1

أزمة تسعير القمح تهدد رغيف الخبز السوري

أثار قرار الحكومة السورية بخصوص تسعيرة القمح استغراب مزارعين وحنقهم، فيما أفادت وسائل إعلام محلية بإجماع فروع الاتحاد العام للفلاحين في المحافظات على عدم عدالة التسعيرة. وفي وقت طالبت لجنة الزراعة العليا بإعادة النظر في التسعيرة ورفعها إلى 3 آلاف ليرة للكيلو الواحد حداً أدنى، حذّر رئيس مكتب التسويق والتصنيع في اتحاد الفلاحين أحمد هلال الخلف، «من عزوف الفلاحين في الموسم المقبل عن زراعة هذا المحصول الاستراتيجي واستبداله بزراعات توفر دخلاً أفضل لهم»، في احتجاج منهم على الأسعار التي يعدونها غير منصفة.

واختصر مزارع يتحدر من ريف حمص رأيه بالقرارات الحكومية الخاصة بشراء القمح لهذا العام بالمثل الشعبي «فالج لا تعالج»، مؤكداً خلال اتصال هاتفي عجزه عن فهم الغاية من «قرارات مجحفة بحق المزارع… سعر الحكومة للقمح والشعير لهذا العام أقل من سعر التكلفة». ويتناقض كلامه مع تأكيد الحكومة حين حددت سعر شراء كيلو القمح للعام الحالي بـ2800 ليرة سورية، وسعر كيلو الشعير بـ2200 ليرة، أنها «ضمنت للمزارع هامش ربح بنسبة 35 في المائة»، وأن هذه التسعيرة جاءت نتيجة «احتساب تكلفة الإنتاج الحقيقية في ظل الدعم المقدم للقطاع الزراعي من بذار ومحروقات وأسمدة».

وزيرة سابقة تنتقد

بدورها، انتقدت وزيرة الاقتصاد السابقة لمياء عاصي، عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، سياسات الحكومة الزراعية، وقالت «إن الاستمرار بالاستيراد وعدم تشجيع المزارعين على زراعة القمح بات سياسة متبناة ودائمة لصالح المستوردين»، لافتة إلى أن الحكومة هذا العام أعادت تسعيرة القمح بأقل من الأسعار العالمية، ما يؤدي بالنتيجة إلى خفض نسبة الأراضي وكميات الإنتاج المسلمة للحكومة.

جانب من الحصاد في حقل قمح بسوريا (الشرق الأوسط)

وقالت مصادر اقتصادية في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، إن سعر شراء كيلو القمح هذا الموسم أقل من الموسم الماضي قياساً إلى سعر صرف الليرة أمام الدولار (9200 ليرة) وتكلفة الإنتاج. وحددت الحكومة العام الماضي سعر شراء كيلو القمح بـ1700 ليرة مع إضافة 300 ليرة لمن يبيعها من خارج مناطق سيطرتها، أي بسعر ألفي ليرة، وكان سعر الصرف وقتذاك أقل من 4000 ليرة مقابل كل دولار أميركي، بينما حددت الحكومة سعر كيلو القمح بـ2800 ليرة في الموسم الحالي، علماً بأن الليرة خسرت كثيراً من قيمتها أمام الدولار هذا العام.

يُضاف إلى ذلك أن المزارعين يعانون أيضاً من ارتفاع في أسعار البذار والمبيدات والري وأجور العمالة، حيث إن الدعم الذي تقدمه الحكومة لا يغطي ربع الاحتياجات، كما يقول مزارعون، كما أن الدعم غالباً ما يأتي متأخراً.

دفع إلى السوق السوداء

وتوضح المصادر الاقتصادية ذاتها أن تكلفة إنتاج كيلو القمح تبلغ في الواقع بين 2500 ليرة و3200 ليرة، «ما يعني في أقل تقدير، واستناداً إلى سعر الصرف وتكلفة الإنتاج، أن التسعيرة يجب أن لا تقل عن 3500 ليرة حداً أدنى». وتتابع أن فرض سعر أقل من التكلفة «سيدفع بالإنتاج إلى السوق السوداء أو إلى التهريب خارج البلاد… وستضطر الحكومة لاستيراد القمح وشرائه بالعملة الصعبة».

يذكر أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة تحتاج سنوياً إلى مليوني طن من القمح، وكانت سوريا لغاية عام 2011 تنتج نحو 3.5 ملايين طن. ووصل إنتاج القمح في عموم المناطق السورية الموسم الماضي إلى مليون ونصف المليون طن، منها 500 ألف طن في مناطق سيطرة الحكومة، و200 ألف في مناطق المعارضة شمال غربي البلاد، و800 ألف طن في مناطق الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، ما اضطر حكومة دمشق إلى استيراد أكثر من مليون طن من القمح خلال العام الماضي، منها 500 ألف طن من روسيا. وأوكلت إلى القطاع الخاص مهمة استيراد القمح من دول أخرى.

ومع اندلاع الحرب وتضرر الزراعة، تراجع إنتاج القمح وتحوّلت سوريا من دولة مصدّرة للقمح إلى دولة مستوردة له. ومع أن إنتاج القمح تحسّن منذ عام 2018 إلا أنه ما زال لا يغطي الاحتياج، حيث تراجعت مساحة الأراضي المزروعة بالقمح للموسم الحالي بنسبة 20 في المائة عن العام الماضي، بسبب تأثير الجفاف على أكثر من 70 في المائة من المساحات المزروعة في مناطق نهر الفرات، وتضررت نحو 17 ألف دونم من محصولي القمح والشعير في دير الزور بسبب هطولات المطر الربيعية.

حقائق

الحرب أنهت «الاكتفاء الذاتي» لسوريا من قمحها

  • حافظت سوريا حتى سنة 2011 على الاكتفاء الذاتي في مادتي القمح والشعير.
  • على مستوى سوريا، كان يزرع حتى عام 2010 نحو 1.7 مليون هكتار.
  • متوسط إنتاج القمح خلال آخر 20 عاماً قبل الحرب (1990-2010) كان يزيد على 4 ملايين طن.
  • احتفظت سوريا بالمخزون الاستراتيجي حتى 2010 وكان يكفي لمدة عامين متتاليين.
  • شكّلت مساحة القمح المزروعة المروية على الآبار الجوفية نحو 43% من الأراضي.
  • المساحة الفعلية التي تعتمد على الأمطار الشتوية بلغت 57%.
  • في سنة 2006 سجلت سوريا أعلى رقم في إنتاج القمح بمقدار 4.9 ملايين طن.
  • عام 2021 سجلت البلاد أدنى منتج في القمح بعد عامين من الجفاف، وبلغ آنذاك نحو 100 ألف طن فقط.
  • مناطق الإدارة الذاتية (شمال شرق) مكتفية ذاتياً بمحصول القمح والشعير، وتحتاج إلى نصف مليون طن لتأمين الطحين وعلف الحيوانات والبذار، وتبيع الفائض للحكومة السورية.
  • مدينة إدلب (شمال غرب) وريف حلب الشمالي والغربي (مناطق العمليات التركية) غير مكتفية ذاتياً نظراً لوجود أكثر من 4 ملايين نسمة يعيشون هناك، تحتاج لأكثر من نصف مليون طن من القمح سنوياً.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل؟

يُستخدم في شتى المجالات بتكاليف منخفضة… وبمتناول الجميع

بدأت ثورة الذكاء الاصطناعي بالانتشار، وسمعنا عن الكثير من الشركات التي تضيف هذه التقنية إلى خدماتها وتقدم عناصر جديدة كان من الصعب تخيلها قبل بضع سنوات. ولكن ما الذكاء الاصطناعي؟ وما نظمه وما أحدث التطويرات في الأجهزة والبرامج الذكية؟

الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة نظم الكومبيوترات لعمليات الذكاء البشري بهدف تحقيق أمر ما. وكثيراً ما تروّج الشركات لخدماتها على أنها ذكاء صناعي، ولكن حقيقة الأمر أن الكثير من تلك الخدمات تستخدم عنصراً من التقنية، مثل «تعلم الآلة». ويتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي أساساً متقدماً من العتاد الصلب Hardware المتخصص، والبرمجيات المطورة خصيصاً لهذا الغرض. ولا توجد لغة برمجة متخصصة بهذه التقنية حتى الآن، ولكنّ عدداً من اللغات يقدم أدوات مفيدة لهذا الغرض، مثل Python وJava وR و«سي بلس بلس».

وتحتاج هذه النظم إلى تحليل كميات كبيرة جداً من بيانات التدريب وإيجاد روابط بين تلك البيانات واستخدامها لتوقع أمور مقبلة، مثل تحليل ملايين الصور لفهم ما الذي يميز الإنسان عن النبات عن الحيوان عن الجماد، وما الطبيعة؟ وما العائلة؟ وكيف يمكن تمييز الليل عن النهار والخيال عن الحقيقة؟ وأسلوب رسم فنان ما مقارنةً بآخر، وهكذا. وينطبق الأمر نفسه عند تحليل النصوص والموسيقى وعروض الفيديو، وغيرها، ليتكون لدينا نظم ذكاء صناعي مختلفة متخصصة في مجالات كثيرة، وفقاً للبيانات التي تم تحليلها.

ويتم التركيز في برمجة الذكاء الاصطناعي على 4 مهارات، هي: التعلم والإدراك والتصحيح الذاتي والابتكار.

يركز جانب التعلم على الحصول على البيانات وإيجاد القوانين والروابط بينها وتحويلها إلى بيانات مفيدة. ويتم تقديم قوانين مختلفة على شكل خوارزميات Algorithm كثيرة (الخوارزمية هي نهج عمل برنامج ما لتحقيق الهدف المرغوب) حول كيفية إكمال مهمة محددة، مثل التعرف على وجود إنسان في صورة (يجب تحديد ما يصف شكل معظم البشر: العينان والفم والأنف والحاجبان والرقبة، وهكذا).

وبالنسبة إلى مهارة الإدراك، فإنها تركز على اختيار الخوارزمية الصحيحة بقوانينها المرتبطة لتحقيق الهدف المرغوب. أما التصحيح الذاتي، فتركز هذه المهارة على تعديل الخوارزميات وقوانينها بناءً على صحة المخرجات لإيجاد قوانين أكثر دقة من السابق، الأمر الذي ستنجم عنه نتائج صحيحة بنسبة أعلى في المرات المقبلة التي يعمل فيها ذلك النظام.

وتبقى المهارة الرابعة وهي الابتكار، التي تستخدم الشبكات العصبونية Neural Networks الرقمية والنظم المبنية على القوانين والبيانات الإحصائية وتقنيات أخرى بهدف إيجاد صور ونصوص وموسيقى وأفكار جديدة.

ولعلكم قد سمعتم عن بعض المفردات التقنية المتقاربة، مثل الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence، وتعلم الآلة Machine Learning، والتعلم العميق Deep Learning.

تحتاج هذه النظم إلى تحليل كميات كبيرة جداً من بيانات التدريب وإيجاد روابط بين تلك البيانات واستخدامها لتوقع أمور مقبلة، مثل تحليل ملايين الصور لفهم ما الذي يميز الإنسان عن النبات عن الحيوان عن الجماد، وما الطبيعة؟ وما العائلة؟ وكيف يمكن تمييز الليل عن النهار والخيال عن الحقيقة؟

وبينما يعرَّف الذكاء الاصطناعي بأنه محاكاة الآلات للذكاء البشري لتحقيق هدف ما، فإن تعلم الآلة يعرَّف بأنه رفع دقة البرامج والتطبيقات في توقع النتائج بناءً على البيانات السابقة من دون برمجتها بشكل مباشر على كيفية القيام بذلك، حيث تتم هذه العملية من دون تدخل المبرمجين، ذلك أن النظام سيتعرف على الروابط بين البيانات ويستخدمها في التوقع. أما التعلم العميق، فهو جزء متخصص من تعلم الآلة مبنيٌّ على فهمنا لتركيبة الدماغ البشري. وبسبب استخدام التعلم العميق لبنية الشبكات العصبونية الرقمية أخيراً، تم إيجاد تقنيات حديثة مفيدة جداً للبشر، مثل القيادة الذاتية للسيارات وChatGPT.

ويمكن تقسيم الذكاء الاصطناعي إلى فئتين: الضعيف والقوي، بحيث يُعرّف الذكاء الاصطناعي الضعيف Weak AI، أو الذكاء الاصطناعي ضيق النطاق Narrow AI، على أنه نظام يتم تدريبه لإكمال مهمة محددة، كالروبوتات الاصطناعية والمساعدات الذكية الشخصية، مثل «سيري» من «أبل». أما الفئة الثانية فهي أكثر شمولاً ويطلق عليها مصطلح الذكاء العام الاصطناعي Artificial General Intelligence AGI، وهي عبارة عن نظام يستطيع محاكاة القدرات الإدراكية للدماغ البشري. ويستطيع هذا النظام تحليل البيانات الموجودة أمامه في مهمة جديدة كلياً عليه لم يسبق برمجته على كيفية إكمالها، وتطبيق معرفته السابقة في مجال ما على آخر لإيجاد حل صحيح ومن دون أي تدخل خارجي.

استخدامات الذكاء الاصطناعي

ولكن ما أهمية الذكاء الاصطناعي في حياتنا؟ في الواقع، استفدنا سابقاً من تقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة في الكثير من جوانب الحياة؛ من نظم الكشف عن التحايل المالي والضريبي، وأتمتة العمليات اليومية البسيطة، وفي مراكز خدمة العملاء، وزيادة المبيعات وضبط جودة المنتجات. وتستطيع هذه التقنيات في بعض المجالات التفوق على الإنسان، خصوصاً فيما يتعلق بالأمور المتكررة أو التي تحتاج إلى تفاصيل كثيرة، مثل تحليل كميات كبيرة من أوراق النماذج Form والتأكد من وجود بيانات صحيحة في حقول محددة.

ونظراً للقدرات الممتدة في إيجاد روابط بين البيانات الضخمة في أوقات قليلة، تستطيع هذه النظم تقديم معلومات غنية جداً لمديري الشركات لم يكن من الممكن لأي بشري إكمالها وإيجاد روابط بين الملايين من البيانات.

صورة تعبيرية صنعها الذكاء الاصطناعي من موقع www.picsart.com لدى استخدام كلمات مفتاحية حول الذكاء الاصطناعي والسعودية

كما يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة في تطوير عملية التعليم والتسويق وتصميم المنتجات. وأصبحت هذه التقنية محوراً لتقدم الكثير من شركات التقنية الضخمة اليوم، مثل «ألفابيت Alphabet» المالكة لـ«غوغل» و«مايكروسوفت» و«ميتا» المالكة لـ«فيسبوك»، وغيرها.

ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في أتمتة العمليات بهدف زيادة كمية وأنواع المهام المنوطة به، وتحليل الصور الطبية للمساعدة في التعرف على الأمراض المختلفة وفقاً لتاريخ مرضى سابقين وتطور مراحلهم، إلى جانب الاستخدامات العسكرية في المعارك الميدانية وتحليل نزعات تحرك المشاة والآليات وفقاً لعوامل البيئة والطقس والأعداد والوقت. كما يمكن استخدامه في برامج مكافحة الجرائم الرقمية والتعرف على الرسائل التصيّدية بناءً على نص الرسالة وعنوانها وعنوان الجهة المرسلة، أو ترجمة النصوص وتفريغ المحادثات الصوتية وتحويلها إلى نصوص، والتعرف على مشاعر الطرف الثاني في الرسائل الإلكترونية. ويتم استخدام هذه التقنيات حالياً في المجالات الاصطناعية ولتحريك عناصر ثقيلة جداً في مهمات المركبات الفضائية التي تستكشف الكواكب المختلفة، أو في المركبات ذاتية القيادة للتعرف على العقبات الموجودة أمام المركبة وتجاوزها من دون المخاطرة بحياة الركاب أو المشاة من حولها.

