1

التنين الصيني مارد أيقظته امبريالة الغرب

“لقد ولى إلى غير رجعة الزمن الذي كان يمكن فيه أن يُداس الشعب الصيني وأن يُعاني وأن يُضطهد”

بهذه الكلمات خاطب الرئيس الصيني شي جينبينغ شعبه في الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي في يوليو (تموز) 2021، مذكراً إياهم بما شهدته الصين من حروب أفيون واستعمار غربي في حقبة ما زالت آثارها ترسم نظرة بكين للغرب وتقود عملية الصعود والتوسع الصيني في العالم.

تأسيس جمهورية الصين الشعبية

عام 1949 كان مفصلياً في تاريخ الصين، ما قبله ليس كما بعده. قبل هذا التاريخ، وعلى الرغم من النزاعات الداخلية، كانت الصين تعد منارة الديمقراطية في آسيا بحسب وصف فرانك ديكوتير، الأستاذ بجامعة هونغ كونغ ومؤلف سلسلة “ثلاثية شعب” التي توثق تأثير الشيوعية على حياة الناس في الصين.  ففي عام 1948، استطاعت لجنة كبرى تضم 1400 مندوب ممثل عن جميع الأحزاب في البلاد، أن تصيغ دستوراً جامعاً. لكن استيلاء الميليشيات العسكرية الشيوعية على السلطة في عام 1949، وضع حداً لهذه الآمال الطموحة. 

أصبح ماو تسي تونغ رئيس الحزب الشيوعي الصيني ورئيس جمهورية الصين الشعبية الوليدة ورئيس اللجنة العسكرية التي تقود جيش التحرير الشعبي، فتم تعقب المنظمات غير التابعة للحزب الشيوعي، من منظمات دينية وخيرية ومدنية وجمعيات طلابية وغرف تجارية وغيرها، وفرت حكومة حزب الكومينتاغ ورئيسها تشانغ كاي شيك إلى تايوان، حيث استمر التنافس بين المعسكرين حول السلطة في إطار الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من عقدين. ومنذ ذلك الحين، ما زالت تايوان، الجزيرة الواقعة في الجنوب الغربي قبالة سواحل الصين، موضع نزاع بين سلطات الجزيرة المنتخبة ديمقراطياً، وبكين التي تصر على أنها جزء من الدولة الصينية ولا بد من إعادتها إلى سيادتها. 

سعى الزعيم الشيوعي إلى إعادة بناء الصين عبر خطط تنموية ثورية كانت تهدف لتطوير الصناعة بالتوازي مع الزراعة لتجاوز الغرب، معتمداً على نظرية القوى المنتجة لبناء القدرات البلاد الاقتصادية. وبالفعل، شهدت الخطة الخمسية الأولى للصين نجاحاً كبيراً في البداية من خلال الاستثمار في المصانع المملوكة للدولة، التي قدمت منتجات مهمة، مثل الجرارات والآلات والأسمدة الكيماوية، بمساعدة المخططين السوفيات. وبالأرقام، توسع الاقتصاد الصيني الإجمالي بنحو تسعة في المئة سنوياً، مع ارتفاع الإنتاج الزراعي بنسبة أربعة في المئة تقريباً سنوياً، فيما بلغ الإنتاج الصناعي 19 في المئة من ناتج البلاد.

القفزة العظيمة للأمام

أطلق ماو الخطة الخمسية الثانية تحت عنوان “القفزة العظيمة للأمام”، لكن سرعان ما تحولت إلى كارثة أسفرت عن مقتل ما يقدر بـ30 مليون مواطن بسبب الجوع بين عامي 1960 و1962، وفق جمعية الدراسات الآسيوية. 

بموجب الخطة، جرى تسريع عملية النهوض الاقتصادي من خلال العمل القسري واستغلال الفلاحين في العمل الصناعي وبناء البنية التحتية، والتركيز على زيادة صادرات الحبوب واستبدال بعض المحاصيل الغذائية بمحاصيل أخرى مثل القطن والشاي، ما أدى إلى تناقص احتياطيات الغذاء في الريف وبدء موجة من الموت بسبب الجوع.

عدم احترام أو فهم ماو للعلم كان أحد الأسباب الأساسية للمجاعة العظمى في الصين، فتحت حجة أنه “يجب على الإنسان قهر الطبيعة”، أطلق الزعيم الصيني حملة “الآفات الأربع” التي استهدفت القضاء على العصافير والقوارض والذباب والبعوض، معتقداً أنها تتغذى على الحبوب. 

تسببت حملة “الآفات الأربع” في الإخلال بالنظام البيئي وانتشار الحشرات وأسراب الجراد التي قضت بدورها على مساحات زراعية واسعة.

الثورة الثقافية البروليتارية العظمى

فشل “القفزة العظيمة للأمام” دفع ماو إلى الانسحاب من المواقع التنفيذية في السلطة والاكتفاء برئاسة الحزب الشيوعي، فيما تولى شؤون الإدارة اليومية الرئيس ليو شاوشي والأمين العام للحزب دنغ شياو بينغ. كان ليو ودنغ يؤيدان تخفيف قبضة الحزب وتنفيذ إصلاحات سوقية خفيفة ووضع نظام ثقافي أكثر ليناً، كل ذلك في إطار لينيني مألوف. لكن ماو وأتباعه لم يتقبلوا مثل هذا التحرر بسهولة، وراحوا في المقابل يدعمون مزيداً من العمل السياسي للحيلولة دون تخلي الصين عن ثورتها.

ومع تصاعد الخلاف بين الجهتين، أشعل ماو فتيل “الثورة الثقافية البروليتارية العظمى” في مايو (أيار) 1966 باعتبارها حرباً طبقية ضد فصيل من القادة داخل الحزب الشيوعي وصفهم بـ”سالكي الطريق الرأسمالي”، وطلب من الشعب التخلص من “الباليات الأربع”، وهي العادات والتقاليد والثقافة والأفكار القديمة. إثر ذلك، تشكلت مجموعات شبه عسكرية من الطلاب المؤيدين لماو سُميت “الحرس الأحمر”، لتغرق معها الصين في دوامة من الفوضى والعنف استمرت أكثر من 10 سنوات وأسفرت عن مقتل نحو مليون ونصف المليون شخص وسجن وتعذيب ملايين آخرين، حتى وفاة ماو في سبتمبر (أيلول) 1976. 

على رغم المآسي التي عرفتها الصين في ظل حكم ماو، فإنها استطاعت استعادة عضويتها في الأمم المتحدة، إذ وافقت الجمعية العامة عام 1971 على نقل عضوية مجلس الأمن من تايوان الخاضعة لحكومة الكومنتاغ، إلى جمهورية الصين الشعبية باعتبار الصين الموحدة الكيان السياسي الذي كان يسيطر على الجزيرة والأراضي الرئيسة قبل الحرب الأهلية.


الاشتراكية بخصائص صينية

عام 1978، دخل دينغ شياو بينغ نادي الكبار في الحزب الشيوعي ليقود الصين ويصبح مهندس الإصلاح الاقتصادي في البلاد، معلناً طي صفحة الماضي بعد عقود من التطهير السياسي والاكتفاء الذاتي والقيود الاجتماعية الخانقة تحت حكم ماو تسي تونغ.

بدأ دينغ في تحقيق الاستقرار السياسي، فتقاسم السلطة مع قادة حزبيين كبار آخرين خلافاً لما فعله سلفه. وفك الخناق الاجتماعي، فمنح الأفراد قدراً أكبر من الحرية في حياتهم اليومية ورفع الحظر المفروض على المؤسسات الخاصة والاستثمار الأجنبي. هذا التحول الذي أطلق عليه اسم “الإصلاح والانفتاح”، أدى إلى سياسات براغماتية حسّنت علاقات بكين مع الغرب وانتشلت مئات الملايين من الشعب الصيني من الفقر، على رغم أن الصين ظلت دولة استبدادية.

استند الإصلاح الاقتصادي لدينغ على نظرية “الاشتراكية بخصائص صينية”، التي تمثل الأساس الذي تسير عليه البلاد منذ ذلك الحين، التي دفعت الرئيس الصيني الحالي شي جينبينغ عام 2015، إلى حث الأكاديميين على تلخيص تجربة الصين في نظرية جديدة، أشار إليها باسم “الاقتصاد السياسي الماركسي الصيني”، فيما يشير المتخصصون إلى أن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية قد تبدو شكلاً من أشكال الرأسمالية تحت مظلة نظام تديره الدولة.

احتجاجات تيانانمن

لم تخلُ الإصلاحات الاقتصادية لدينغ من شوائب الفساد، لكنها في الوقت نفسه بعثت الآمال في مزيد من التحرر السياسي،  فاندلعت في أبريل (نيسان) 1989 احتجاجات طلابية تطالب بمزيد من الحرية السياسية، تطورت إلى حشود بلغت نحو مليون شخص في ساحة تيانانمن في بكين. انقسم مسؤولو الحزب الحاكم حول كيفية التعامل مع الاحتجاجات، ففيما أيّد بعضهم تقديم بعض التنازلات، أراد آخرون اتخاذ موقف أكثر تشدداً، وهو ما حصل. 

فُرضت الأحكام العسكرية في بكين، وبدأ الجنود الصينيون في الرابع من يونيو (حزيران)، التحرك نحو ساحة تيانانمن، لتدخل 50 شاحنة وما يصل إلى 10 آلاف جندي إلى الشوارع، حيث فتحوا النار على المتظاهرين واعتقلوا عديداً منهم لاستعادة السيطرة على المنطقة. 

الانخراط في المجتمع الدولي 

على الصعيد الدولي، تمكن دينغ من إعادة الصين إلى خريطة العلاقات الدولية. ففي عام 1979، وفي عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر، أسفرت دبلوماسية القنوات الخلفية عن اعتراف واشنطن الرسمي بجمهورية الصين الشعبية، بعدما رفضت ومعظم القوى الغربية على مدى 30 عاماً الاعتراف بالحكومة الشيوعية في بكين. غير أن هذه الخطوة لم تكن وليدة اللحظة، فبحسب مركز العلاقات الخارجية الأميركي، بدأ موقف واشنطن من الصين الشيوعية في التحول منذ عام 1972 تحت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، الذي زار الصين ووقع بيان شنغهاي الذي مهد لتحسين العلاقات بين البلدين.

الاعتراف الدولي الأوسع بجمهورية الصين الشعبية أعقبه عودة بكين إلى المنظمات المالية الكبرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مثلما هي الحال مع مجلس الأمن. لكن التحوّل الأكبر على الصعيد الاقتصادي، جاء في ديسمبر (كانون الأول) 2001، عندما تمكنت الصين، أخيراً، من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بعد 15 عاماً من المفاوضات الشاقة والمعقدة التي أسفرت عن انتزاع موافقة الدول الأعضاء الـ141 للمنظمة. وشكلت هذه الخطوة نقلة نوعية للصين، إذ تمكنت خلال الـ20 عاماً التي تلت من تحقيق نمو سريع جعلها أكبر دولة مُصدرة، وثاني أكبر دولة مستوردة، وثاني أكبر متلق للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم. 

لم تكن بكين لتتمكن من تحقيق هذه القفزة لولا دعم واشنطن الذي شرع أمامها أبواب منظمة التجارة العالمية، على اعتقاد أن إدخالها في نظام التجارة العالمي لن يفيد الولايات المتحدة فحسب، بل سيعزز أيضاً الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي في نهاية المطاف في الصين، وفق ما أكد حينها الرئيس الأميركي بيل كلينتون ومستشاروه. 

وبالأرقام، كانت التجارة بين واشنطن وبكين تنمو حتى قبل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، لكن العضوية في المنظمة ضمنت “علاقات تجارية طبيعية دائمة” ووفرت للشركات الأميركية والأجنبية إمكانية الإنتاج في الصين والتصدير إلى الولايات المتحدة والعالم. وإثر ذلك، انتعشت التجارة بين الجانبين لترتفع قيمة واردات السلع الأميركية من الصين من حوالى 100 مليار دولار في عام 2001 إلى 500 مليار دولار في عام 2021. وتعزى هذه القفزة في الواردات جزئياً إلى موقع بكين الحاسم في سلاسل التوريد العالمية، إذ تقوم المصانع الصينية باستخدام مكونات من جميع أنحاء العالم في المنتجات التي تصدرها.


الصعود السلمي

بعد “الثورة الثقافية” التي غيرت الأمة بشكل لا رجعة فيه وتسببت في أزمات تتعلق بالإيمان الأيديولوجي والحزب الشيوعي الصيني والثقة في المستقبل، أدرك الحزب أن الشرعية القائمة على الأداء هي الأمل الوحيد لإطالة أمد حكمه، وأصبحت التنمية الاقتصادية هي السياسة العليا. لكن في الوقت نفسه، هذه السياسة كانت موضع مراقبة من جيران الصين والولايات المتحدة. فالجمع بين النمو الاقتصادي المذهل والحوكمة السياسية والاختلاف الأيديولوجي مع القيم الغربية، تسبب في مخاوف عميقة بشأن الصين. ووفق مينغ شيا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مدينة نيويورك، فإن القيادة الصينية أدركت الحاجة الملحة لتهدئة هذه المخاوف وبناء بيئة دولية داعمة لصعودها، فطرحت حكومة الرئيس هو جينتاو نظرية “نهوض الصين السلمي”، وأعلن عنها رئيس مجلس الدولة الصيني وين جياباو في خطابه أمام جمهور جامعة هرفارد في ديسمبر 2003.

“الصعود السلمي”

نظرية صاغها السياسي والاستراتيجي الصيني زينغ بيجان الذي صاغ تقارير رئيسة لخمسة مؤتمرات حزبية وطنية وشغل مناصب عليا في المنظمات الأكاديمية والحزبية في الصين

تقوم النظرية على عدة مبادئ

  • تعتمد تنمية الصين على المساهمة في السلام العالمي
  • تلجأ الصين إلى الوسائل السلمية من أجل التنمية تعتمد تنمية الصين بدرجة أكبر على مواردها وسوقها
  • الصين مستعدة لعملية طويلة الأمد من العمل الجاد، حتى عدة أجيال، من أجل الازدهار الاقتصادي
  • لن تسعى الصين إلى الهيمنة على العالم أو تظهر كتهديد لأي دولة

  • الحلم الصيني

على وزن “الحلم الأميركي”، جاء الرئيس شي جينبينغ بشعار “الحلم الصيني” الذي ردده مرات عدة في أول كلمة وجهها للشعب الصيني كرئيس للبلاد في 17 مارس (آذار) 2013، قائلاً “علينا بذل الجهود الحثيثة وأن نتقدم بإرادة لا تعرف الهوان من أجل دفع قضيتنا العظيمة -قضية بناء الاشتراكية بخصائص صينية- إلى الأمام، وأن نكافح من أجل تحقيق الحلم الصيني بالتجديد العظيم للأمة الصينية”.

