1

الصين ليست دولة نامية: سرديات الغرب وأجندة واشنطن

محمد شعباني

وافق مجلس النواب الأميركي، أخيراً، على مشروع قانون يلزم الإدارة الأميركية بالسعي إلى إزالة صفة “دولة نامية” عن الصين في المنظمات والاتفاقيات الدولية التي تكون الولايات المتحدة طرفا فيها، باعتبار أن هذا التوصيف يمنح الصين “معاملة تفضيلية” تضرّ بمصالح واشنطن. هذا التحرّك يأتي في سياق السعي إلى احتواء تنامي القوة الصينية الصاعدة الذي أحيط بسرديات تصنع تصورات قَبلية عنه مفادها أن الصين باتت قوة عظمى ونداً للولايات المتحدة، بل تجاوزتها في قوّتها الاقتصادية.

(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

تمثيلات معرفية

“دعوا الصين نائمة، فعندما تستيقظ، سوف تهزّ العالم”. هذه المقولة لنابليون عن الصين تحوّلت إلى لازمة عند التيار القائل بالصعود الصيني كقطب في مواجهة الولايات المتحدة، والذي يوظفها ضمن سياق السرد التاريخي لعظمة الحضارة الصينية وإنجازاتها واقتصادها الذي كان الأكبر في العالم (33% من الحجم الإجمالي العالمي الصناعي) حتى عام 1750، أي قبل الغزو الغربي والياباني ودخول الصين في ما يسمى “قرن الإذلال” (1849- 1949). يتبع هذا السرد التاريخي عرضاً لتطوّر قوّة الاقتصاد الصيني بوصفه عودة لما كان عليه سابقاً، أي أكبر اقتصاد في العالم، ونذراً للقوى الغربية بأن “العملاق النائم” قد استفاق، وبات يهدد الهيمنة الأميركية على النظام الدولي.
تحدث هذه التصورات إدراكات مشوّهة ليس عن حاضر الصين فحسب بل عن تاريخها أيضاً، إذ تتجاهل القطيعة التي أحدثها الاستعماران الغربي والياباني في تطور الاقتصاد والمجتمع الصيني. فالحقبة الاستعمارية التي مرت بها الصين تزامنت مع الثورة الصناعية الأولى، أي إن صناعتها السائدة آنذاك كانت صناعة حرفية بسيطة، وسبب نسبتها المرتفعة إلى إجمالي حجم الصناعة العالمي يعود إلى كبر حجم الصين نفسها وعدد سكانها الذي كانوا يشكلون ما يزيد عن 25% من سكان العالم.

يُدعى هذا الأسلوب في علم نفس العلاقات الدولية بـ”التمثيلات المعرفية”، وبموجبها يكون فهم حاضر العلاقات الدولية مبنياً على التاريخ في إطار عملية “اقتصاد عقلي” يُستخدم فيه قدر قليل من المعلومات لبناء نموذج موجود مسبقاً، هو نموذج دورة حياة الدول، وفي حالة صعود الصين التي توضع في قالب تاريخي لصعود قوى أخرى.

الصين- الدولة القارة
لطالما كانت مساحة الإقليم الذي تشغله الدولة وعدد سكانها من عوامل القوة التي ترشح الدول للصعود في تراتبية النظام الدولي، وهو ما يوظف في تأكيدات صعود القوة الصينية، بوصفها دولة بحجم قارة. يتعامل هذا المنطق بصورة انتقائية مع الحالة الصينية، فالصين ليست الدولة الوحيدة (القارية) بعدد سكانها ومساحتها، فالهند أيضاً دولة بحجم قارة، واقتصادها اليوم يصنف كثالث أكبر اقتصاد في العالم وفقاً لمؤشّر معادل القوة الشرائية، فلماذا لا يُصار إلى تعريف الهند كقوة تعديلية (للنظام العالمي الحالي) كما تصنّف الصين وروسيا؟ بالإضافة إلى الانتقائية في الأخذ بهذا المعيار، فإن عاملَي المساحة والسكان قد تراجعت أهميتهما كعنصرين لقوّة الدول، بسبب ازدياد أهمية نوعية العنصر البشري، والأسلحة الذكية والعابرة للقارات، وتركّز الهياكل الاقتصادية للدول المتقدمة على المعرفة والابتكار.