وأخيراً شهدنا انطلاق خدمات إيجاد المحتوى متعدد الوسائط بجودة عالية «الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI»، مثل النصوص والصور والفيديوهات والموسيقى بشكل غير محدود وبقدرات إبداعية غير مسبوقة، وبتكلفة منخفضة جداً. ويمكن إيجاد نصوص مسرحية وصور واقعية وكتابة عدد كبير من رسائل بريد إلكتروني من دون ملاحظة الطرف الآخر أن المرسل ليس من البشر، والكثير غيرها من الخدمات الأخرى.

كما يمكن استخدام هذه التقنيات في القطاع المصرفي لتحليل ما إذا كان يمكن للبنك تقديم قرض لشخص ما أو تحديد السقف المالي لبطاقة ائتمانية أو الفرص الاستثمارية، أو للمساعدة في تداول الأسهم. وتستطيع هذه التقنيات المساهمة في التنبؤ بحدوث تأخير في الرحلات الدولية حسب الحالة الجوية، أو زيادة أمن الشحن البحري حسب حالة الطقس والتيارات المائية، والتنبؤ بنزعات الشراء والطلب بناءً على عوامل كثيرة جداً، إلى جانب تقديم المحامين للمشورة القانونية وفقاً لقضايا سابقة بعد تحليل تفاصيل ونتائج أحكام الكثير من القضايا والملفات السابقة.

تطويرات وآفاق واعدة

وتطورت استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير خلال الفترة السابقة، وتسارع ذلك التقدم بشكل ملحوظ. ويمكن العودة بالابتكارات النوعية لهذه التقنيات إلى عام 2012 خصوصاً شبكة «AlexNet» العصبونية التي رفعت من مستويات الأداء بشكل كبير بسبب اعتمادها على وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء لتحليل البيانات مقارنةً بالاعتماد على المعالجات التقليدية، وقدرة وحدات معالجة الرسومات على معالجة البيانات بالتوازي بكميات ضخمة وبسرعات كبيرة جداً.

وشكّل التعاون بين شركات البرمجة العملاقة، مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» و«أوبين إيه آي OpenAI» من جهة، وشركات صناعة عتاد الكومبيوترات، مثل «إنفيديا Nvidia» المتخصصة في وحدات معالجة الرسومات فائقة الأداء، ومعالجات «إنتل» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، من جهة أخرى نواة لتشكيل قفزات متسارعة في خدمات تقنيات الذكاء الاصطناعي كان من آخرها «تشات جي بي تي ChatGPT». ومن أحدث الابتكارات في أدوات وخدمات الذكاء الاصطناعي تطوير «غوغل» ما تُعرف بـ«المحولات Transformers»، وهي آلية فائقة الأداء ترفع من سرعة تحليل البيانات الضخمة باستخدام مجموعات كبيرة من الكومبيوترات العادية التي تحتوي على وحدات معالجة الرسومات، الأمر الذي خفض من تكاليف تأسيس تقنيات الذكاء الاصطناعي المتخصصة بشكل كبير.

وطوّرت شركة «إنفيديا» كفاءة معالجة البيانات بالتوازي Parallel Processing عبر نوى وحدات معالجة الرسومات GPU الخاصة بها بشكل كبير على مستوى الدارات الإلكترونية والبرمجيات في آن واحد، مما شكّل قفزة كبيرة سرّعت من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سهولة تكامل تلك التطويرات في مراكز البيانات، والعمل مع مراكز الحوسبة السحابية لتقديم الأجهزة المتقدمة كخدمة لمن يريد، دون الحاجة لبناء مراكز متخصصة لكل شركة، وهو أمر من شأنه خفض تكاليف تبني هذه التقنية بشكل غير مسبوق.

واستطاعت هذه الشركات تطوير «محولات» توليدية مسبقة التدريب Generative Pre – trained Transformers GPT ومشاركتها مع الشركات الأخرى التي ترغب في تخصيص تقنيات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لتدريب الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات وما يصاحب ذلك من وقت وتكاليف كبيرة. وتستطيع الشركات المتوسطة أو الصغيرة استخدام تلك النماذج العامة وتخصيصها حسب الحاجة لقاء بضع آلاف من الدولارات، مقارنةً بـ5 إلى 10 ملايين دولار للتدريب من نقطة الصفر. ويشكّل هذا الأمر قفزة كبيرة للشركات المتخصصة نحو مباشرة العمل وتقديم خدمات ثورية بسرعات كبيرة ومخاطر منخفضة.

ومن الأمثلة على خدمات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي AWS AI Services وGoogle Cloud AI وMicrosoft Azure AI Platform وOracle Cloud Infrastructure AI Services، والتي تزيل عبء بناء مركز بيانات متخصص بالذكاء الاصطناعي، وتقدمه كخدمة لقاء اشتراك شهري أو سنوي منخفض التكلفة. هذا، وتقدم OpenAI وNVidia خدمات متخصصة لمستخدميها، مثل نماذج ذكاء صناعي متخصصة بالصور والدردشة النصية والطب وحتى البرمجة.

وتقدم OpenAI نظام ChatGPT للمحادثة أو الدردشة الذي انتشرت شعبيته بشكل كبير بين المستخدمين في آخر بضعة أشهر، وهي الشركة نفسها التي استثمرت بها «مايكروسوفت» بقيمة 10 مليارات دولار، والتي ستضيف تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى متصفح «إيدج Edge» ومجموعة برامج «أوفيس» المكتبية وحتى نظام التشغيل «ويندوز» لتطوير تجربة الاستخدام بشكل مبهر جداً.

من جهتها كشفت «غوغل» عن نظام الذكاء الاصطناعي «بارد Bard» للدردشة المبنيّ على عائلة LaMDA للغات التطوير، والذي من المتوقع أن يساعد في أعمال ترجمة النصوص بين اللغات بدقة عالية جداً وكتابة المحتوى المبتكر والإجابة عن الأسئلة وكتابة النصوص البرمجية عبر أكثر من 20 لغة برمجة، وحتى إيجاد معادلات لجداول الحسابات لتحقيق هدف حسابي ما يريده المستخدم.

هذا، وكشفت «إنفيديا» عن نظام ذكاء صناعي يستطيع إيجاد فيديوهات واقعية للغاية بمجرد كتابة وصف لها، ليقوم النظام بتوليد تلك الفيديوهات بسرعة. ومن الممكن استخدام هذا النظام في شركات صناعة الفيديوهات أو حتى في استوديوهات المسلسلات والأفلام لإضافة العناصر الرقمية إلى المشاهد المختلفة، أو حتى استبدالها بأخرى بمجرد كتابة ذلك نصياً (مثل استبدال سيارة بأخرى أو وجه ممثل بآخر، وبسرعة ودقة كبيرتين).

أخلاقيات الاستخدام

مثلها مثل أي أداة في حياتنا، يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للمنفعة أو لإلحاق الأذى، وينبغي إيجاد ضوابط لاستخدامها بشكل يعود بالخير على الجميع. وكما ذكرنا سابقاً، تعتمد هذه النظم على تحليل البيانات السابقة، أي إن نتائجها مرتبطة بتلك البيانات، الأمر الذي يعني أنه سيوجد تحيز إن كانت البيانات غير شاملة لجميع العوامل المرتبطة بالمسألة التي يتم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لحلها، وتجب مراقبة جودة تلك البيانات التأسيسية لضمان وجود مخرجات صحيحة ومفيدة. يضاف إلى ذلك أن هذه النظم تقدم النتيجة دون ذكر كيفية الوصول إليها، ذلك أنها توجِد ترابطاً بين أعداد كبيرة من العوامل المختلفة للبيانات التي تقوم بتحليلها.

هذا الأمر قد لا يكون مفيداً في الكثير من الاستخدامات اليومية، مثل عدم القدرة على توضيح أسباب اتهام شخص بتجاوز قانوني ما، إذ لا يكفي القول إن النظام قد توصل لتلك النتيجة دون ذكر أسباب مقنعة لذلك، أو رفض مصرف طلب حصول عميل ما على بطاقة ائتمانية، مثلاً. وشهدنا نظماً تستطيع إيجاد صور وفيديوهات ملفقة باستخدام أوجه وأصوات أشخاص حقيقيين DeepFake، الأمر الذي سيصعّب على المستخدمين التأكد من صحة تلك الصور والتسجيلات الصوتية والفيديوهات، وقد يوقِع الضحايا في مشكلات كبيرة.

ويوجد الكثير من القوانين التي تحدّ من نوعية البيانات التي يمكن للشركات استخدامها، مثل القانون العام لحماية البيانات General Data Protection Regulation (GDPR)، (لائحة الاتحاد الأوروبي التي تنص على كيفية التعامل مع البيانات الشخصية)، الأمر الذي سيشكل عقبة أمام القدرة على استخدام البيانات في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد يشكّل في النهاية، إلى جانب قوانين دولية أخرى، عقبة أمام تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإيجاد بيانات تأسيسية شمولية وأكثر دقة للحصول على نتائج صحيحة. كما ستشكل مسائل حقوق الملكية الفكرية عقبة كبيرة أمام تقدم هذه التقنيات، حيث يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي محاكاة أسلوب رسم أو كتابة شخص ما، أو يمكن إيجاد موسيقى مشابهة جداً لأسلوب فرقة أو مغنٍّ ما وبيع تلك النتائج وجني المال.

أمر آخر لافت للانتباه هو الاستخدامات الخبيثة لهذه التقنية، حيث يمكن لمجموعة من القراصنة استخدامها للتعرف على الثغرات الموجودة في موقع حكومي أو تابع لشركة ما واختراق ذلك الموقع والدخول إلى الأجهزة الخادمة وسرقة البيانات أو جعلها رهينة لقاء فدية مالية.

عقدت «مايكروسوفت» في 2019 شراكة مع «أوبن إيه آي» مطوّر «تشات جي بي تي» (أدوبي ستوك)

نظرة «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي: نقلة نوعية… بضوابط

تحدثت «الشرق الأوسط» مع فريق عمل «مايكروسوفت» الذي أكد أن للذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في حل التحديات الاقتصادية المعقدة، وإحداث نقلة نوعية للكثير من الأعمال، وتحسين أداء المؤسسات وتجربة العملاء، وتطوير إمكانات التنبؤ والتخطيط، وذلك للمساعدة في تحسين وتعزيز حياة فئات المجتمع كافة.
وأسهم الذكاء الاصطناعي في تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في مختلف القطاعات على إيجاد حلول للتحديات الملحّة وابتكار طرق جديدة لتحسين سير أعمالها، ومنها الطاقة، حيث يرسم الذكاء الصناعي مستقبل هذا القطاع. وتسعى وزارة الطاقة في المملكة العربية السعودية إلى توظيف الذكاء الصناعي في إدارة استهلاك الطاقة والتنبؤ بها، لتلبية طلبات الاستهلاك، وكذلك لتحديد أنماط جمع مزيج الطاقة وإدارتها وتشغيلها بما يسهم في جعلها أكثر كفاءة وأماناً.وعقدت «مايكروسوفت» في عام 2019 شراكة مع «أوبين إيه آي OpenAI»، وهو مختبر الأبحاث الذي يقف خلف برامج الدردشة «تشات بوت» و«تشات جي بي تي ChatGPT»، وكذلك مُنشئ الصور «دال – إي 2 Dall – E2» الذي يُحول النصوص الوصفية إلى صور جديدة.
ونتج عن هذه الشراكة خدمة «أزور أوبن إيه آي سيرفيس Azure OpenAI Service» الجديدة التي توفر عدداً من نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل إصدارات مطورة من متصفح «إيدج» ونظام البحث «بينغ» اللذين يعملان معاً مساعدين شخصيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي. وتجاوز عدد المستخدمين لهذه التقنية 100 مليون مستخدم نشط يومياً على «بينغ» بحلول أوائل شهر مارس (آذار) الماضي. ونذكر كذلك أداة «بينغ إميج كرييتور Bing Image Creator» الجديدة التي تسمح لمستخدمي بحث «بينغ» الجديد المزوّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي «Bing Chat» أو متصفح «إيدج» بإنشاء صور مبتكرة بمختلف أنواعها من خلال نصوص وصفية.وأطلقت الشركة المرشد المساعد «مايكروسوفت 365 كوبايلوت Microsoft 365 Copilot» الذكي لمستخدمي تطبيقات «مايكروسوفت 365» المكتبية بهدف مساعدة المستخدمين في إنتاج المحتوى، سواء كان رسائل بريد إلكتروني أم إنشاء الوثائق أم العروض التقديمية أم تلخيص المحتوى والرسائل وتحليل البيانات وجداول الحسابات، وغيرها. يضاف إلى ذلك «المرشد المساعد للنصوص البرمجية GitHub Copilot» الذي يتيح إمكانية كتابة النص البرمجي مباشرةً من خلال الأوامر الصوتية دون الحاجة إلى لوحة المفاتيح.
وأشار الفريق أيضاً إلى استفادة قطاع آخر من هذه التقنية هو الرعاية الصحية، حيث يمكن تشخيص الأمراض وفحص أعداد كبيرة من المرضى في وقت قصير بفضل الذكاء الاصطناعي. وأسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق تقدم ملحوظ على مستوى التشخيص المبكر واكتشاف الأمراض في أولى مراحلها، وربما قبل حدوثها أو انتشارها. ونذكر كذلك الخدمات المالية، حيث أحدث الذكاء الاصطناعي موجات تغيير واسعة في قطاع الخدمات المالية وتم استخدام روبوتات الدردشة «Chatbots» لخدمة العملاء.
كما أسهم الذكاء الاصطناعي في مساعدة المعلمين والمحاضرين من خلال تحريرهم من الأعمال المكتبية وتمكينهم من أتمتة العمليات اليدوية، مثل تصحيح الامتحانات وتقييم الواجبات. كما يضمن استخدام الذكاء الاصطناعي إمكانية الوصول إلى التعليم عالي الجودة لجميع الطلاب في أي وقت وفي أي مكان، ودون تكبد المزيد من النفقات.ويرى الفريق أن الحقبة التالية من الذكاء الاصطناعي (نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة) ستساعد في مهام كثيرة، مثل تلخيص المحتوى وإدارة المستندات وتبسيط تدفقات المبيعات، ويمكن أن تمتد إلى مجالات كثيرة مثل تصميم جزيئات جديدة للأدوية أو إنشاء نصوص أو صور أو موسيقى أو محادثات أو رموز أو فيديوهات تحاكي إنتاج البشر. وتستخدم اليوم أكثر من 85% من شركات قائمة «Fortune 100» أدوات «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي.
وترى «مايكروسوفت» أنه من المهم جداً أن يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية ومسؤولة. ولذلك، فقد تم تصميم سياسات ولوائح «مايكروسوفت» في مجال الذكاء الاصطناعي بطريقة تراعي وتتماشى مع الأطر التنظيمية للاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
 