يشير الحلم الصيني، وفقاً للرئيس شي، إلى التطلع الجماعي “للتجديد العظيم للأمة الصينية”، وكذلك للأحلام الشخصية للمواطنين الصينيين لتحقيق حياة منتجة وصحية وسعيدة. لكن بحسب مراقبين، فإن الحلم الصيني لا يتعلق فقط بالتقدم والتنمية، بل تأسس على تصميم الحفاظ على هيمنة الحزب الشيوعي بل وهيمنة حكم الفرد متمثلاً في الرئيس نفسه شي جينبيغ. 

 ففي إطار مساعي شي لتعزيز سلطته على الحزب الشيوعي، أقدم البرلمان الصيني في عام 2018 على إلغاء تحديد فترات بقاء رئيس البلاد في السلطة، ليعود شي ويفوز بولاية ثالثة غير مسبوقة في تاريخ الصين في أعقاب المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي في أكتوبر 2022، بعدما عزل مسؤولين مؤيدين للسوق الحرة والرأسمالية من قيادة الحزب. 

وبحسب أستاذ القانون الصيني والسياسة في كلية فوردهام الأميركية للحقوق كارل مينزنر، فإن شي عمد كذلك إلى تهميش تاريخ القادة السابقين للبلاد، هو جينتاو وجيانغ زيمين ودينغ، بغية تعزيز صورته كذروة صعود الصين. وأضاف، “اللعبة في الوقت الحالي هي صعود الصورة الأيديولوجية لشي إلى حد قريب جداً من أو ربما تتجاوز ماو نفسه”.

ووفق أستاذ العلوم السياسية والشؤون الأمنية في جامعة “برنستون” الأميركية روري ترويكس، فإن “هذا الفصل الدرامي والغامض من المشهد يؤكد الموضوع العام للمؤتمر الوطني: تعزيز شي المُطلق لسلطته. وما خروج هو جينتاو الضعيف من المسرح سوى علامة على المسار الحالي للسياسة الصينية. فالرئيس السابق وحلفاؤه يمثلون حلفاً أكثر تكنوقراطية واعتدالاً في الحزب من جناح شي، كما أن ذلك الحلف أكثر انفتاحاً على العالم الخارجي وأقل عدوانية من الأخير… والآن كُتبت نهاية هذا التوافق بين الفريقين، وبات هناك زعيم واحد يهيمن على الصين، وهو زعيم يحيط به الآن أشخاص يُمكنون سلطته ولن يقيدوه، على عكس فترتيه الأوليين”.

خطوات رسخت حكم شي جينبينغ

2013:

إطلاق حملات لمكافحة الفساد شملت معارضين سياسيين، مثل بو تشيلاي كبير مسؤولي الحزب الشيوعي في تشونغتشينغ، الذي حكم عليه بالسجن مدى الحياة

2015:

اعتقال مئات المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان وسحب تراخيص مزاولة المحاماة من آخرين بسبب دفاعهم عن قضايا حساسة

2018:

ألغى البرلمان الصيني تحديد فترات بقاء رئيس البلاد في السلطة ما يفسح المجال أمام بقاء شي جينبينغ في السلطة مدى الحياة

مبادرة “الحزام والطريق”

في عام 2013، أطلق الرئيس شي جينبينغ مجموعة واسعة من مبادرات التنمية والاستثمار تم تصميمها لربط شرق آسيا وأوروبا من خلال البنية التحتية المادية، ثم توسع المشروع ليشمل أفريقيا وأوقيانوسيا وأميركا اللاتينية، مما أدى إلى توسيع نفوذ الصين الاقتصادي والسياسي بشكل كبير حول العالم.

1 تريليون دولار

تنطوي مبادرة “الحزام والطريق” على إنفاق واحد تريليون دولار في أعمال البناء والاستثمارات في أكثر من 100 دولة عبر آسيا الوسطى وأفريقيا وأوروبا

70 في المئة

تغطي المبادرة 70 في المئة من السكان في العالم،
و75 في المئة من احتياطيات الطاقة المعروفة

147 دولة

 وقعت حتى الآن 147 دولة تمثل 40 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، على مشروعات في المبادرة أو أشارت إلى اهتمامها للقيام بذلك

42 ميناء

يضم المشروع حتى الآن 42 ميناء في 34 دولة حول العالم،
مثل سريلانكا وتنزانيا وجيبوتي وإسرائيل واليونان وصولاً إلى البرازيل

الإمبريالية الجديدة

يعتبر البعض أن مبادرة “الحزام والطريق”، التي تُعرف أحياناً بـ”طريق الحرير”، هي نوع من “الإمبريالية الجديدة”، إذ ينظر مراقبون إلى القروض الكبيرة التي تمنحها الصين للدول لتمويل تحديث بنيتها التحتية في إطار المبادرة، على أنها كأس مسمومة محتملة.

بالأرقام، يُظهر برنامج تعقب “الحزام والطريق” التابع لـمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أن إجمالي الديون المستحقة للصين قد ارتفع بشكل كبير منذ عام 2013، متجاوزاً في بعض البلدان 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. فبين عام 2014 و2017، الفترة التي شهدت ذروة الإقراض في الصين، بلغ مجموع القروض أكثر من 120 مليار دولار تغطي مشاريع مدعومة من الطرق السريعة إلى السكك الحديدية ومحطات الطاقة.

في ماليزيا، شن رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد حملة ضد مشروعات مبادرة “الحزام والطريق” المبالغ فيها وألغى مشاريع بقيمة 23 مليار دولار خشية وضع البلاد تحت عبء ديون خانقة. وقال “لا نريد وضعاً تحدث فيه نسخة جديدة من الاستعمار لأن الدول الفقيرة غير قادرة على التنافس مع الدول الغنية، لذلك نحن بحاجة إلى تجارة عادلة”، غير أنه عاد وأعلن لاحقاً “دعمه الكامل” للمبادرة. 

وبالفعل، وبسبب عبء الديون، اضطرت سريلانكا لنقل ملكية مشروع ميناء هامبانتونا إلى الصين للتخلص من عبء مليار دولار أميركي، وهو ميناء يمثل موطئ قدم لبكين في ممر مائي استراتيجي يقع بالقرب من الهند، المنافس اللدود لها. وسيطرة الصين على ميناء هامبانتونا فتحت النقاش حول سياسة الديون الصينية التي تثقل البلاد النامية بالديون ومن ثم توقعها في فخ عدم القدرة على السداد، فتحقق بكين أهدافاً استراتيجية أوسع بالسيطرة على مشاريع مهمة حول العالم.


النمو الاقتصادي

منذ أن بدأت الصين في الانفتاح وإصلاح اقتصادها في عام 1978، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي أكثر من تسعة في المئة سنوياً، وانتُشل أكثر من 800 مليون شخص من براثن الفقر، بالتوازي مع إجراء تحسينات كبيرة في الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها. غير أن ظهور فيروس كورونا عام 2019 والأزمة العقارية اللاحقة التي شهدتها الصين، أربكا مسار النمو الاقتصادي الذي سجل في عام 2022 أدنى نسبة منذ 40 عاماً من دون أن يتجاوز ثلاثة في المئة، بما يمثل انخفاضاً كبيراً عن عام 2021 عندما زاد الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من ثمانية في المئة. 

وتوقع البنك الدولي أن ينتعش الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى 4.3 في المئة عام 2023، في حين توقع عضو لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي الصيني وانغ يمينغ، أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من خمسة في المئة خلال العام. 

وتعد الصين حالياً دولة ذات دخل متوسط أعلى، لذا يوصي البنك الدولي بالمضي قدماً نحو تحول جهود التخفيف من حدة الفقر بشكل متزايد إلى معالجة نقاط الضعف التي يواجهها عدد كبير من الأشخاص الذين لا يزالون يعتبرون فقراء وفقاً لمعايير البلدان المتوسطة الدخل، بما في ذلك أولئك الذين يعيشون في المناطق الحضرية.


قدرات الصين العسكرية

مطلع مارس (آذار)، أعلنت الصين زيادة ميزانيتها الدفاعية لعام 2023 بنسبة 7.2 في المئة، وهي أعلى نسبة منذ 2019. وستخصص الصين 1553.7 مليار يوان (225 مليار دولار) لنفقات الدفاع، وهي ثاني أعلى ميزانية في العالم بعد الولايات المتحدة التي تزيد عليها بنحو ثلاثة أضعاف. 

تأتي الصين في المرتبة الثالثة في قائمة أقوى جيوش العالم لعام 2023، وفق مؤشر “غلوبال فاير”. ويضم جيش التحرير الشعبي الآن في صفوفه مليونين و35 ألف رجل وامرأة، بحسب مركز الأبحاث البريطاني “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”. ويتوزع هذا العدد بين القوات البرية (965 ألفاً) والجوية (395 ألفا) والبحرية (260 ألفا) والوحدة المسؤولة عن الصواريخ الاستراتيجية (120 ألفاً).

وتمتلك الصين نحو 350 رأساً نووياً، وفقاً لأرقام تعود لعام 2022 أوردها “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”. إلا أن وزارة الدفاع الأميركية اتهمت بكين في نوفمبر (تشرين الثاني) بنيتها زيادة ترسانتها النووية إلى 1500 رأس بحلول عام 2035.

وتمتلك الصين ثلاث حاملات طائرات، تعمل اثنتان منها فقط حالياً والثالثة في مرحلة اختبار في البحر. ولديها قاعدة عسكرية واحدة فقط خارج البلاد في جيبوتي، وتقول إنها مخصصة بشكل أساس لعمليات مكافحة القرصنة في المنطقة، مقابل امتلاك الولايات المتحدة مئات القواعد في جميع أنحاء العالم.

وتعتقد وزارة الدفاع الأميركية أن الصين “تلحق بسرعة مصاف القوات الجوية الغربية”. وبحسب “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”، فإنها بكين تحرز تطوراً سريعاً، مدعومة على الأخص بمقاتلات جديدة مثل “J-16” والمقاتلات الشبح “J-20″، وهي طائرات “تضاعف على الأرجح” معدل إنتاجها السنوي خلال السنوات الثلاث الماضية.

تحديات داخلية وخارجية

بينما يفرض نظام الحزب الشيوعي الصيني قمعاً داخلياً ضد المعارضين والداعين للديمقراطية التي يعتبرها تهديداً مباشراً لبقاء الحزب في السلطة، فإن تلك الأقاليم التي تحظى باستقلال ذاتي لا تزال تشكل صداعاً في رأس بكين، ناهيك بالحرب التجارية التي تضغط بها واشنطن لاحتواء الصعود الصيني المتسارع. 

داخلياً، المخاوف من الاضطرابات الاجتماعية مستمرة، ويتشارك القادة القلق من أن الغضب العام والنشاط في شأن مجموعة من القضايا، مثل عدم المساواة في الدخل والتهديدات البيئية والاستيلاء على الأراضي وسلامة الغذاء والافتقار إلى حماية المستهلك، يمكن أن يهدد سيطرة الحزب ويحفز التغيير الاجتماعي الديمقراطي، فعدد من مظالم الجمهور باتت مطروحة على مواقع الإنترنت، ما أدى إلى تآكل طفيف لسيطرة الحزب الشيوعي على الاتصالات السياسية في البلاد على رغم الرقابة الشديدة التي يفرضها.

وأحد مظاهر التململ الصيني، حملة “تانغ بينغ” أو “لاينغ فلات”، وتعني “ابقَ مستلقياً”، التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في الأشهر الأخيرة.  وتقوم الفكرة على تحرير الذات من نماذج نجاح المجتمع الصيني لتبني أسلوب حياة أبسط وأكثر سعادة. ويرجع أصل هذه الحركة إلى نص مكتوب نشر على الإنترنت في يوليو (تموز) 2021 بعنوان “لاينغ فلات إن جاستيس”، لتكثر على إثره شهادات تعبّر عن الإرهاق من الحياة اليومية، قبل أن تحذف فوراً. ولم تبقَ الحركة في الفضاء الإلكتروني وحسب، بل وصلت إلى الشارع حيث يرتدي البعض قمصاناً تحمل شعار “#لاينغ_فلات“.

هذا الامتعاض أخذ منعطفاً آخر بحملة جديدة تحت عنوان “لت إت روت” وتعني “دعه يتعفن”. ويقول عالم السينولوجيا ومدير شركة “سيركوس غروب” في مونتريال أليكس باييت، لموقع “فرانس 24″، إن حملة “دعه يتعفن” تنتشر حتى بين قياديي الحزب الشيوعي، “لقد رأينا ذلك، على سبيل المثال، أثناء الفيضانات: يفضل التنفيذيون انتظار تعليمات واضحة من الهيئات الإدارية بدلاً من اتخاذ مبادرات، حتى لو كان لذلك عواقب وخيمة”.

كما تواجه الصين انتقادات دولية متصاعدة جراء معاملتها القمعية للسكان الإيغور في إقليم شينغيانغ الصيني، إذ يُحكى عن معسكرات للعمل القسري يُحتجز فيها أبناء تلك الأقلية المسلمة. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين صينيين وشركات ومؤسسات لها صلة بما تمارسه الدولة بحق الإيغور، علماً أن بكين تنفي أي انتهاكات لحقوقهم.

خارجياً، الحرب التجارية مع الولايات المتحدة تفاقم الضغط على الصين. في مارس 2018، أعلن الرئيس الأميركي حينها دونالد ترمب الاتجاه لفرض رسوم جمركية تبلغ 50 مليار دولار على السلع الصينية لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة وسرقات الملكية الفكرية. ومع تطبيق القرار في صيف العام نفسه، تبادل الطرفان فرض الرسوم الجمركية على بضائع تصل قيمتها إلى مليارات الدولارت. وفي حين دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن إلى رفع القيود، جاء الرد الرئيس الديمقراطي بزيادة الضوابط، إذ اتخذت إدارته إجراءات عديدة لمنع حصول الصين على تكنولوجيا الرقائق الإلكترونية الدقيقة وأشباه الموصلات اللازمة لصناعة عديد من الأجهزة التكنولوجية والأسلحة المتطورة، وحثت كذلك أوروبا على الاصطفاف معها في مواجهة الصين، باعتبارها خصماً استراتيجياً، وهو ما استجاب له الاتحاد الأوروبي.


 صداع إقليمي ثلاثي

في عام 1997، أوفت بريطانيا بالتزامها للصين بتسليم هونغ كونغ لسلطة الحكومة المركزية في بكين مقابل تعهّد الأخيرة بإبقاء النظام الرأسمالي في هذه المنطقة من دون تغيير لمدة 50 عاماً “على الأقل” حتى عام 2047 عملاً بمبدأ “دولة واحدة ونظامين”، الذي هدف إلى “توحيد البلاد سلمياً، وضمان أن تتمسك الدولة بالنظام الاشتراكي مع بقائها (هونغ كونغ) على النظام الرأسمالي، وإمكانية تمتعها بقدر من الحكم الذاتي”.