الانطلاق من الحقبة الماوية

تُحدد نقطة الانطلاق تلك بعهد الإصلاح والانفتاح الاقتصادي الصيني في عام 1978، وهي تبدأ، وبإدراكٍ مشوّه للحقائق، من مستوى منخفض جداً، إذ تصوّر الحقبة الماوية بأنها حقبة جوع وبؤس ووبال على الصينيين. بحسب “فولفجانج هيرن” صاحب كتاب التحدي الصيني، فإنه “عندما ننظر إلى فترة حكم ماو بشكل واقعي ومحايد نجد أن 30% من إنجازاته أمور جيدة، والـ70% الأخرى سيئة تماماً”، وأن عقداً كاملاً (1966- 1976) هو عقد “سنوات ماو الضائعة”. بطبيعة الأحوال لا يقتصر هذا الأمر على فولفجانج هيرن، بل إن هذا الموقف من الحقبة الماوية هو الأكثر شيوعاً بين الدارسين الغربيين، ومن خلالهم أصبح تقريباً الرأي السائد عن الحقبة الماوية.
إن هذا الموقف من الحقبة الماوية نابع من جهل بتلك الحقبة أو من مواقف أيديولوجية، والأخيرة هي الأكثر ترجيحاً. إذ إن الحقائق والأرقام تخالف كل تلك الآراء التي تصوّر حقبة ماو بصورة التخلّف الاقتصادي والفقر والمجاعات. لن نخوض في نقاش عن الحقبة الماوية فقد سبق وأن فنّد سمير أمين وآخرون تلك المزاعم، إنما خلاصة القول إن الحقبة الماوية أرست البناء الاقتصادي اللازم للفترة التي تلتها، فلم يكن ممكناً أن تمضي حقبة الانفتاح والإصلاح إلى ما وصلت إليه، إلا من خلال البنية التحتية التي أسست لها الماوية.

إن رؤية الصين لنفسها ليست رؤية دولة عظمى على الأقل ليس وفقاً للمفهوم الغربي عن القوى العظمى

أثر المحافظين الجدد
إن المبالغة في تقييم صعود الصين وتفوقها على الولايات المتحدة يحمل بعداً سياسياً لا يمكن إخفاؤه، إذ ينطوي على محاولة جرّ الولايات المتحدة إلى سياسة أكثر تدخلية في الشؤون العالمية، وهي سياسة المحافظين الجدد التي ترفض دعوات انكفاء الولايات المتحدة نحو الداخل.
ليست الصين الدولة الوحيدة التي ضخّم المحافظون الجدد من قوّتها. ففي الثمانينيات زعموا أن الاقتصاد الياباني سيتجاوز الاقتصاد الأميركي، وأن اليابانيين سيسيطرون على الاقتصاد الأميركي بفعل استثماراتهم فيه. ولم تخمد تلك الادعاءات حتى تعرض الاقتصاد الياباني لأزمة حادة في التسعينيات، كانت للسياسات الاقتصادية الأميركية الموجّهة ضدّ اليابان دوراً فيها. كذلك نفخ المحافظون الجدد أكاذيبهم عن وجود ترسانة أسلحة دمار شامل في العراق تهدد الولايات المتحدة وأوروبا.
يظهر تأثير المحافظين الجدد في المدركات المشوّهة عن قوّة الصين، عبر وسائل الإعلام التابعة لهم، التي يأتي على رأسها شبكة فوكس نيوز (أبرز جهة إعلامية داعمة لدونالد ترامب). كما يظهر تأثيرها عبر مراكز الأبحاث والمجلات المتخصصة في الشؤون الدولية، والأهم من هذا وذاك هو التقارير الاستخبارية التي ظهر تأثيرها خلال الحرب الباردة، وفي الغزو الأميركي للعراق.