نظرة «غوغل» للذكاء الاصطناعي

يرى فريق «غوغل» أن مستقبل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستخدامات اليومية كبير، لأنها تجعلها أكثر فائدة حول العالم، سواء كانت لمساعدة الأطباء في التعرف على الأمراض بشكل أسرع أو السماح للمستخدمين بالوصول إلى المعلومات بلغاتهم الأم لإطلاق العنان لإبداعاتهم، وفتح فرص جديدة من شأنها تغيير حياة الملايين.
وفي اتصال لـ«الشرق الأوسط» مع فريق «غوغل»، أشار إلى أن هذه التقنية ستعالج التحديات المجتمعية التي تشمل الأزمة المناخية والتنبيه إلى الكوارث الطبيعية (مثل الفيضانات) والمساهمة في الوصول إلى اكتشافات علمية جديدة، وحتى رفع المستويات الصحية للمستخدمين.
ومن الأمثلة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في منتجات «غوغل» القدرة على البحث عن المعلومة باستخدام الصور أو صوت المستخدم، حيث تقوم النظم بتحليل الصوت والبحث عن أغنية مشابهة للحن الذي سجله المستخدم، أو تحليل صورة ما لإيجاد عناصر مشابهة لها. كما يمكن استخدام هذه الآليات إلى جانب كتابة النصوص إليها للبحث من خلال تطبيق «غوغل»، مثل كتابة «ملابس» وتصوير ورق الجدران أمام المستخدم، ليعثر محرك البحث على ملابس تحتوي على نمط مشابه لذلك الموجود في ورق الجدران الذي تم تصويره. كما تحلل تقنيات الذكاء الاصطناعي بيانات الخرائط وتقدم معلومات مفيدة للمستخدمين حول حالة الازدحام وساعات عمل المتاجر والسرعات المسموحة في الطرق المختلفة، وبشكل آلي. هذا، وتستطيع نظم الذكاء الاصطناعي تحليل محتوى الصور الموجودة في جهازه والسماح للمستخدم كتابة عبارة تصف عنصراً ما، لتعرض جميع الصور، التي تحتوي على ذلك العنصر.
إلا أن الفريق أشار إلى ضرورة استكشاف القدرات الكامنة لهذه التقنية ونتائجها الإيجابية والسلبية التي تتقاطع مع التجارب البشرية. ويجب التركيز على العوامل الأخلاقية للاستخدام، الأمر الذي كشفت عنه «غوغل» في مبادئ الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، والاستخدامات المفصلة حول كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، والعمليات الحكومية لتطبيقها، وهي جميعاً عوامل تُوَجِّه جهود «غوغل» في الذكاء الاصطناعي.
الجدير ذكره أن «غوغل» أطلقت نظام «بارد» Bard للذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI بشكل تجريبي للسماح للمستخدمين البحث عن المعلومات بطرق مبتكرة وغير تقليدية مقارنة بالبحث التقليدي. وترى الشركة أن الذكاء الاصطناعي هو تقنية أساسية وتحويلية ستقدم مزايا مساعدة عديدة للأفراد والمجتمعات من خلال قدرتها على تمكينهم وإلهامهم في جميع المجالات، ولديها القدرة في المساهمة لمعالجة أبرز التحديات التي تواجه البشرية. وتؤمن «غوغل» أنه يجب تقديم حلول صحيحة من خلال التعاون جماعياً بين الحكومات والباحثين والمطورين والأفراد والشركات والمنظمات والجهات المشرعة بهدف الحصول على ثقة العموم.

جدة – خلدون غسان سعيد

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




أخلاقيات الذكاء الاصطناعي… تغوُّل الآلة ومسؤولية الإنسان

ضوابط لكبح جماح البرامج والنظم

على الرغم من أن العالم بدأ التعرف على مصطلح «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر لكلية دارتموث الأميركية في خمسينات القرن الماضي؛ فإن القضية الأخلاقية بشأن تطوراته احتاجت لعقود حتى تتبلور وتتطور، إذ تناسبت طردياً -ولا تزال- مع نمو تطبيقاته وانتشارها منذ المحاولات البسيطة الأولى حتى اللحظة التي يتفاعل فيها البشر راهناً «تشات جي بي تي» ونسخه المتلاحقة.

بالنسبة إلى العاملين في قطاع التكنولوجيا سواء على مستوى الصناعة أو الابتكار فإن ثمة وجهين لقضية «الأخلاقيات»؛ فمن جهة يدعو فريق لإخضاع التطورات المرتقبة للمسألة الأخلاقية قبل تطبيقها وعدّها معياراً حاكماً إلى حد المطالبة بـ«هدنة لحوكمة التطبيقات، لضمان عدم إضرارها بالبشر»، غير أن ذلك على الوجه الآخر «قد يعطّل أو يدفع المطورين للارتداد إلى الخلف»، وفق ما يقدر فريق آخر.

وأجمع «خبراء وأكاديميون» تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» على «أهمية وحيوية تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومدى الرفاهية والفائدة التي أضافتها لحياة الكثيرين»، غير أنهم يدعون مع ذلك إلى ضرورة وضع ضوابط أخلاقية «تضبط جماح البرامج التي تتصرف آلياً، ولكن من دون أن تتحول تلك المعايير إلى سيف على رقبة الذكاء الاصطناعي».

وكان صناع تكنولوجيا ومختصون في الذكاء الاصطناعي، قد وقَّعوا في مارس (آذار) الماضي عريضة تطالب بـ«وقف أبحاث تطوير الذكاء الاصطناعي ستة أشهر لإتاحة الفرصة نحو مزيد من الحوكمة لهذا النشاط، لضمان عدم تضرر البشر منه».

وأثارت تلك العريضة التي أعدها معهد «فيوتشر أوف لايف» غير الربحي، واقترب عدد الموقعين عليها من 3 آلاف عالم ورائد أعمال، مخاوف من أن «السباق الذي تخوضه مختبرات الذكاء الاصطناعي لتطوير ونشر عقول رقمية أكثر قوة، قد يخرج عن سيطرتها، بحيث لا يمكن لأحد، ولا حتى لمنشئوها، فهمها أو التحكم فيها بشكل موثوق».

توصيات أممية

ورغم ما يحققه الذكاء الاصطناعي من مزايا للبشرية، في تشخيص الأمراض والتنبؤ بتغيرات المناخ وغيرها من الفوائد، فإن تحدياته الأخلاقية، المتمثلة في بعض الخوارزميات المتحيزة جنسياً وعرقياً، والتهديد المحتمل لبعض تطبيقاته للخصوصية، دفعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) إلى تبني «أول اتفاق عالمي بشأن توصيات حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2021، وتتمثل في 4 توصيات، أولاها: «حماية البيانات» بحيث تكون هناك إجراءات لحماية بيانات الأفراد وحقهم في التحكم بها. والثانية: «حظر استخدام نظم الذكاء الاصطناعي لأغراض المراقبة الجماعية» ووجوب اقتصار المسؤولية النهائية في أي مهمة على البشر بحيث لا تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي بحد ذاتها شخصية معنوية. أما الثالثة فتتمثل في «دعم وسائل الذكاء الاصطناعي التي تتسم بالكفاءة في استخدام البيانات والطاقة والموارد» لكي تسهم هذه الوسائل في التصدي لمعالجة القضايا البيئية. وجاءت التوصية الرابعة لتنص على أن تكون هناك «آلية لتقييم العواقب الأخلاقية للذكاء الاصطناعي».

دعوات متواصلة

المخاوف من الذكاء الاصطناعي «قديمة قدم المفهوم نفسه، ولكن روبوت الدردشة (تشات جي بي تي)، قرّبها كثيراً من نطاق الخيال العلمي إلى الواقع العملي» وفق ما يقول خوسيه ديلغادو، المتخصص في علم النفس التجريبي بجامعة غرناطة بإسبانيا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط».

الأدباء والمفكرون والفلاسفة وكذلك العلماء المتخصصون استشرفوا أهمية وجود أخلاقيات للذكاء الاصطناعي، إذ تحدث الروائي الأميركي فيرنور فينغ عام 1983، عن أن «الوجود المستقبلي للبشرية قد يعتمد على تنفيذ معايير أخلاقية راسخة في نظم الذكاء الاصطناعي نظراً لأن هذه النظم، في مرحلة ما، قد تتطابق أو تحل محل القدرات البشرية».

وحذّر الفيلسوف السويدي نيك بوستروم في عام 2018 من المخاطر المحتملة للتميز التكنولوجي في حالة تحوُّل الآلات الذكية ضد مبدعيها، أي البشر، وشدد على بناء «ذكاء صناعي ودود».

وتوافق العلماء مع المفكرين في التحذير من المخاوف الأخلاقية، فتحدثت عالمة الحاسوب الأميركية البارزة، روزاليند بيكار ‏في عام 1997، عن أنه «كلما زادت حرية الآلة، احتاجت إلى معايير أخلاقية أكثر».

وبالعودة إلى ديلغادو، فإنه لا يُبدي شكاً في أن روبوت الدردشة «تشات جي بي تي» سينجح في تجاوز أخطائه، بل إنه يعتقد أن «التعلم الآلي قد يقوده إلى أن يكون أذكى من الإنسان، وهنا تكمن الخطورة عند توظيف الذكاء الاصطناعي في عمل مشترك مع الإنسان».

ولذلك فإن ديلغادو ينبه بشدة إلى ضرورة أن «يكون للإنسان السيطرة الكاملة والمسؤولية عن سلوك ونتائج نظم الذكاء الاصطناعي». مرجعاً ذلك إلى أنه «عند تحليل بعض الحوادث التي وقعت في السنوات الأخيرة، وجد الباحثون أن سببها تغول الذكاء الاصطناعي، ومنها (تحطم قطار ألفيا على الطريق من مدريد إلى سانتياغو دي كومبوستيلا في إسبانيا عام 2013، وتحطم رحلة الخطوط الجوية الفرنسية 447 عام 2009، وتحطم رحلة الخطوط الجوية آسيانا 214 عام 2013)».

ويضيف: «خلص الباحثون الذين درسوا هذه الحوادث إلى أن سببها الأساسي يكمن في أن استراتيجيات التحكم باستخدام الذكاء الاصطناعي لم تكن مماثلة أو مشابهة لتلك المستخدمة من المراقبين البشريين».

وهذا التحدي الذي حدده ديلغادو في التفاعل بين البشر والذكاء الاصطناعي، خلاصته أنه «لتعزيز علاقة أخلاقية وعادلة بين البشر ونظم الذكاء الاصطناعي، من الواجب أن تستند التفاعلات إلى المبدأ الأساسي لاحترام القدرات المعرفية للبشر».

الإنسان الاستثنائي

ولا يتعارض التحدي السابق مع تحدٍّ ثانٍ، حدده أوزليم غاريباي، الأستاذ المساعد في قسم الهندسة الاصطناعية ونظم الإدارة بجامعة كاليفورنيا الأميركية، وهو «الذكاء الاصطناعي المسؤول» الذي يعني برأيه أن «يكون داعماً لرفاهية الإنسان، ولكن بطريقة تتماشى مع القيم البشرية».

ويقول غاريباي لـ«الشرق الأوسط»: «في إطار هذا التحدي، يمكن أن تقدم الروبوتات الذكية حلولاً طبية لبعض أشكال الإعاقة، لكن لا ينبغي أن يتطور الأمر إلى (تأليه التقنية) واستخدامها لبناء (الإنسان الاستثنائي أو الفائق) عبر تحسين مواصفاته وتعزيز ذاكرته مثلاً باستخدام شرائح إلكترونية».

بعُد أو تحدٍّ آخر لفت إليه مارك أنطوان ديلاك، الأستاذ المساعد المتخصص في الأخلاقيات والفلسفة السياسية في جامعة مونتريال بكندا، في مقال نشره بمجلة «رسالة اليونيسكو» التابعة للمنظمة الأممية في مارس 2018، لافتاً إلى «البرمجيات التي يتمّ تطبيقها بالفعل في الكثير من البلدان لتحديد «السلوك الإرهابي» أو «الشخصيّة الإجرامية» لدى الأفراد، باستخدام تقنية التعرّف على ملامح الوجه. وقال إن باحثَين من جامعة «ستانفورد» بالولايات المتحدة تعرضا للذعر «من هذا الانبعاث الجديد لنظرية الفراسة التي تحلل شخصية الفرد اعتماداً على معالم وجهه وتعابيره».

لكنّ الفراسة المنحازة لم تكن أمنية وقائية فقط، بل إن تطبيقات التوظيف تمارس جانباً من هذا، إذ كشفت دراسة لدورية «إم آي تي تكنولوجي ريفيو» (يُصدرها معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا») في فبراير (شباط) 2022 أن مواقع مثل «لينكد إن» تسعى «لإزالة بعض برمجياتها الخاصة بمقابلات العمل، والتي كانت تتحيز ضد أصحاب الهمم، والنساء المرشحات للعمل».

استخدام الأسلحة

ويقول يوشوا بنجيو، وهو عالم كندي من أبرز متخصصي الحاسوب المعاصرين، وحاصل على جائزة «تورنغ» 2018 (يُنظر إليها بوصفها موازية لجائزة «نوبل» في علوم الحاسب) لـ«الشرق الأوسط»، إنه يجب العمل على «منع تصميم نظم الذكاء الاصطناعي التي تنطوي على مخاطر عالية للغاية مثل النظم التي يمكنها استخدام الأسلحة».

ويضيف بنجيو أن «نظم الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحقق فوائد جمّة للبشرية، كما يمكن لتطبيقاتها أن تكون مفيدة في تحقيق الرعاية الصحية، لكن من جهة أخرى يمكن تطوير نظم تستخدم الأسلحة، وهذا ما يجب العمل على حظره».

ومن التحديات الأخرى التي يجب التعامل معها الحرص على «تأمين الخصوصية»، بحيث لا تنتهكها نظم الذكاء الاصطناعي، وهو أحد الأسباب التي دعت إيطاليا إلى حظر «تشات جي بي تي»، وانضمت إليها إسبانيا وفرنسا.

وأعلن «مجلس حماية البيانات الأوروبي»، عن إنشاء فريق لتعزيز تبادل المعلومات بشأن أي إجراءات يمكن اتخاذها تجاه «تشات جي بي تي»، وأفاد المجلس في 14 أبريل (نيسان) الماضي بأنه يؤيد «التقنيات المبتكرة في الذكاء الاصطناعي»، لكنه شدد على أنها «يجب أن تكون دائماً متوافقة مع حقوق الناس وحرياتهم».

و«يَجمع تطبيق (تشات جي بي تي) البيانات الشخصية ويعالجها لتدريب خوارزمياته، وهذا انتهاك واضح للخصوصية»، كما يقول دومينيكو تاليا، أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية، لـ«الشرق الأوسط».

ويضيف تاليا: «أنا مع هذا التطبيق وما يقدمه من مزايا لحياة البشر، لكن في الوقت نفسه لا أقبل أن يتم جمع بياناتي الشخصية عند تفاعلي معه».

معاهدات دولية

التحديات السابقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، يرى بنجيو، أنه «يجب التعامل معها في إطار قوانين وتشريعات ملزمة، وليس عبر التنظيم الذاتي»، ويضيف: «الأمر أشبه بالقيادة، سواء كان ذلك على الجانب الأيسر أو الأيمن، حيث يجب على الجميع القيادة بنفس الطريقة، وإلا سنكون في ورطة».

كما يلفت إلى أن «هناك مشروع قانون (بشأن الذكاء الاصطناعي) قيد الإعداد في الاتحاد الأوروبي، كما سيتم إقرار قانون قريباً في كندا، ولكنّ ذلك لا يُغني عن إصدار معاهدات دولية مماثلة لما حدث مع (المخاطر النووية)، و(الاستنساخ البشري)».

وبينما أصدرت «يونيسكو» توصياتها بشان التحديات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي قبل أقل من عامين، فإن هناك أكثر من 40 دولة تعمل مع المنظمة لتطوير «ضوابط وتوازنات الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني».