بالفعل، حصلت هونغ كونغ على امتيازات مهمة منها استقلالية واسعة النطاق وحرية تعبير وقضاء مستقل، ومع ذلك لم تتوقف محاولات بكين لفرض سيطرتها عليها. ففي 30 يونيو (حزيران) 2020، وقع الرئيس الصيني قانون “الأمن القومي الوطني لهونغ كونغ” الذي هدف إلى قمع الاحتجاجات الضخمة التي خرجت في المدينة رفضاً لمشروع قانون يسمح لسلطات هونغ كونغ بإرسال المشتبه فيهم جنائياً للمحاكمة في الصين. وعلى رغم تعليق المشروع، استمرت الاحتجاجات إدانة لعنف الشرطة بحق المتظاهرين وانتشرت بشكل واسع في المدينة، في تحركات دانتها الصين ووصفتها بـ”الأعمال الإرهابية”.

تايوان بدورها تمثل موقعاً لحكومة ديمقراطية منافسة للصين في قلب آسيا ولها صلات قوية بواشنطن. وفي حين تؤكد الجزيرة استقلالها، تصر الصين على أن الجزيرة الواقعة في الجنوب الغربي قبالة سواحلها هي جزء من أراضيها ولا بد من إعادتها إلى سيادتها، مما يثير مخاوف من تحرك عسكري صيني ضد تايوان. 

في المنطقة نفسها، يمثل بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي حيث تمر معظم تجارة الصين نقطة أخرى مهمة، إذ تشكل هذه المنطقة محور صراع بين الصين من جهة والمحور المنافس المتحالف مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، ويضم اليابان وتايوان والفيليبين، الذين تمنع أراضيهم وصول بكين إلى المياه العميقة في المحيط الهادئ. وعلى هذا الصعيد، وسعياً لاحتواء الصين، شكلت واشنطن أخيراً تحالفات دولية لتقويض نفوذ الصين في منطقة المحيط الهادئ، أبرزها الحوار الأمني الرباعي المعروف باسم “كواد” الذي يجمع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، واتفاقية “أوكوس” الأمنية التي تجمع أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. 

وفي ظل ضغط داخلي متزايد ربما يدفع شي وقيادة الحزب الشيوعي الصيني إلى تشتيت انتباه المعارضة الداخلية من خلال عدوان خارجي، يقول مراقبون إن هناك دلائل على أن الصين ستصعد العدوان وتثير الصراعات، وهو ما دفع بايدن خلال جولته الآسيوية الأولى أواخر مايو (أيار) الماضي، لإعلان التزام بلاده الدفاع عن تايوان. 

“عندما تحكم القوة يتعثر النمو”

كان يُنظر إلى سقوط الشيوعية في أواخر القرن الـ20 على أنه الانتصار الأخير للديمقراطية الليبرالية والنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي دعمته. ومع ذلك، بالنسبة للكثيرين، ألقى الصعود الاقتصادي للصين خلال الأعوام الـ30 الماضية بظلال الشك على تفوق الأنظمة الديمقراطية في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي والازدهار. لكن هل القوة الاقتصادية وحدها كافية في مواجهة جيواستراتيجية مع الولايات المتحدة؟ 

يقول مدرس السياسات الدولية والأمن لدى كلية جونز هوبكنز في واشنطن جوزيف جوفي، إنه لا يمكن للديمقراطيات أن تسحق المعارضة، وهي ميزة دائمة على السلطويين. ففي الأزمات، يلجأ الأقوياء على الدوام إلى القمع، وهو أمر مفيد لهم ولكنه سيئ للاقتصاد. إذ لا يؤدي القمع إلى زيادة العائدات كما تظهر تجربة جميع الحكام المستبدين، وآخرها في فنزويلا وإيران وروسيا. ويتوقع جوفي أن تشهد الصين في عهد شي مصيراً مماثلاً قائلاً، “عندما تحكم القوة، يتعثر النمو”.

ووفق معهد “غريتر باسيفيك كابيتال” في المملكة المتحدة، فإن مسألة الديمقراطية ودور الحرية في النمو الاقتصادي عادت إلى الظهور في وقت يتباطأ نمو الصين وتكافح الدولة من أجل إعادة اختراع اقتصادها مرة أخرى مع الحفاظ على مؤسساتها السياسية الاستبدادية. وبحسب المعهد، يبدو أن فهم تأثير الحرية على التنمية الاقتصادية أمر حاسم مرة أخرى لكل من المسار الاقتصادي المحتمل للاقتصادات الكبرى مثل الصين والهند وللنمو المستمر للديمقراطية في العالم، التي يراها الغرب ليس كمحفز للنمو الاقتصادي وحسب، ولكن كحق أساسي من حقوق الإنسان أيضاً. 

كتابة إنجي مجدي

تحرير وإعداد إيليانا داغر

صحيفة اندبندنت عربية




ما السيناريوهات المتوقّعة لجلسة الأربعاء الانتخابية؟

كيف ستكون نهاية جلسة انتخاب رئيس الجمهورية المقرّرة في 14 حزيران المقبل؟ هل ستحمل رئيسًا الى قصر بعبدا؟ ما السيناريوهات المتوقعة لها؟. أسئلة كثيرة تُطرح على بعد أيام من الجلسة الانتخابية مع إيمان واضح لدى كثيرين بأنّ نتيجة الجلسة لن تكون سوى إضافة رقم جديد الى عداد الجلسات التي عُقدت سابقًا. يستبعد كثر من الفاعلين على خط الاتصالات الرئاسية أن تُنتج الجلسة رئيسًا اللهم الا اذا حملت “مفاجأة” غير متوقعة في ربع الساعة الأخير، وهذا أبرز ما يميّز السياسة اللبنانية، فعلى مدى عقود مضت خبِرنا أنّ ما هو مستبعد اليوم قد يُصبح واقعًا غدًا والعكس صحيح. كل شيء في السياسة جائز طالما أنّ كلمة السر الخارجية تفعل فعلها لدى كثيرين. الاستحقاق الرئاسي إحدى المحطات السياسية الرئيسية التي لطالما خضعت لموجات من المدّ والجزر قبل أن يسلك المسار الانتخابي الطريق الطبيعية التي من المفترض أن يسلكها.   

الحال المذكور نعيشه اليوم على وقع الفراغ الرئاسي المستمر منذ 31 تشرين الأول 2022، أي منذ انتهاء عهد رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون. أكثر من ثمانية أشهر لم تتمكّن فيها القوى السياسية اللبنانية من إيصال رئيس الى قصر بعبدا. أكثر من 10 جلسات انتخابية عُقدت بلا نتيجة. ولمن لا يعلم، فقد حدّد الدستور اللبناني ــ في المادة 49 منه ــ إجراءات انتخاب الرئيس الجديد من قبل مجلس النواب بأعضائه البالغ عددهم 128 عضوًا. الانتخاب يكون بالاقتراع السري بأغلبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى أي 86 من أصل 128 نائبًا. أما في الدورة الثانية فيجري الاكتفاء بالغالبية المطلقة أي 65 نائبًا. 

لدى سؤال مصادر فاعلة على خط الاتصالات عن مصير جلسة الأربعاء تُسارع الى القول “خروج البعض عن التفاهم الفرنسي يضع لبنان في مهبّ الريح”. برأيها، ثمّة سيناريوهات لا تُحمد عقباها بانتظار الساحة اللبنانية في حال جرى نعي هذا الاتفاق. لكنها في المقابل تعوّل على التحرك الفرنسي القديم-الجديد وما سيحمله وزير الخارجية الفرنسي السابق جان إيف لودريان الى لبنان، سائلةً :”هل سينضم السعوديون الى الموقف الفرنسي لنشهد انفراجة رئاسية أم سيتعقّد المشهد أكثر فأكثر؟!”.

بزي: ثلاثة خيارات محتملة 

المحلّل السياسي الدكتور وسيم بزي يرسم في حديث لموقع “العهد” الإخباري ثلاثة سيناريوهات واحتمالات لجلسة الأربعاء: 

1- تأمين النصاب لانعقاد الدورة الأولى للانتخاب. تلك الدورة ستكون بمثابة إظهار لموازين القوى والتوازنات، يُعوّل على أرقامها في السياسة دون انتخاب رئيس، على أن تحدّد هذه الدورة مصير الدورة الثانية لجهة تطيير النصاب من عدمه مع أرجحية فقدان النصاب. وفي هذه الدورة لا يُرجّح أن يحصل المرشحان أزعور وفرنجية على أرقام وازنة. الأرقام ستتراوح بين حصول النائبَين على 53 الى 55 صوتًا وسط عدم حسم المتردّدين ــ البالغ عددهم حوالى 18 نائبًا ــ لموقفهم حتى الساعة. وهنا يستبعد بزي الوصول الى رقم الـ65 نائبًا لأي منهما. وفي هذا السياق، يوضح أنّ حزب الله وحركة “أمل” يخوضان غمار هذه المواجهة بقوة دفع وإيمان كبيرين و”تكتيك” لا يزال سرّيًا قد تنتج عنه مفاجأة كبيرة. 

2- تطيير النصاب من الدورة الأولى بمعنى أن لا يلتئم النصاب نهائيًا وبالتالي كل ما يجري يبقى في إطار “الصخب” ودون نتائج حقيقية. 

3- حصول مفاجأة كبيرة عبر انعقاد دورتين أولى وثانية تؤديان الى انتخاب رئيس، وهذا احتمال يكاد يكون صفريًا أي بلا حظوظ. 

ثلاثة تطورات ترسم خريطة المشهد 

يلفت بزي الى أنّ ثمّة ثلاثة تطورات كبيرة حصلت خلال الـ24 ساعة الماضية قد ترسم خريطة الطريق لمشهد الأربعاء. التطور الأول تمثل بإعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري “أننا رشّحنا فرنجية لنصوّت له”. التطور الثاني تمثل ببيان كتلة الوفاء للمقاومة الذي أكّدت فيه أنها ستقترح للمرشح الذي دعمته. التطور الثالث تمثل بإعلان “اللقاء الديمقراطي” في بيان مكتوب دعمه لخيار أزعور دون أن يؤكّد  في المضمون اذا كان سيقترع له أم لا. برأي بزي، من الآن حتى الأربعاء سنكون أمام أيام تبدو فيها وتيرة الحركة سريعة جدًا والاصطفافات يُغلفها الكثير من الإرباك وعدم الوضوح. 

يوضح بزي أنّ ثمّة 18 نائبًا في عداد المتردّدين ما بين خيار فرنجية وأزعور والورقة البيضاء. العمل على هؤلاء النواب سيكون حاسمًا لجهة تظهير المشهد. جزء من هؤلاء النواب ينتمي الى الكتل السنية الأساسية، جزء ينتمي الى “التغييريين”، إضافة الى النواب الثلاثة (شربل مسعد، عبد الرحمن البزري، وأسامة سعد)، النائبان عماد الحوت ونبيل بدر، علمًا أن نواب عكار الستة يُفترض أنهم يتأرجحون بين فرنجية والورقة البيضاء، يضيف بزي. 

ويشدّد المتحدث على أنّ مشهد الرئاسة أثبت أنّ العامل الخارجي مؤثر جدًا على العامل الداخلي. وفق قناعاته، يُعطي النائب السابق وليد جنبلاط الاعتبار الوحيد للموقف السعودي. وبحسب بزي، صحيح أنّ السعودية تهمس أنها على مسافة واحدة من كل الأطراف وأنها لم تتدخل، وهذا ما عبّر عنه السفير السعودي في موسكو لنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف لكنّ هذا لا يعني أن  المنطق الحاقد على فرنجية مدفوع من قوى خارجية أساسية منها قطر والسعودية وأميركا. وهنا يسأل بزي:” هل هذا المسار يهدف لمعادلة الأزعور بفرنجية والذهاب الى الخيار الأميركي المفضّل والمتمثل بقائد الجيش جوزيف عون؟ أم أن تغطية أزعور بتعليق عمله في صندوق النقد يُثبت أن هناك إرادة دولية تقودها أميركا هي التي تزكّي جهاد أزعور وتدفع به مرشحًا منذ أكثر من سنة؟. 

وفيما يشير بزي الى مجيء لودريان الى لبنان، يؤكّد أنّ الحل الفرنسي لا يزال  قائمًا وأنّ أي كلام عن استبعاده يجافي الحقيقة. ويذكّر بجوهر هذا التفاهم القائم على أن هناك فريقًا أساسيًا اسمه حزب الله يجب أن تعبر الرئاسة من خلاله حتى تصل الى شاطئ الأمان، مع الإشارة الى أنّ الجانب الفرنسي اتكأ على تفويض أميركي يبدو أنه تراجع الى حد كبير، وعلى إيجابية سعودية لم تصل الى خواتيمها حتى الآن. 

وفي الختام، يشدّد بزي على أنّ من يريد فعلًا أن يُخرج لبنان من محنته عليه أن يُراهن على التوافق، ويبدو موقف حزب الله وحركة “أمل” في هذا الإطار، وإلا فنحن أمام أزمة رئاسية طويلة ستطيح بموعد حاكمية مصرف لبنان وتجعل لبنان أمام سيناريوهات خطيرة. تمامًا كما أنها قد تطيح بموعد انتخاب قائد جديد للجيش أواخر العام القادم وسط شغور منصب رئيس الأركان. حينها ستفقد الولايات المتحدة الأميركية ــ وفق بزي ــ سطوتها على لبنان ليتقدّم احتمال المؤتمر التأسيسي كثيرًا على مخرج الانتخابات، يختم بزي.  
 

فاطمة سلامة – موقع العهد




دور منظمة شنغهاي للتعاون في مجابهة تهديدات السلم والأمن

تأسست منظمة شانغهاي للتعاون (SCO) كرابطة متعددة الأطراف لضمان الأمن والحفاظ على الاستقرار عبر الأنحاء الشاسعة لأوروبا وآسيا، وتوحيد الجهود للتصدي للتحديات والتهديدات الناشئة، وتعزيز التجارة فضلاً عن التعاون الثقافي والانساني.

وعن طريق تعزيز التعاون الذي يحقق المنفعة للأطراف بالتساوي، ومنع المواجهة والنزاع، والحفاظ على الأمن كحق متساو وكامل، فإن منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) تهدف إلى بناء نظام عالمي متعدد المراكز، يتسق بشكل تام مع قواعد القانون الدولي ومبادئ الاحترام المتبادل، التي تلبي مصالح كل دولة، مع وضع احتياجاتها وطموحاتها المتبادلة في الاعتبار. وباعتبارها منظمة متعددة الجنسيات ومتعددة الثقافات، فإن منظمة شانغهاى للتعاون تسعى جاهدة إلى إخماد صراع الحضارات في جميع مناطقها بالتحديد.

واستناداً إلى التمسك بمبادئ الانفتاح، فإن منظمة شنغهاي للتعاون لا تنوي تشكيل أية تحالفات، أو توجيه أعمالها ضد أي كيان يتمتع بالسيادة. وهي تلتزم بشكل نشط ومتسق بالحوار والتبادل والتعاون، وترتكز على الالتزام الصارم بالأغراض والمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، مثل المساواة وسيادة الدول، وعدم قبول التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام الوحدة الإقليمية، والحرص على سلامة الحدود، وعدم الاعتداء، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، فضلاً عن غيرها من قواعد القانون الدولي المعترف بها عالمياً، والتي تهدف للحفاظ على السلم والأمن، وإقامة شراكات بين الدول، وحماية السيادة الوطنية واحترام الحق في تقرير المصير والمسار إلى الأمام لتحقيق التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. 

