ذلك، كشفت أرقام الوكالة الأوروبية التباين في التنمية الاقتصادية بين دول منطقة اليورو. ففي الوقت الذي حققت فيه لوكسمبورغ أقوى نمو ربع سنوي بنسبة 2.0%، وتلتها البرتغال بنسبة 1.6%، تمّ تسجيل انخفاضات حادّة في أيرلندا بنسبة 4.6%، وفي ليتوانيا بنسبة 2.1%، كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي الفصلي لألمانيا بنسبة 0.3%.

زيادة الإنفاق على التسليح ودعم أوكرانيا

فاقمت الحرب الأوكرانية الأزمات الاقتصادية التي كانت تمرّ بها دول القارة الأوروبية والاتحاد. وبالإضافة إلى التأثر بالأضرار المباشرة وغير المباشرة للحرب، كقطع العلاقات مع روسيا وارتفاع أسعار الطاقة وأزمة اللاجئين، أدّى الموقف السياسي الأوروبي، المنخرط بقوة في الحرب، والمنحاز نحو الطرف الأوكراني، إلى مضاعفة آثار الحرب على أوروبا.

بشكل تقديري، بلغت المساعدات الأوروبية المعلن عنها لأوكرانيا، بمختلف أشكالها العسكرية والمدنية، نحو 15 مليار دولار أميركي، ويتوقع أن تصل إلى نحو 50 مليار دولار، خلال الفترة المقبلة، في حال التزمت أوروبا بتعهداتها لدعم أوكرانيا، بحسب مراكز التتبع والإحصاء.

كما أدّى الاستعمال المفرط للترسانات الموجودة إلى نفاد معظمها، حيث ارتفعت أصوات أوروبية مؤخراً تطالب بالتأكيد على إعادة تسليح الجيوش الأوروبية بشكل أفضل وأوسع، ما سيعني المزيد من الإنفاق شبه المغلق بين الحكومة وكبريات شركات السلاح، وسيحرم الحكومة من إمكانات الإنفاق على دعم القطاعات الخدمية والإنتاجية.

أبعاد وتداعيات الأزمة الاقتصادية الأوروبية

خلافات وإنقسامات في الأفق

يزداد الحديث بين المتابعين للشأن الأوروبي، بأنّ الاستمرار المتوقع للانكماش الاقتصادي في أوروبا، والذي يرجح البعض أنه قد يزداد سوءاً بحسب نتائج الحرب الجارية في شرق أوروبا، وبحسب الظروف المناخية للشتاء المقبل، سيؤدي إلى مفاقمة الخلافات الداخلية بين أعضائها، لا سيما وأنّ بعض الدول لا تزال ترى نفسها في موقع البعيد عن الحرب وآثارها القاسية، مقابل بلدان أخرى تعاني بشكل أكبر بكثير، كما أظهرت أرقام “يوروستات”.

وسيعني استمرار حالة الركود الاقتصادي، فضلاً عن امكانية تفاقمها، لا سيما على أبواب الشتاء المقبل، أن القدرة الشرائية للمواطنين الاوروبيين ستستمر في التأكّل، مقابل زيادة الضغط على المعيشة، وهو ما قد يزيد في حجم الانقسامات بين المكونات السياسية الاوروبية، لا سيما مع ظهور اختلافات في الرأي بشأن الاستمرار في الحرب.

تراجع في الوزن السياسي.. مقابل واشنطن

وفي نفس السياق، يشير خبراء اقتصاديون إلى أنّ استمرار هذه الأزمة، سيرسّخ التبعية الاقتصادية الأوروبية للولايات المتحدة، وسيؤدي إلى ازدياد اعتماد عواصمها على واشنطن، سواءً في النقد أم في طبيعة التوجهات الاقتصادية وحجم التضحيات، التي يجب أن تبذلها القارة في الحرب التي تقودها واشنطن، ضد روسيا والصين.