ودعت المنظمة الأممية جميع البلدان للانضمام إلى الحركة التي تقودها لبناء «ذكاء صناعي أخلاقي»، مشيرةً في بيان نشرته في 30 مارس الماضي، إلى أنه «سيتم تقديم تقرير مرحلي عمّا تحقق في هذا الإطار خلال (منتدى اليونيسكو العالمي) حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بسلوفينيا في ديسمبر (كانون الأول) المقبل».

مركز «ليفرهيوم»… نداء ستيفن هوكينغ لأنسنة الذكاء الاصطناعي

أسسه الفيزيائي البارز عام 2016

الفيزيائي الراحل ستيفن هوكينغ خلال حفل افتتاح «ليفرهيوم» عام 2016 (جامعة كمبردج)

«من المرجح أن يكون الذكاء الاصطناعي أفضل أو أسوأ شيء يحدث للبشرية على الإطلاق، لذلك فهناك قيمة كبيرة في تصحيحه»، عبر هذه النداء، وقبل وفاته بعامين، حاول العالم البريطاني البارز ستيفن هوكينغ (1942: 2018) تلخيص دعوته إلى «أنسنه الذكاء الاصطناعي».
وإفادة هوكينغ التي جاءت خلال افتتاح «مركز ليفرهيوم لمستقبل الذكاء الاصطناعي» بجامعة كمبردج البريطانية (عام 2016) تعكس جانباً من عمل المركز الذي يتخصص في «مستقبل الذكاء الاصطناعي»، ومع ذلك فإنه يحرص على إظهار البعد الإنساني في اهتماماته وأوراقه البحثية الصادرة عنه.
وتجمع الأبحاث التي يصدرها «ليفرهيوم» بين أكاديميين من تخصصات متنوعة؛ مثل: «التعلم الآلي، والفلسفة، والتاريخ، والهندسة، وغيرها»، وذلك بهدف «استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي على المدى القصير والطويل، وضمان استخدامه لصالح البشرية»، وهو الهدف الذي حدده البروفسور هوكينغ، عند افتتاح المركز الذي تم تمويل إنشائه بمنحة 10 ملايين جنيه إسترليني.
وكذلك قال ستيفن كيف، مدير المركز في حفل افتتاحه، إننا «بحاجة إلى ذكاء صناعي يساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل، لا أن يحل محلنا»، مضيفاً أنه يجب العمل على «ضمان أن تكون للنظم الاصطناعية الذكية أهداف تتماشى مع القيم الإنسانية، والتأكد من أن أجهزة الكومبيوتر لا تتطور تلقائياً في اتجاهات جديدة غير مرحب بها».
وخلال الأبحاث الأحدث لـ«ليفرهيوم»، سعى المتخصصون إلى «رصد التحيز الجنسي للرجل عن طريق إنشاء صورة نمطية ثقافية حول سيطرة الرجال على مجال الذكاء الصناعي»، الأمر الذي قد يؤدي، وفق تقديرهم، إلى «مزيد من النقص في عدد النساء العاملات بالمجال، فضلاً عن تسرب التحيز إلى الخوارزميات الموضوعة مثلاً لاختيار العاملين الجدد في أي مؤسسة».
وخلال الدراسة المنشورة في 13 فبراير (شباط) الماضي بدورية «Public Understanding of Science»، حصر باحثو «ليفرهيوم» 142 عملاً سينمائياً خلال قرن (1920: 2020) تطرقت للذكاء الاصطناعي، وحددوا 116 شخصية ظهرت كمحترفة بالمجال، وكان من بينهم 92 في المائة من الرجال، بينما تقدر النسبة الفعلية للرجال في القطاع بـ78 في المائة. وأبدى الباحثون مخاوفهم من أن الخيال العلمي يشكل الواقع، وقد يساعد «ترسيخ هذا الوضع عبر السينما، إلى تهميش المرأة في منتجات الذكاء الاصطناعي».
كما تمكن مشروع بحثي آخر أطلقه المركز خلال الفترة من 2018 إلى 2022 تحت عنوان «السرديات العالمية الذكاء الاصطناعي»، من رصد الروايات الخيالية للذكاء الاصطناعي وتحديد القيم والمصالح التي توجهها، وتحليل تأثيرها على الخيال العام والقبول العام، وعلى صانعي السياسات والحكومات.

القاهرة – حازم بدر

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




الائتلاف الألماني الحاكم ماض ٍقدماً بتعديلاته على «قانون الجنسية»

تشهد ألمانيا منذ عقود تحولات كبيرة في ديموغرافيتها جعلتها اليوم «دولة مهاجرين» بحق، وذلك بعدما بات أكثر من 27 في المائة من سكانها ذوي خلفية مهاجرة، حسب إحصاءات رسمية في العام 2021. ولكن، مع هذا ما زالت القوانين الألمانية لا تعكس هذا الواقع؛ إذ إن تشدد شروط الجنسية وفرض التخلي عن الجنسية الأصلية، يعنيان أن أكثر من 10 ملايين شخص يعيشون في بلد الـ83 مليوناً من دون أن يحملوا جنسية البلاد أو يتمتّعوا بحقوق المواطنين الألمان أو يشاركوا في الحياة السياسية. ولعل الفئة الأكثر تأثراً بشروط الجنسية المشددة هم الأتراك الذين يقارب عددهم الـ4 ملايين في ألمانيا، نصفهم لا يحمل الجنسية الألمانية والسبب رفضهم التخلي عن جنسيتهم التركية. إلا أن هذا الوضع يقترب أخيراً من نهايته في أعقاب تحضير الحكومة الاتحادية في برلين لطرح قانون تجنيس جديد يسمح بازدواجية الجنسية كما يخفف شروط التقدّم للحصول على الجواز الألماني.

مسعود أوزل، نجم كرة القدم الألماني العالمي، المتحدة من أصول تركية (د ب أ)

الحكومة الألمانية الحالية، التي يقودها اشتراكيو الحزب الديمقراطي الاجتماعي بمشاركة حزبي «الخضر» والديمقراطيين الأحرار (الليبراليون)، اتفقت على تقصير المهلة الزمنية للسماح للأشخاص بالتقدم للحصول على جنسية، فباتت 5 سنوات من العيش في ألمانيا عوضاً عن 8 سنوات كما ينص القانون الحالي، وحتى إلى 3 سنوات في حال إثبات المتقدم تمتعه بمستوى لغة مرتفع. والعنصر الأهم تسهيل إجراءات التقدم للحصول على الجنسية الألمانية للأتراك الذين جاءوا عمالاً مهاجرين بعد الحرب العالمية الثانية وبقوا في ألمانيا من دون أن يحملوا جنسيتها. ومن ناحية أخرى، سيعفي القانون الجديد أولئك الذين هم فوق سن الـ67 منهم من شرط التقدم لامتحان اللغة المكتوب، ولن يفرض عليهم سوى اجتياز الامتحان الشفهي.

ثمة سؤال يُطرح الآن، هو… هل ستصبح ألمانيا بهذا القانون، الذي من المفترض أن يصوّت عليه البرلمان خلال الصيف أو الخريف المقبلين، دولة تحتضن حقاً إرثها العرقي المتنوع؟

«لا أكترث كثيراً بالتقدم للحصول على جنسية ألمانية، أنا سعيد بجوازي التركي»… يقول ليفانت بلغة ألمانية طليقة، وهو ينقل معدات للطلاء قبل أن يبدأ العمل داخل شقة في منطقة كرويتسبيرغ ببرلين. وبالفعل، يمضي ليفانت، عامل البناء الخمسيني الذي يعمل ويقيم في برلين، الكثير من الوقت في تركيا، حيث ما زال لديه أفراد من عائلته والكثير من الأصدقاء. أما أولاده الذين وُلدوا في ألمانيا فقد حصلوا على الجنسية الألمانية، وما زالوا يحتفظون بجنسيتهم التركية؛ لأن القانون الحالي لا يجبرهم على اختيار إحدى الجنسيتين إلا عندما بلوغ سن الـ23.

رشا نصر، النائبة الاشتراكية في “البوندستاغ”، وهي متحدرة من اصول سورية (موقع “البوندستاغ”)

تعديل عام 1999

الواقع أن قانون الجنسية الألماني المعدّل عام 1999 أتاح لأولاد ليفانت الحصول على الجواز الألماني بعد 8 سنوات من إثبات سكن الوالدين في ألمانيا، وهذه المدة قلصت من 15 سنة قبل تعديل القانون آنذاك. وللعلم، حتى عقد التسعينات لم يكن أمام الأجانب المولودين في ألمانيا أي سبيل للحصول على الجنسية الألمانية. ولم يُعدَّل القانون إلا في العام 1993 للمرة الأولى من أجل السماح لأولاد المهاجرين الذين يثبتون أنهم يعيشون في ألمانيا منذ 15 سنة، بالتقدم للحصول على الجنسية. أما قبل ذلك فلم يكن ممكناً الحصول على الجواز الألماني إلا باثبات صلة الدم، أي من أحد الوالدين.

بعدها، عام 1999 عندما وصل الاشتراكيون إلى السلطة، وشكّلوا الحكومة الاتحادية مع حزب «الخضر»، أرادوا إدخال تعديلات إضافية على قانون الجنسية تشمل السماح بازدواجية الجنسية وتغييرات أخرى كانت ستمنح حق الجنسية للمولودين في ألمانيا لأهالٍ غير ألمان. غير أنهم عجزوا عن إدخال تعديلات جذرية بسبب المعارضة الكبيرة التي واجهوها من قوى اليمين بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، الذي كانت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، أمينته العامة آنذاك، ثم أصبحت زعيمته في العام التالي أي عام 2000. وفي حينه، قاد اليمين المحافظ حملة شرسة لوقف تغييرات الاشتراكيين، وبالأخص، السماح بازدواجية الجنسية، رافعاً شعار «نعم للاندماج، لا لازدواجية الجنسية»، وجمع 5 ملايين توقيع رافض لتلك التغييرات.

وفي نهاية الأمر، اضطر الاشتراكيون إلى التخلي عن الكثير من تغييراتهم، وجرى تمرير القانون بعد الاكتفاء ببعض التعديلات البسيطة منها السماح لأولاد المهاجرين الذين يولدون في ألمانيا بالحصول على الجنسية الألمانية بعد 8 سنوات عوضاً عن 15 سنة من إثبات سكن الوالدين. بل واقترن هذا الشرط بضرورة أن يختار الشخص المولود في ألمانيا عندما يبلغ سن الـ23 الجنسية التي يريد الاحتفاظ بها حصراً.

ولكن في العام 2014، أُدخل تعديل جديد حول هذه النقطة بإصرار من الاشتراكيين، الذين كانوا الشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي بقيادة ميركل، ألغى شرط الاختيار بين الجنسيتين فقط للمولودين في ألمانيا.

ومن ثم، سمح القانون المعدل عام 1999 بوجود الجنسية المزدوجة فقط لمواطني دول الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي ما زال صالحاً حتى اليوم. ولكن، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، شهدت دوائر الهجرة في ألمانيا ارتفاعاً بخمسة أضعاف في أعداد المتقدمين البريطانيين للحصول على الجنسية الألمانية قبل انتهاء المهلة الانتقالية التي ستخرج فيها بلادهم رسمياً من الاتحاد؛ وذلك تفادياً لاضطرارهم إلى التخلي عن جنسيتهم البريطانية.

الوزيرة نانسي فايزر (آ ف ب)

خلافات حزبية مبدئية

كثيرون من الأتراك الذي يعيشون في ألمانيا يرفضون، مثل ليفنات، التخلي عن جوازهم التركي لصالح الجواز الألماني. وهنا نشير إلى أن معظم أفراد الجيل الأول من الأتراك – الذين جاءوا عمالاً بعد الحرب للمساعدة في جهود إعادة البناء وإطلاق عجلة الاقتصاد – لا يحملون الجنسية الألمانية لأنهم لم يتمكنوا من استيفاء شروط اللغة. ذلك أن مدارس تعليم اللغة لم تكن موجودة أو نادرة في الخمسينات، على الرغم من أن معظمهم يجيد التخاطب الشفهي ولكن ليس الكتابة.

وحقاً، لعقود خلت ظلت الجالية التركية عبر ممثليها في ألمانيا تطالب بتسهيل منح الجوازات للأتراك والسماح بازدواجية الجنسية، ولكن الديمقراطيين المسيحيين أصرّوا على موقفهم، رافضين إقرار أي تعديلات أو تغييرات، وواصلوا عرقلة المساعي التي تبذلها الأحزاب الأخرى لتلك الغاية. وما يستحق الذكر، أنه منذ محاولة الاشتراكيين الأخيرة عام 1999، حصلت محاولات على مستوى الولايات التي تضم جاليات تركية كبيرة، مثل برلين وهيسن (التي تضم مدينة فرانكفورت)، لتغيير القوانين، بيد أن المحاولات لم تؤدِ إلى إنجاز الكثير بسبب معارضة الديمقراطيين المسيحيين. ولذا؛ نجد أنه طوال فترة حكم ميركل – الزعيمة الديمقراطية المسيحية المحافظة – التي قادت 4 حكومات اتحادية متتالية بين العامين 2005 و2021، ظل حزبها يرفض إدخال أي تعديلات على قانون الجنسية.

إلا أن هذا الوضع تغيّر بعد تقاعد ميركل وخسارة حزبها في الانتخابات الأخيرة عام 2021، وعودة الاشتراكيين لقيادة الحكومة بعد غياب 22 سنة. إذ تعهدت الأحزاب الثلاثة التي شكلت الحكومة – أي الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) وحزب «الخضر» البيئي والحزب الديمقراطي الحر الليبرالي – على إدخال تعديلات على قانون الجنسية «يماشي العصر ويكون (متلائماً أكثر) مع المجتمع الألماني.

والآن بعد سنة ونصف السنة من تسلم الحكومة الحالية مهامها، توافقت الأحزاب الثلاثة على شكل هذا القانون الذي قدّمته وزيرة الداخلية الاشتراكية نانسي فايزر إلى أعضاء الحكومة في مارس (آذار) الماضي، وسيناقش في «البوندستاغ» (مجلس النواب الاتحادي – الفيدرالي) خلال الصيف. وعلى الرغم من ارتفاع الأصوات المعارضة من الديمقراطيين المسيحيين وقوى اليمين عموماً، من المتوقع أن يمرّ القانون هذه المرة ويغدو نافذ المفعول في الخريف المقبل بعد أن يُناقَش أيضاً في «البوندسرات» (أي مجلس الولايات، الذي يمثل الأحزاب المشاركة في الولايات الألمانية الـ16 الذي تحظى الأحزاب الثلاثة المشاركة في الحكومة الائتلافية الاتحادية، بغالبية الاصوات فيه (نصف زائد واحد).

في المقابل، لم يكف حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي عن توجيه الانتقادات لخطة الحكومة تلك، وحتى أن نواباً ومسؤولين في الحزب يتكلمون عن «بيع الجواز الألماني» عبر السماح بازدواجية الجنسية. ولا يرفض الحزب فقط هذه النقطة في التغييرات، بل يرفض أيضاً تقصير مهلة السماح للتقدم للحصول على الجنسية من 8 سنوات إلى 5 سنوات. ويرى الحزب اليميني أن «التجنيس يجب أن يأتي في نهاية عملية اندماج ناجحة وليس في بدايتها؛ لأن الاندماج الجيد يحتاج إلى وقت».