تم تصميم هيكل المنظمة بالكامل بهدف تكوين شراكات متعددة الأطراف لمساعدة الأعضاء السياسيين في تنسيق الاستراتيجيات والأساليب لحل القضايا الدولية الملحة وتلبية الاحتياجات الإقليمية. كما أنه يتيح فرصة للدول الأعضاء لكي تركز جهودها على الأهداف المشتركة بما يتماشى مع مبادئ التعاون الطوعي والتوزيع العادل للمسؤوليات.

توسيع منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) – بناء قدرات المنظمة

انعقدت القمة التاريخية لرؤساء دول منظمة شانغهاي للتعاون (SCO) في أستانا، كازاخستان، في 8 و9 حزيران/ يونيو 2017، وقد مثلت مرحلة جديدة في تطوير المنظمة. وكان من بين النتائج الرئيسية للقمة منح عضوية كاملة للمنظمة لكل من الهند وباكستان. وقد سمح انضمام هاتين الدولتين القويتين والمؤثرتين في جنوب آسيا لمنظمة شانغهاي للتعاون بتعزيز قدرتها وتوسيع نطاق الفرص المتاحة لها، بما في ذلك في مجال مكافحة التحديات والتهديدات القائمة والناشئة.

إن المنطقة الشاسعة التي تضم الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون، تمتد من الشمال إلى الجنوب من القطب الشمالي إلى المحيط الهندي، ومن الشرق إلى الغرب من ليانيونجانج في الصين إلى كالينينجراد في الاتحاد الروسي، كما يعيش فيها ما يقرب من 44% من سكان العالم، وتضطلع بالمهمة الأساسية الخاصة بالحفاظ بشكل جماعي على الاستقرار والتصدي بفعالية للتهديدات الأمنية عبر مناطقنا، وكذلك المسؤولية تجاه ما يعد حالياً أكبر منظمة إقليمية على الأرض. 

عن طريق توحيد أربع قوى نووية، هي نصف عدد الدول النووية في العالم، في منظمة إقليمية واحدة، فإن منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) تشكل رادعاً إضافياً في إطار النظام الذي تم إنشاؤه للحفاظ على التوازن الاستراتيجي للقوة والاستقرار السياسي في العالم.  

بالإضافة إلى اتفاقيات الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) بخصوص القضايا الرئيسية المتعلقة بجداول الأعمال الإقليمية والعالمية، فإن نص إعلان أستانا الصادر عن رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون، والذي يمثل وثيقة ختامية لمؤتمر قمة أستانا، يحدد الخطوات الأخرى التي سوف تتخذها المنظمة للتصدي للتهديدات التي يتعرض لها السلم والأمن الدوليين.

الأساليب والخطوات العملية نحو تحقيق الأمن والاستقرار

استناداً إلى الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي المعترف بها عالمياً، وكذلك السعي الدؤوب لتحقيق أغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، فإن منظمة شانغهاى للتعاون تتحلى باعتقاد راسخ بأن هذا القانون هو وسيلة دبلوماسية لا مثيل لها لحل النزاعات. وفي هذا الصدد، تواصل المنظمة دعمها للدور التنسيقي الأكثر وضوحاً للأمم المتحدة في العلاقات الدولية، مع التركيز على مزيد من التطوير للتعاون الوثيق مع تلك المنظمة العالمية.

تم إطلاق عدد من المبادرات الخاصة تحت رعاية الأمم المتحدة ومنظمة شانغهاي للتعاون، والتي أسهمت بدورها بشكل واضح في تعزيز التعاون الدولي لمكافحة التحديات والتهديدات المشتركة للأمن. ومن أمثلة ذلك نتيجة الحدث الخاص رفيع المستوى بشأن “الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون: مواجهة التحديات والتهديدات المشتركة”، والذي انعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 في نيويورك، فضلاً عن الحدث الفرعي رفيع المستوى بشأن “الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون في مجال مكافحة المخدرات: التهديدات المشتركة والإجراءات المشتركة”، الذي انعقد بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في آذار/ مارس 2017 في فيينا.  

ستواصل منظمة شانغهاى للتعاون بذل جهود منسقة لمكافحة التحديات والتهديدات المشتركة للأمن، وتعميق الحوار وتعزيز التعاون لضمان الأمن الشامل من خلال مكافحة الإرهاب، والإرهاب الإلكتروني، والنزعة الانفصالية، والتطرف، والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، والاتجار غير المشروع بالمخدرات، فضلاً عن تعزيز أمان المعلومات الدولية، والاستجابة لحالات الطوارئ. 

وفي هذا الصدد، تعتزم منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) إجراء مزيد من التطوير في هيئتها الدائمة، وهي الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب (RATS). وتوضح البيانات بوضوح مدى فعالية الجهود التي بذلها الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب (RATS). ففي الفترة ما بين عامي 2011 و2015، وفي ظل التنسيق من جانب الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب (RATS)، تمكنت السلطات في الدول الأعضاء بالمنظمة من الحيلولة دون وقوع 20 هجوماً إرهابياً كانت لا تزال في مراحل التخطيط، وتفادي 650 جريمة ذات طابع إرهابي ومتطرف، وإزالة 440 معسكراً لتدريب الإرهابيين وتحييد 1700 من المنظمات الأعضاء في الإرهابي الدولي. وتم إلقاء القبض على أكثر من 2700 عضواً من الجماعات المسلحة المحظورة وشركائهم والأشخاص المشتبه في ارتكابهم أنشطة إجرامية، بينما تم تسليم 213 شخصاً ذوي صلة بمنظمات إرهابية أو متطرفة، مع الحكم على العديد منهم بالسجن لفترات طويلة؛ تم وضع 180 مشتبها بهم على قوائم المطلوبين، وتم الكشف عن 600 قاعدة سرية مزودة بأسلحة، وتمت مصادرة أكثر من 3250 جهازاً للتفجير العشوائي، بالإضافة إلى 10,000 قطعة سلاح، وحوالي 450,000 قطعة ذخيرة، وأكثر من 52 طناً من المتفجرات.   

إن الاستجابة المشتركة من جانب منظمة شانغهاى للتعاون تجاه التهديد المتزايد باستمرار للتطرف هي اتفاقية المنظمة لمكافحة التطرف، وتم تبنيها في القمة في استانا. سوف يعزز هذا المستند من الإطار القانوني الدولي لمواجهة التحديات والتهديدات المستجدة، إلى جانب اتفاقية شنغهاي لمكافحة الإرهاب والنزعة الانفصالية والتطرف، واتفاقية منظمة شنغهاي للتعاون ضد الإرهاب، وبرنامج الدول الأعضاء في المنظمة للفترة من 2016 إلى 2018 بشأن التعاون في مكافحة الإرهاب، والنزعة الانفصالية والتطرف، فضلا عن أدوات الأمم المتحدة الأساسية، مثل استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وتهدف اتفاقية منظمة شانغهاى للتعاون لمكافحة التطرف إلى الارتقاء بالأمن وزيادة التعاون الفعال بين السلطات، وتحسين الإطار القانوني في هذا المجال.

إن تصاعد الأنشطة الإرهابية في مختلف أنحاء العالم يتطلب تطوير وتحسين الأساليب والتقنيات المستخدمة في كفاحنا المشترك ضد هذا الشر. إن البيان الصادر عن رؤساء الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون بشأن مكافحة الإرهاب الدولي الصادر في أستانا، هو أداة سياسية هامة تتضمن تقييماً لحالة شؤون وأساليب دعم القوات المشتركة في كفاحنا ضد الإرهاب، ودعوتنا إلى المجتمع الدولي للاتحاد في إطار تحالف دولي واسع النطاق لمكافحة الإرهاب لمجابهة هذا التهديد العالمي الخطير.

إن انتشار الأيديولوجية والدعاية المتطرفة، بما في ذلك المبرر العام للإرهاب كوسيلة للتحريض على ارتكاب أعمال إرهابية، كان خطراً بوجه خاص في ظل هذه الظروف. وفي هذا الصدد، ستعزز المنظمة جهوداً مشتركة للتصدي للتطرف المجتمعي، الذي يؤدي إلى تجسيد أسوأ أشكال التطرف، بما في ذلك الإرهاب، ولا سيما بين الشباب. كما أننا نتخذ خطوات لمنع التطرف الديني والإثني والإيديولوجي والسياسي والتعصب الإثني والعرقي وكراهية الأجانب. وإلى جانب التعاون بين سلطات إنفاذ القانون والهيئات القضائية، سيتم توجيه اهتمام خاص لتعزيز الدور القيادي الذي تقوم به الدول في مكافحة الإرهاب والنزعة الانفصالية والتطرف، فضلا عن إمكانية تقديم مساهمات طوعية ومسؤولة من المجتمع المدني، بما في ذلك المنظمات الدينية التقليدية والمؤسسات التعليمية والبحثية، ووسائط الإعلام الجماهيري، والمنظمات غير الحكومية العاملة في الدول الأعضاء في المنظمة وفقا لتشريعاتها الوطنية.

التمسك بأحكام اتفاقية عام 2006 بشأن التعاون في تحديد وقبول قنوات الاختراق في منطقة الدول الأعضاء في المنظمة، من الأفراد المشاركين في الأنشطة الإرهابية والانفصالية والمتطرفة، فضلاً عن اتفاقية عام 2015 بشأن التعاون والتفاعل بين أعضاء المنظمة، ستواصل الدول الأعضاء تعاونها في منع الأنشطة الضارة وحركة الإرهابيين الأجانب والمسلحين والجماعات الإرهابية عن طريق المراقبة الفعالة للحدود، وتبادل البيانات المتعلقة بالأشخاص المشتركين في أنشطة إرهابية، وتحديد وثائق الهوية المزورة أو المسروقة، فضلاً عن إجراء تحقيقات مشتركة في جرائم الإرهاب العابرة للحدود.

وستتعاون الدول الأعضاء في المنظمة أيضاً في التصدي لأنشطة الأفراد والمنظمات المتصلة بتجنيد وتدريب واستغلال الإرهابيين والدعاية، فضلاً عن تبرير الأعمال الإرهابية أو تمويلها.     

بالرغم من أن منظمة شنغهاي للتعاون ليست تحالفاً عسكرياً، إلا أن صراعنا في الخطوط الأمامية ضد التهديدات الإرهابية يتطلب منا مواصلة تطوير وتعزيز الآليات الساعية إلى القضاء الكامل على الأنشطة الإرهابية. وفي هذا الصدد، ستواصل منظمة شنغهاي للتعاون مناوراتها التدريبية المقررة لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك أعمال بعثة السلام بمنظمة شنغهاي للتعاون. وسنعزز أيضا تعاوننا في مكافحة الدعاية الراديكالية والتبرير العام للإرهاب والنزعة الانفصالية والتطرف في وسائط الإعلام الجماهيري وفي حيز المعلومات، وذلك بالاستناد على اتفاقية التعاون في ضمان أمن المعلومات الدولية بين الدول الأعضاء بالمنظمة.

مكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات من بين أولويات منظمة شانغهاي للتعاون

يظل إنتاج المخدرات والاتجار بها بصورة غير مشروعة من أخطر التهديدات التي تهدد السلم والاستقرار الدوليين. وستواصل المنظمة تطوير التعاون وتنسيق الإجراءات التي تتخذها الدول الأعضاء لمكافحة هذا التهديد استناداً إلى اتفاقية عام 2004 بشأن التعاون بين الدول الأعضاء في المنظمة في مكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف، وبيان رؤساء الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون بشأن تهديدات المخدرات لعام 2015، ووفقا لأحكام اتفاقيات الأمم المتحدة وقراراتها، بما في ذلك نتائج الدورة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن مشكلة المخدرات في العالم، التي عقدت في نيسان/ أبريل 2016 في نيويورك. وفي سياق عمليات خاصة لمكافحة المخدرات أجريت داخل أقاليم منظمة شنغهاي للتعاون على مدى السنوات الخمس الماضية، تم ضبط 69 طناً من مادة الهيروين المميتة من التجار، مما يدل على فعالية جهودنا المشتركة في هذا المجال. ويشكل هذا الرقم حوالي 14% من العقاقير المصادرة في جميع أنحاء العالم. كما ساعد التعاون الفعال فيما بين هيئات إنفاذ القانون في ضبط 75 طناً من السلائف المستخدمة في الإنتاج غير المشروع للسموم المخدرة.

وأثبت التعاون بين سلطات الدول الأعضاء في المنظمة نجاحاً إلى حد ما. إلا أنه من أجل مكافحة تهديد المخدرات على نحو فعال، سيكون من الضروري دعم جهود المجتمع الدولي ككل. وفي هذا الصدد، تعتزم المنظمة مواصلة تعاونها الوثيق مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

التنمية الاقتصادية كوسيلة للحيلولة دون ظهور مصادر جديدة للتحديات والتهديدات الأمنية

إن التنمية الاقتصادية غير المتكافئة في مختلف أنحاء العالم تؤدي بصورة متزايدة إلى التطرف وإلى حالات النزاع التي تهدد الحياة في نهاية المطاف. وتؤدي الاتجاهات السلبية في التنمية الاقتصادية العالمية إلى تكثيف الاختلالات القائمة التي تسهم بدورها في تزايد عدد التهديدات والتحديات التي تواجه الأمن والتنمية المستدامة. وفي ضوء ذلك، فإن منظمة شنغهاي للتعاون تمثل تعاوناً دولياً واسع النطاق في توفير الرواج للانتعاش الاقتصادي العالمي، وضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي، والحفاظ على نمو مستدام وديناميكي ومتوازن وشامل في بيئة سريعة العولمة. وفي الوقت نفسه، توافق الدول الأعضاء في المنظمة على أن التجارة العالمية يجب أن تتم وفقا لمبادئ الشفافية وعدم التمييز وعدم مقبولية الممارسات الحمائية. ويجب أن تستند التجارة إلى قواعد تطبق بالتساوي على جميع المشاركين. ومن المهم إزالة الحواجز التجارية القائمة ومنع نشوء حواجز جديدة، وذلك من أجل تسهيل تشكيل اقتصاد عالمي مفتوح يعزز النظام التجاري المتعدد الأطراف.

وستقوم منظمة شانغهاي للتعاون باتخاذ إجراءات إضافية للمساعدة فى تنمية الاقتصادات الإقليمية وتوفير ظروف مواتية للتجارة ودعم مبادرات الاستثمار وتعزيز البنية الأساسية وبناء المجمعات الصناعية كلما سمحت الظروف المناسبة، وكذلك تحسين جودة حياة السكان.       