وفي وقت تزداد فيه حاجة أوروبا إلى الصين لتحريك اقتصادها، سحبت أوروبا اعتراضها على خطة جو بايدن الاقتصادية في الولايات المتحدة، والتي كان يعارضها بشدة، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لأنها ستؤدي إلى نقل الصناعة من القارة العجوز إلى أميركا.  

وترمي السياسات الأميركية، بحسب ما بات واضحاً، إلى التركيز على الصراع مع الصين في الفترة المقبلة، مما يعني أنّ أوروبا، التي لم تبنِ حتى الآن سياسات مستقلة عن واشنطن، قد تتدحرج إلى مواجهة مع بكين على غرار الذي يجري الآن مع جارتها روسيا.

وهو ما يعني أنّ التركيز الأساسي للسياسات الأوروبية خلال الفترة المقبلة، قد يتجه نحو محاولة احتواء الأزمة الاقتصادية والسيطرة عليها، منعاً لخسارة القارة العجوز، لبقية وزنها السياسي وموقعيتها بين الأقطاب السياسية العالمية.

كما قد يؤدي الوضع الاقتصادي في أوروبا، في حال انزلق إلى مزيد من التدهور، نحو زيادة الضغط على الحكومات، للقبول بتسويات إنهاء الحرب في أوكرانيا، بأسرع وقت ممكن، وهو ما تزال ترفضه حتى الآن.

المصدر: موقع الميادين




“واشنطن بوست”: ابن سلمان هدد بإجراءات اقتصادية مؤلمة للولايات المتحدة

وثيقة سرية أميركية تفيد بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “هدّد بتطبيق إجراءات اقتصادية مؤلمة للولايات المتحدة”، وبأنه لن يتعاطى مع الإدارة الأميركية الحالية بعد الآن.


أفادت صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير، صباح اليوم الجمعة، بأن ولي العهد السعودي هدد باستخدام سلاح العقوبات ضد المصالح الأميركية، في حال مضى الرئيس الأميركي جو بايدن بتنفيذ تهديده ضد الرياض، على خلفية خفض معدلات إنتاجها من النفط الخام.

وأضافت الصحيفة: “بعد أن هدد بايدن بأنه سيكون هناك عواقب على المملكة العربية السعودية لخفض إنتاج النفط العام الماضي، ردّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مهدداً أيضاً، وبشكل غير معلن، بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة والانتقام منها اقتصادياً”، وفقاً لوثيقة استخبارات أميركية سرية حصلت عليها “واشنطن بوست”.

في العلن، “دافعت الحكومة السعودية عن أفعالها بهدوء، معتمدة بيانات دبلوماسية. لكن في السر، هدد ولي العهد، بتغيير العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، وتكبيد واشنطن تكاليف اقتصادية كبيرة، إذا ردت على تخفيضات النفط”، بحسب الوثيقة. 

وقال ابن سلمان إنه “لن يتعامل مع الإدارة الأميركية بعد الآن”، ووعد “بعواقب اقتصادية كبيرة لواشنطن”

ثمانية أشهر مضت، ولم يفرض بايدن أي عقوبات على السعودية، واستمر ابن سلمان في التواصل مع كبار المسؤولين الأميركيين بشكل طبيعي، مثل وزير الخارجية بلينكن في مدينة جدة الساحلية السعودية هذا الأسبوع.

وبحسب الصحيفة، فإنه من غير الواضح ما إذا كان تهديد ولي العهد قد تم نقله مباشرة إلى المسؤولين الأميركيين، أو تم اعتراضه من خلال التنصت الإلكتروني.

وذكرت “واشنطن بوست” أنّ هذا التسارع الدراماتيكي في الأحداث، وهذا التهديد، يكشفان التوتر في جوهر العلاقة القائمة منذ فترة طويلة على النفط مقابل الأمن، والتي تتغير بسرعة مع اهتمام  المتزايد في الشرق الأوسط.

ورداً على تسريب الوثيقة، نفى المتحدث باسم مجلس الأمن القومي علمه بالتهديد السعودي، قائلاً: “لسنا على علم بمثل هذه التهديدات من قبل السعودية”.