الاستناد إلى الكمّ على حساب النوع
يوضع إجمالي الناتج المحلي، في صدارة مشهد صعود القوة الصينية. فمنظرو تفوّق الصين على الولايات المتحدة قد يكتفون بالإشارة إلى أن حجم إجمالي الناتج المحلي الصيني قد تجاوز نظيره الأميركي منذ عام 2014.
يتجاهل هذا المؤشر التباين الكبير في حجم السكان بين الدولتين، فعند حساب حصّة الفرد من إجمالي الناتج المحلي الصيني، نجد أن الصين تقع في المركز الـ73 عالمياً، وإن كان هذا الترتيب لا يعكس موقع وقوّة الاقتصاد الصيني في الاقتصاد العالمي، إلا أنه يوضح الفرق الذي يمكن أن يشكله تجاهل حجم السكان. كما يتجاهل هذا المؤشر، من ضمن أمور أخرى، الفرق في القيمة المضافة بين إنتاجية العامل الصيني ونظيره في الدول الرأسمالية المتقدمة، حيث تفوق إنتاجية العامل الأميركي نظيره الصيني في القطاع الزراعي بنحو 18 ضعفاً، وأربعة أضعاف في القطاع الصناعي.

الصين «أكبر مما يجب»
درجت الولايات المتحدة على تضخيم قوّة خصومها وأعدائها، في سعي إلى احتواء قوى شركائها الاستراتيجيين. ظهر ذلك بوضوح في الحرب الأوكرانية، حين جعلت الدول الأوروبية تنصاع لترتيباتها الأمنية والاقتصادية التي دُفع ثمنها من جيوب الأوروبيين. لا يختلف الأمر كثيراً في شرق آسيا، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى صناعة “حلف ناتو آسيوي”، وتدفع إلى تشكيل حلف عسكري يجمع نيوزيلاندا وأستراليا وبريطانيا في عام 2021 منظمة “أوكوس”، كما دفعت اليابان أخيراً إلى رفع ميزانيتها العسكرية في سبيل تطويق الصين، وذلك ليس لأن الصين ندٌّ للولايات المتحدة، ولا لأنها تبدي سلوكاً عدوانياً تجاه الولايات المتحدة، فالسياسة الخارجية الصينية بصورة عامة هي سياسة غير مبادرة في الشؤون الدولية، ولا تسعى إلى أخذ دور قيادي، كما أنها لم تبدِ سلوكاً عدوانياً تجاه أي دولة، بل إنها في سعيها إلى استعادة جزيرة تايوان، والتي هي جزء من أراضيها باعتراف الأمم المتحدة لم تتخذ، حتى الآن على الأقل، الخيار العسكري لاستعادتها، وتكتفي فقط بالتلويح باتخاذ إجراءات ديبلوماسية.

إن مشكلة الولايات المتحدة مع الصين هي أنها “أكبر مما يجب”. بعبارة أخرى، إن الصين بقوّتها الظاهرة والكامنة، تشكل تهديداً لاستمرار الهيمنة الأميركية في شرق آسيا، شأنها شأن القوى الإقليمية الأخرى التي يمكن تمثيلها بمجموعة البريكس إلى جانب إيران وتركيا، تلك الدول باتت تتجاهل، وإن بحدود معينة، الهيمنة الأميركية، فلم تعد قراراتها في السياسة الخارجية تؤخذ بعد الاستماع إلى رأي واشنطن أو أخذ مصالحها في الحسبان. فالعالم الذي أجمع تقريباً على إدانة الحرب السوفياتية في أفغانستان، ليس نفسه العالم الذي حافظت فيه العشرات من الدول من شرق آسيا وحتى أميركا الجنوبية على علاقات جيدة مع روسيا رغم حربها في أوكرانيا.

كيف ترى الصين نفسها
إن السياقات الفكرية المعروضة هي سياقات الفكر الغربي الذي به أصبح الفكر السائد عن الصين، في تجاهل حتى لرؤية الصين لذاتها، أي كيف ينظر الصينيون إلى أنفسهم. وفي هذا الشأن نجد الصينيين أكثر تواضعاً في وصف واقعهم وأكثر وعياً لتحديات تجربتهم التنموية. يشير الرئيس الصيني شي جي بينغ في كتابه “أفكار حول تعميق الإصلاح” إلى مشكلات الفساد التي تعاني منه الصين، ومسألة تفاوت التنمية الإقليمي. كما يصف الصين في أكثر من مناسبة، بأنها تنتمي إلى دول العالم الثالث. وهو التوصيف الذي نجده أكثر دقّة، رغم التفاوت الكبير بين ما وصلت إليه الصين مقارنةً بمعظم دول العالم الثالث الأخرى. كذلك على مستوى الأكاديميين الصينيين، نجد تصوراً لتحديات الصين، بما فيها التحديات التي تهدّد وحدة أراضيها.

باختصار إن رؤية الصين لنفسها ليست رؤية دولة عظمى، على الأقل ليس وفقاً للمفهوم الغربي عن القوى العظمى. إن فهم القوى الصينية يجب أن ينطلق من دراسة موضوعية لواقع الصين وآفاق تجربتها التنموية بكل ما تحمله من تحديات، وبتجاوز للتصورات التي تضعها الرؤية الغربية عنها.

* باحث دكتوراه في الاقتصاد السياسي والعلاقات الاقتصادية الدولية في كلية الاقتصاد- جامعة حلب

المصدر: ملحق رأس المال في جريدة الأخبار




الصين: أربعة عقود من مكافحة الفقر

علي شمص

على مدى أربعين سنة بين عامَي 1978 و2018، قلّصت الصين فقراء الريف من 97.5% إلى 0.6% أو بنحو 765 مليون شخص. هذا الأمر لم يرد في أرقام صينية، إنما في تقرير أعدّه البنك الدولي بالشراكة مع مركز «البحوث للتنمية» الصيني. الملاحظ أنه في هذه الفترة ازداد الناتج المحلي الفردي بنسبة 8.2% سنوياً فيما كانت أعداد الفقراء تنخفض بنحو 2.3% وفق المكتب الوطني الصيني للإحصاء. في المحصّلة تقلّص الفقر باستمرار وكانت كل زيادة في النمو الاقتصادي بنسبة 1% تؤدي إلى انخفاض في عدد فقراء الريف بنسبة 1.2%

إنه إنجاز لا مثيل له، أن ينخفض الفقر في الصين بسرعة وبأعداد كبيرة. هذه الخلاصة التي تعكس إصراراً امتدّ على نحو 40 سنة، ردّها البنك الدولي إلى نوعين من السياسات: محرّكات التحوّل الاقتصادي والحدّ من الفقر، واستراتيجيات اقتلاع الفقر.