ومن الخطوات العملية الهامة في هذا الاتجاه تنفيذ اتفاقية حكومات الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون بشأن تهيئة الظروف المواتية للنقل البري الدولي، والتي تم توقيعها في دوشانبي، طاجيكستان، في أيلول/ سبتمبر 2014. ولا تقتصر هذه الاتفاقية على إرساء شروط عادلة لإدارة التدفق التجاري ذي المنفعة المتبادلة من أوروبا الشرقية إلى الساحل الشرقي الروسي والصين، بل أصبح أيضا الأساس القائم على معاهدة للتنمية الشاملة متعددة الأطراف للبنية التحتية الإقليمية، وكذلك نظام متكامل للنقل البري.

الحوار الثقافي كإجراء وقائي ضد التهديدات الأمنية

العامل الرئيسي في إقامة الثقة المتبادلة والصداقة وعلاقات الجوار بين الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون هو تعاونها في المجالات الثقافية والتعليمية والعلمية. حيث يسهم الحوار الثقافي المتواصل والمتأصل بين دول منظمة شانغهاى للتعاون في الاطلاع على الخبرات الثقافية لبعضهم البعض وإثرائها، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى مستوى أكبر من التفاهم المتبادل. فالحوار الثقافي يجمع الناس معا ويوحدهم حول قيم وتطلعات إنسانية مشتركة، ويساعد على الحد من كراهية الأجانب، والتعصب الديني والعرقي، والتمييز القائم على أساس إثني وعرقي. ويشمل هذا الحوار هدفاً رئيسياً من أهداف المنظمة يتمثل في التقريب بين الحضارات.

ويتجسد التراث التاريخي والثقافي الغني لشعوب بلدان منظمة شانغهاي للتعاون في المواقع الثقافية التي تشكل حاليا 20% من قائمة اليونسكو للتراث العالمي. يمثل الاطلاع على هذه المعالم فرصة فريدة للتعرف على التاريخ النابض بالحياة للمنطقة الأوراسية، والتمتع بمجموعة متنوعة من الصفات الوطنية والثقافية الفريدة، وفهم أفضل للعقلية ونظرة عامة من الناس المقيمين هناك.

إن توسيع نطاق التفاعلات الثقافية داخل منطقة منظمة شانغهاي للتعاون، وتعزيز التفاهم المتبادل بين شعوبها واحترام تقاليدها وعاداتها الثقافية والحفاظ على التنوع الثقافي داخل الدول الأعضاء في المنظمة وتعزيزه، سيظل أولوية قصوى لعملنا الذي يرمي إلى تعزيز السلام وضمان الأمن والتنمية المستدامة. ويمكن تحقيق هذه الأهداف الحاسمة من خلال تنظيم المعارض والمهرجانات والمسابقات الدولية، من خلال تعزيز التبادلات الثقافية، والتعاون بين البلدان، والأبحاث العلمية الجارية التي تدرس التراث الثقافي والطبيعي للمنطقة. 

راشد عليموف – الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون

المصدر: موقع وقائع الأمم المتحدة




روسيا والأمم المتحدة تبدآن مشاورات بشأن اتفاق الحبوب في جنيف

بدأ وفد روسي وممثلون عن الأمم المتحدة جولة أخرى من المحادثات في جنيف يوم الجمعة لمناقشة مذكرة تم توقيعها في اسطنبول في يوليو من العام الماضي لتوريد الغذاء والأسمدة إلى السوق العالمية.

ويرأس الوفد الروسي نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين، وتمثل الأمم المتحدة الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ريبيكا غرينسبان.

لم يتم الكشف عن المكان المحدد للاجتماع في جنيف وجدول أعماله المفصل.

وتابعت “المناقشات تسير كما هو مخطط لها. لا يوجد شيء آخر لإضافته في هذه المرحلة “.

انفجار خط أنابيب الأمونيا

وقد عجل بالمشاورات الحالية انفجار في خط أنابيب الأمونيا من تولياتي – أوديسا. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف إن مخربين أوكرانيين فجروا جزءا من خط أنابيب الأمونيا تولياتي-أوديسا في منطقة خاركوف مساء يوم 5 يونيو ، مما أسفر عن إصابة عدد من الأشخاص. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن موسكو لن تدخر وسعا في تحقيقها في الحادث لكن من الواضح أن كييف لم تكن مهتمة أبدا باستئناف عمليات خط الأنابيب.

وقال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين يوم الخميس إن الهجوم على خط الأنابيب سيجعل من الصعب تمديد اتفاق الحبوب. وقال إن روسيا ليست على علم بحجم الضرر الذي لحق بخط الأنابيب وما تعتزم كييف القيام به بعد ذلك. وقال المتحدث إن استئناف عمليات خط الأنابيب كان “جزءا لا يتجزأ” من صفقة الحبوب حيث يتعلق الأمر بروسيا.

صفقة الحبوب

تم توقيع اتفاقيات تصدير المواد الغذائية والأسمدة في 22 يوليو 2022 في اسطنبول. كان من المفترض في الأصل أن تستمر 120 يوما وتم تمديدها لمدة 120 يوما أخرى في نوفمبر. أعلنت روسيا في 18 مارس أنه تم تمديد الصفقة لمدة 60 يوما أخرى ، محذرة من أن هذا سيكون متسعا من الوقت لتقييم تنفيذ المذكرة التي تم توقيعها مع الأمم المتحدة.

بعد المحادثات بين وفود روسيا وتركيا وأوكرانيا والأمم المتحدة التي عقدت في اسطنبول في 10-11 مايو ، قال فيرشينين إنه سيتم إنهاء صفقة الحبوب إذا لم تتلق موسكو ضمانات بحلول 18 مايو بأن مطالبها سيتم تلبيتها فيما يتعلق بتصدير المنتجات الزراعية والأسمدة ، وإعادة ربط Rosselkhozbank ب SWIFT وبعض الآخرين. في 17 مايو ، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن صفقة الحبوب قد تم تمديدها لمدة شهرين بدءا من 18 مايو. وشكر روسيا وأوكرانيا والأمم المتحدة على نهجهم البناء.

وقالت وزارة الخارجية الروسية في وقت سابق إن الجزء من الاتفاق الذي يتعلق بالالتزامات تجاه موسكو لم يتم الوفاء به. أصرت روسيا ، على وجه الخصوص ، على السماح لسفنها بالاتصال بالموانئ الأجنبية ، وتطبيع الوضع مع التأمين على البضائع الجافة ، وإعادة ربط Rosselkhozbank بنظام الدفع بين البنوك SWIFT وإعادة تشغيل خط أنابيب الأمونيا Togliatti-Odessa.

المصدر: موقع روسيا بالعربية




اقتصاد الظل يزيد التفاوتات الاجتماعيّة في المنطقة العربيّة

يُمثّل اقتصاد الظل، أو الاقتصاد غير الرسمي، مجمل الأنشطة الاقتصاديّة البعيدة عن سيطرة ورقابة الدولة والسلطات المختصّة.

وفي العادة، تنشأ هذه الأنشطة جرّاء ممارسات التهرّب الضريبي أو الالتفاف على الأنظمة الإداريّة المتبعة، بما فيها تلك التي تفرض الالتزام بالحد الأدنى للأجور وتسديد اشتراكات الضمان الاجتماعي للعمّال، أو تلك التي توجب تسجيل المؤسسات في السجلّات التجاريّة بشكل قانوني. ويُطلق في العادة مجموعة من المصطلحات الأخرى للتعريف بهذا النوع من الأنشطة، مثل الاقتصاد الموازي، أو الاقتصاد البديل، أو الاقتصاد الأسود.

ويتكوّن اقتصاد الظل في العادة من جانبين متوازيين. فمن جهة، هناك الشركات والمشاريع التجاريّة غير المصرّح عنها، أو غير المصرّح عن أعمالها للسلطات الضريبيّة.

ومن جهة أخرى، هناك العمالة غير الرسميّة التي تعمل في هذه المؤسسات، أي تلك التي تفتقد للعقود الرسميّة المنظّمة، والتي يفترض أن تضمن حقوق العامل البديهيّة. ويُعتبر توسّع اقتصاد الظل إحدى سمات الدول النامية الأساسيّة، حيث ترتفع نسبة أنشطة اقتصاد الظل إلى حدود ال40% من إجمالي ناتج هذه الدول المحلّي، فيما ترتفع نسبة العاملين في هذه الأنشطة إلى نحو 60% من إجمالي القوّة العاملة في الدول النامية.

وفي الوقت الراهن، ترتفع نسبة سيطرة اقتصاد الظل على الأنشطة الاقتصاديّة في العديد من الدول العربيّة، لتوازي حدود ال55% في مصر مثلًا، وال62% في لبنان، وال66% في قطاع غزّة.

أمّا في الدول التي تشهد توتّرات أمنيّة كبيرة، فارتفعت هذه النسبة إلى حدود ال90% في سوريا، فيما يعمل 59% من العمّال اليمنيين في أنشطة اقتصاد الظل. أمّا بعض الدول العربيّة الأخرى، فتنخفض فيها هذه النسبة نسبيًا، لتبلغ حدود ال30.86% في الجزائر وال34.1% في المغرب وال26.54% في الإمارات.

وبشكل عام، تشير أرقام صندوق النقد الدولي إلى أنّ اقتصاد الظل يلتهم نحو ثلث الناتج المحلّي الإجمالي في الدول العربيّة، وهو ما يتجاوز ضعف معدّلات تفشّي هذه الأنشطة المتقدّمة في الاقتصاد ، والتي يتراوح معظمها ما بين ال14% و16%.

اقتصاد الظل والتفاوتات الاجتماعيّة

يُعتبر اقتصاد الظل، وما ينتج عنه من تفشّي في العمالة غير المنظمة وغير الرسميّة، أبرز أسباب زيادة التفاوتات الاجتماعيّة وتركّز الثروة والدخل.

فالنتيجة الأولى لهيمنة اقتصاد الظل في أي دولة، هي انخفاض معدلات التحصيل الضريبي، مع ما يعنيه ذلك من تراجع في قدرة الدولة على الإنفاق على شبكات الحماية الاجتماعيّة والتعليم المجاني والطبابة الحكوميّة والبنية التحتيّة. وبشكل عام، يُعتبر التهرّب الضريبي ضربًا لأحد أبرز الأهداف التي يفترض أن تحققها أي سياسة ضريبيّة، والمتمثّلة بإعادة توزيع المقدّرات والموارد لمصلحة الفئات الأكثر هشاشة.

وفي حالة لبنان، أدّى تفشّي التهرّب الضريبي على مدى عقود من الزمن إلى بروز أكثر أشكال تركّز الثروة تطرّفًا، حيث استحوذ –قبل الانهيار المالي عام 2019- 10% من اللبنانيين على أكثر من 55% من إجمالي الدخل القومي في البلاد. وهذا ما جعل لبنان يحل في المرتبة الثانية بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد المملكة العربيّة السعوديّة، على مستوى عدم المساواة وتركّز الثروة.

وهذا الواقع، نتج تحديدًا من تقلّص حجم الإيرادات الضريبيّة إلى أقل من 15% من الناتج المحلّي الإجمالي، مقارنة ب25% في الولايات المتحدة، و34% في دول مجلس التعاون الاقتصادي.

أمّا النتيجة الثانية لتفشّي اقتصاد الظل، فتتمثّل في شعور نسبة من المقيمين بعدم المساواة، جرّاء امتثالهم لواجباتهم الضريبيّة والتنظيمات الحكوميّة وفق القانون، في مقابل تهرّب البعض من هذه الموجبات. وهذا تحديدًا ما يكرّس مبدأ الإفلات من القواعد القانونيّة كمسألة طبيعيّة في المجتمع على المدى البعيد.

وفي الوقت عينه، ينطوي اقتصاد الظل على إجحاف كبير بحق العمّال والمستخدمين. فالعمالة غير الرسميّة، بوصفها عمالة غير مصرّح عنها بحسب القانون، لا تستفيد من أبسط الضمانات القانونيّة البديهيّة، كالحصول على الحد الأدنى من الأجور، أو التسجيل في الضمان الاجتماعي.

وفي العادة، ونظرًا لعدم استفادة هذه الفئة من عقود العمل المنظّمة، غالبًا ما يفتقد عمّال اقتصاد الظل إلى القدرة على اللجوء إلى القضاء لتحصيل حقوقهم من أرباب العمل. وهذا ما يجعل اقتصاد الظل في العادة أبرز أسباب استضعاف القوّة العاملة وحرمانها من ظروف العمل اللائق.

أمّا الأهم، فهو أنّ تفشّي اقتصاد الظل يعمّق من التفاوتات الجندريّة في سوق العمل. إذ لحظت الدراسات أنّ نسبة العاملين في اقتصاد الظل في صفوف الرجال ترتفع إلى نحو الضعف تقريبًا، مقارنة بالنساء، نظرًا لطبيعة ظروف العمل غير الآمن في هذا النوع من الأنشطة الاقتصاديّة.

أسباب متعدّدة لتفشّي اقتصاد الظل

تتعدّد أسباب تفشّي وتوسّع اقتصاد الظل، والعمالة غير الرسميّة، في الدول العربيّة. ففي حالة لبنان، ارتبط ارتفاع نسبة هذه الأنشطة بضعف أنظمة الرقابة الضريبيّة، وتفشّي استغلال العمالة الأجنبيّة بشكل غير شرعي وغير منظّم، وبغياب أي ضمانات أو حقوق وظيفيّة.

أمّا في سوريا، فقد ارتفعت نسبة اقتصاد الظل من إجمالي الناتج المحلّي بنحو ثلاث مرّات بين عامي 2010 و2022، جرّاء المعارك العسكريّة التي أدّت إلى تفلّت الاقتصاد المحلّي خارج أي ضوابط أو تنظيمات حكوميّة.

في حالة مصر، ارتفعت نسب اقتصاد الظل تاريخيًا نتيجة التهرّب من البيروقراطيّة الحكوميّة والإجراءات المعقّدة، من قبل القطاعات الحرفيّة والزراعيّة في الأرياف والمؤسسات المتناهية الصغر. كما ارتفعت هذه النسب في الأردن تهرّبًا من الزيادات الضريبيّة التي كانت تفرضها الحكومات المتعاقبة.

وشهدت اليمن ارتفاعات كبيرة في نسبة العمالة غير الرسميّة، بالتوازي مع الانقسام الذي شهدته الدولة مؤخرًا، وخروج مناطق واسعة من البلاد من نطاق التنظيمات الاقتصاديّة والإداريّة الحكوميّة.

لكن في جميع هذه الحالات، ظلّ العامل المشترك عدم اقتناع أرباب العمل بجدوى الانتقال إلى الاقتصاد المنظّم، والتصريح عن الأعمال التجاريّة للجهات الضريبيّة. كما ساهم بالدفع بهذا الاتجاه عدم سعي العمّال، أو عدم امتلاكهم القوّة التفاوضيّة، لمحاولة تنظيم عملهم وحصولهم على الضمانات القانونيّة التي تؤمّنها العمالة النظاميّة.