لكن بعد اجتماعات بلينكن، بدا أن الخلافات لا تزال قائمة بخصوص طموحات المملكة العربية السعودية لإنتاج الطاقة النووية، الأمر الذي تعتبره واشنطن وغيرها أمر خطر.

بدوره، أشار وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى أنه “بينما ترحب الرياض بدعم الولايات المتحدة في بناء برنامجها النووي المدني، هناك آخرون يقدمون عطاءات”، وهو تذكير غير مباشر بأن المملكة يمكن أن تعمق تعاونها مع الصين بشأن الطاقة النووية.

وحذرت وثيقة استخباراتية أميركية ثانية، مسربة في كانون الثاني/ ديسمبر الفائت، من أن المملكة العربية السعودية تخطط لتوسيع “علاقتها التجارية” مع الصين من خلال شراء طائرات بدون طيار وصواريخ باليستية وصواريخ كروز وأنظمة مراقبة جماعية من بكين، وفق الصحيفة. 

المصدر: موقع الميادين




لماذا فجرت أوكرانيا سد كاخوفكا؟

سيؤثر تفجير سدّ كاخوفكا حتماً على الأراضي الزراعية في مناطق خيرسون وزابوروجيه التي تسيطر عليها روسيا. بدون نظام الريّ الحقلي، الذي من المحتمل أن يتضرر بشكل خطير، ستتحول الأراضي الخصبة إلى سهوب جافة.


تحت عنوان “9 حقائق لا يمكن دحضها ضد كييف” يتحدث المراقب العسكري في صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” المسكوفية، ألكسندر كوتس، عن أسباب هجوم القوات المسلحة الأوكرانية على محطة كاخوفكا الكهرومائية، والتضليل الغربي بشأن توجيه الاتهامات إلى الاتحاد الروسي. 

فيما يلي نص المقال كاملاً منقولاً إلى العربية:

من هاجم السدّ؟

المثير للدهشة أن وسائل الإعلام الغربية التي تتخذ تقليدياً موقف أوكرانيا لم تتوحد هذه المرة. انقسمت بين أولئك الذين يلومون روسيا على كل شيء عادة، وأولئك الذين يتظاهرون بعدم فهم من ارتكب هذا العمل الإرهابي الذي كانت له عواقب وخيمة. حتى البيت الأبيض كان محايداً بشكل غير معهود، قائلاً إن ليس لديه دليل على أن روسيا كان بإمكانها فعل ذلك.

وماذا عن المعلومات حول التتبع الأوكراني؟ السؤال معلق في مكان ما في الستراتوسفير. بطبيعة الحال، تملك الولايات المتحدة إجابات، كما حدث في الماضي حين زعمت مثلاً، أنها تمتلك صور الأقمار الصناعية لإطلاق صاروخ “بوك” على طائرة “بوينغ” الماليزية في دونباس، وزعمت أنها زودت بها فريق التحقيق الدولي، لكن لم يعرضها أحد علناً.

لنطرح السؤال أولاً، من المنتفع مما حدث؟

1. إن ضفة نهر الدنيبر اليسرى في منطقة خيرسون، الواقعة تحت سيطرتنا، أكثر انخفاضاً من الضفة اليمنى التي تسيطر عليها أوكرانيا. لقد بنينا خطاً دفاعياً على طول الضفة، وهو يتضمن حقول ألغام. وكانت وحداتنا تعمل باستمرار في الجزر (يوجد الكثير منها في الروافد الدنيا لنهر الدنيبر)، وقد اعترضت مجموعات تخريبية معادية. لقد تمكنت وحداتنا من وقف محاولات إنزال القوات المسلحة لأوكرانيا على شاطئنا والإبلاغ مقدماً عن تحركات مجموعات التخريب والاستطلاع العاملة على متن القوارب. أما اليوم، فقد غمرت المياه الجزر، وجرف تيار قوي حقول الألغام.