 أولاً: كانت المحرّكات الأساسية للتحوّل الاقتصادي في الصين عبارة عن سلسلة من التغييرات التي قامت بها الحكومة وتمحورت حول الآتي:
– زيادة إنتاجية القطاع الزراعي: بحسب بعض الفرضيات، فإن مساهمة القطاع الزراعي في تقليص الفقر بين عامي 1978 و2001 كانت أكثر بأربع مرات من مساهمة قطاعَي الصناعة أو الخدمات، إذ إن زيادة الإنتاجية في القطاع أدّت إلى زيادة في دخل المزارعين، فيما جرى تحرير العمالة الفائضة من القطاع الزراعي. وقد تمّ ذلك من خلال إصلاحات في الأراضي الريفية الزراعية، وتحرير الأسواق وأنظمة التسعير، وخفض الأعباء الضريبية المتصلة بالزراعة، وزيادة دعم القطاع، فضلاً عن الاستثمار في المكننة الحديثة وأنظمة الري وتنظيم أسواق المنتجات الزراعية وبذل جهود في مجال إثراء الأبحاث الزراعية لزيادة الإنتاج الزراعي.
– التطوّر التدريجي في الصناعة: كان التصنيع مساهماً أساسياً في النموّ الاقتصادي، إذ إن القيمة المضافة الصناعية للصين زادت بنسبة 10.3% سنوياً. وخلال الفترة ما بين عامي 1978 و2020، توافرت فرص عمل أكثر وأفضل مع توجيه فائض العمالة في القطاع الزراعي إلى القطاع الصناعي. فمنذ الثمانينيات ركّزت الصين جهودها على السلع الصناعية المعدّة للتصدير من خلال استغلال ما تملكه من ميزة نسبية مصدرها الصناعات الخفيفة التي تحتاج إلى العمالة الكثيفة، وهو ما أعدّ القطاع الصيني ليصبح وجهة استثمارية تنافسية على نطاق عالمي. وفي منتصف التسعينيات أصبح الجزء الأكبر من النموّ في الناتج المحلي الفردي يأتي من الصناعة. وبالاستفادة من الطلب الخارجي والمناطق الاقتصادية الساحلية الجاذبة للاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا، وصلت صادرات البلاد من السلع في عام 2019 إلى 2.49 تريليون دولار. واستفادت الصين أيضاً من توقيع اتفاقية مع منظمة التجارة العالمية لتعزيز صادراتها من السلع الصناعية لتنمية حصّتها من التجارة الخارجية من 39.6% من الناتج المحلي الصيني في عام 2000 إلى 63.8% في عام 2005.

وإلى جانب الطلب الخارجي، ظهرت فرص صناعية في المناطق الريفية لإنتاج سلع غير متوافرة في السوق المحلية امتصّت العمالة الزراعية الفائضة، وهو ما أدّى إلى زيادة في عدد المشاريع الصناعية المؤسسة في الريف من 1.5 مليون في عام 1978 إلى 23 مليوناً في عام 1996، وولّد هذا التطوّر نحو 130 مليون فرصة عمل في عام 2003.
في الواقع، إن الزيادة الكبيرة في فرص العمل الريفية، كانت عاملاً حاسماً في مكافحة الفقر الريفي في العقدين الأولين من الإصلاح والانفتاح. في هذه الفترة شاركت بعض البلديات (حكومات محلية) في إقامة مشاريع سرعان ما تحوّلت إلى ريادة الأعمال من خلال الحوافز الضريبية التي أتاحتها السلطات المحلية.
– إدارة التمدّن والهجرة نحو المدن: بالتوازي مع التطوير الزراعي والصناعي، بدأت المدن تظهر أكثر فأكثر، وهذه كانت إحدى علامات تقلّص معدلات الفقر في الريف. فحتى عام 2000 كان أكثر من نصف الصينيين المنحدرين من عائلات فقيرة، لديهم فرد على الأقل يعمل خارج مدينته «مهاجر أو نازح»، علماً أن دخل المهاجرين العاملين ازداد أربعة أضعاف بين عامي 2005 و2019. التحويلات المالية من المهاجرين والنازحين إلى أسرهم كانت سبباً مباشراً في انتعاش الريف. وارتفعت حصة الأسر في الريف من مداخيل المهاجرين والنازحين، من 40% في عام 2004 إلى 55% في عام 2012، أما العائلات التي كان بين أفرادها مهاجر أو نازح، فقد كان لديها ناتج محلي فردي أكبر بنسبة تراوح بين 8.5% و13.1% من العائلات التي ليس لديها أفراد مهاجرون أو نازحون.