وفي بعض الأحيان، كحالة الريف المصري، ساهم انتشار الأنشطة الزراعيّة العائليّة المحليّة في رفع معدلات العمالة غير الرسميّة، التي لم ترَ ضرورة لإجراءات التنظيم الحكوميّة.

المشكلة الأساسيّة تكمن في أنّ مكافحة العمالة غير الرسميّة، التي تلجأ إلى اقتصاد الظل، قد تفضي إلى تهميش فئات هشّة من سوق العمل.

وهذا تحديدًا ما يفترض أن يدفع الحكومات إلى وضع الإجراءات الكفيلة بدفع أرباب العمل إلى التصريح عن أعمالهم التجاريّة، عبر الضوابط الإداريّة والتنظيمات الحكوميّة، بدل استعمال القبضة الأمنيّة لمكافحة هذا النوع من الأنشطة الاقتصاديّة.

في المقابل، ثمّة العديد من أنشطة اقتصاد الظل التي تنتج عن عمالة بعض الأفراد في المهن المستقلّة، والتي لا ترتبط بأي رب عمل، كحالة الباعة المتجوّلين على سبيل المثال. وهذا ما يفترض أن يدفع الحكومات إلى البحث عن نوعيّة شبكات الحماية الاجتماعيّة، القادرة على حماية هذه الفئات الأكثر هشاشة.

علي نور الدين – موقع fanack.com




مشاريع الهيدروجين الأخضر تتوسّع في الدول العربيّة

خلال السنوات الماضية، قام العديد من الدول العربيّة بإطلاق مشاريع جديدة لإنتاج الهيدروجين الأخضر كمصر وسلطنة عمان والإمارات العربيّة المتحدة والمملكة العربيّة السعوديّة والجزائر والمغرب. وهذا ما يؤشّر إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستلعب دورًا كبيرًا على المستوى العالمي، في إنتاج هذه المادّة وتصديرها، كمصدر للطاقة خلال السنوات المقبلة.

ومن الواضح أن زيادة الطلب العالمي على الهيدروجين سيسمح لدول المنطقة بزيادة حصّتها وتأثيرها في أسواق الطاقة، كما سيحضّر الدول النفطيّة العربيّة –على المدى البعيد- لمرحلة ما بعد نضوب احتياطات مصادر الطاقة الأحفوريّة.

لماذا يتجه العالم حاليًا نحو استهلاك الهيدروجين؟

يتمتّع الهيدروجين بالعديد من الخصائص الكيميائيّة التي تسمح باعتباره أحد البدائل الجيّدة، التي ستُتيح الاستغناء عن مصادر الطاقة الأحفوريّة في المستقبل. فعنصر الهيدروجين هو أحد أخفّ العناصر الكيميائيّة من حيث الوزن، وأكثرها وفرًا في الطبيعة من حيث الكميّة، فيما تتمتّع هذه المادّة بقدرة كبيرة على الاشتعال وتوليد الطاقة. وبخلاف مصادر الطاقة الأحفوريّة، لا يُنتج احتراق الهيدروجين أي غازات سامّة أو دفيئة، بل يُنتج بُخار الماء فقط.

أمّا الأهم، فهو أنّ إنتاج الهيدروجين باستمرار ممكن من خلال تفكيك ذرّات الماء، ما يجعله مصدرًا مستدامًا للطاقة، بخلاف مصادر الطاقة الأحفوريّة التي ستنضب يومًا ما. وهذا ما سيسمح للهيدروجين بأن يكون أحد الحلول التي تمهّد لما بعد نفاد احتياطات مصادر الطاقة غير النظيفة. كما تسمح هذه الخاصيّة بزيادة إنتاج الهيدروجين، وفقًا لمعدلات الطلب على الطاقة، بدل أن يكون الإنتاج محدودًا بحسب توفّر الاحتياطات المُكتشفة، كما هو الحال مع النفط والغاز.

بشكلٍ عام، عانى سوق الهيدروجين من بعض الإشكاليّات في الماضي، كارتفاع كلفة تخزينه وشحنه، ما حدّ من القدرة على الاعتماد عليه لتشغيل وسائل النقل اليومي، أو تشغيل المصانع وإنتاج الطاقة الكهربائيّة. ولهذا السبب، تركّز الاعتماد على الهيدروجين في بعض المجالات المحدودة، كصواريخ الفضاء مثلًا.

لكنّ السنوات القليلة الماضية شهدت قفزات علميّة ثوريّة، في ما يخص طرق إنتاج واستهلاك وتخزين الهيدروجين، ما سمح بالاعتماد على هذه المادّة لإنتاج الطاقة بكلفة أقل بكثير، وبمعايير سلامة أفضل وفعاليّة أكثر. وهذا ما يفسّر الإقبال العالمي المستجد على استعمال الهيدروجين، كبديل عن مصادر الطاقة غير المتجدّدة. كما يفسّر ذلك اهتمام شركات القطاع الخاص بتطوير تقنيّات استعمال الهيدروجين لإنتاج الطاقة، في كل المجالات التي تُستعمل فيها الطاقة غير المتجددة.

وفي الوقت عينه، ساهمت النزاعات وحروب الطاقة، التي هددت خطوط إمداد الطاقة الأحفوريّة ورفعت من أسعارها عام 2022، في زيادة اهتمام الدول الغربيّة بالهيدروجين كمصدر بديل للطاقة. فإنتاج الهيدروجين لا يحقق فقط أهداف الانتقال إلى الطاقة النظيفة، بل يسمح للدول الغربيّة بتقليل الارتهان للدول التي تملك احتياطات وفيرة من النفط والغاز، كما يساعد في تنويع مصادر الطاقة وتخفيف المخاطر التي تحيط بسلاسل توريدها.

ولعلّ الخلافات المستمرّة بين تكتّل الدول الصناعيّة الكبرى، ومجموعة “أوبيك+” المنتجة النفط، حول معدلات إنتاج النفط وأسعاره، ساهم في لفت نظر الدول الصناعيّة إلى خطورة القوّة التفاوضيّة التي تملكها الدول المنتجة النفط، والتي يمكن استثمارها في السياسة والاقتصاد. وفي جميع الحالات، تدرك الدول الصناعيّة أيضًا أن مصادر الطاقة الأحفوريّة آيلة للنضوب على المدى البعيد، ما يفرض البحث عن مصادر متجددة بديلة.

ما هي أنواع الهيدروجين؟ وكيف يتم إنتاجها؟

هناك عدّة أنواع من الهيدروجين، تتشابه جميعها في خصائصها وتركيبتها الكيميائيّة وطرق استهلاكها، لكنّها تختلف بحسب مصدر الطاقة المستخدمة خلال عمليّة إنتاج المادّة. مع الإشارة إلى أنّ إنتاج الهيدروجين بشكل عام يستلزم طاقة كهربائيّة، للقيام بالتفاعل الكيميائي الذي يسمح بفصل الهيدروجين عن الأوكسيجين الموجود في جزئيات المياه.

حين يتم استعمال مصادر الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسيّة أو مزارع الرياح أو توربينات المياه، لإنتاج الهيدروجين، يُسمّى المنتج الهيدروجين الأخضر. في هذه الحالة، يصبح إنتاج الهيدروجين طريقة لتخزين الطاقة النظيفة خلال فترات وفر السطوع الشمسي أو الرياح، وفي الدول التي تملك خصائص طبيعيّة تسمح بذلك.

ولاحقًا، وبعد إنتاج الهيدروجين الأخضر، يمكن استعمال هذه المادّة كوقود مضغوط، في المناطق التي لا تملك خصائص طبيعيّة تسمح بإنتاج الطاقة النظيفة بوفرة، أي تلك التي لا تمتلك نسبة عالية من السطوع الشمسي، أو تفتقر للموارد المائيّة والرياح. كما يمكن تخزين المادّة لاستهلاكها خلال الفصول التي يشح فيها السطوع الشمسي أو الماء، أو خلال فترات الليل التي يتوقّف فيها إنتاج الطاقة الشمسيّة.

بهذا الشكل، يعالج الهيدروجين الأخضر أبرز مشاكل مصادر الطاقة المتجددة، والمتمثّلة بتذبذب معدلات إنتاجها بين الفصول أو خلال فترات اليوم الواحد، وارتفاع كلفة تخزينها عبر البطاريّات. كما يعالج مشكلة تفاوت الموارد الطبيعيّة الموجودة في مناطق كوكب الأرض المختلفة، والتي يمكن استخدامها لإنتاج الطاقة المتجدّدة. وباستعمال الهيدروجين الأخضر، يمكن تخزين الطاقة النظيفة واستعمالها في أي زمان ومكان. وهذا ما دفع كثيرا من خبراء الطاقة إلى وصفه بوقود المستقبل.

في المقابل، هناك الهيدروجين الرمادي، الذي يتم إنتاجه باستخدام النفط أو الغاز لتوليد الكهرباء، ومن ثم استعمال هذه الكهرباء لتفكيك جزئيّات المياه والحصول على الهيدروجين. لكنّ هذه التقنيّة تُفقد الهيدروجين خاصيّته كوقود صديق للبيئة، إذ سينبعث جرّاء عمليّة إنتاجه بهذا الشكل نفس نوعيّة الغازات التي تنبعث خلال استهلاك الغاز أو النفط بشكل مباشر. أمّا الهيدروجين الأزرق، فيعتمد على تقنيّة إنتاج مشابهة، إنما مع حبس الغازات الدفيئة والملوّثة الناتجة عن عمليّة الإنتاج، وتخزينها في مرافق خاصّة تحت الأرض أو تحت المياه، ما يقلّل من الأثر البيئي لعمليّة الإنتاج.

لكن في جميع الحالات، تكمن مشكلة الهيدروجين الرمادي والأزرق معًا في ارتفاع كلفة إنتاجهما، مقارنة مع كلفة استعمال الغاز أو النفط بشكل مباشر كمصدر للطاقة. وهذا ما يدفع الدول المصدّرة النفط إلى تفضيل خيار تصدير الوقود الأحفوري، بدل استعماله لإنتاج الهيدروجين بعمليّة مكلفة. كما تكمن مشكلة هذه التقنيّات في كونها تربط عمليّة إنتاج الهيدروجين بتوفّر الوقود الأحفوري المحدود الكميّات، بدل أن ترتبط هذه العمليّة بمصادر الطاقة المتجددة، كما هو الحال في عمليّة إنتاج الهيدروجين الأخضر.

على المقلب الآخر، ورغم احتياج إنتاج الهيدروجين الأخضر لاستثمارات كبيرة في الطاقة المتجددة، إلا أنّه لا يتطلّب تبديد كميات من النفط والغاز بشكل منتظم، بما يحرم الدول المصدّرة النفط من عائدات تصدير الوقود الأحفوري. كما تسمح تقنيّات إنتاج الهيدروجين الأخضر للدول غير المصدّرة بالتحوّل إلى دول مصدّرة للطاقة، عبر إنتاج الهيدروجين الأخضر، من دون الحاجة الى استخدام الوقود الأحفوري في عمليّة الانتاج.

لكل هذه الأسباب، يُعتبر إنتاج الهيدروجين الأخضر بالتحديد الرهان الإستراتيجي الأفضل، بالنسبة للدول المصدّرة والمستوردة النفط على حد سواء. كما يُعتبر الخيار العالمي الأفضل للحفاظ على البيئة وضمان الحياد الكربوني، والاعتماد على وقود بديل لا ينضب، من دون الاعتماد على مصادر الطاقة غير المتجددة.

ومن المهم الإشارة إلى وجود تقنيّات أخرى لإنتاج الهيدروجين، مثل الهيدروجين الأسود، الذي يتم إنتاجه باستخدام الفحم الحجري، ما يُعتبر التقنيّة الأكثر تلويثًا للبيئة. كما يُستخدم مصطلح الهيدروجين الأصفر أيضًا، للإشارة إلى الهيدروجين الذي يتم إنتاجه باستخدام كهرباء الطاقة النوويّة.

زيادة الطلب العالمي على الهيدروجين

توجّه الدول العربيّة نحو إنتاج الهيدروجين، يبرّره تزايد الطلب العالمي على استهلاك هذه المادّة. فالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال يستهدف زيادة اعتماده على الهيدروجين، لتلبية 14% من الطلب على الطاقة في أوروبا، بحلول العام 2050. ولهذه الغاية، أعلنت المفوّضية الأوروبيّة في شباط/فبراير 2023 عن برنامج دعم خاص، لتحفيز الاستثمارات المرتبطة باستعمال الهيدروجين لتوليد الطاقة والنقل.

وفي الولايات المتحدة، أقرّ الكونغرس الأميركي في آب/أغسطس 2022 عن رزمة دعم خاصّة بقيمة 369 مليار دولار، في صورة حوافز ضريبيّة متنوّعة، لدعم مجموعة من المشاريع المرتبطة بمكافحة تغيّر المناخ، ومنها البنى التحتيّة المرتبطة بتخزين ونقل واستهلاك الهيدروجين.

أما المملكة المتحدة، فتراهن على إحلال الهيدروجين مكان الغاز الطبيعي في قطاعات التدفئة والطهي، بنسبة 30% بحلول العام 2030. ولهذا السبب، تعكف المملكة على دراسة الخيارات التي تسمح باستغلال شبكة أنابيب الغاز الطبيعي، لنقل الهيدروجين واستهلاكه في المستقبل. وتخطط الحكومة البريطانيّة لإنتاج 10 غيغاواط من الكهرباء عبر الهيدروجين، بحلول العام 2030، ضمن مساعي الحكومة لخفط الانبعاثات والحياد الكاربوني.

وبشكل عام، شهد العام 2022 ضخ ما يقارب ال240 مليار دولار، في أكثر من 680 مشروعًا عالميًا، لإنتاج واستهلاك ونقل وتخزين الهيدروجين، ما يمثّل زيادة بنسبة 50% في الاستثمارات الموجهة إلى هذا القطاع مقارنة بالعام السابق. وهذا ما يدل على جديّة الانتقال تدريجيًا نحو استخدام هذه المادّة، كجزء وازن من مزيج مصادر الطاقة العالميّة.

مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر في الدول العربيّة

تتنوّع دوافع الدول العربيّة لتوسيع استثماراتها في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر. فالدول الخليجيّة المنتجة والمصدّرة النفط، تسعى اليوم لاستثمار فوائضها الماليّة الناتجة عن زيادة أسعار النفط منذ العام 2021، في هذا النوع من المشاريع. وبهذا الشكل، تسعى الدول الخليجيّة الى تعزيز حضورها وضمان حصّتها في أسواق الطاقة، بما فيها أسواق الطاقة النظيفة. كما تسعى الدول الخليجيّة إلى تحضير اقتصاداتها لمرحلة ما بعد الوقود الأحفوري، من خلال الاعتماد على عوائد تصدير الهيدروجين الأخضر.