على هذا يرد مؤيدو بأن تقصير المهمة والسماح بازدواجية الجنسية من السياسات التي تقرب ألمانيا من سياسات دول غربية أخرى تعتمد المبدأ نفسه. وينتقد الاشتراكيون و«الخضر»، خصوصاً، خصومهم الديمقراطيين المسيحيين وزعيمهم فريدريش ميرتز – الذي يميل إلى الجناح المتطرف في حزبه – ويتهمونه باعتماد «سياسة إقصاء». وكان ميرتز قد تعرض بالفعل لانتقادات شديدة بعدما وصف الطلاب المسلمين في المدارس، من عرب وأتراك، بأنهم «باشاوات صغار». وكان ميرتز يومها يعلق على أحداث رأس السنة الأخيرة التي شهدت اعتداءات على الشرطة من قبل شبان من أصول مهاجرة، وأراد في تعليقه الإضاءة على ضعف اندماج العائلات المسلمة في المجتمع الألماني.

هذا، ويكرّر المستشار شولتس (زعيم الاشتراكيين) نفسه في معرض رده على منتقدي إصلاح قانون التجنيس، بأن في ألمانيا قرابة الـ10 ملايين شخص يعملون ويدفعون الضرائب من دون أن يحملوا الجواز الألماني. ويضيف أن «الديمقراطية تزدهر عندما تتوافر فرص لإسماع الصوت»، في إشارة إلى ضرورة السماح لهؤلاء بالمشاركة في حق الاقتراع والحياة السياسية.

غايات تسريع الاندماج

ولكن، مع أن القانون الجديد يذهب بعيداً في تلبية دعوات الاندماج والانفتاح والإصلاح، فإنه وجّه ببعض الانتقادات من ممثلي الجالية التركية نفسها. إذ رحّب أمين عام «الجالية التركية في ألمانيا» غوياك صوفو أوغلو بالتغييرات التي تريد الحكومة إدخالها على قانون الجنسية، قائلاً «… وأخيراً ستأتي!»، لكنه سرعان ما أضاف منتقداً «إبقاء الامتحان الشفهي للغة على من يعرفون جيل العمال المهاجرين لا داعي له. كانت ستكون إشارة جيدة لو اعتُمد تسهيل أكبر في عملية للحصول على الجنسية لأولئك الذين ساهموا بإعادة بناء ألمانيا». وانتقد صوفو أوغلو كذلك تشديد القانون بالنسبة للجرائم المتعلقة بمعاداة السامية، قائلاً: «وفق المسودة الحالية، فإن ارتكاب (أفعال) بدافع العنصرية ومعاداة السامية هي لوحدها معيار استبعاد… (أفعال) وليس (جرائم) (!)… وهذا يترك الباب مفتوحاً أمام ما إذا كانت مجرد المشاركة في تظاهرات ضمن إطار حقوق حرية التعبير ستغدو معياراً للإبعاد».

في أي حال، تسعى الحكومة الاتحادية الحالية عبر تغييراتها المقترحة، ليس فقط إلى منح صوت لملايين المواطنين الذين يعيشون في ألمانيا من دون التمتع بكامل الحقوق، بل أيضاً تريد جذب مزيد من الأيدي العاملة التي تحتاج إليها البلاد بصورة ماسة وبشكل عاجل، وخاصة في مجالات الطب والتعليم. وهي تأمل أن تجذب تغييرات قانون الجنسية أعداداً أكبر من هذه الفئات لسد ثغرات كبيرة في المهارات المطلوبة.

غير أن البعض يحذر من أن ألمانيا ستكون في حاجة إلى أكثر من مجرد تعديل القانون لجذب هذه المهارات. فقد كتبت صحيفة «نويه أوزنابروك» أن ألمانيا «تحتاج إلى أكثر من مجرد قانون هجرة جذاب… إنها في حاجة إلى ثقافة ترحيبية تنقصها حتى الآن». وأضافت الصحيفة أن النقاش حول التجنيس والاندماج نقاش حساس، «لكن القانون شيء وما يعيشه الأشخاص من ذوات الخلفية المهاجرة في حياتهم اليومية في ألمانيا هو شيء آخر».

وتابعت الصحيفة شارحة «أي شخص اسمه ليس ماير أو مولر، غالباً، ما يواجه تمييزاً ضده. فمثلاً أثناء البحث عن وظيفة أو السفر في القطار وفي العمل أو عند التبضع أو التعامل مع السلطات… ليس مهماً إذا كنت مولوداً هنا أم لا». واستطردت من ثم «ما تحتاج إليه ألمانيا إلى جانب تغيير القوانين… هو ثقافة الترحيب، وهذا لا يمكن تغييره بالقوانين، بل يعتمد على المقاربة الشخصية، وعلى ألا ننظر إلى الطبيب أو الممرضة وغيرهم على أنه متضرّع يتسوّل وظيفة، بل النظر إليه كمواطن يؤدي دوره لضمان دوران عجلة المجتمع».

آليس فايدل وتينو شروبالا، الزعيمان بالشراكة لحزب “البديل لألمانيا” اليميني المتطرف (أ ب)

مخاوف من استفادة «البديل لألمانيا» المتطرف وسط الجدل المحتدم حول الجنسية والاندماج

> وسط كل الجدل حول قانون الجنسية الألماني، والتغييرات المقترحة عليه، يخشى كثيرون من الألمان أن تستغل الأصوات اليمينية المتطرفة هذا القانون الجديد لكسب المزيد من الأصوات، كما حصل بعد موجة اللاجئين السوريين عام 2015. فالكل يتذكّر في تلك الفترة كيف نجح حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف بدخول «البوندستاغ» (مجلس النواب الاتحادي) للمرة الأولى في العام 2017.

في حينه، بات أول حزب ألماني يميني متطرف يعود إلى البرلمان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولقد بنى الحزب حملته آنذاك على مشاعر الكراهية والعداء للمهاجرين والمسلمين. وراهناً، تظهر استطلاعات الرأي في ألمانيا تقدم حزب «البديل لألمانيا» في الولايات الشرقية (ألمانيا الشرقية سابقاً) التي كانت تحت سيطرة السوفيات قبل الوحدة اللألمانية.

وهنا نشير إلى جميع الأحزاب الألمانية، حتى الآن، ترفض الدخول في أي ائتلاف حكومي مع حزب «البديل لألمانيا» سواءً على مستوى كل ولاية أو مستوى البلاد ككل. إلا أن هذا الوضع قد يتسبب بمشاكل معقدة قريباً، وبالذات، على الصعيد الولايات، في حال حافظ الحزب اليميني المتطرف على تقدمه في الاستطلاعات وترجمتها نتائج حقيقية في الانتخابات.

الاختبار الأول في الولايات الشرقية خلال العام المقبل سيكون مع الانتخابات المحلية المقرّرة في ولايات ثورينجيا وساكسونيا وبراندنبرغ. وحسب أحدث الاستطلاعات في هذه الولايات، فإن «البديل لألمانيا» يتبوأ الصدارة في كل منها ولكن من دون الحصول على الغالبية المطلقة التي تمكنه من الحكم منفرداً، ما يعني بأنه سيتوجب عليه تشكيل ائتلافات مع أحد الأحزاب الأخرى.

ولكن في حال ظلت الأحزاب الأخرى متمسكة برفضها التحالف، ولو مؤقتاً مع «البديل لألمانيا»، قد تواجه هذه الولايات مأزقاً شديداً وسط مخاوف من أنها قد تصبح «غير قابلة للحكم»، خاصةً، وأن الأحزاب الأخرى مجتمعة قد لا تكون لديها هي الأخرى غالبية كافية كذلك للحكم. ثم أن حزب «البديل لألمانيا» لا يستفيد فقط من النقاش الدائر حالياً حول المهاجرين، بل يستفيد من الحرب في أوكرانيا، إذ حيث تتزايد الدعوات في صفوف الحزب المتطرف لوقف «نشر العداء لروسيا» ووقف التورط في «حرب ليست حربنا».

بيد أنه، على الرغم من كل هذه المخاوف، تتجه ألمانيا لأن تصبح – على الأقل بحسب القانون – دولة «أكثر احتواءً لتنوّعها» وقبولها للمهاجرين الذين باتوا يشكلون جزءاً أساسياً من المجتمع، وهذا ينعكس كذلك في «البوندستاغ» حيث يوجد واحد من أصل 9 نواب من خلفية مهاجرة. ومعظم هؤلاء ينتمون إما إلى حزب «الخضر» أو إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي)، بينما يظل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي «الأقل تلوّناً» من بين الأحزاب الكبيرة الثلاثة.

حقائق

سمح القانون المعدل عام 1999 بوجود الجنسية المزدوجة فقط لمواطني دول الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي ما زال صالحاً حتى اليوم

برلين – راغدة بهنام

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




سانتياغو بينيا … وارث رئاسة الباراغواي يعيش هم إرث «عرّابه» وداعمه السياسي

مصرفي يميني تقلقه العلاقة المستقبلية مع واشنطن


المفاجأة الوحيدة التي حملتها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي شهدتها الباراغواي أخيراً، لم يكن فوز سانتياغو بينيا مرشّح «الحزب الأحمر/الملّون» اليميني الذي يهيمن على المشهد السياسي في البلاد منذ أكثر من 75 سنة، بل الفارق الكبير الذي فاز به على منافسه اليساري، وحصول هذا الحزب للمرة الأولى في تاريخه على الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب، فضلاً عن فوزه بحاكمية 15 من أصل 17 دائرة. مع هذا، وعلى الرغم من الفوز الكاسح الذي حققه الرئيس الجديد، الذي سيتسلم مهامه مطلع أغسطس (آب) المقبل وهو لا يزال في الرابعة والأربعين من عمره، تواجه ولايته سلسلة من التحديات والعقبات. وليس التحدي الأقل بينها العلاقات المُلتبسة مع الحليف الرئيسي الولايات المتحدة، وبخاصة، بعدما فرضت الإدارة الأميركية في مطلع العام الجاري عقوبات على الرئيس الأسبق أوراسيو كارتيس، «عرّاب» بينيا وداعمه الأكبر، وطلبت تسليمه لمحاكمته بتهم الفساد والتعامل مع منظمات إرهابية.

سانتياغو بينيا هو أصغر رئيس جمهورية في تاريخ الباراغواي. وهو تكنوقراطي بامتياز إذ سبق له أن تولّى حقيبة المال في حكومة الرئيس الأسبق أوراسيو كارتيس بعدما كان نشاطه المهني مقتصراً على وظائف استشارية في المصرف المركزي الوطني وصندوق النقد الدولي، الذي التحق به في أعقاب حصوله على درجة الماجستير من جامعة كولومبيا العريقة في نيويورك، ومن ثم، إدارة أحد المصارف التي يملكها كارتيس الذي – إلى جانب نفوذه السياسي الواسع – يعد من أكبر الأثرياء في الباراغواي ويملك شبكة مترامية من المؤسسات الناشطة على امتداد أميركا اللاتينية.

ثم أن بينيا، إبان عضويته لمجلس إدارة المصرف المركزي، برز بين زملائه كصاحب أفكار جديدة وجريئة نادراً ما وجدت طريقها إلى التطبيق – كما يقول بعض الذين واكبوه آنذاك – لكن «الوصمة» التي لازمته منذ ذلك الحين، والتي كرّرها خصومه السياسيون طوال الحملة الانتخابية الرئاسية، أنه ينتمي إلى نخبة ضئيلة منفصلة عن واقع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها الباراغواي… ثم أنه أداة طيّعة بيد الزعيم اليميني والرئيس الأسبق كارتيس الذي يعتقد كثيرون أنه سيكون الرئيس الفعلي للبلاد.

في المقابل، فإن الذين رافقوا مسيرته في السنوات الثلاث المنصرمة يقولون عنه إنه «براغماتي… لا يسعى لإحداث ثورة في بلد ترسّخت فيه الأساليب الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، بل سيحاول تطوير النظام السائد انطلاقاً من برنامج توافقي سبق أن أعلن مراراً أنه يريده ميثاقاً وطنياً يتبناه أكبر عدد ممكن من القوى السياسية». وما يذكر أنه في أول تصريح للرئيس الجديد الشاب بعد انتخابه، قال «هذا ليس انتصاراً شخصياً، بل هو انتصار الشعب الذي اختار طريق السلم الاجتماعي والحوار والأخوة والمصالحة الوطنية كي نواجه معاً التحديات العديدة للنهوض بالاقتصاد بعد سنوات من الصعوبات. لقد أزف الوقت كي نؤجل خلافاتنا وصراعاتنا، ونعطي الأولوية للقضايا التي تجمعنا حول مصلحة الوطن العليا».

النشأة والمسيرة

ينتمي سانتياغو بينيا (44 سنة) إلى عائلة ميسورة كانت له سنداً قوياً لمواصلة تحصيله العلمي بعدما أصبح أباً وهو لا يزال دون السابعة عشرة من عمره. ويقول المقربون منه إن تجربة الأبوّة المبكرة تركت أثراً عميقاً في تكوين شخصيته من حيث تحمّله المسؤولية في سن يافعة، ويردد هؤلاء أنها كانت مرحلة صعبة في حياته ساعدته على رسم طريق واضح لطموحاته، وعلمته «الالتزام والنزاهة، وأن خدمة الذين يعتمدون علينا هي أنبل القضايا التي يمكن للمرء أن يكرّس لها حياته»، كما جاء في تصريح له أخيراً. وبالمناسبة، يدافع بينيا عن العائلة بمفهومها التقليدي المحافظ، فيرفض الإجهاض وزواج المثليين، وقد تعهّد في برنامجه الانتخابي بتعديل التشريعات التي قال إنها «تشرع الأبواب أمام التراخي في ضبط السلوك الأخلاقي للمجتمع».

في المقابل، رغم خبرة بينيا الضئيلة في المجال السياسي، فإنه ليس حديث العهد على المعارك الانتخابية، إذ سبق له أن حاول الفوز بترشيح حزبه اليميني للانتخابات الرئاسية عام 2017، لكنه خسر أمام منافسه الرئيس الحالي ماريو عبده، الذي يتزّعم التيار المناهض لداعمه كارتيس داخل الحزب. وهذه المرة، جاء ترشيحه حلاً توافقياً وثمرة «هدنة» بين كارتيس وعبده بعدما تعذّر على كليهما فرض سيطرته كاملة على الحزب، الأمر الذي هدد بصعوبات وعقبات تنتظره حتى على الجبهة الداخلية التي من المفترض أن تؤمن له الاستقرار… بعد حصول الحزب على الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب.

تعهّد بينيا في برنامجه الانتخابي وضع سياسات «ليبرالية» لتشجيع الاستثمارات الخارجية في القطاعات الإنتاجية الرئيسة مثل الزراعة والصناعات الغذائية، وخفض الضرائب بالتركيز على إيجاد فرص العمل… إذ تشكّل البطالة المرتفعة في البارغواي «كعب أخيل» الاقتصاد الذي يتباطأ نموه باطراد منذ سنوات برغم القدرات والموارد الكبيرة التي تزخر بها البلاد. ثم بعد فوزه، وجهت إليه الإدارة الأميركية التهنئة في بيان قالت فيه إنها تتطلع إلى التعاون معه لتحقيق أهداف مشتركة مثل مكافحة الفساد والإفلات من العقاب وتعزيز سيادة القانون والنهوض بالاقتصاد. وفي ذلك إشارة واضحة إلى طلب تسليم كارتيس إلى القضاء الأميركي بعد توجيه التهم إليه بالتعامل مع منظمات إرهابية، من بينها «حزب الله» اللبناني. وكان أنصار كارتيس في الحزب قد استغلّوا العقوبات الأميركية المفروضة عليه لمهاجمة الولايات المتحدة خلال الحملة الانتخابية، واتهامها بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد بهدف منع وصول بينيا إلى الرئاسة، ما ساعد على تعبئة مؤيديه واستقطاب كثيرين من المترددين في حسم خيارهم الانتخابي.

مواقف حزبية وسياسية

خلال الحملة الانتخابية جهد بينيا للنأي بنفسه عن الرئيس الحالي ماريو عبده، الذي سيسلمه السلطة مطلع أغسطس (آب) المقبل، بعد تراجع شعبية عبده كثيراً في الفترة الأخيرة بسبب سوء إدارته جائحة «كوفيد – 19» والخلافات التي نشبت داخل الحزب على عهده، وبالذات، مع جناح الرئيس الأسبق كارتيس الذي أهداه بينيا الفوز بالرئاسة، وشكره على دعمه، قائلاً له: «دورك لا يقابل إلا بالاحترام والتقدير والثناء. شكراً على هذا الفوز».

ومن ثم، حرص بعد ذلك في عدة تصريحات أدلى بها إلى وسائل إعلام محلية وأميركية على التأكيد بأن كارتيس «بريء» من الاتهامات التي وجهتها إليه الخزانة الأميركية. ومن هذه التهم أنه كان يدفع خلال ولايته الرئاسية رواتب شهرية مقدارها 50 ألف دولار لعدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب لتأمين الغالبية التي كان يحتاج إليها لتمرير المشاريع والقوانين التي تخدم مصالحه، وأنه أسس علاقات تجارية مع جهات قريبة من تنظيم «حزب الله» اللبناني الذي بنى خلال السنوات الأخيرة شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، في طليعتها فنزويلا والإكوادور والباراغواي. واستغرب الرئيس المنتخب كيف وصلت مثل هذه «المعلومات الخاطئة» الى الإدارة الأميركية، مضيفاً: «هذا سيبقى من الأسرار التي لن نعرف أبداً حقيقتها مثل: هل نزل الإنسان فعلاً على سطح القمر؟؟ (!!) ومن قتل الرئيس جون كيندي؟؟».

موضوع تايوان الحساس

من ناحية أخرى، إلى جانب دفاع بينيا القوي عن «عرّابه» السياسي في وجه الاتهامات والعقوبات الأميركية، فهو أبدى استعداده للتهدئة مع واشنطن بإعلانه أنه سيحافظ على العلاقات الدبلوماسية مع تايوان، برغم الضغوط الشديدة التي يتعرض لها حتى من داخل حزبه والقطاعات الزراعية والصناعية التي تطالبه بإنهاء هذه العلاقات والانفتاح على الصين وسوقها التجارية الواسعة. وللعلم، الباراغواي هي واحدة من 13 دولة في العالم فقط لا تزال تقيم علاقات دبلوماسية مع تايوان تعود إلى عام 1957، أي على عهد الديكتاتور السابق ألفريدو ستروسنير، الذي دام حتى عام 1989، والذي كان على علاقة وثيقة بالزعيم الوطني الصيني (ورئيس تايوان المؤسس) شيانغ كاي شيك، الذي ما زال تمثاله الضخم يرتفع وسط حديقة واسعة تحمل اسمه في العاصمة الباراغوانية أسونسيون.

وفي حين يشكك كثيرون في قدرة بينيا على الصمود في وجه الضغوط التي يتعرّض لها من بعض النافذين في حزبه – وأيضاً من شركات الصناعات الغذائية الكبرى التي تشكّل العماد الأساسي لاقتصاد الباراغواي – لإقامة علاقات دبلوماسية مع بكين التي تواظب على التلويح بالإغراءات التجارية، يؤكد الرئيس الشاب أن لبلاده مصلحة على المدى الطويل في الحفاظ على العلاقات مع تايوان وزيادة استثماراتها في عدد من القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية المتقدمة، وليس في الاعتماد على سوق واحدة من الصين لتصريف إنتاجها من المواد الزراعية والثروة الحيوانية.

غير أنه بعد تراجع صادرات الباراغواي إلى الأسواق الدولية بسبب المنافسة الشديدة التي تتعرض لها منتوجاتها، أخذت البلاد تواجه صعوبات متزايدة في السنوات الأخيرة لإيصال هذه المنتوجات إلى السوق الصينية، إذ أنها تضطر الآن إلى تصريف إنتاجها عبر أسواق بلدان ثالثة مثل الأرجنتين والبرازيل وتشيلي، وهي دول تصدّر المنتوجات ذاتها إلى الصين.

ثم أن المراقبين كانوا قد توقفوا عند بعض تصريحاته التي قال فيها «إن المواطنين يعرفون أن بلادهم تملك من الموارد ما يمكّنها أن تكون بين أكثر بلدان العالم تطوراً»، في حين أنها اليوم من أفقر بلدان أميركا اللاتينية. إذ يعيش ربع سكانها تحت خط الفقر، وتعدّ مؤسساتها التعليمية وخدماتها الصحية من الأسوأ في المنطقة. وأيضاً من تصريحاته المثيرة للاستغراب قوله إن «أسباب التخلف الذي تعاني منه الباراغواي تعود إلى الهزيمة القاسية التي تعرّضت لها عام 1870 على يد جيرانها وقضت على غالبية سكانها من الذكور ما أدّى إلى خسارتها قطار التنمية لسنوات طويلة». وكانت الباراغواي قد خاضت حرباً عسكرية طويلة، يطلق عليها اسم «الحرب الكبرى»، ضد التحالف الثلاثي الذي كانت تشكله البرازيل والأرجنتين والأوروغواي، انتهت بتعرضها لهزيمة قاسية خسرت معها مناطق واسعة كانت تتنازع عليها مع البرازيل والأرجنتين. وبجانب ذلك قضت تلك الحرب على نسبة عالية من رجالها، حتى أن بعض المؤرخين يعتبرون أنها كانت «حرب إبادة» للقضاء على الشعب في الباراغواي – الذي يقدّر أنه فقد بين 50 و 80 في المائة من أفراده، بل و90 في المائة من ذكوره البالغين إبان السنوات الست التي اشتعلت فيها تلك الحرب.

أخيراً، من الملفات الساخنة التي تنتظر الرئيس الجديد العلاقات مع إسرائيل، وذلك بعدما قررت حكومة بنيامين نتنياهو الحالية قطعها وإقفال سفارتها في أسونسيون رداً على قرار الرئيس المنتهية ولايته ماريو عبده إعادة مقر سفارة الباراغواي إلى تل أبيب، بعدما كان الرئيس الأسبق كارتيس قرّر نقلها إلى القدس.

ومع أن الطرفين عادا وقررا استئناف العلاقات في عام 2019، فإنهما لم يتفقا على إعادة فتح السفارتين، ويعزو المراقبون عودة إسرائيل عن خطوتها إلى قلقها من نفوذ «حزب الله» وتغلغله في المنطقة، وما تعتبره تهديداً لمصالحها وأمنها. وكان بينيا قد صرّح خلال حملته الانتخابية بأنه تعهّد في المباحثات التي أجراها قبل أشهر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية سيعيد مقر السفارة إلى القدس.

مدريد – شوقي الريس

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




الباراغواي… حرب تاريخية مكلِّفة و«ديكتاتورية» طويلة وحضور ألماني لافت

الباراغواي جمهورية غير مطلة على البحر، وهي الدولة السابعة من حيث المساحة في أميركا الجنوبية، إلا أن عدد سكانها لا يزيد على 7.5 مليون نسمة،. شهدت الباراغواي أعنف مراحل العنف في تاريخ المنطقة خلال الحرب التي تُعرف باسم «الحرب الكبرى» أو «حرب التحالف الثلاثي» التي خاضتها ضد جيوش البلدان المتاخمة لها: البرازيل والأرجنتين والأوروغواي، وانتهت تلك الحرب عام 1870 بهزيمة قاسية للباراغواي خسرت نتيجتها مساحات واسعة من أراضيها وقضت على نسبة كبيرة من سكانها -خصوصاً الذكور- ودمّرت اقتصادها بعدما اضطرت لسنوات إلى دفع تعويضات مالية هائلة لأعدائها عن الأضرار التي تسببت بها تلك الحرب.

خلافاً لمعظم بلدان أميركا اللاتينية، لم تنل الباراغواي استقلالها عن تاج المستعمر الإسباني في حروب التحرير التي شهدتها المنطقة خلال القرن التاسع عشر، بل عن إمبراطورية البرازيل والكونفيدرالية الأرجنتينية. ذلك أن أراضيها كانت تابعة لهاتين الدولتين اللتين رفضتا المحاولات الاستقلالية المتكررة التي قامت بها، إلى أن تمّ توقيع الاتفاق الرسمي الذي أعلن استقلالها نهائياً عن الأرجنتين في عام 1842، لتنشب بعد ثلاث سنوات «الحرب الكبرى».

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تحولت الباراغواي إلى ملاذ للنازيين الألمان الفارين من وجه عدالة الدول الحليفة. وبالفعل، استقرت فيها أعداد كبيرة منهم بحماية النظام الذي وطّد علاقاته معهم، خصوصاً بعد الانقلاب العسكري الذي قاده ألفريدو ستروسنير وحكم به البلاد بقبضة من حديد حتى سقوطه عام 1989. ويعد عهد ستروسنير أطول عهد لنظام ديكتاتوري شهدته أميركا الجنوبية في القرن العشرين، والثالث في أميركا اللاتينية بعد نظام فيديل كاسترو في كوبا (49 سنة) وبورفيريو دياز في المكسيك (34 سنة).

هذا، ويقدّر بعض المصادر المستقلة أن عدد الألمان -أو المتحدرين من أصول ألمانية- الذين يعيشون حالياً في الباراغواي بما يزيد على 400 ألف شخص. وكانت السنوات الأخيرة قد شهدت موجة أخرى من «النزوح» الألماني إلى الباراغواي، بعضها من جماعات دينية هامشية تنشد الحياة حسب التقاليد القديمة بعيداً عن النمط الحضاري الحديث، والبعض الآخر جذبتهم فيها الطبيعة والمناخ المعتدل الذي يشبه مناخ المناطق المتوسطية، فضلاً عن تدني تكاليف المعيشة والضرائب التي تكاد تكون معدومة، حتى إن صندوق النقد الدولي أوصى مراراً بزيادتها.

وإلى هذه الموجات انضمت أخرى منذ سنتين مع بداية جائحة «كوفيد – 19»، وفي حينه كانت الباراغواي من البلدان القليلة التي لم تفرض إلزامية اللقاحات وتدابير الحجر الصحي، فتوافدت إليها أعداد كبيرة من الألمان والنمساويين الرافضين الانصياع للإجراءات الصحية المفروضة في بلدانهم.

إلى جانب ذلك، تقدّر أجهزة أمنية عدة أن الباراغواي تحوّلت في العقود الأخيرة إلى «ملاذ آمن» لمئات الفارين من العدالة وعشرات المنظمات الإجرامية التي تنشط في مجال تجارة المخدرات، يساعدهم في ذلك تواطؤ بعض الجهات المحلية النافذة التي تؤمّن لهم الغطاء القانوني والحماية الأمنية، فضلاً عن استحالة مراقبة الحدود البرية التي تمتد على 3700 كيلومتر مع الأرجنتين والبرازيل وبوليفيا.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




وزراء الخارجية الأتراك… من المنصب إلى المعارضة

م تشهد فترة حكم حزب «العدالة والتنمية» التركي، التي بدأت في عام 2002، كثيراً من التعديل على منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية، الذي شغله فقط 6 وزراء، خلال 21 سنة. وفي حين كان أول وزراء الحزب يشار ياكش الأقصر عهداً في المنصب، إذ بقي فيه أقل من 5 أشهر، يُعتبر الوزير المودّع مولود جاويش أوغلو الأطول إقامة في هذا المنصب، حيث شغله فترة امتدت لنحو 9 سنوات، بينما كان الوزير أحمد داود أوغلو هو الأكثر شهرة من بين هؤلاء مع نظريته الخاصة بـ«العمق الاستراتيجي»، وسياسة «صفر مشاكل». واللافت أن كل الوزراء انتقلوا لاحقاً إلى المعارضة، ما عدا الوزير جاويش أوغلو الذي انتقل إلى البرلمان.

يشار ياكش… أقصر الوزراء عهداً

وُلد يشار ياكش في بلدة أقجاقوجة على البحر الأسود عام 1938، تقلَّد منصب وزير الخارجية التركية، وكان سفيراً لدى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» ومصر والمملكة العربية السعودية، وكان ياكش عضواً في حزب «العدالة والتنمية»، إلا أنه انتقل لاحقاً إلى صفوف المعارضة. وقد تسلَّم منصب وزير الخارجية لأقل من 5 أشهر، فقد تقلّده في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2002، وغادره في 14 مارس (آذار) 2003.

عبد الله غُل… أتى من رئاسة الوزراء وغادر إلى رئاسة الجمهورية

شغل عبد الله غُل منصب وزير الخارجية، في 14 مارس 2003، بعدما استقال من منصب رئيس الوزراء لإفساح المجال أمام رجب طيب إردوغان لترؤس الحكومة، في أعقاب إسقاط الحظر الدستوري عنه. وظلّ غل في هذا المنصب حتى 28 أغسطس (آب) 2007 حين غادره ليصبح رئيساً للجمهورية.

وُلد غُل في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1950 في مدينة قيصري بالأناضول، وتلقّى جزءاً من تعليمه الجامعي في بريطانيا، وهو حالياً أقرب إلى المعارضة، منذ خروجه من المنصب.

علي باباجان

علي باباجان… قائد مفاوضات الانضمام إلى أوروبا

علي باباجان واحد من أبرز وزراء الخارجية الأتراك، تسلّم المنصب في 29 أغسطس 2007، وغادره في 2 مايو (أيار) 2009 ليصبح وزيراً للاقتصاد، كما أنه كان المفاوض في ملف انضمام تركيا لـ«الاتحاد الأوروبي». وقبلها كان باباجان – الذي تابع دراسته العليا في الولايات المتحدة – وزيراً للشؤون الاقتصادية، وذلك منذ تسلَّم حزب «العدالة والتنمية» الحكم في نوفمبر 2002. غير أنه اختلف بشدة مع إردوغان، وغادر الحزب والحكومة، وانتقل لاحقاً إلى صفوف المعارضة، حيث أسّس حزباً جديداً دخل البرلمان الحالي بـ14 نائباً.

احمد داود اوغلو

أحمد داود أوغلو… من «صفر مشاكل» إلى «صفر أصدقاء»

قاد أحمد داود أوغلو الدبلوماسية التركية في واحدة من أصعب المراحل التي عبَرتها البلاد في سياستها الخارجية. وكان الرجل قد جاء إلى المنصب من الحياة الأكاديمية، في الأول من مايو 2009 حاملاً شعار «تصفير المشاكل» مع دول الجوار، غير أن انتفاضات «الربيع العربي» وثوراته التي وصلت إلى سوريا، وضعت العصيّ في دواليب مشروعه، الذي انتهى بعداوات لتركيا مع غالبية دول الجوار، حتى بات التندر على هذه السياسة مشروعاً من «صفر مشاكل» إلى «صفر أصدقاء».

أحمد داود أوغلو وُلد يوم 26 فبراير (شباط) 1959، وكان الرئيس الثاني لحزب «العدالة والتنمية» ورئيساً للحكومة، في الفترة ما بين 2014 – 2016 خلفاً لإردوغان، إلا أنه استقال من منصب رئيس الوزراء يوم 22 مايو 2016، بعد خلاف مع إردوغان، وانتقل إلى صفوف المعارضة وأسس حزب «المستقبل» الذي فاز بـ10 مقاعد في البرلمان الحالي.