وبحسب الباحث «كينان وانغ»، فإن زيادة بنسبة 1% في حجم القوى العاملة الريفية المهاجرة إلى المدينة، تؤدي إلى انخفاض في فرص الوقوع في الفقر بنسبة 3.2%، كما أن زيادة مماثلة في القوى العاملة الريفية المهاجرة أو النازحة إلى المدينة، تؤدي إلى انخفاض في نسبة البقاء في الفقر بنسبة 3.5%.
– الاستثمار الواسع في البنى التحتية: لعب الاستثمار الواسع والمطّرد في البنى التحتية الصينية دوراً أساسياً في دمج السوق المحلية وإتاحة الفرصة أمام الفقراء لعرض منتجاتهم في الأسواق الكبرى والحصول على حاجاتهم منها أيضاً.

 ثانياً: اعتمدت الحكومة الصينية سياسات لتقليص الفقر تستهدف تحسين جودة الحياة لسكان المناطق الريفية من خلال الآتي:
– استراتيجيات اقتلاع الفقر المناطقي: أطلقت الصين البرنامج الوطني لتقليص الفقر والتنمية في منتصف الثمانينيات لتلبية الحاجات الاقتصادية الخانقة عقب الانكماش في المداخيل. أولاً استُهدفت المناطق الشرقية والداخلية للبلاد. ثم حُدّدت المقاطعات الفقيرة بناءً على الدخل الفردي العام في كل مقاطعة. وعلى هذا المعيار، استُهدفت 700 مقاطعة من أصل 2100 مقاطعة في الصين. وفي عام 1994، أُطلقت خطة جديدة سُمّيت «8-7 poverty reduction plan»، التي هدفت إلى رفع مداخيل 800 مليون شخص وانتشالهم من تحت خط الفقر الوطني المُقدّر لعام 1985. قامت هذه الاستراتيجيات على تطوير الزراعة وتعزيز فرص الأعمال غير الزراعية في البنى التحتية والخدمات العامة بشكل عام، مثل الكهرباء والماء والصحة والتعليم الأساسي والصحة.

مساهمة القطاع الزراعي في تقليص الفقر بين عامي 1978 و2001 كانت أكثر بأربع مرات من مساهمة قطاعَي الصناعة أو الخدمات

– سياسات الضمان الاجتماعي: حتى منتصف العقد الأول من الألفية، كانت الحماية الاجتماعية متروكة على عاتق البلديات الريفية في الصين، لكن عندما أُقرّت الإصلاحات الاقتصادية التي أتاحت للبلديات المشاركة في عملية الإنتاج، أُجبرت الحكومة على المشاركة أيضاً في السياسات الاجتماعية عبر برامج تمويلية واسعة النطاق. فعلى سبيل المثال، أصبح تعويض الشيخوخة سياسة جديدة تغطّي الريف الصيني. وبين عامي 2009 و2012 قامت الحكومة الصينية بزيادة التغطية لتعويضات الشيخوخة بنسبة 300%، وفي عام 2020 جرت تغطية كل المرشحين. في النتيجة، تبيّن أن التحويلات الحكومية ساهمت، مباشرة، في عام 2013 في تقليص معدّلات الفقر في الريف بنسبة 4%.
– استراتيجيات اقتلاع الفقر الموجّهة: جاءت هذه الاستراتيجيات طبقة إضافية فوق الاستراتيجية السابقة بهدف رفع مداخيل المواطنين بشكل عام، وليس فقط أولئك الذين يعانون من الفقر المناطقي، وجرى التركيز على عمليات التدخل الحكومي المباشر في مجال الإسكان مثلاً، وتنمية المهارات… وفي عام 2014 وصل التمويل للقضاء على الفقر إلى 1.6 تريليون يوان. هناك تقديرات تشير إلى أن برامج مكافحة الفقر المموّلة من الحكومة والبلديات، كان لها أثر إيجابي على الحدّ من الفقر أكبر النموّ الاقتصادي بشكل عام.

المصدر: ملحق رأس المال في جريدة الأخبار