2. تنطلق من حوض كاخوفكا فوق السد قناة تزود القرم بالمياه. هل عملنا بجد لإعادة إمدادات المياه لشبه الجزيرة من أجل تعريضها للخطر مرة أخرى؟

3. من حوض كاخوفكا كذلك، تنطلق قناة تزود إنرغودار بالمياه، ومحطة الطاقة النووية في زابوروجيه. إذا نقصت المياه، تمنح العدو ميزة عند التخطيط للهبوط على أراضينا عبر حاجز مائي ضحل، هذا من ناحية. من ناحية أخرى، يتعرض للخطر تشغيل محطات الطاقة النووية. نعم، لديها الكثير من آليات التكرير والتأمين. ومع ذلك، لا تزال العواقب صعبة التقييم، لأن الوضع في مرحلة التطور. ولا يزال من غير المعروف ما إذا كان الجزء الباقي من سد كاخوفكا سيصمد أم لا.

4. سيؤثر تفجير السدّ حتماً على الأراضي الزراعية في مناطق خيرسون وزابوروجيه التي نسيطر عليها. بدون نظام الريّ الحقلي، الذي من المحتمل أن يتضرر بشكل خطير، ستتحول الأراضي الخصبة إلى سهوب جافة. كما حدث في القرم بعدما حرمت أوكرانيا شبه الجزيرة من المياه في عام 2014. وهذه الأراضي لم تعد إلى خصوبتها بالكامل بعد.

5. اليوم، يتعين على السلطات الروسية المحلية القيام بعمل غير مسبوق لإجلاء الناس من المناطق المتضررة، وتحويل القوات والوسائل التي يمكن استخدامها للدفاع. فقد دمرت قرى بأكملها بواسطة تيارات المياه. فلو كان هدفنا إغراق الجزر فقط، كان بإمكاننا فتح بوابات محطات الطاقة الكهرومائية الخاضعة لسيطرتنا، كانت الجزر لتغرق من دون الإضرار بالقرى.

ما هي الأسباب الكامنة وراء قيام كييف بتفجير السد؟

1. السؤال الأول هو: لماذا بدأت أوكرانيا في تصريف المياه عبر قناة محطة دنيبرو للطاقة قبل أيام قليلة من قصفها سد كاخوفكا؟ لم يكن هناك معنى علمي لتقوم بذلك، لا الأمطار غزيرة ولا فيضانات ربيعية. كما أنهم لم يوقفوا تصريف المياه حتى الآن!  لماذا؟ 

لم يدرس أحد بالتفصيل درجة الضرر الذي لحق بالسد. وهناك احتمال لمزيد من الدمار مع المزيد من العواقب الكارثية. لم يعد من الممكن تجنب الكوارث البيئية، فقد بدأ وباء الأسماك، وجرفت المقابر ومطامر النفايات بالمياه، والتيار يحمل الماشية النافقة… ولكن في حال الانهيار الكامل لمحطة الطاقة الكهرومائية في كاخوفكا، فإن كل شيء في اتجاه مجرى النهر في حالة حدوث تيار ضخم سيموت.

من ناحية أخرى، ستكون كييف قادرة على تأخير استمرار هجومها الذي وعدت الغرب به، وقد تأخر طويلاً. وصرف انتباه الغرب عن طريق الشروع، على سبيل المثال، في تحقيق دولي، كما كانت الحال في عام 2014، عندما أسقطت أوكرانيا طائرة من طراز بوينغ في سماء الدونباس. آنذاك كانت جبهتها تتصدع، وكانت لديها حاجة إلى افتعال استفزاز غير مسبوق لوقف تقدم المهاجمين وإعادة تجميع صفوفها.

نعم، اليوم لسنا في دور المهاجمين. لكن حدث خطأ ما في “هجوم” القوات المسلحة الأوكرانية. من الواضح أن “سيناريو خاركوف” لم ينجح. عند أول ضغط هائل، لم تنهار التشكيلات الدفاعية لقواتنا، ولم يكن هناك فقدان للسيطرة، بل على العكس، انخرطنا في المعركة وخرجنا منها منتصرين. يستمر ضغط “الشركاء الغربيين” على كييف ومطالباتهم، فقد بذلوا مليارات الدولارات. وكييف بحاجة إلى سبب جاد للمناورة.

2. هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها أوكرانيا إلى مثل هذه الحيلة التكتيكية. أذكر في بداية العملية العسكرية الروسية الخاصة، عملت في منطقة كييف. في مرحلة ما، اصطدمت وحداتنا بحاجز طبيعي، وهو نهر إيربين. بنت قواتنا طوافات عبر النهر لعبور المظليين إلى ضفته الأخرى، فما كان من كييف إلا أن فجرت السد كي تعيق تقدمنا. كما فجر العدو السدود الموجودة على البرك بالقرب من أرتيموفسك من أجل إعاقة تقدم قواتنا المهاجمة، محاولا إحداث فيضان.

في كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، تحدث الأوكرانيون أنفسهم عن الهجوم على سد كاخوفكا، في مقابلة مع وسائل الإعلام الغربية. هذا اقتباس من صحيفة “واشنطن بوست” بتاريخ 29/12/2022: “… فكر اللواء من القوات المسلحة الأوكرانية كوفالتشوك في إحداث فيضان في النهر. وقال إن الأوكرانيين نفذوا قصفاً تجريبياً بواسطة صاروخ “هيمارس” على أحد أقفال سد نوفوكاخوفسكايا، حيث أحدثوا ثلاثة ثقوب لمعرفة ما إذا كانت مياه نهر الدنيبر يمكن أن ترتفع بما يكفي لمنع الروس من العبور، ولكن ليس لإغراق المناطق المجاورة. وقال كوفالتشوك إن الاختبار كان ناجحاً”.

لكن العدو طيلة الأشهر الماضية، كان يقصف بانتظام محطة الطاقة الكهرومائية، ويتوفر العديد من أدلة الفيديو على ذلك. ربما أثر الضرر المتراكم من القصف وكان السد ينتظر الضربة الأخيرة.

3. من غير المحتمل أننا خططنا لعبور نهر الدنيبر في المستقبل القريب. لكن القيادة الأوكرانية لم تستطع إلا أن تضع هذا في الاعتبار. لذا، سواء أحببنا ذلك أم أبينا، كان من الضروري وجود عدد لائق من القوات على الضفة اليمنى. اليوم، انخفض احتمال عبورنا إلى الجانب الآخر من نقطة ما إلى الصفر. وتستطيع كييف نقل الوحدات التي تم إطلاقها في خيرسون إلى قطاع من الجبهة يكون واعداً أكثر من وجهة نظرها.

بماذا قُصفت محطة كاخوفكا للطاقة الكهرومائية؟ 

في الواقع، هذا ليس مهماً جداً، ولكن هناك العديد من الخيارات الممكنة.

1. ذخائر دقيقة التوجيه “هيمارس”، كما فعلت كييف سابقاً بالفعل، وفقا للجنرال كوفالتشوك من القوات المسلحة الأوكرانية.

2. المدفعية الثقيلة أقل احتمالاً، فالدقة ليست هي نفسها. وكان عملها سيسجل من مراقبينا.

3. تقدم وسائل الإعلام الغربية، فرضية أخرى، وهي ضربة بواسطة طائرة مسيرة، أو بواسطة متفجرات زرعت سابقاً تحت مستوى الماء. من الملفت أن البريطانيين دربوا المتخصصين الأوكرانيين الذين يمكنهم القيام بذلك لسنوات عديدة في المركز البحري في أوتشاكوفو. ربما لم يكن من الممكن القيام بالتفجير عن بعد، لذلك قرروا الشروع في التفجير بواسطة قارب، بالطريقة نفسها التي هاجموا بها مؤخراً سفينتنا “إيفان خورس” دون جدوى في البحر الأسود.

4. انهيار السد من تلقاء نفسه نتيجة القصف المستمر. وهذا سيناريو غير محتمل، حيث تم اختيار وقت مناسب للغاية والمكان الأكثر ضعفاً والأكثر أهمية في بنيانه.

الكاتب الروسي الكسندر كوتس

نقلها إلى العربية: عماد الدين رائف.

المصدر: موقع الميادين