مولود جاويش أوغلو… الوزير الأكثر ثباتاً في الموقع

من مواليد 5 فبراير 1968، وهو من مدينة ألانيا على ساحل المتوسط. جاويش أوغلو أيضاً واحد من الأعضاء المؤسسين لحزب «العدالة والتنمية». وقد شغل منصب وزير الخارجية في 29 أغسطس 2014، وبقي في هذا الموقع حتى يونيو (حزيران) الحالي، ما يجعله الأكثر ثباتاً في موقعه من بين وزراء خارجية تركيا في عصرها الحديث، ثم إنه انتُخب عضواً في البرلمان عن مدينته، وغادر موقعه ليسلِّمه إلى الوزير الجديد هاكان فيدان.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




محققون ألمان: أدلة تشير لتنفيذ تفجيرات «نورد ستريم» من بولندا

احتمال ضلوع يخت تابع لشركة مقرها بولندا مملوكة لأوكرانيين في الهجوم


يفحص المحققون الألمان أدلة تشير إلى أن فريقاً من المخربين استخدم بولندا قاعدة عمليات لإلحاق أضرار بخطوط أنابيب «نورد ستريم» في بحر البلطيق في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وذكر تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» اليوم (السبت)، أن المحققين الألمان وضعوا تصوراً كاملاً لرحلة استغرقت أسبوعين لليخت «أندروميدا»، وهو يخت أبيض اللون طوله 15 متراً يشتبه في تورطه في الإضرار بخطوط الأنابيب التي تنقل إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا.

وبحسب الصحيفة، أشار المحققون إلى أن اليخت انحرف عن وجهته في المياه البولندية، وذلك استناداً إلى بيانات من أجهزة الإرسال والملاحة في «أندروميدا»، وكذلك بيانات الهواتف الجوالة والأقمار الصناعية، وحسابات «جي ميل»، و«عينات حمض نووي (دي إن إيه) كانت على متنه، حاولت ألمانيا مطابقتها مع الحمض النووي لجندي أوكراني واحد على الأقل».

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي، أن الولايات المتحدة علمت بخطة أوكرانية لمهاجمة خطوط الأنابيب قبل ثلاثة أشهر من وقوع انفجارات تحت المياه ألحقت بها أضراراً.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم الأربعاء لوسائل إعلام ألمانية، إن أوكرانيا لم تهاجم خطوط أنابيب «نورد ستريم».

ووقعت الانفجارات في المنطقتين الاقتصاديتين للسويد والدنمارك، ويقول البلدان إن التفجيرات كانت متعمدة، لكن لم يحددا المسؤولين عنها بعد.

وأشارت وسائل إعلام ألمانية في مارس (آذار) إلى أن هناك احتمالاً بضلوع يخت تابع لشركة مقرها بولندا مملوكة لأوكرانيين في الهجوم.

تفاصيل التحقيق

تُظهر التفاصيل مجتمعة أن القارب أبحر حول كل موقع من المواقع التي وقعت فيها الانفجارات في وقت لاحق – وهو دليل عزز اعتقاد المحققين بأن يخت «أندروميدا» كان متورطاً في تدمير خط الأنابيب العام الماضي. خلص المحققون إلى أن أحد المتفجرات المستخدمة في العملية كانت «HMX»، المعروفة أيضاً باسم «الأوكتوجين»، وهي مادة عديمة اللون مناسبة تماماً لهدم البنية التحتية تحت الماء.

يقول المحققون الألمان إنهم يبحثون أيضاً في سبب استئجار اليخت بمساعدة وكالة سفر مقرها وارسو، يبدو أنها جزء من شبكة من الشركات المملوكة لأوكرانيا والتي يشتبه في صلاتها بالمخابرات الأوكرانية. وبينما يبدو أن النتائج الأخيرة قد عززت وجهة نظر المحققين بأن الأوكرانيين هم من دبروا العملية، فإنهم يحققون أيضاً فيما إذا كان من الممكن استخدام الأراضي البولندية في الهجوم.

كما وجد التحقيق الذي أجروه أن شاحنة بيضاء – شوهدت في ميناء ألماني من قبل كاميرات الأمن وشهود عيان – كانت تحمل لوحات ترخيص بولندية واستُخدمت لتزويد الطاقم بمعدات.

قال مسؤولون من كلا البلدين إن الحكومة البولندية لم تكن على علم بالتحقيق في تحركات وطاقم «أندروميدا»، واكتشفت ذلك من خلال تقارير وسائل الإعلام – وهو وضع غير معتاد لاثنين من أعضاء الاتحاد الأوروبي يشتركان في الأدوات القانونية لإجراء عمليات عبر الحدود.

بعد ورود أنباء عن القارب، طلبت السلطات البولندية من ألمانيا تقديم مزيد من المعلومات. في منتصف مايو (أيار) – بعد خمسة أشهر من تحديد برلين ليخت «أندروميدا» – عقد الجانبان ما وصفه مسؤول بوزارة العدل البولندية باجتماع عمل.

وعثر المحققون على اليخت لأول مرة بعد معلومات رُصدت في أكتوبر (تشرين الأول) من جهاز استخبارات غربي. جاءت المعلومات من شخص في أوكرانيا يجمع معلومات استخباراتية لدولة أوروبية صغيرة. منذ ذلك الحين، تساءل المسؤولون في ذلك البلد الأوروبي عن سبب عدم وصول القوى الكبرى التي تتمتع بقدرات مراقبة واسعة في أوكرانيا إلى تفاصيل المؤامرة – أو تنبيه الآخرين إذا فعلوا ذلك.

يمكن أن يؤدي التحقيق إلى تفاقم التوترات داخل منظمة حلف شمال الأطلسي، مما يزيد من توتر العلاقة بين بولندا وألمانيا. عارضت بولندا، مثل العديد من جيرانها وكذلك الولايات المتحدة، بشدة خطوط أنابيب «نورد ستريم»، التي اعتبرتها السلاح الجيوسياسي للزعيم الروسي فلاديمير بوتين لجعل أوروبا تعتمد على الطاقة الروسية.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




هل تؤسس إيران قوة بحرية مشتركة مع السعودية والإمارات وعمان؟

نشر موقع “بوليتكس توداي” الأمريكي تقريرا تحدث فيه عن المناورات البحرية الإيرانية العربية المشتركة التي تدل على التحوّل الجيوسياسي المهم الذي يشهده الشرق الأوسط.

وقال الموقع، في تقريره الذي ترجمته “عربي21″، إن هناك مناقشات بشأن إنشاء قوة بحرية مشتركة تضم إيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. والهدف الأساسي لهذا التحالف ضمان سلامة الملاحة في الخليج العربي الذي يكتسي أهمية استراتيجية. وقد شاركت الصين بنشاط في التوسط في المحادثات بين طهران والرياض وأبوظبي.

في الثالث من حزيران/ يونيو، صرح قائد البحرية الإيرانية الأدميرال شهرام إيراني بأن عدة دول إقليمية، بما في ذلك إيران والمملكة العربية السعودية، ستكوّن تحالفًا بحريًا جديدًا في الأجزاء الشمالية من المحيط الهندي.

وخلال برنامج تلفزيوني، صرح قائد البحرية الإيرانية بأن جميع الدول الساحلية تقريبًا في الأجزاء الشمالية من المحيط الهندي على استعداد لدعم إيران والتعاون بشكل جماعي لضمان الأمن. وأضاف أنه في الوقت الذي أجرت فيه إيران وسلطنة عمان العديد من المناورات البحرية المشتركة في الماضي، فإن دولًا أخرى مثل السعودية والإمارات وقطر والبحرين والعراق وباكستان والهند حريصة أيضًا على الانخراط في تعاون بحري مشترك.

وزعم شهرام إيراني أن الوجود “الغاشم” للقوى الأجنبية في المنطقة سينتهي قريبًا، وأن دول المنطقة ستتحمل مسؤولية حمايتها. ولم يقدم الإيرانيون تفاصيل محددة حول هذا التطور، ولم ترد أي تصريحات من الدول التي يُزعم أنها مشاركة في تشكيل هذا التحالف.

وذكر الموقع أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، وانغ ون بين، أعلن في السادس من حزيران/ يونيو، أن بكين تؤيّد مفهوم القوة البحرية المشتركة التي تتألف من إيران والسعودية والإمارات ودول إقليمية أخرى. وخلال مؤتمر صحفي، صرح ون بين بأن الحفاظ على السلام والاستقرار في منطقة الخليج العربي بالشرق الأوسط أمر حاسم لازدهار دول المنطقة وشعوبها، ويلعب دورًا حيويًا في السلام العالمي، ودفع عجلة النمو الاقتصادي العالمي، وضمان إمدادات الطاقة المستدامة. وسلط ون بين الضوء على التزام الصين بلعب دور إيجابي وبنّاء في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.

هل يمثل التحالف ردا على حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط؟
وفقًا لإذاعة “برس تي في” الإيرانية الحكومية، يُنظر إلى اقتراح إنشاء تحالف بحري إقليمي على أنه ردّ على الاقتراحات الأمريكية والإسرائيلية التي قدمت السنة الماضية لإنشاء حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط. وانتقد القائد تيم هوكينز، المتحدث باسم الأسطول الأمريكي الخامس والقوات البحرية المشتركة، ادعاء إيران تشكيل تحالف أمني بحري مشيرًا إلى أن إيران هي السبب الرئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي ولا يمكنها ادعاء حماية المياه التي تهددها.

وذكر هوكينز أن إيران هاجمت أو استولت على 15 سفينة تجارية ترفع علمًا دوليًا في السنتين الماضيتين، وأكد أن الولايات المتحدة تعزز دفاعاتها حول مضيق هرمز مع شركائها.

وأشار الموقع إلى أن حكومة الإمارات العربية المتحدة أعلنت انسحابها من القوات البحرية المشتركة في 31 أيار/ مايو، معربة عن خيبة أملها إزاء عدم استجابة الجيش الأمريكي الملحوظ للرد على استيلاء إيران على ناقلات تجارية في نيسان/ أبريل وأيار/ مايو.

ومع أن المسؤولين الإماراتيين نفوا أن انسحابهم من القوات البحرية المشتركة كان نتيجة مباشرة لتقاعس الولايات المتحدة عن مكافحة الأنشطة البحرية الإيرانية، إلا أن المكالمة الهاتفية التي دارت بين مستشار الأمن القومي الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، ونظيره الأمريكي جيك سوليفان، تشير إلى عدم اليقين والتوتر بشأن مسار العمل في غياب الضمانات الأمنية الأمريكية.

حسب الموقع، أدت خيبة أمل أبوظبي من الالتزامات الأمريكية الضعيفة إلى تحول في السياسة الخارجية لدولة الإمارات مع التأكيد على الدبلوماسية والشراكات مع الصين وروسيا لمواجهة التهديدات الإقليمية من إيران. وقد يعكس هذا النهج الاعتراف بتراجع نفوذ الولايات المتحدة في بيئة جيوسياسية متعددة الأقطاب واستراتيجية لتأمين التزامات أمريكية أقوى.

تحديات دول مجلس التعاون الخليجي
واجهت دول مجلس التعاون الخليجي تحديات في إنشاء هياكل عسكرية مشتركة فعالة والاتفاق على رؤية مشتركة فيما يتعلق بالتهديدات والتحديات. وتشمل العوامل المساهمة في ذلك الافتقار إلى الثقافة الاستراتيجية المناسبة والقوة العسكرية، والانقسامات والمنافسات الكبيرة داخل دول مجلس التعاون الخليجي، والمخاوف بشأن هيمنة المملكة العربية السعودية، ووجود المصالح الخاصة.

وذكر الموقع أنه رغم إصدار إعلانات مشتركة، إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست كيانًا موحدًا، ومن المرجح أن يكون للعملية العسكرية المشتركة في حالة نشوب نزاع قيمة محدودة. ويركز صناع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل أساسي على الكمية والتقدم التكنولوجي لمعداتهم العسكرية بدلاً من قدرتهم على استخدامها بفعالية. ونتيجة لذلك، يُنظر إلى أمن هذه البلدان على أنه هشّ ذلك أن “القيمة القتالية الفعلية والفعالية والقدرة على التعاون في الحرب لا تزال دون حل”.

رغم النفقات العسكرية الضخمة، اعتمدت دول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير على الدول الغربية لتوفير الحماية العسكرية والأمن. لكن تصور الولايات المتحدة كضامن أمني غير موثوق به دفع دول الخليج إلى السعي لتوثيق العلاقات مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا. كما عززوا الجهود الدبلوماسية لمواجهة التهديد المتصور من إيران. وبالتالي، فإن إمكانية التعاون الأمني بين إيران ودول الخليج ليست واردة بالكامل.

وبالنظر إلى أن الدول المعنية لم تنكر خطة إنشاء قوة بحرية مشتركة، يمكن الاستنتاج أن المناقشات قد جرت بشأن هذه المسألة. ومع ذلك، قد يكون التركيز أكثر على العمل المشترك أو التخطيط بدلاً من تشكيل تحالف بحري رسمي.

وأوضح الموقع أن بيان قائد البحرية الإيرانية بشأن المناورات البحرية المشتركة السابقة بين إيران وسلطنة عمان، وكذلك الاهتمام الذي أبدته السعودية والإمارات وقطر والبحرين والعراق ودول أخرى بالتعاون البحري مع إيران، يمكن أن يشير إلى خطط إيران لإجراء تدريبات مشتركة في خليج أو بحر عمان، على غرار تدريباتهم السنوية مع الصين وروسيا في المحيط الهندي.

تغيّر مسار العلاقات
بينما لن تكون التدريبات البحرية الإيرانية العربية المشتركة أكثر من مجرد رسائل، فإنها ستكون مؤشرًا على أن إيران ودول الخليج تبذل جهودا لتغيير مسار العلاقات بينها. وعلى الرغم من أن تفاصيل هذا المشروع لم يتم الكشف عنها بعد، إلا أنه يشير إلى وجود تحول جيوسياسي مهم في الشرق الأوسط.

أوضح الموقع أن كلا من الرياض وطهران يبحثان عن خيارات جديدة لإدارة المعادلات الإقليمية، ولم تعد دول الخليج تنظر إلى واشنطن على أنها ضامن أمني ومعالج للمشاكل الإقليمية. ويشمل ذلك خطط الشراكة الاقتصادية الصينية في المنطقة. ويبدو أن تعهّد واشنطن بإنشاء تحالف من الديمقراطيات ضد الأنظمة الاستبدادية في أعقاب الحرب في أوكرانيا قد أثار غضب بعض دول الخليج العربية.

فرقة العمل المشتركة 154
بينما يتم اتخاذ خطوات نحو التطبيع بين إيران ودول الخليج، بدأت البحرية الأمريكية التي تجري عمليات في الخليج العربي لسنوات كوسيلة لممارسة الضغط على إيران جهودًا لإنشاء قوة عمل دائمة في المنطقة. في 22 أيار/ مايو، أعلنت القوات البحرية المشتركة المتمركزة في البحرين، التي أنشأتها البحرية الأمريكية باعتبارها “شراكة أمنية متعددة الجنسيات”، عن إنشاء فرقة عمل مشتركة جديدة ضمن هيكلها.