وهذه المشاريع، تتكامل مع رؤى الدول الخليجيّة الاقتصاديّة، التي تحاول تنويع مصادر إيراداتها، بدل الاعتماد على عوائد تصدير الوقود الأحفوري وحده. مع الإشارة إلى أنّ دخول سوق الهيدروجين الأخضر، والاستفادة من عوائده، سيقلّص من انكشاف الدول الخليجيّة الشديد على مخاطر تقلّبات أسعار النفط والغاز.

في المقابل، تسعى دول أخرى كمصر والمغرب إلى توفير قاعدة إنتاج محليّة من الهيدروجين الأخضر، لضمان أمن الطاقة لديها أولًا، ودعم قطاعاتها الإنتاجيّة بمصادر الطاقة المستدامة ثانيًا، وتقليص اعتمادها على واردات النفط من الخارج. وفي الوقت نفسه، ستسمح هذه المشاريع بتأمين إيرادات مستقرّة بالعملة الصعبة، من تصدير الهيدروجين الأخضر، خصوصًا أن مشاريع إنتاج هذه المادّة ترتبط بعقود بيع طويلة الأمد مع الدول الغربيّة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ غالبيّة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتمتّع بمميّزات تسمح لها بلعب دور كبير في إنتاج الهيدروجين الأخضر، وتحديدًا لجهة درجة ونسبة السطوع الشمسي، والمناخ الملائم لاستغلال الطاقة الشمسيّة في مشاريع إنتاج الهيدروجين.

المملكة العربيّة السعوديّة تعوّل على بناء أكبر مشروع في العالم لإنتاج الهيدروجين الأخضر، في مدينة نيوم الواقعة شمال المملكة. ومن المرتقب أن يستخدم المشروع الضخم ما يصل إلى 4 غيغاواط من الطاقة الشمسيّة والرياح، لإنتاج نحو 600 طن متري من الهيدروجين الأخضر يوميًا. وعند تشغيله بحلول العام 2026، ستكون كامل إنتاجيّة الحقل مخصّصة للتصدير، وبموجب عقود بيع مسبقة موقّعة مع شركات أجنبيّة. وتسعى السعوديّة من خلال هذا النوع من المشاريع لأن تكون أكبر مصدّر للهيدروجين على مستوى العالم، وبأقل كلفة إنتاج، ما يحجز لها موقعًا رياديًا في هذا السوق.

أمّا الإمارات، فتحاول منافسة السعوديّة على تصدّر لائحة منتجي الهيدروجين الأخضر على المستوى العالمي. إذ تسعى الإمارات للاستئثار وحدها بربع كميّة الهيدروجين الأخضر المُنتج عالميًا، بعدما افتتحت بالفعل أوّل محطّة لإنتاج الهيدروجين الأخضر في منطقة الشرق الأوسط، في تشرين الثاني/نوفمبر 2022. وتحاول الإمارات الوصول إلى كميّة الإنتاج المستهدفة من الهيدروجين، من خلال مجموعة من الاتفاقيّات التي عقدتها مع شركات طاقة عالميّة.

في مصر، وافق مجلس الوزراء في أواخر العام 2022 على منح ثمانية رخص لإنتاج الهيدروجين، بالاستفادة من مزايا البنية التحتيّة المتوفّرة أساسًا، في مجال إنتاج الغاز وتسييله. وشهدت مشاريع الهيدروجين الأخضر في مصر حضورًا إماراتيًا لافتًا، من خلال شركة “مصدر”، التي وقّعت اتفاقيّة مع مصر لتنفيذ مشاريع قادرة على إنتاج 480 ألف طن من الهيدروجين سنويًا. وفي الوقت الراهن، يمكن إحصاء أكثر من 14 مشروعًا لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر في جميع المناطق المصريّة، حيث من المفترض أن تستفيد هذه المشاريع من سلاسل ومنشآت تصدير الغاز.

على المقلب الآخر، يسعى المغرب بدوره إلى تحقيق ريادة عالميّة على مستوى إنتاج الهيدروجين الأخضر، بالاستفادة من موقعه الجغرافي المميّز، الذي يسمح بضخ الهيدروجين بسهولة عبر الأنابيب باتجاه أوروبا، أحد أكبر أسواق الهيدروجين في العالم. ويسعى المغرب إلى إنتاج أكثر من 3 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويًا بحلول العام 2030، من خلال مشاريع متعددة مع شركات الطاقة الدوليّة. كما يمتلك المغرب قاعدة صناعيّة مميّزة، ستستفيد بدورها من توفّر هذا المصدر للطاقة المستدامة، ما يزيد من جاذبيّة هذه المشاريع بالنسبة للشركات الأجنبيّة.

وعلى هذا النحو، تطول لائحة مشاريع إنتاج الهيدروجين في دول أخرى مثل سلطنة عمان والجزائر والعراق وموريتانيا وغيرها. وجميع هذه المشاريع، ستؤسّس لدور متقدّم لدول المنطقة العربيّة في سوق الهيدروجين العالمي، تمامًا كما امتلكت بعض دول المنطقة دورًا متقدمًا في سوق مصادر الطاقة الأحفوريّة.

وعلى المدى الطويل، ستستفيد معظم الدول العربيّة من مناخها المؤاتي لاستخدام الطاقة الشمسيّة في هذه المشاريع، ومن توفّر فوائض ماليّة من تصدير النفط والغاز، وهذا ما سيزيد من قدرتها التنافسيّة في هذا المجال.

علي نور الدين – موقع fanack.com




إسرائيل: حزب الله جيش ذكي بقدرات فتاكة

رغم متابعة خبراء العدو ومؤسساته وقادته لتطوّر قدرات حزب الله في محاولة لاستشراف توجهاته، شكّل الحزب «مفاجأة استراتيجية» أرست معادلات ردع، وعطّلت كثيراً من مفاعيل تطور قدرات جيش العدو والخيارات التي كان يراهن عليها. ولعل أبرز المواقف الرسمية التي أقرت بعامل المفاجأة، كان جواب نائب رئيس الأركان الحالي، اللواء أمير برعام، (عندما كان قائداً للمنطقة الشمالية) على سؤال عما فعله من سبقوه في هذا المنصب للحؤول دون وصول حزب الله إلى ما وصل إليه، بالقول: «لم يروا كينونة الموضوع» («إسرائيل اليوم»/ 17/9/2020). يعني ذلك، أن نسخة حزب الله الحالية، في كل أبعادها، لم تكن ضمن دائرة الاحتمالات، وهي اذا كانت مطروحة على المستوى النظري إلا أنها كانت مستبعدة جداً. كما يكشف ذلك عن حجم الإنجاز الذي حقّقه الحزب في أبعاده الاستخبارية والردعية والاستراتيجية وخطط بناء القوة، وانعكاس كل ذلك على لبنان وفلسطين والساحة الإقليمية.

الدراسة التي أجراها الرئيس السابق لقسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية (أمان) العميد ايتي بارون، ونشرتها مجلة «بين هكتفيم» التابعة للجيش الإسرائيلي أخيراً، تُظهر أن المسار التصاعدي لقدرات حزب الله، كماً ونوعاً، كان وفق خطط مدروسة بما يتلاءم مع المتغيرات في إسرائيل، وصولاً إلى تحوّله إلى «جيش غير نظامي» بحسب كبار قادة الجيش. والخلاصة الأهم، أيضاً، أن هذه النتيجة لم تكن أمراً مسلّماً به، بل تحققت بفعل انتصار الحزب في مجالات وساحات عدة، بدءاً من صراع الإرادات بين مؤسسات القرار لدى الطرفين، والمنظومة الاستخبارية على جانبي الجبهة، وسباق الجهوزية. إلا أن الدراسة التي تعكس إلى حد كبير ما يدور في أروقة المؤسستين العسكرية والاستخبارية، تشير إلى أن الخطورة الأشد تكمن في الخشية من تطور حزب الله إلى «جيش عسكري مختلف تماماً عما شهدته إسرائيل حتى الآن»، إذ إن سيطرة الحزب على تكنولوجيا الدقة ستتحول، كما حصل في أماكن أخرى، إلى محرّك تغيير نحو «جيش ذكي يرتكز على الدمج بين الاستخبارات والهجوم المتطور». وسينتج عن ذلك «ابتكار عملياتي»، وأساليب عمل إبداعية تتميز بـ «المرونة والسرعة والفتك».

ومن أبرز المؤشرات التي توقفت عندها الدراسة، أن إيران وحلفاءها «أظهروا قدرة على إصابة أهداف ثابتة ومتحركة بدقة، وعلى مديات بعيدة بشكل يسمح لهم بردّ سريع، ما أدى إلى بلورة قواعد اللعبة، وشكّل مدماكاً في (معادلة) الردع». كذلك لفت بارون إلى «تهديد إضافي حظي ببحث ونقاش واسعيْن نسبياً»، في الساحة الإسرائيلية يتمثل بقدرة حزب الله على توجيه «ضربة دقيقة» عبر شن هجوم ضخم ضد أهداف في إسرائيل، «يؤدي إلى شلل منظوماتي واستراتيجي».
والسيناريو الذي بدأ يحضر بقوة في الوسط الإسرائيلي، وركّز عليه الجزء الأخير من الدراسة، هو أن «الاتجاهات المستقبلية ستشمل أيضاً القدرة على تدمير منهجي للقوات البرية، في الدفاع (لوقف مناورة برية للجيش الإسرائيلي) وفي الهجوم (لتنفيذ مناورة فتاكة داخل الأراضي الإسرائيلية)». وخلصت إلى أن حزب الله بنسخته الجديدة «جيش ذكي» يتبنى مفهوماً جديداً يقوم على «سلب (تدمير) القدرات» يختلف عن مفهوم «النصر بعدم الخسارة» أو «بالنقاط عبر توجيه ضربات مؤلمة». بحسب بارون، الاتجاهات المستقبلية تشير إلى الانتقال من «استراتيجية هجوم إحصائي (غير دقيق)» للمدن والمستوطنات، إلى «هجوم دقيق يستهدف القوات والبنى التحتية» في كيان العدو.

قدرات جراحية دقيقة
تناول بارون السياق العملياتي الذي سبقه تسلح حزب الله بأسلحة دقيقة، وأظهر أنه أتى في مرحلة مفصلية تتطلبها مواءمة المفهوم العملياتي لحزب الله مع تطور الجيش الإسرائيلي. ووضع نجاح إيران في «تطوير تكنولوجيا الدقة لتحسين فعالية المفهوم القتالي الذي خدمها وحلفاءها في العقود الأخيرة»، في إطار «الثورة في الشؤون العسكرية» لمحور المقاومة، رداً على «الثورة في الشؤون العسكرية» للولايات المتحدة وإسرائيل.

خروج إسرائيل من «المستنقع اللبناني»، وإلى خطاب «بيت العنكبوت» للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في بنت جبيل. وهذا المفهوم استمر في التطور مع مضي السنوات، وصولاً إلى تبنيه «مدرسة قتالية جديدة» – لا هي تنظيم حرب عصابات ولا هي جيش نظامي – تهدف إلى تعويض التفوق التكنولوجي والعسكري لإسرائيل والمعسكر الغربي. واستندت هذه المدرسة الهجينة إلى استهداف نقاط ضعف إسرائيل عبر التركيز على العنصر البشري، «وصعوبة مواجهة الحرب المستمرة، والقيود النابعة من أولوية تفعيل القوة الجوية نتيجة حاجتها إلى معلومات استخبارية دقيقة (بمعنى الحد من فعالية سلاح الجو عبر الحصانة الاستخبارية)، والردع عن المناورة البرية».
في هذا السياق، يشير بارون إلى أن مفهوم حزب الله العملياتي، رغم تطوره، بقي يستند إلى ثلاثة أسس أساسية:
– تحسين قدرة «الامتصاص» والبقاء، من أجل القتال لمدى أطول، والحفاظ على قوته العسكرية إزاء القدرات الهجومية لإسرائيل.
– تأسيس قدرة ردع موثوقة لمنع مواجهة واسعة الحجم لا يريدها، وأيضاً، لجرّ المواجهة إذا فشل الردع إلى مناطق أكثر راحة له.
– اعتماد استراتيجية الاستنزاف كمفتاح للنصر نتيجة الحساسية الإسرائيلية من الحرب المستمرة والخسائر، والحاجة الإسرائيلية إلى حسم سريع وواضح لا لبس فيه.

ويلفت بارون إلى أن خطط بناء القوة لحزب الله استمرت لتنفيذ هذا المفهوم حتى عام 2006. وفي إطاره، تم «التزوّد المكثّف بأسلحة باليستية، وصواريخ متطورة ضد الدبابات والطائرات، وتبنّي أساليب قتال ترتكز على الإخفاء، والتحصين، وبعثرة القوات المقاتلة، وتخفيف بصمتهم، والكمائن، واستخدام واسع لنطاق تحت أرضي (أنفاق)».
ولأن حرب 2006 شكّلت، بحسب بارون، حدثاً خضع لدراسة جوهرية من الطرفين، فإن إسرائيل اكتشفت صعوبة تنفيذ طموحها التقليدي بتقصير أمد الحرب وتحقيق نصر عسكري واضح، بينما نجح حزب الله في ردع إسرائيل، وعمد بعد الحرب إلى تطوير قدرات جديدة ومتطورة نتيجة استخدام الجيش الإسرائيلي قوة عسكرية هائلة، وتحديداً من قبل سلاح الجو. وبعد الحرب، راكم كميات الصواريخ بشكل جوهري من أجل المحافظة عليها وإغراق منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي بالصواريخ، إضافة إلى تعميق أساليب الاختفاء وتطوير منظومات تحت أرضية.
لكنّ المرحلة الجديدة النوعية، التي توقف عندها بارون، تمثّلت بثلاثة تطورات أساسية: «التزود بتسليح دقيق (صواريخ، مسيّرات ومحلّقات)، والتزود بأسلحة دفاع جوي محسّنة، وبناء قدرة بشرية بحجم واسع نسبياً لاختراق الأراضي الإسرائيلية».
هذا التطور الذي استجدّ على قدرات حزب الله، كماً ونوعاً، أثار أسئلة ملحّة لدى الخبراء والقادة العسكريين حول ما إذا كان يستهدف تحسين نجاعة المفهوم القتالي الأساسي الذي يتبناه الحزب، أم يترافق أيضاً مع تغيير في هذا المفهوم وفي نظرية النصر التي يتبناها؟

في هذا المجال، استند بارون إلى آراء عدد من الجهات المختصة التي رأت أن حزب الله تبنّى مفهوماً جديداً للنصر، يقوم على محاولة «تقصير أمد أي معركة إذا ما نشبت». ولهذه الغاية، تبنّى نهجاً هجومياً وأكثر مبادرة، يهدف إلى «استهداف بؤر التفوق للجيش الإسرائيلي وصدّ أي هجوم»، وبذلك تكون «النيران فقط جزءاً من سلة أدوات واسعة» تشمل «توغلاً برياً وتفعيل مسيّرات وصواريخ جوّالة».
ورأى بعض الضباط في جيش العدو أن حزب الله، على المستوى العملياتي، بنى قدرات تسمح له بشن هجمات صاروخية واسعة وعبر المسيرات «تُهدِّد العمق الاستراتيجي، مترافقة مع اختراق بري»، إضافة إلى امتلاك القدرة على «توجيه ضربة مؤلمة جداً تهدف إلى وقف القتال».
واقترح خبراء آخرون، تحليل المفهوم العملياتي لحزب الله ونظريته للنصر، من زاوية مختلفة بوصفه أنه «دمج بين الدفاع والهجوم»، ويشمل أربعة عناصر: إطلاق صاروخي لاستنزاف الجبهة الداخلية، وشن هجمات دقيقة لتحييد الأداء العملياتي والاستراتيجي في إسرائيل، ومواجهة هجومية مع الدفاع الجوي الإسرائيلي، واستغلال المظلة النارية المكثفة لـ«الانطلاق إلى أراضينا عبر هجمات محدودة، وتقصير أمد المعركة».