وستركز هذه الفرقة المشكلة حديثًا، التي تحمل اسم “فرقة العمل المشتركة 154″، على الشرق الأوسط وعلى تدريب القوات البحرية الحليفة وتعزيز القدرات التشغيلية داخل المنطقة الممتدة من الخليج إلى قناة السويس. ومن خلال القيام بذلك، تهدف الولايات المتحدة إلى ثني دول الخليج عن التعاون مع إيران والإبقاء عليها بدلاً من ذلك في إطار مفهوم الدفاع الأطلسي.

المصدر: موقع عربي 21




“ذي اتلانتيك”: الربيع العربي يصارع بدوامة الموت.. هل الغرب مهتم؟

نشرت مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية، تقريرا لكيم غطاس، تحدثت فيه عن أفول نجم ثورات الربيع العربي، بعد نحو 12 عاما على اندلاعها.

وتساءلت غطاس في تقريرها عن مدى اهتمام واكتراث دول الغرب بدخول ثورات الربيع العربي “دوامة الموت”.

وركز التقرير على الانقلاب الذي قام به الرئيس التونسي قيس سعيد على الدستور، وتفرده بالحكم في البلاد التي شهدت انطلاقة الربيع العربي.

وتاليا نص التقرير مترجما:
مثّلت تونس الاستثناء، وعُدّ السودان الأمل الأخير، بينما شهدت سوريا الثورة الأكثر دموية: هذه البلدان التي عززت التفاؤل منذ وقت ليس ببعيد بموجة الديمقراطية في العالم العربي انزلقت إلى الديكتاتورية، ولا ينبغي لواشنطن أن تتجاهلها.

أثارت الأشهر القليلة الماضية استياء وإحباط ملايين العرب الذين شهدوا عودة نهائية وسريعة للأنظمة الديكتاتورية القديمة في جميع أنحاء المنطقة التي كان يحدوها الأمل قبل فترة وجيزة. سبق التنبؤ بنهاية الربيع العربي عدة مرات، ويبدو أنه تم دق المسمار الأخير في نعش الديمقراطية.

كانت تونس، مهد موجة الانتفاضات الديمقراطية في كانون الأول/ديسمبر 2010، لأكثر من عقد من الزمان نموذجًا للدول الأخرى التي تفكر في الانتقال من نظام دكتاتوري إلى ديمقراطي. وهي تشهد الآن انحدارًا حادًا نحو الاستبداد، إذ يبدو أن الرئيس قيس سعيّد المنتخب في سنة 2019 يتفوّق على الدكتاتور السابق للبلاد زين العابدين بن علي في القمع. منذ تولي مهامه، فرض سعيّد نظام الطوارئ، وعلّق عمل البرلمان، وأعاد صياغة دستور البلاد. وفي الأشهر الأخيرة، اتّخذ إجراءات صارمة ضد أي أصوات ناقدة لحكمه من خلال اعتقال الصحفيين والنقابيين والقادة السياسيين.

في سنة 2019، جدّد السودان الآمال باندلاع موجة ديمقراطية عندما أنهت حركة احتجاجية استمرت لمدة سنة – قادتها النساء في الغالب – ديكتاتورية عمر البشير الذي حكم البلاد على امتداد عقدين. أصبحت صورة الشابة البالغة من العمر 22 سنة آلاء صلاح، وهي تقف على سقف سيارة، مرتديًة ثوبا أبيض وأقراطا ذهبية كبيرة، وتقود رجالًا قياديين يرددون شعارات عن الحرية، رمزًا لتلك الثورة الديمقراطية. لكن في الشهر الماضي، خاض اثنان من الجنرالات الذين ساعدوا في الإطاحة بالبشير حربًا ضد بعضهم البعض في معركة شاملة للسيطرة على الخرطوم. وأودى الصراع حتى اللحظة الراهنة بحياة أكثر من 500 شخص ودفع عشرات الآلاف إلى الفرار من العاصمة دون أن تلوح نهاية في الأفق.

شهدت سوريا الثورة الأكثر دموية على الإطلاق في المنطقة. سعى زعماء العالم طيلة 10 سنوات لعزل الرئيس بشار الأسد جراء الممارسات القمعية التي انتهجها ضد الانتفاضة السلمية التي اندلعت في آذار/ مارس 2011 وتسببت في حمام دم راح ضحيته 500 ألف سوري.

خرج الأسد من عزلته في الوقت الراهن على الأقل في العالم العربي حيث لجأ جيرانه إليه لإيجاد حل لمجموعة من المشاكل التي ساهم في خلقها، مثل التدفقات الهائلة للاجئين والتجارة المربحة لمادة الأمفيتامين الاصطناعية المسببة للإدمان (الكبتاغون)، التي يتم إنتاجها في سوريا.

عاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع الشرق الأوسط على أنه قضية خاسرة ومنطقة لا يمكن فرض الاستقرار فيها إلا من خلال استخدام القوة العسكرية أو التجاهل. وصف الرئيس السابق باراك أوباما النزاع في المنطقة بأنه “متجذّر في صراع يعود إلى آلاف السنين”، مشيرًا إلى أنه كان حالة أبدية وحتمية.  يهدد مثل هذا النهج بتجاهل واشنطن مكانة المنطقة في المشهد العالمي الأكبر التي يحب الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، التحدث عنها على أنها منافسة عالمية بين القوى الديمقراطية والاستبدادية. في الشرق الأوسط، عادت الممارسات الاستبدادية بقوة. وما يحدث هناك سيكون له تداعيات على الغرب، سواء في الحرب في أوكرانيا أو المواجهة مع إيران.

كان مشهد بشار الأسد وهو يسير على البساط الأحمر في اجتماع جامعة الدول العربية في مدينة جدة خلال الشهر الماضي مثيرا للقلق بسبب ما تعنيه هذه اللحظة لمن هم خارج حدود سوريا. لا يزال الرئيس السوري يسيطر على جزء كبير من سوريا بسبب الدعم العسكري الذي حظي به من قبل فلاديمير بوتين في سنة 2015.

يقول المسؤولون العرب الذين التقوا بالأسد في الآونة الأخيرة إنه لم يظهر أي ندم ولا أي استعداد لتقديم تنازلات.

في ذلك الوقت، كان رد فعل واشنطن هو اللامبالاة النسبية إن لم يكن الرضا: لأنه بذلك ستكون سوريا مشكلة شخص آخر، حتى أن روسيا قد تغرق في مستنقع هناك. سلط الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مؤخرًا الضوء على هذا الملف باعتباره سوء تقدير فادحا من قبل الغرب. وفي خطاب ألقاه في آذار/ مارس الماضي، صرّح زيلينسكي: “لم يتلق الشعب السوري أي حماية دولية كافية، وهذا أعطى الكرملين والمتواطئين معه شعورا بالإفلات من العقاب”. كانت القنابل الروسية تدمر المدن السورية بالطريقة ذاتها التي تدمر بها مدننا الأوكرانية. يلعب هذا الإفلات من العقاب دورا كبيرا في استمرار السياسات العدوانية الحالية التي ينتهجها الكرملين”.

يقول المسؤولون العرب الذين التقوا بالأسد في الآونة الأخيرة إنه لم يظهر أي ندم ولا أي استعداد لتقديم تنازلات. وقد أثبتت التطورات الأخيرة صحة وجهة نظره خلقت لديه إحساسا بالنصر أثار إعجاب روسيا وإيران، التي دعمت بوتين بطائرات مسيّرة وغيرها من الدعم العسكري في حربه ضد أوكرانيا. وحتى اللحظة الراهنة، تبنت إدارة بايدن موقف عدم التدخل في الغالب تجاه عودة الأسد إلى الحظيرة العربية.

تتحمل الدول الغربية مسؤولية الإخفاقات في سوريا والسودان وتونس. فقد اتخذت مرارًا خيارات سياسية قصيرة النظر ساهمت في عودة المنطقة إلى دائرة الاستبداد وجعلتها مكانًا أكثر استقطابا لكل منتهكي حقوق الإنسان وخصوم الغرب الاستراتيجيين.

في السودان، ركّزت الولايات المتحدة ودول أخرى جهودها على التوسط بين الجنرالين المتحاربين، عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو. كتب المسؤول السابق في وزارة الخارجية، جيفري فيلتمان في مقال رأي لاذع في صحيفة “واشنطن بوست”: “لقد تساهلنا واستوعبنا غريزيا أمراء الحرب. وكنا نعتبر أنفسنا واقعيين. ويشير الإدراك المتأخر إلى أن التمني يعتبرا وصفًا أكثر دقة”.

يمكن قول نفس الشيء عن تعاملات واشنطن مع رجال أقوياء آخرين في المنطقة، بما في ذلك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الذي يقال إنه توصل إلى إمكانية تزويد روسيا بالمعدات العسكرية)، أو تعاملات الاتحاد الأوروبي مع الرئيس قيس سعيّد في تونس. لقد كان القادة الأوروبيون يتجنبون مواجهة سعيّد، ويعتمدون عليه للمساعدة في وقف تدفق اللاجئين من أفريقيا إلى أوروبا.

وبدلاً من ذلك، دفع سعيّد المزيد من الناس إلى الفرار عبر البحر الأبيض المتوسط بمواقفه اليمينية المتطرفة المعادية للأجانب تجاه المهاجرين والأفارقة، حتى في الوقت الذي تقود فيه سياساته الاقتصادية تونس إلى أزمة.

الفترة الانتقالية قد تكون مضطربة في الشرق الأوسط المعاصر، لكن التحوّل لن يستغرق قرنًا في هذه المجتمعات سريعة التغير.

لطالما كان الاستقرار الذي يوفره هؤلاء القادة وهميًا ومؤقتًا. وقد أثبت اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط في سنة 2011 ذلك، إذ أطاحت بحلفاء الغرب مثل حسني مبارك في مصر وبن علي في تونس، ذلك أن القمع اللازم للسيطرة على السكان الساخطين لم يكن مستدامًا في ذلك الوقت ولا يزال كذلك حتى يومنا هذا.

في مصر، أدّى إنفاق السيسي المتهور على مدن الأحلام الضخمة في الصحراء ومشاريع أخرى لا طائل منها، إلى جانب الفساد وانعدام الكفاءة، إلى اقتراب البلاد من التخلف عن سداد ديونها. وفي المقابل، نصح المسؤولون الحكوميون الشعب المصري بأكل أقدام الدجاج إذا لم يستطيعوا تحمل تكاليف الدجاج، بينما يحتجز النظام حوالي 60 ألف معتقل سياسي في السجن.

وحتى في منطقة الخليج، الغنية بالنفط، لا يمكن قمع السخط إلى الأبد، فقد انخفض معدل البطالة في صفوف الشباب في المملكة العربية السعودية لكنه لا يزال أقل بقليل من 30 بالمئة، كما أصبحت البطالة في الإمارات العربية المتحدة مصدر قلق كبير.

إذن، ماذا بشأن تطلعات ملايين العرب الذين طالبوا ذات مرة بإسقاط أنظمتهم؟ حتى قبل سنتين فقط، كان هناك بعض الحماس في السودان وفي دول مثل لبنان والعراق، إذ طبقت مجموعة جديدة من النشطاء دروس سنة 2011 وخططوا للترشح للانتخابات لكن جهودهم كانت ضئيلة أو تم قمعها بعنف مما لم يترك مسارًا واضحًا للمضي قدمًا لدفع متجدد للديمقراطية في العالم العربي.

رفض مروان المعشّر، وهو دبلوماسي أردني سابق ومناصر قديم للتعددية والإصلاح في المنطقة، تقبّل حقيقة أن هذه المرحلة قد انتهت وأخبرني بأنه “لا يمكنك الحكم على العملية بناءً على فشل الموجة الأولى أو الثانية”. قارن المعشّر الثورات العربية بالثورات الأخرى، بما في ذلك الثورة الفرنسية سنة 1789 التي مرت بعدة مراحل أهمها استعادة النظام الملكي، واندلاع ثورة أخرى، وأول نسخة غير مستقرة من الجمهورية البرلمانية، وأخيرا إقامة الجمهورية الرابعة بعد الحرب العالمية الثانية.

ويقترح المعشّر أن الفترة الانتقالية قد تكون مضطربة في الشرق الأوسط المعاصر، لكن التحوّل لن يستغرق قرنًا في هذه المجتمعات سريعة التغير، حيث أوضح أن “النظام العربي القديم الذي يعتمد فقط على القوة الغاشمة قد ولّى، وأن تحقيق الثروات بفضل الطفرة النفطية ليس سوى قصير المدى”. والأهم من ذلك، أن الناس لم يعودوا خائفين على حد تعبيره.

إن مطالب الربيع العربي ليست أمرًا عابرًا، إذ لا يزال ملايين الشباب في جميع أنحاء الشرق الأوسط يتوقون إلى العدالة والكرامة وسيادة القانون والحكم الرشيد ومواطن الشغل.

أما في تونس، يتبنى راشد الغنوشي، زعيم حزب حركة النهضة أكبر حزب سياسي في تونس وأحد المفكرين الأكثر نفوذا وتقدمية في المنطقة في مجال الإسلام السياسي، وجهة نظر بعيدة المدى.

لقد أمضى الغنوشي سنوات في السجن في تونس خلال الثمانينات تلتها عقود في المنفى في المملكة المتحدة. وفي أعقاب ثورة 2011، عاد الغنوشي إلى تونس ودخل السياسة. وفي سنة 2016، كتب مقالًا بارزًا في مجلة “فورين أفيرز”، قال فيه إن الديمقراطية هي أفضل نظام متاح، أو الأقل سوءًا، وأنه متوافق مع الإسلام. وحثّ إخوانه المسلمين على رفض مصطلح الإسلاميين واعتماد ديمقراطي مسلم بدلاً من ذلك.

وفي نهاية نيسان/ أبريل، ألقي القبض على الغنوشي بتهم ملفقة تتعلق بالفساد والإرهاب. وفي أيار/ مايو، حُكم عليه بالسجن لمدة سنة. في سنة 2013، قال الغنوشي لمجلة “ذا نيويوركر” عندما قُتل مئات الأشخاص بسبب احتجاجهم على الانقلاب في مصر إن “علاج الديمقراطية الفاشلة هو المزيد من الديمقراطية”. وفي مقطع فيديو تم تسجيله قبل اعتقاله مباشرة، حثّ على الصبر قائلا: “ثقوا بأنفسكم، توكلوا على الله، ثقوا بمبادئ ثورتكم، الديمقراطية ليست شيئًا عابرًا في تونس، إنها تحوّل سيسلط الضوء أيضًا على بقية العالم العربي”.

إن مطالب الربيع العربي ليست أمرًا عابرًا، إذ لا يزال ملايين الشباب في جميع أنحاء الشرق الأوسط يتوقون إلى العدالة والكرامة وسيادة القانون والحكم الرشيد ومواطن الشغل. وعندما تتحدث واشنطن عن مواضيع النضال الديمقراطي ضد القوى الاستبدادية في جميع أنحاء العالم بينما تتجاهل في الغالب الانتهاكات في المنطقة، لا تبدو كلماتها كاذبة فحسب، بل إن هذا التناقض يقوّض جهدًا بأكمله.

لا أحد يرغب في العودة إلى أجندة الحرية المنمقة لإدارة جورج دبليو بوش، لكن يجب على إدارة بايدن إعادة التفكير في كيفية تناسب الشرق الأوسط مع الصراع الأوسع لمواجهة الاستبداد. وقد يبدو النظام الأوتوقراطي الجديد في الشرق الأوسط مناسبًا للولايات المتحدة في الوقت الحالي، لكن صمت الناس مؤقت فقط.

للاطلاع إلى النص الأصلي (هنا)

المصدر: موقع عربي 21