النتيجة الشاملة لاجتماع هذه العناصر، بحسب هذه الرؤية، أن حزب الله هَدَفَ إلى امتلاك القدرة على إحداث «شلل منظوماتي» يشكل «ثقلاً» على «منظومة اتخاذ القرار في مقرات القيادة وإفقادها القدرة على مواكبة العمليات».
استناداً إلى هذه الخلاصات، ساد في كيان العدو تقدير أن مفهوم حزب الله عن النصر مرَّ بعملية تحديث أساسي «عبر تحقيق إنجازات عملياتية ملموسة» أو، بعبارة أخرى، عبر «الانتصار بالنقاط»، من خلال خيار هجومي يستند إلى «قدرات نارية متطورة تتسبب بضرر كبير واسع واستراتيجي في البنية التحتية الإسرائيلية… والقدرات الهجومية المتعددة الأبعاد… واحتلال أراض، ودفاع متلائم وديناميكي لسحق تقدم الجيش الإسرائيلي». وتضيف الدراسة أن «هذه الفكرة مرتبطة بسلسلة تطورات عالمية وإقليمية وبشكل أساس بمشاركة حزب الله في معركة سوريا التي سرَّعت مسار التغيّر العسكري وزرعت فيه الشعور بالقدرة العملياتية والاستراتيجية».
في ضوء ما تقدم، يمكن فهم سبب عدم مبادرة إسرائيل خلال السنوات الماضية إلى شن هجوم على لبنان أو توسيع نطاق المعركة بين الحروب بصيغتها العسكرية إلى لبنان وحال دون اتخاذها قراراً بمغامرة عسكرية جديدة على حزب الله.

مناورة فتّاكة

الجزء الأخير من الدراسة يركز على تطور حزب الله على مستوى القدرات. واعتبر بارون أن السيطرة على تكنولوجيا الدقة أنتجت لدى إيران وحلفائها بنية تحتية لثورة إضافية في الشؤون العسكرية، مختلفة عما تطور منذ سنوات التسعينيات. وقارنها بالثورة العسكرية للغرب، مشيراً إلى أنها استندت بشكل أساسي أيضاً إلى تطور دراماتيكي في مجال التكنولوجيا والمعلومات. وعمدت الدراسة إلى استشراف تطور الدمج بين الاستخبارات والهجوم، لدى حزب الله. فألمح بارون إلى وجود نماذج تتمثل بالعمليات التي تشنها إسرائيل في غزة، وأيضاً في الحرب بين أذربيجان وأرمينيا. مشيراً إلى أن التطبيق العملياتي للدمج بين الاستخبارات والهجوم يتجسد في القدرة على استهداف أهداف معينة ذات صلة.
في هذا السياق، توقفت الدراسة عند استهداف شركة «أرامكو» في السعودية، في 14 أيلول 2019، ومهاجمة قاعدة عين الأسد رداً على اغتيال قائد قوة القدس قاسم سليماني، واستهداف سفن إسرائيلية في خليج عمان مرات عدة في السنوات الأخيرة. واعتبر بارون أن هذه الضربات شكّلت «إشارات» في السجال العملياتي حول قواعد اللعبة في مواجهات مختلفة في مقابل السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل، مقراً بأن امتلاك القدرة على شن هجمات دقيقة خدم إيران وحلفاءها في الردع الاستراتيجي، انطلاقاً من أن شن مثل هذا الهجوم ضد أهداف مُحددة في إسرائيل يمكن أن يتسبب بأضرار كبيرة ورادعة، وهو ما كان واضحاً في «خطاب الأمونيا» للأمين العام لحزب الله في 16 شباط 2016.

لكنّ السيناريو الأكثر خطورة، يكمن في ترجمة أكثر تقدماً في تنفيذ الدمج بين الاستخبارات والهجوم، عبر هجمات دقيقة بحجم واسع جداً بهدف إنتاج تأثير منظوماتي واستراتيجي. وهو أمر مختلف عن شن هجمات دقيقة تستهدف مروحة من الأهداف في أوقات مُحدَّدة وقصيرة نسبياً. وقارنت الدراسة المرحلة المتقدمة من القدرة على شن هجمات دقيقة، مع استراتيجية «الصدمة والرعب» التي اعتمدتها الولايات المتحدة في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي. أما النسخة الإسرائيلية لـ«الهجمات الدقيقة» فتمثلت بالاستراتيجية التي تبناها كوخافي بعد توليه منصبه، وتقوم على استهداف «سريع وجوهري للقدرات والفعالية العملياتية للعدو، لإجباره على الموافقة على إنهاء سريع للقتال، عبر استهداف سريع ومفاجئ لقدرات مفتاحية تربك أداءه… وتضع علامات استفهام جوهرية حول قدرته على تنفيذ فكرته العملياتية ومفهومه للنصر».
في المقابل، اعتبرت الدراسة أن الترجمة العملية لتوجيه ضربات دقيقة إلى العمق الإسرائيلي تتمثّل باستهداف «منظومات الدفاع الجوي، والاستخبارات، والقيادة والسيطرة، ومنشآت التجنيد، والمطارات ومحطات الطاقة، والمرافئ والسفن، ومنظومات الكهرباء والوقود ومنشآت تحلية المياه…».

تجاه آخر لتنفيذ الدمج بين الاستخبارات والهجوم، يتصل بفكرة توغل قوات حزب الله داخل إسرائيل بحجم واسع نسبياً وهو أمر مختلف عن التسلل لتنفيذ عمليات، مع الإشارة إلى مراكمة خبرة ومعرفة بالسيطرة على مناطق وتطهيرها من العدو والاحتفاظ بها. وخلصت الدراسة إلى أن حزب الله يتطور من «جيش غير نظامي» (مع وصْمه بالإرهاب)، إلى «جيش ذكي»، لديه قدرة تنفيذ مناورة فتّاكة داخل الأراضي الإسرائيلية.

علي حيدر – صحيفة الأخبار




مَن هو المجنون الذي يعمل على عزل المقاومة؟

لا يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه كيفما كان. يمكن للبعض استعادة تاريخه، عندما يتمسّك بأفكاره نفسها، ويعتقد أنه قادر على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

عام 2005، عند اغتيال رفيق الحريري، هبّ كل أعداء المقاومة في لبنان والخارج لمحاصرتها وتحميلها المسؤولية، وإطلاق برنامج عزلها سياسياً وطائفياً واجتماعياً، بالتزامن مع ارتفاع مستوى الحصار الأميركي والغربي والدعاية المعادية، وصولاً إلى محاولة القضاء عليها في حرب تموز 2006.
خلال عام ونيّف، تصرّفت المقاومة بهدوء، وتعاملت مع الوقائع الجديدة بحكمة، وخاضت التواصل السياسي ثم التحالف الانتخابي لمنع الانفجار الأهلي. وعندما شعرت بأن هناك من يخطط لعزل قوة شعبية كبيرة كالتيار الوطني الحر بقيادة العماد ميشال عون، بادرت إلى مدّ اليد، وتوصّلت معه إلى تفاهم أفشل غالبية أهداف الفريق الآخر. ولم تكتف المقاومة بالورقة فقط، بل انطلقت في برنامج كان عنوانه مساعدة المسيحيين على استعادة حقوق ضاعت منهم بسبب غباء قيادات الجبهة اللبنانية من جهة، والسياسات التي اتبعها الفريق السياسي الحاكم طيلة 15 سنة.

وأول ما قامت به كان في إبلاغ الأقربين والأبعدين بأن التيار الوطني الحر جزء حقيقي من المشهد السياسي في لبنان، فخاضت معارك دخوله إلى الحكومة بقوة. وعندما وقعت أحداث السابع من أيار 2008، لم تتصرف كمن يقود انقلاباً للسيطرة على السلطة. بل ثبّتت القواعد، وعادت إلى موقعها وحجمها المنصوص عليه في قواعد التمثيل، لكنها فرضت حصانة فعلية على تمثيل التيار الوطني الحر. واختلفت مع الأقربين والأبعدين لحفظ تمثيل التيار في حقائب أساسية داخل الحكومات.

بعد اندلاع الأزمة السورية، تصرّفت المقاومة من موقع المعني بحفظ الوجود المسيحي في المنطقة، وساعدت إلى أبعد الحدود في منع عملية تهجير واسعة كان يعدّ لها الآخرون. وعندما دنت ساعة الانتخابات الرئاسية، وقفت وحدها، وواجهت الجميع داخلياً، من الحليف الأقرب نبيه بري إلى حلفاء الأمر الواقع من سعد الحريري ووليد جنبلاط، وواجهت غلوّ أعداء التيار بين المسيحيين. وعندما اجتمع كل هؤلاء، وإلى جانبهم السعودية وفرنسا والولايات المتحدة لمنع وصول العماد عون، أقفلت المقاومة الأبواب كافة، وقالت كلمة واحدة: ميشال عون أو لا أحد!
مضت السنوات، وامتنعت المقاومة، داخل أطرها وفي بيئتها، عن أي نقاش حول آلية عمل فريق الرئيس عون في الدولة، واستسلمت لرغبته في تعيينات جوهرية، من قيادة الجيش إلى رئاسة مجلس القضاء الأعلى إلى التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وصولاً إلى عشرات المواقع والوظائف. وقبلت تحمّل اللوم من كل من يريدون منها أن تكون رأس حربة في مشروع إسقاط هذا النظام. وعندما اندلع حراك 17 تشرين، لم يقف غير السيد حسن نصرالله يتحمل بصدره عبء دعوة الناس إلى الخروج من الشوارع، فيما احتشد الآخرون خلف صبية يرددون هتافات كان عنوانها وهدفها الفعلي عزل التيار الوطني الحر وإطاحته. وعندما حان موعد الانتخابات النيابية، ضغطت لإقناع جميع الحلفاء بأن العقد السياسي مع التيار غير قابل للطعن، وساعدت بقوة في حفظ حصة التيار النيابية في أكثر من دائرة ومنطقة، وتحمّلت بصدرها الأخطاء التي حرمت فريقها السياسي مقاعد كثيرة في بيروت والجنوب والبقاع وحتى الشمال.

لم تقف المقاومة عند هذا الحد، بل ذهبت حيث لها نفوذ في المنطقة، فاتحة الأبواب أمام دور إضافي للتيار الوطني الحر على الساحة العربية. وألزمت نفسها عدم التواصل مع شخصيات ومجموعات وقوى مسيحية كي لا يغضب التيار. وحتى داخل الحزب نفسه، لطالما مارس السيد حسن، شخصياً، الضغوط لوقف النقاش النقدي حول التيار وسياساته.
والمقاومة تعرف وتثق بأن الوضع في لبنان ليس في خير، وأن طبيعة النظام القائم لا تسمح بأي تغيير جوهري أو إصلاح جذري، وأن قلب النظام عملية كبيرة كلفتها عالية جداً، وغير مضمونة النتائج، وهي لن تخوض مغامرة، بينما تُلقى على عاتقها المهمة الأساس المتعلقة بحفظ لبنان في وجه المطامع الإسرائيلية.
وحتى عندما مارس الغرب كل أنواع الضغوط على حلفاء الحزب، كان السيد حسن، شخصياً، يعفي هؤلاء من التزاماتهم، ويقول لهم أنتم في حل من التحالف معنا، فاحفظوا مصالحكم، واذهبوا حيث ترتاحون، ونحن نتكفل بأحوالنا…

فجأة، وعندما قرر الحزب الاستناد إلى المنطق نفسه الذي اعتمده لاتخاذ قرارات كبيرة، ووجد أن سليمان فرنجية هو الحليف الأنسب لمنصب الرئاسة، انقلبت الأمور رأساً على عقب، وانطلقت معركة قذرة، وها هي تطل برأسها، عنوانها هو نفسه الذي كان مطروحاً قبل نحو عقدين، أي عزل المقاومة، سياسياً وطائفياً واجتماعياً واقتصادياً إن أمكن، وتهيئة الأجواء المناسبة لعدوان جديد تعدّ له إسرائيل لمن يعرف أو لا يعرف!
فما الذي حصل؟
من هي هذه القوة الجبّارة التي أعادت وصل ما لا يمكن لحمه بين قوى وتيارات ومجموعات في معركة واحدة هدفها إطاحة فرنجية، ونتيجتها عزل المقاومة؟ وما هو السحر الذي أعاد جمع التيار الوطني الحر بكل خصومه الذين قاتلوه ولم يقفوا يوماً إلى جانبه، من القوات اللبنانية إلى الكتائب وجماعات السفارة الأميركية ورجال السفارة السعودية وحاضني «ثوار 17 تشرين» وبعض ممثليهم من النواب؟
وما هو السحر الذي أضاف على هؤلاء، وليد جنبلاط، ومن يعتقدون أنهم ورثة آل الحريري بين السنة؟ وما الذي جعل كل هؤلاء يقفون اليوم في جبهة واحدة يخوضون معركة واحدة، عنوانها إسقاط سليمان فرنجية، لكن هدفها هو نفسه: عزل المقاومة؟!
ما يحصل هذه الأيام لم يعد بالإمكان صرفه في سوق المناكفات اللبنانية التقليدية، بل يلامس حدود المؤامرة الفعلية التي يشارك فيها كل شياطين الأرض في لبنان وخارجه، سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً ومالياً وإعلامياً ودينياً، ولم يعد يجد هؤلاء من عدو لهم سوى المقاومة، وهم يفترضون أن بالإمكان القيام بما يقود إلى عزلها ومحاصرتها وإضعافها تمهيداً لضربها.

مجنون من لم يراجع نفسه جيداً، وانتحاري من يتوهّم نفسه في موقع تغيير المعادلات الصلبة القائمة. انها ساعة الحقيقة التي تخص الجميع، داعمين وناخبين ومرشحين. أما من يريد العودة بالتاريخ الى ما سبق، فيمكن التوضيح ببساطة أن هناك مسؤولية اساسية تقع على عاتق شخصين: الأول، جبران باسيل وهو اليوم في موقع مماثل لموقع وليد جنبلاط في 5 ايار 2008، عندما قال لاحقاً انه تحمس وأخطأ، والثاني هو جهاد ازعور، الذي تحوّل الى فؤاد سنيورة ثان، وقبل بأن يكون فتيل الانفجار!

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار