1

احتياطات الذهب العربيّة: ضمانة في ظل الأزمات الاقتصاديّة؟

علي نور الدين

بحلول نهاية العام 2022، بلغ إجمالي احتياطات الدول العربيّة من الذهب حدود ال1514 طنًا. ومن بين هذه القيمة، تركّز 1039.3 طن من الذهب، أي نحو 69% من إجمالي الاحتياطات العربيّة، بيد خمس دول عربيّة فقط، هي المملكة العربيّة السعوديّة ولبنان والجزائر والعراق ومصر.

وعلى المستوى العالمي، حلّت كل من السعوديّة ولبنان في قائمة ال20 الدولة الأكثر امتلاكًا للذهب، حيث احتلّتا المرتبتين ال16 وال18 على التوالي.

أثر الأزمات الاقتصاديّة العالميّة

في واقع الأمر، ساهمت الأزمات الاقتصاديّة التي ضربت العالم خلال العام 2022 في دفع الدول العربيّة الى مراكمة المزيد من احتياطات الذهب. فخلال ذلك العام مثلًا، اشترت ثلاث دول عربيّة، هي مصر والعراق والإمارات العربيّة المتحدة، نحو 97 طنًا إضافيًا من الذهب، ما ساهم في رفع إجمالي احتياطات الذهب الموجودة لدى الدول العربيّة بشكل كبير.

أمّا قطر، فرفعت خلال العام 2022 حجم حيازتها الذهب إلى 91.7 طنَ، لتحقق أعلى مستوى تاريخي لها على هذا الصعيد. وكذلك فعلت السعوديّة، التي اشترت بين نيسان/أبريل وتشرين الثاني/نوفمبر 2022 نحو 20 طنًا من الذهب، كجزء من إستراتيجيّتها الجديدة القائمة على استثمار جزء أساسي من احتياطاتها الإستراتيجيّة في شراء الذهب.

الاتجاه نحو الاستحواذ على الذهب، يأتي اليوم كمحاولة من قبل العديد من الدول العربيّة لتنويع احتياطاتها الدوليّة، وتقليص حجم احتياطاتها المودعة في أسواق المال والمصارف الغربيّة. فالضغوط التي تتعرّض لها مصارف الولايات المتحدة والدول الأوروبيّة، ترفع من مخاطر الاستثمار في هذه المصارف عبر شراء الأسهم أو شهادات الإيداع، أو حتّى الاحتفاظ بودائع فيها. وارتفاع الفوائد المستمر في أسواق المال، يضرب قيمة أي استثمار في أسواق السندات السياديّة، ما يبعد المصارف المركزيّة العربيّة اليوم عن شراء سندات الخزينة الأميركيّة مثلًا.

أمّا معدّلات التضخّم العالميّة المرتفعة التي شهدها العالم خلال العام 2022، والتي قاربت حدود ال8.8% بحسب صندوق النقد الدولي، فتؤدّي إلى تآكل القيمة الشرائيّة العملات الدوليّة الرئيسة، كالدولار الأميركي واليورو. وهذا ما يدفع المصارف المركزيّة العربيّة الى الاحتفاظ باحتياطات الذهب، كملاذ آمن قادر على الاحتفاظ بقيمته على المدى البعيد.

لكل هذه الأسباب، لم تقتصر موجة شراء الذهب على الحكومات والمصارف المركزيّة العربيّة. بل تشير أرقام مجلس الذهب العالمي إلى أنّ المصارف المركزيّة في جميع أنحاء العالم سجّلت خلال العام 2022 في حيازة الذهب أعلى مستوى، منذ العام 1974، أي منذ الأعوام التي تلت صدمة تخلّي الرئيس الأميركي رتشارد نيكسون عن ربط قيمة الدولار بالذهب عام 1971. وبحسب أرقام المجلس، ارتفع إجمالي الطلب العالمي على الذهب بنسبة 18% خلال سنة 2022، فيما ارتفع صافي مشتريات المصارف المركزيّة في جميع أنحاء العالم من الذهب بنسبة 152%.

إنّ ارتفاع الطلب العالمي على الذهب، يفسّر ارتفاع المتوسّط السنوي لسعر أونصة الذهب من 1798.89 دولارًا أميركيًا خلال العام 2021، إلى 1801.87 دولارًا أميركيًا عام 2022. مع الإشارة إلى أنّ أسعار الذهب استمرّت بالارتفاع عام 2023، مع استمرار الاضطرابات الاقتصاديّة العالميّة، إذ سجّل المتوسّط السنوي لسعر الأونصة في بداية أيّار/مايو 2023 نحو 1923.08 دولار أميركي.

وهكذا، يبدو مفهومًا اتجاه الدول العربيّة نحو زيادة حيازاتها من الذهب، كجزء من هذا المشهد الاقتصادي الدولي. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أنّ معظم الخبراء الذين يؤيّدون الاحتفاظ بالذهب كاحتياطي إستراتيجي على المدى الطويل، يحذّرون في الوقت نفسه من الانخراط في المضاربة على أسعاره على المدى القصير. فالذهب، يمكن أن يحمي قيمة الاحتياطات من مفعول التضخّم بمرور الزمن، لكن الاحتفاظ به لفترات قصيرة قد يكبّد حامله خسائر نتيجة تقلّبات الأسعار الظرفيّة، وخصوصًا في فترات الاضطراب المالي.

وهذا تحديدًا ما يدفعنا اليوم إلى السؤال عن كيفيّة إدارة احتياطات الذهب الموجودة بحوزة الحكومات والمصارف المركزيّة العربيّة، والبحث عمّا إذا كان دور هذه الاحتياطات ادخار قيمتها للمستقبل البعيد، أو استعمالها كاستثمارات قصيرة الأجل. كما يمكن السؤال هنا عن هدف الحكومات والمصارف المركزيّة من مراكمة هذه الاحتياطات، وكيفيّة اتخاذ القرارات المتصلة بها.

السعوديّة: تحدّي الارتباط بالدولار والولايات المتحدة

منذ العام 1973، التزمت المملكة العربيّة السعوديّة باتفاقها مع الولايات المتحدة الأميركيّة، القاضي بتسعير النفط بالدولار، وهو ما عُرف منذ ذلك الوقت بالبترودولار. وهذا الاتفاق، كان أحد العوامل التي حافظت على هيبة العملة الأميركيّة، على مرّ العقود الماضية.

ومنذ العام 1986، حافظت السعوديّة على ربط الريال السعودي بالدولار الأميركي، عند سعر صرف ثابت، ما زاد من ترابط السياسات النقديّة السعوديّة بالسياسات النقديّة الأميركيّة. كما توسّعت السعوديّة بالاستثمار بسندات الخزانة الأميركيّة، إلى حد امتلاكها وحدها 45% من قيمة سندات الخزانة الأميركيّة المملوكة من دول عربيّة.

هذا المشهد، بدأ بالتغيّر اليوم. ففي كانون الثاني/يناير 2023، أعلن وزير الماليّة السعودي محمد الجدعان ولأوّل مرّة انفتاح بلاده على تسوية تجارتها الدوليّة، بما فيها التجارة النفطيّة، بعملات أخرى غير الدولار الأميركي. وكان هذا الإعلان قد تلا نحو عامين من العلاقات الفاترة بين السعوديّة والولايات المتحدة، على خلفيّة تباينات في مصالح الدولتين السياسيّة والاقتصاديّة. وظهرت هذه التباينات بشكل واضح خلال العام 2022، مع التناغم السعودي الروسي داخل مجموعة أوبيك+، ورفض السعوديّة المطالب الأميركيّة المتصلة بزيادة معدلات إنتاج النفط.

في الوقت عينه، بدأت السعوديّة بتعميق علاقاتها الاقتصاديّة مع الصين شرقًا، كما بدأت بوضع الخطط النقديّة لفك الارتباط ما بين الريال السعودي والدولار الأميركي. وللمزيد من فك الارتباط بالولايات المتحدة، بدأت السعوديّة بخفض حيازتها من سندات الخزينة الأميركيّة خلال العام 2023، إلى أدنى مستوى لها منذ سبع سنوات.

في هذا السياق بالتحديد، يأتي توجّه المملكة العربيّة السعوديّة لشراء الذهب ومراكمته كاحتياطي إستراتيجي، لتحصين الريال السعودي بمعزل عن سياسة ربطه بالدولار الأميركي، ولتخفيض انكشاف السعوديّة على الاستثمارات والإيداعات في أسواق الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، يمهّد الاعتماد على الاحتياطات غير المدولرة لتنفيذ الطموحات التي تتشاركها السعوديّة مع دول مجموعة بريكس، والتي تستهدف إجراء التجارة الدوليّة بعملات أخرى غير الدولار، عبر استخدام الاحتياطات البديلة في التداولات التجاريّة.

باختصار، يتناسب التوجّه السعودي نحو شراء الذهب مع رؤية ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان، الطامحة إلى التعاون مع الصين وروسيا لإرساء نظام مالي عالمي جديد، يقلّص من هيمنة الولايات المتحدة الأميركيّة على الأسواق الدوليّة. ومن المهم الإشارة إلى أنّ السعوديّة تملك حاليًا نحو ستّة مناجم للذهب، وهذا ما يسمح لها بمراكمة المزيد من احتياطات الذهب بكلفة تقل عن سعر السوق العالميّة.

وفي الوقت الراهن، وفي ظل الفوائض الماليّة الضخمة التي تنعم بها السعوديّة بفعل أسعار النفط المرتفعة، لا يوجد ما يوحي بأنّ السعوديّة ستحتاج لاستخدام أو بيع أجزاء وازنة من احتياطات الذهب التي تملكها في القريب العاجل. وهذا ما يشير إلى أنّ المملكة ستحتفظ بالذهب الموجود لديها كاحتياطي إستراتيجي للمستقبل، من دون أن تتكبّد أي خسائر قد تنتج عن تذبذب أسعار الذهب على المدى القصير.

لبنان: الاحتياطي الذي لا يمكن المس به

بخلاف السعوديّة، لم ينتج احتياطي الذهب الموجود لدى لبنان عمليّات شراء مستجدة. بل وعلى العكس تمامًا، حصلت جميع عمليّات شراء الذهب التي قام بها لبنان بين عامي 1948 و1971، ثم توقّفت عمليّات الشراء منذ ذلك الوقت. وكان الهدف من تلك الخطوة في ذلك الوقت، هو الاستفادة من فوائض ميزان المدفوعات اللبناني، لمراكمة احتياطات كفيلة بدعم سعر صرف العملة المحليّة على المدى البعيد.

وخلال حقبة الحرب الأهليّة، أقرّ المجلس النيابي اللبناني عام 1986 قانونًا يمنع بيع احتياطات الذهب الموجودة أو التصرّف بها، إلا بموجب قانون صادر عن المجلس النيابي. وهذا تحديدًا ما حافظ على هذه الاحتياطات حتّى اليوم، دون أن يزداد أو ينقص حجمها على مرّ العقود.

حاليًا، تشير أرقام المصرف المركزي إلى أن قيمة الذهب الموجود بحوزته تقارب حدود ال17.57 مليار دولار أميركي. وكان المصرف المركزي اللبناني قد أودع نحو 40% من هذه الاحتياطات في الولايات المتحدة الأميركيّة، فيما يحتفظ بالقيمة المتبقية في خزائنه الخاصّة. ورغم قسوة الأزمة الماليّة الراهنة، فإنّ الدولة اللبنانيّة لا تمتلك حتّى اللحظة أي رؤية لكيفيّة استخدام هذه الاحتياطات في المستقبل، بالنظر إلى عدم وجود خطّة ماليّة متكاملة لمعالجة الأزمة حاليًا.

عمليًا، لا يبدو لبنان معنيًا بتقلّبات أسعار الذهب العالميّة على المدى القصير، إذ تتعامل الدولة اللبنانيّة مع كميّات الذهب الموجودة بحوزتها كاحتياطي إستراتيجي لا يمكن المساس به أو استخدامه بسهولة. لكن الخطر الذي يحدق بهذا الاحتياطي، قد ينتج تحديدًا عن احتمال إساءة استعماله، في إطار التعامل مع الخسائر الناتجة عن الانهيار، وخصوصًا إذا تم تحميل هذا الاحتياطي بعض الخسائر التي كان من المتفرض أن تتحمّلها النخبة الماليّة.

مغامرة مصريّة

خلال الربع الأوّل من العام 2022، تفاجأ العالم بخبر شراء المصرف المركزي المصري نحو 44 طنًا من الذهب، ليصبح أكبر مشترٍ للذهب وسط المصارف المركزيّة العالميّة في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الحين، أشار معظم الخبراء إلى انطواء تلك الخطوة على مجازفة كبيرة من جانب مصر.

فمن الناحية العمليّة، استخدمت مصر احتياطاتها من العملات الأجنبيّة لشراء هذه الكميّة من الذهب. وكما هو معلوم، تعاني مصر في الوقت الراهن من أزمة ماليّة قاسية، تحول دون توفير العملة الصعبة المطلوبة لسداد الديون الخارجيّة وتمويل الاستيراد. ولهذا السبب، من المتوقّع أن تحتاج مصر قريبًا لبيع جزء من احتياطات الذهب التي قامت بشرائها، لتأمين حاجاتها التمويليّة على المدى المتوسّط. وهذا ما سيعرّض مصر لخسائر قد تنتج عن تذبذب أسعار الذهب على المدى القصير، بفعل الاضطرابات الماليّة التي تشهدها الأسواق الماليّة العالميّة.

ورغم احتفاظ الذهب حاليًا بأسعاره المرتفعة نسبيًا، من المحتمل جدًا أن تشهد الأسعار انخفاضات وتقلّبات ظرفية على المدى القصير، مع استمرار ارتفاع الفوائد الأميركيّة. مع العلم أن أسعار الذهب غالبًا ما تشهد انخفاضات ظرفيّة قصيرة الأجل، بالتوازي مع الارتفاع في معدلات الفوائد العالميّة. وعلى سبيل المثال، كانت أسعار الذهب قد سجّلت بالفعل تراجعات كبيرة خلال صيف العام 2022، نتيجة قرارات رفع الفوائد الأميركيّة، بعد أن قامت مصر بشراء هذه الكميات من الذهب.

شراء إنتاج الذهب المحلّي

بعض الدول العربيّة، كالجزائر ومصر والسعوديّة، تستفيد من امتلاكها مناجم محليّة لإنتاج الذهب، ما سمح لها خلال فترات متعددة بشراء إنتاج الذهب من هذه المناجم بالعملات المحليّة، أو بالاستفادة من حصّة الدولة من عمليّات الإنتاج.

وفي حالتي مصر والجزائر، سمحت هذه العمليّات بتقليص حجم الضغوط النقديّة، في ظل الأزمات الاقتصاديّة التي مرّت بها الدولتان. ومن الطبيعي أن تلجأ الدول العربيّة في مثل هذه الحالات إلى محاولة الاستفادة من هذه الاحتياطات، التي كوّنها إنتاج الذهب المحلّي، عبر انتظار اللحظة الأنسب لبيعها على المدى القصير.

في جميع الحالات، تختلف الأدوار التي تلعبها احتياطات الذهب في الدول العربيّة، باختلاف السبب الذي دفع باتجاه شرائها. لكنّ أهم ما في الموضوع، هو تفادي التورّط في مجازفات خطرة على حساب المال العام، عبر شراء احتياطات الذهب للمضاربة على أسعارها على المدى القصير، بدل اللجوء إليها كمدخرات طويلة الأجل.

كما من الضروري وضع آليّات شفافة لاتخاذ القرارات المتعلّقة بشراء وبيع الذهب، من قبل المصارف المركزيّة، نظرًا لاتصال كل هذه العمليّات بأموال عموميّة ضخمة، وبصفقات قد ينتج عنها خسائر وازنة إذا لم تتم إدارتها بالشكل الصحيح.

المصدر: موقع fanack.com




الإمارات: ترتيب جديدٌ على مستوى تناقل السلطة

خالد محمود

مع تعيين الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان في منصب ولي عهد أبوظبي، يبدو أن دولة الإمارات تسير على خطا السعودية فيما يتعلق بترتيب نقل السلطة من الإخوة إلى الأبناء.

وعبر قرار تصعيد أولاده في المناصب القيادية مؤخرا، يكرس الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد نفسه حاكما لبلاد ومستقبلها لفترة مقبلة غير محددة، ولأبنائه من بعده.

كسر نمط الخلافة

في جرأةٍ محسوبة، وضع الشيخ محمد بن زايد وصيّة والده الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان جانباً فيما يتعلق بولاية عهد إمارة أبوظبي. وعوضاً عن اختيار أحد أشقائه الخمسة المعروفين جماعياً باسم “بني فاطمة” لولاية العهد، اختار الشيخ محمد ابنه خالد ليشغل هذا المنصب.

يأتي ذلك في الوقت الذي قرّر فيه الشيخ محمد تعيين شقيقه منصور بن زايد نائباً لرئيس الدولة إلى جانب حكام دبي ورئيس حكومة الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. كما عيّن شقيقيه هزّاع بن زايد وطحنون بن زايد نائبين لحاكم إمارة أبوظبي.

قرار رئيس الإمارات وحاكم أبوظبي كان لافتاً للأنظار، سيّما وأنه تخطى به تقاليد الخلافة المعتادة والتي كانت تستند، منذ وفاة الشيخ زايد، على تداول حكم إمارة أبوظبي بين أبنائه. ويبدو أنّ منح منصب ولي عهد الإمارة للشيخ خالد تم التخطيط له وجاء بعد تحضير استمر على مدى سنوات.

والآن، بات الشيخ خالد في حكم ولي العهد المنتظر لدولة الإمارات الغنية بالنفط في منطقة الشرق الأوسط، سيّما وأن حكّام إمارة أبوظبي هم الوحيدون الذين شغلوا رئاسة الدولة منذ تأسيس اتحاد الإمارات في عام 1971.

وينظر إلى القرارات الجديدة على أنها إشارة لتصاعد نفوذ أبو ظبي على دبي في الشؤون الداخلية والسياسة الخارجية. كما تكرّس هذه القرارات توطيد أبوظبي لنفوذها السياسي، ليس فقط باعتبارها العاصمة السياسية للدولة، أو بسبب حجمها وثروتها النفطية الهائلة، بل بدعمها المالي الذي بدأ لإمارة دبي منذ عام 2009.

وبالنظر إلى الحالة الصحية والعمرية لوالده الحاكم، سيكون لدى الشيخ خالد فرصةٌ مواتيةٌ لتعزيز صورته محلياً ودولياً كرئيس مقبل للبلاد.

ومع ذلك، فقد مثلت هذه الخطوة تجاوزا للتقاليد، وإشارة واضحة برغبة محمد بن زايد في تأسيس سلالته الخاصة، فيما وصف بالخروج الكبير عن ديناميكيات القوة التقليدية في الإمارات.

وظاهرياً، يبدو أن تعيين الشيخ خالد يُغيّر نظام الخلافة في الإمارات، بحيث لم تعد تنتقل من شقيق إلى شقيق، بل من الأب إلى الابن. كما تمنح هذه التغييرات أدواراً جديدة إلى بني فاطمة، أي محمد بن زايد وأشقائه الخمسة من والدته فاطمة، التي كانت الزوجة المفضلة للشيخ زايد.

وبقفزةٍ نوعية نحو منح الجيل القادم زمام الأمور مستقبلا، ولضمان انتقال سلمي وسلس للسلطة، تم حسم خلافة محمد، الذى أنهى مبكرا لعبة كراسٍ موسيقية على الخلافة، بعدما رجحت تقارير أنها محل صراع بين شقيقه طحنون ونجله خالد الذي عمل على زيادة نفوذه.

ووأد التعيين صراعا سريا على السلطة عبر تهميش طحنون واستبداله بخالد، حيث يستخدم ترشيح ولي العهد أو الوريث الظاهر للإشارة إلى الاستقرار في أبو ظبي. وينهي صعود الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، تكهنات الخلافة في الإمارة الغنية بالنفط.

ترحيبٌ محلي وإقليمي

قد تبدو القرارات الأخيرة مفاجئة، سيّما وأنها تنقل نظام الحكم الكلاسيكي في البلاد إلى تراتبية جديدة. ومع ذلك، فقد كانت هذه القرارات، بحسب صحيفة الخليج الإماراتية، “محل إجماعٍ وطني” ودليلاً على “الالتفاف حول قيادة الإمارات” وترسيخاً لحالة الاستقرار التي تمر بها الدولة.

ورأى المجلس الوطني الاتحادي في هذه القرارات تعزيزاً للمسيرة التي “أرسى دعائمها الوالد المؤسس الشيخ زايد”. وأعرب المجلس عن ثقته التامة أن هذه القرارات “ستسهم في استكمال الإنجازات”.

ووفقا لمصدر دبلوماسي عربي تحدث لفنك مشترطاً عدم الكشف عن اسمه، فقد تلقت الدوائر الدبلوماسية هذا التغيير بترحاب، كونه متوقعا في الأساس منذ تولي الشيخ محمد بن زايد رئاسة الإمارات في مايو 2022.

ولاقت التعيينات الجديدة على الفور تأييدا لافتا من المملكة العربية السعودية. وأعرب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن أمله في أن تقود القرارات الإماراتية الأخيرة إلى “تعزيز الازدهار”. كما قام العديد من الزعماء العرب بإرسال رسائل إيجابية نحو أبوظبي، ومن أبرز هؤلاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وبدورهم، رحّب حكّام الخليج الآخرون بهذه الخطوة، بما في ذلك قطر.

في كلّ الأحوال، ما جرى في الإمارات يشابه ما حدث عام 2017 في السعودية. ففي ذلك الحين، عيّن العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز ابنه محمد وليا للعهد، ليكرّس بذلك نقل السلطة والحكم من جيل الإخوة إلى جيل الأبناء.

من هو خالد

لم يكن اختيار الشيخ خالد ولياً للعهد في الإمارات، مفاجئا على الإطلاق للمطّلعين على الأروقة الداخلية الإماراتية. وكان واضحا منذ فترة أن اسم خالد، الذي يشغل منصب نائب مستشار الأمن الوطني ورئيس جهاز أمن الدولة، يتردد لمنصب ولي عهد أبو ظبي من بين أربعة مرشحين.

وكان الشيخ محمد بن زايد قد تولى ولاية عهد إمارة أبو ظبي ورئاسة مجلسها التنفيذي بين عامي 2004 و2022.

ويُنظر إلى الشيخ خالد كأحد أبرز القادة الفاعلين لمؤسسات البلاد الأمنية والاقتصادية. ففي عام 2016، عيّنه عمه الرئيس الإماراتي الراحل الشيخ خليفة بن زايد رئيسا لجهاز أمن الدولة بدرجة وزير، ثم نائباً لمستشار الأمن الوطني بدرجة وزير. وفي مطلع عام 2019، تم تعيينه في المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي.

وحاز الشيخ خالد، المولود في 8 يناير 1982، على شهادة البكالوريوس في العلاقات الدولية من الجامعة الأمريكية في الشارقة. كما حصل على شهادة الدكتوراه من قسم دراسات الحرب بكلية كينجز كوليدج لندن عام 2014. وفي عام 2015، تم تعيينه رئيساً للهيئة الوطنية للأمن الإلكتروني.

في العام التالي، ترأس الشيخ خالد جهاز أمن الدولة بمرتبة وزير، ليبدأ حياته المهنية الرسمية في مجال الأمن. ولعب الشيخ خالد أدوارًا رئيسية في الحياة العامة في أبو ظبي، حيث يعتقد أن مهمته تتمثل في دفع الإمارة إلى الأمام نحو المستقبل.

وتجدر الإشارة إلى تأليف الشيخ خالد لكتابٍ وحيد كان عن النزاع الإماراتي الإيراني. ويشرح ولي العهد الجديد في كتابه، الذي نشر في عام 2013، تفاصيل استيلاء إيران على الجزر الإماراتية الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى.

ويعد الشيخ خالد من دعاة الطاقة المتجددة، بالنظر إلى إشرافه على مشروع عالمي جديد للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر بين أدنوك وشركة أبوظبي الوطنية للطاقة منذ عام 2021. ويسعى هذا المشروع إلى بناء محطة طاقة نظيفة تضع أبو ظبي في طليعة تحوّل الطاقة، مع 30 غيغاواط من الطاقة المتجددة المولدة بحلول عام 2030.

ولدى ولي العهد الجديد ثلاث أولاد من زوجته الشيخة فاطمة بنت سرور آل نهيان، علماً بأنه شارك عن كثب في العديد من المشاريع الشبابية والبيئية والرياضية. وسبق للشيخ خالد الترويج لرياضة الجوجيتسو، فضلاً عن المساعدة في جلب مباريات كرة السلة الأمريكية “إن بي إيه” إلى الإمارات.

وطبقا لما قاله أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبد الخالق عبد الله لوكالة الصحافة الفرنسية، فقد مثّل الشيخ خالد بن محمد والده بالفعل في عدّة رحلاتٍ خارجية. ويرى عبد الله تلك الزيارات في إطار الاستعدادات التي كانت تجري على قدمٍ وساق لتحضير ولي عهد أبوظبي الجديد لتولي القيادة.

وخلافا لمعظم المسؤولين في الإمارات، بقي الشيخ خالد بعيدا عن الأضواء المباشرة، ضماناً لصعوده الهادئ في دولاب الدولة. وعلى هذا الأساس، فقد ابتعد عن وسائل الإعلام. كما أنه لا يمتلك أيّ حسابٍ رسمي أو خاص على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن المرجح أن يكون لولي العهد المعيّن حديثًا تأثيرٌ كبير على الطريقة التي تتبعها الدولة الخليجية في الخطوات التالية من تنميتها الاقتصادية وتنويعها الإستراتيجي في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد.

ويفتح تعيين الشيخ خالد في ولاية العهد الطريق أمام السياسي الشاب كي يتولّى قيادة الدولة الخليجية الثرية في المستقبل. ويأتي ذلك في وقتٍ تتم فيه مراقبة تطورات الإمارات عن كثب في العواصم الكبرى في العالم، سيّما وأنّ الدولة الخليجية باتت تحظى بدورٍ ونفوذٍ أكبر على المستويين العربي والإقليمي خلال السنوات الماضية.

الرأي العام المحلي في الإمارات ينظر إلى الشيخ خالد باعتباره قيادة شابة طموحة ومحل إجماع وطني. وعلى ذلك، سيتعيّن على ولي العهد الجديد أن يخطو نحو الضوء بحذر لتقديم نفسه، ليس فقط كابن الحاكم وولي عهده، بل أيضاً كشخص مؤهل لقيادة البلاد فيما بعد.

المصدر: موقع fanack.com




تاريخ الموساد الإسرائيلي السياسي

علي نور الدين

في شهر نيسان 2023، كشفت صحيفتا “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” عن مجموعة من الوثائق السريّة التي تم تسريبها من وزارة الدفاع الأميركيّة، والتي تضمّنت معلومات تشير إلى أنّ كبار المسؤولين في جهاز الموساد الإسرائيلي شجعوا موظفي الجهاز والمواطنين في إسرائيل على المشاركة في احتجاجات مناوئة لحكومة نتنياهو.

ورغم حرص مكتب نتنياهو على نفي هذه المعلومات بشكل قاطع، أعادت هذه التسريبات فتح النقاش حول الدور السياسي الذي لعبه هذا الجهاز المخابراتي والأمني منذ نشأته، داخليًا وخارجيًا.

أدوار تتجاوز المهام المخابراتيّة

منذ إعلان تأسيسه رسميًا عام 1949، لعب هذا الجهاز دورًا كبيرًا في صياغة سياسات إسرائيل الخارجيّة ، بما فيها تلك المتصلة بعلاقاتها الدبلوماسيّة وقراراتها الاقتصاديّة، والنزاعات التي انخرطت فيها. كما انخرط الجهاز في مناكفات ومناورات أثّرت على قرارات السلم والحرب والعمليّات العسكريّة خارج حدود إسرائيل، مع كل ما يرتبط بهذه القرارات من آثار سياسيّة طويلة الأمد.

أمّا الأهم، فهو أنّ الموساد ساهم في التأثير على التوازنات السياسيّة الداخليّة، وقرارات السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة، كما أثّر على حجم تدخّل الدولة بالحريّات الشخصيّة محليًا.

باختصار، وعند قراءة تاريخ الموساد السياسي، يمكن الاستنتاج أنّه لم يكن يومًا مجرّد مؤسسة أمنيّة تنفّذ توجيهات السلطات التنفيذيّة وقراراتها، كما يفترض أن يكون الحال بموجب القانون الذي يضعه تحت إشراف رئيس الوزراء. كما أن الجهاز لم يكتفِ بجمع المعلومات وتنفيذ العمليّات الخاصّة، عندما يُطلب منه ذلك.

بل وعلى العكس تمامًا، لطالما كان الموساد أحد أجهزة الدولة القوية، بكل ما لديها من أولويّات وأهداف خاصّة، والتي تساهم في إنتاج القرار السياسي وربما فرضه، بدل الخضوع لقرار السلطات الديمقراطيّة.

دور الموساد السياسي منذ مرحلة التأسيس

قبل أن يتم تأسيسه بشكل قانوني، بدأ الموساد بالعمل منذ العام 1937 كمنظمة للهجرة غير الشرعيّة، من خلال مجموعة من الضباط والإداريين، في قسم الاستعلام التابع لمجموعات الهاجاناه.

وكان هدف المجموعة في تلك المرحلة جمع المعلومات وتوظيف العلاقات الخارجيّة مع الجاليات اليهوديّة والحكومات وأجهزة المخابرات الأجنبيّة، لتنظيم عمليّات هجرة اليهود باتجاه إسرائيل. وهذه الوظيفة، التي جمعت ما بين الأدوار الأمنيّة والسياسيّة، ومهام الاستعلام والتواصل والعمليّات الخاصّة في الخارج، هي ما مهّد لتحوّل الموساد لاحقًا إلى جهاز مركزي للمخابرات الخارجيّة.

ومنذ تلك المرحلة، كان من الواضح أنّ دور الجهاز كأحد منظّمي الهجرة اليهوديّة تعدّى الجانب الأمني الصرف، ليشمل أدوارًا إستراتيجيّة مؤسِّسة للدولة الإسرائيليّة ومجتمعها، وعلاقاتها مع الخارج.
ويشير العديد من المؤرّخين في تلك الفترة إلى أنّ جهاز الموساد تأسس في تلك الحقبة على أنقاض الدائرة السياسيّة، التي عملت تحت وصاية وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة لفترة من الزمن، قبل حلّها. وهذا ما أورث الموساد وظائف ذات طابع دبلوماسي وسياسي، إلى جانب الوظائف المخابراتيّة التقليديّة.

في عام 1949، قررت إسرائيل إعادة تنظيم مؤسساتها الاستخباراتيّة والأمنيّة، ما دفعها لقوننة عمل الموساد تحت مسمّى “مؤسسة المعلومات والمهام الخاصّة”.

وفي تلك المرحلة، كانت مهمّة الجهاز محصورة بالتنسيق بين مؤسسات الخدمات الاستخباراتيّة والأمنيّة الأخرى، وتحديدًا جهازي إدارة استخبارات الجيش (أمان) وجهاز الأمن الداخلي (شين بيت أو الشاباك). وكان الترتيب الإداري المعتمد ينص على تكليف جهاز “أمان” بمهام الاستخبارات ذات الطابع العسكري، مقابل تكليف جهاز “شين بيت” بالمهام الداخليّة ذات الطابع الأمني، فيما يقوم الموساد بمواءمة العمليّات والمعلومات.

وكانت ثمرة تأسيس الجهاز في تلك المرحلة تنفيذ عمليّة “عزرا ونحميا” في العراق بين عامي 1950 و1951، حيث تولّى الجهاز مهمّة التواصل مع الجالية اليهوديّة هناك، ومن ثم تنظيم عمليّات إجلاء أكثر من 125 ألف يهودي باتجاه إسرائيل.

وفي ذلك الوقت، نجحت المخابرات بجمع المعلومات المفصّلة حول أماكن تواجد اليهود في العراق، فيما تم توظيف علاقات الجهاز الخارجيّة لتأمين الطائرات الأميركيّة والحصول على أذونات من الحكومة العراقيّة لتنظيم رحلات الهجرة. مع الإشارة إلى أنّ الجهاز عمل على مجموعة من المهام الأمنيّة والعمليّات الخاصّة في عمق الأراضي العراقيّة، التي احتاجها لتنفيذ عمليّات الإجلاء.

إعادة تنظيم الموساد وتوسّع الدور السياسي

وفي العام 1951، أي بعد ثلاث سنوات من الإعلان عن تأسيس إسرائيل، أعيد تنظيم الموساد ليصبح جهازًا منفصلًا، بدل أن يتولّى التنسيق بين جهازي أمان وشين بيت. ومنذ ذلك الوقت، بات الموساد هو وكالة المخابرات المركزيّة الأساسيّة التي تتولّى جمع المعلومات وتنفيذ العمليّات خارج إسرائيل، فيما تم وضع الجهاز تحت وصاية مكتب رئاسة الوزراء مباشرة.

في المقابل، تم الإبقاء على جهاز آمان كوكالة استخبارات عسكريّة متصلة مباشرة بهيئة أركان الجيش، لتتولّى المهام المخابرتيّة المكمّلة لعمل الجيش الإسرائيلي على حدود إسرائيل، وفي مواجهة الجيوش العربيّة الأخرى. أما جهاز الشين بيت، فتم ربطه برئاسة مجلس الوزراء، ليتخصّص بالشأن الأمني الداخلي، وليواجه عمليّات الفصائل الفلسطينيّة.

وللدلالة على أهميّة الدور الذي ظلّ الموساد يلعبه في عمليّة اتخاذ القرار السياسي، بعد إعادة تنظيمه في ذلك الوقت، تكفي الإشارة إلى حرص رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون على تعيين مستشاره الخاص ومسؤول الشؤون الخارجيّة في طاقمه روبين زاسلانسكي، كأوّل مدير للجهاز بعد إعادة تنظيمه.

مع الإشارة إلى أنّ زاسلانسكي كان يشغل في الوقت نفسه منصب وزير الدفاع في حكومة بن غوريون، ما يشير إلى حجم التداخل ما بين مهام الموساد الأمنيّة والوظائف السياسيّة التي قام بها. وتشير الوثائق التي أرّخت تلك الحقبة إلى أنّ زاسلانسكي كان أحد الأشخاص اللصيقين ببن غوريون، الذي ساهموا بصياغة برنامج عمله كرئيس للحكومة الإسرائيليّة.

وبحكم الطابع السرّي الذي حكم سياسة إسرائيل الخارجيّة وعلاقاتها الدبلوماسيّة في تلك الفترة، ساهم الموساد منذ بداياته في نسج علاقات الحكومات الإسرائيليّة السياسيّة مع الخارج، كما ساهم في التفاوض على اتفاقيّات وصفقات عسكريّة وتجاريّة واقتصاديّة، مع دول مختلفة.
ومع الوقت، طوّر الموساد هذا الجانب من عمليّاته، إلى حد تأسيس قسم خاص حمل إسم “تيفيل”. وسعى هذا القسم إلى عمل لمصلحة الموساد على هامش البعثات الدبلوماسيّة الإسرائيليّة في الخارج، ونسج العلاقات التي تزاوج ما بين المهام الدبلوماسيّة والأمنيّة.

فعلى سبيل المثال، ساهمت علاقات الموساد في الخارج في إفساد صفقات أسلحة عديدة، كانت من المحتمل أن تضر بتفوّق إسرائيل العسكري في مواجهة خصومها، كصفقة الصواريخ ما بين ألمانيا ومصر في ستينات القرن الماضي.

كما نجح الموساد في نسج علاقات داخل العديد من الدول العربيّة والأفريقيّة، كالبحرين والإمارات وتشاد ومصر، قبل تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، تمهيدًا لفتح العلاقات الدبلوماسيّة المباشرة معها. وهذا ما أدّى إلى تقليص عزلة إسرائيل الدوليّة على مدى العقود الماضية.

تنافس الموساد مع أجهزة الدولة الأخرى

كان من الطبيعي أن يؤدّي توسّع الأدوار التي يلعبها الموساد، وخصوصًا تلك التي تجاوزت دوره كجهاز للمخابرات، إلى تنافسه مع أجهزة الدولة الأخرى، بل وإلى حصول احتكاكات ونزاعات معها.

فعلى سبيل المثال، كشفت وثائق أرشيف الجيش الإسرائيلي عام 2017 عن الخلافات العميقة التي حكمت علاقة الموساد مع جهاز الاستخبارات العسكريّة “أمان”، منذ تأسيس الجهازين وتنظيم عملهما سنة 1951.

وساهمت الخلافات بين الجهازين خلال حرب أكتوبر 1973 في تقديمهما معلومات وتوصيات متناقضة وغير منسّقة، كما سعى كل من الجهازين إلى استمالة السلطة السياسيّة لمصلحة التقديرات والتوصيات التي يقدمها. وكانت النتيجة تجاهل السلطة السياسيّة الكثير من المعلومات المخابراتيّة المهمّة، بفعل المكائد والمؤامرات المتبادلة بين ضبّاط المخابرات، ما أدّى إلى موت المئات من الجنود الإسرائيليين.

بناء على ما تقدّم، عانت إسرائيل في العديد من المحطّات من تنافس الموساد مع جهاز الأمن العام (شين بيت) حول الدور والصلاحيّات، وخصوصًا عندما كان الأمر يتصل الأمر بتقديم التوصيات المتعلّقة بطريقة التعامل مع الفصائل الفلسطينيّة في منطقة الضفّة. وعلى هذا النحو مثلًا، شهدت إسرائيل عام 2020 تعارضًا حادًّا في التوجّهات ما بين الموساد وشين بيت، بخصوص مخططات ضم أجزاء من الضفّة الغربيّة إلى إسرائيل.

وبينما سعى قادة الجيش وشين بيت، الأقرب إلى فهم الوضع الأمني في الضفّة الغربيّة، إلى تحذير السلطة السياسيّة من تداعيات هذه المخططات، حاولت قيادة الموساد دفع الحكومة الإسرائيليّة صوب تجاهل كل هذه التوصيات والتحذيرات.

وفي هذا الوقت تحديدًا، حصلت في العديد من المحطّات احتكاكات كبيرة وخطيرة ما بين وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة وجهاز الموساد، وتحديدًا عند محاولة الموساد لعب أدوار كبيرة على مستوى علاقات إسرائيل الدبلوماسيّة مع الخارج. وفي مقابل تخطي الموساد دور الوزارة في العديد من المحطّات، حاولت الوزارة تحدّي وكسر القاعدة التي تحصر العلاقات مع أجهزة المخابرات الأجنبيّة بالموساد، تمامًا كما حدث عندما نظّمت الوزارة زيارة لرئيس جهاز شين بيت إلى الخليج.

وخلال السنوات الماضية، كثرت التقارير التي تتحدّث عن التوجّس المتبادل والمستمرّ بين قادة الأجهزة الأمنيّة الثلاث، الموساد وأمان وشين بيت، ما خلق حالة من التوتّر الأمني والإداري المستمر بينهم. وهذا ما أفقد إسرائيل القدرة على نسج إستراتيجيّات أمنيّة مستدامة ومستفرّة في العديد من الملفّات، ومنها ملف الضفّة الغربيّة مثلًا، بسبب التسابق على النفوذ والصلاحيّات.

وهكذا، يُقحم هذا الصراع على النفوذ الأجهزة الثلاثة في اللّعب على التوازنات السياسيّة الداخليّة، ما يفسّر الحديث اليوم عن الدور الذي يلعبه الموساد على هامش المظاهرات ضد نتنياهو.

في جميع الحالات، يفتح القانون الإسرائيلي المجال أمام الموساد ليلعب أدوارًا إستراتيجيّة كبيرة، من خلال إعطائه مهمّة “إجراء بحوث وتقييمات لكل المواد والمعطيات التي يجري تجميعها، لاستخلاص النتائج وتقديم التوصيات إلى الجهات السياسية والأمنية الرسمية في إسرائيل.”

وهذه المهمّة، التي لا تحدّد موضوع أو ميدان أو طبيعة البحوث والتقييمات، يمكن أن توسّع نطاق عمل الجهاز دون أي قيود، والضغط لتنفيذ توصيات في مسائل لا ترتبط بالعمل المخابراتي أو الأمني المعتاد، كالعلاقات الخارجيّة مثلًا، وهذا ما حدث بالفعل. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التشنّج الدائم الذي حكم علاقة المؤسسات الرسميّة الإسرائيليّة بجهاز الموساد منذ تأسيسه.

المصدر: موقع fanack.com




مجموعة بريكس وآفاق انضمام دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

علي نور الدين

حتّى اللحظة، أعربت 19 دولة عن اهتمامها بالانضمام إلى مجموعة دول بريكس، التي تقتصر عضويتها اليوم على كل من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.

ومن بين الدول المرشّحة للانضمام، تبرز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كل من المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة ومصر والبحرين وإيران. وهذا ما يطرح السؤال عن أسباب اهتمام كلّ من هذه الدول بالانضمام إلى المجموعة، ونوعيّة المكاسب التي يمكن أن تحققها هذه الدول من خطوة من هذا النوع.

ففي الوقت الراهن، لا يمكن فصل نشاط مجموعة بريكس عن محاولات تحدّي الهيمنة الغربيّة، وهيمنة الولايات المتحدة الأميركيّة بالتحديد، على النظام المالي العالمي. وهذا ما تحاول المجموعة القيام به من خلال إنشاء وسيلة بديلة لسداد المدفوعات التجاريّة، باستخدام عملة موحّدة بديلة عن الدولار الأميركي.

ومن المفترض أن يتم طرح هذه الفكرة في قمّة المجموعة المقبلة في جنوب أفريقيا، خلال شهر تمّوز/يوليو 2023. وفي حال نجاح هذه الخطوة، ستكون المجموعة قد تمكّنت ولأوّل مرّة من خلق أداة تداول جديدة، لا تخضع للقيود أو العقوبات الأميركيّة، ولا تمرّ بالضرورة بالمصارف المراسلة الأميركيّة، كما هي الحال مع الدولار اليوم.

وفي الوقت عينه، تراهن بريكس على تطوير بنك التنمية الجديد، وهو بنك متعدّد الأطراف أسسته المجموعة عينها بهدف تمويل المشاريع العامّة والخاصّة، من خلال القروض والمساهمات المباشرة.

مع الإشارة إلى أنّ البنك وافق عام 2021 على قبول عضوية كل من مصر والإمارات العربيّة المتحدة، كخطوة تمهّد لقبول الدولتين في مجموعة بريكس. وتسعى المجموعة إلى تعزيز دور هذا البنك كبديل عن المؤسسات الماليّة الدوليّة الأخرى، التي تهيمن على قراراتها الولايات المتحدة الأميركيّة، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وإلى جانب هذا كلّه، تسعى دول المجموعة منذ سنوات إلى تطوير نظام مالي جديد لإدارة التحاويل بين المصارف التجاريّة، كبديل عن نظام السويفت الذي يربط اليوم بين المصارف العالميّة. وهذه الخطوة، ستمنع الدول الغربيّة من عزل مصارف معيّنة عن نظام التداولات الماليّة العالميّة، كما فعلت مع بعض المصارف الروسيّة في بدايات الحرب في أوكرانيا.

باختصار، تحاول دول مجموعة بريكس الانتقال إلى نظام اقتصادي دولي رديف، عبر توفير بدائل عمّا تعتبره هذه الدول أدوات للهيمنة الماليّة الغربيّة. وهذا الهدف، يتقاطع اليوم –ولأسباب مختلفة- مع أهداف دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تحاول الانضمام إلى مجموعة بريكس.

مصر: تنويع مصادر التمويل والاقتراض

كما هو معلوم، تواجه مصر حاليًا مصاعب اقتصاديّة، نتيجة ارتفاع حجم مديونيّة الدولة مقارنة بحجم الاقتصاد، بالإضافة إلى محدوديّة احتياطات العملات الأجنبيّة المتوفّرة، لتمويل سداد الديون الخارجيّة مع الفوائد خلال السنوات المقبلة. وفي هذا الوقت، تعاني مصر من تزايد الضغوط على ميزان مدفوعاتها، جرّاء ارتفاع الفوائد في الدول الغربيّة، وتزايد معدّلات التضخّم العالميّة التي ترفع فاتورة الاستيراد.

وهذا ما فرض على الدولة المصريّة اللجوء إلى صندوق النقد مرّة أخرى، للحصول على تمويل جديد عام 2023، وبشروط صارمة شملت خفض قيمة الجينيه المصري أمام الدولار الأميركي، وخصخصة مجموعة من الشركات المملوكة من الدولة والجيش. كما تسعى مصر في الوقت الراهن إلى استقدام المزيد من الرساميل والاستثمارات الأجنبيّة، وخصوصًا الخليجيّة، لضخ المزيد من السيولة بالعملات الأجنبيّة داخل السوق المصريّة.

الانضمام إلى مجموعة بريكس، سيسمح لمصر بتنويع مصادر القروض التي تحتاج إليها بشدّة في الوقت الراهن، بدل الارتهان لشروط وموافقات صندوق النقد الدولي وحده. وهذا بالذات ما يفترض أن يؤمّنه بنك التنمية الجديد، الذي حرصت مصر على الانضمام إليه قبل الانضمام إلى مجموعة بريكس عينها. كما سيسمح وجود هذه الخيارات البديلة لمصر بفرض شروطها بشكل أفضل، وبقدرة تفاوضيّة أقوى، عند طلب أي رزم تمويليّة من صندوق النقد أو البنك الدولي في المستقبل.

وبالنسبة إلى الاستثمارات الأجنبيّة، فستتمكّن مصر من استقدام المزيد من الرساميل من دول المجموعة، وخصوصًا إذا ما تم إنشاء أدوات دفع جديدة تسهّل إجراءات التحويلات الماليّة ما بين مصر ودول المجموعة. ومن المعلوم أن مصر سعت في العديد من المحطّات إلى تقديم التسهيلات الكفيلة باستقطاب الرساميل الصينيّة بالتحديد، لاستثمارها في مشاريع البنية التحتيّة.

إيران: تلافي العقوبات الغربيّة

بالنسبة إلى إيران، تمثّل العقوبات الغربيّة الهاجس الاقتصادي الأساسي، الذي يحول دون اتصالها ماليًا بشكل طبيعي مع النظام المالي العالمي. كما يحول هذا العامل دون تلقّي إيران الاستثمارات الأجنبيّة التي تحتاجها، وخصوصًا في مجال الطاقة. وللالتفاف على العقوبات الغربيّة، تضطر إيران اليوم إلى تكبّد خسائر من قيمة النفط والغاز الذي تبيعه، عبر عرضه في السوق السوداء، وبأسعار تقل عن الأسعار الرائجة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ فرض العقوبات على روسيا، واضطرار الشركات الروسيّة لعرض حسومات مقابل بيع نفطها في السوق السوداء، فرض على الإيرانيين تقديم حسومات أكبر لمنافسة النفط الروسي، ما زاد من كلفة العقوبات على إيران.

هكذا، تمثّل مشاريع مجموعة بريكس فرصة لا تثمّن بالنسبة للإيرانيين، وخصوصًا إذا نجحت هذه المشاريع بتكوين وسائط دفع بديلة وشرعيّة لبيع النفط، من دون المرور بالمصارف الغربيّة، ولا الارتهان للتداول بالدولار الأميركي. كما سيسمح هذا النوع من المشاريع باستقدام الاستثمار الأجنبي الذي تحتاجه إيران بشدّة في مشاريع الطاقة.

إذ ستمكّن أنظمة الدفع البديلة شركات دول مجموعة البريكس من العمل داخل إيران، من دون تمرير عمليّاتها الماليّة بالأنظمة الماليّة الغربيّة. مع الإشارة إلى أنّ العقبة الأساسيّة التي تمنع دخول هذه الشركات حاليًا إلى إيران، تكمن في عدم وجود عملة دوليّة ونظام دفع عالمي يسمحان بإجراء العمليّات مع إيران، في ظل العقوبات المفروضة عليها.

أمّا إذا انضمّت السعوديّة والإمارات إلى المجموعة، فتراهن إيران على الاستفادة من رساميل هذه الدول، الباحثة أساسًا عن أسواق مغرية للاستثمار. ورغم وجود العقوبات الغربيّة، ستحاول إيران الحصول على رساميل رجال الأعمال الخليجيين، من خلال وسائل الدفع والعملة البديلة، غير الخاضعين للرقابة الغربيّة، بخلاف ما هو الحال اليوم مع الدولار. مع الإشارة إلى أنّ هذا الرهان يتزامن اليوم مع تطبيع العلاقات ما بين إيران والسعوديّة، برعاية صينيّة لافتة للانتباه.

السعوديّة والإمارات والبحرين: تنويع العلاقات الاقتصاديّة

كما هو واضح، تسعى دول الخليج مؤخرًا، وخصوصًا السعوديّة والإمارات، إلى تنويع علاقاتها الاقتصاديّة والسياسيّة، عبر البحث عن الشراكات الاستثماريّة مع الصين بالتحديد. كما تسعى السعودية إلى بناء تعاون وتحالف وثيق مع روسيا في سوق الطاقة، من خلال تنسيق الخطوات داخل مجموعة أوبيك+.

وجميع هذه الخطوات، تعكس سعي السعوديّة والإمارات، ومعهما البحرين، إلى تقليص ارتهانهم المالي والاقتصادي وحتّى السياسي لدول الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة، التي كانت تُعد حليف المملكة العربيّة السعوديّة التاريخي.

هذا المشهد، يتكامل اليوم مع سعي الدول الثلاث إلى الانضمام إلى مجموعة بريكس. ومن المعلوم أن الدول الثلاث ستتمكّن من إيجاد فرص استثماريّة مغرية في دول المجموعة، في حين أن دول الخليج تنعم اليوم بفوائض ماليّة تفرض البحث عن فرص من هذا النوع، بعد ارتفاع أسعار النفط.

بالتأكيد، كل ما سبق ذكره يبقى في خانة الرهانات والتمنيات، بانتظار قمة مجموعة البريكس المقبلة في شهر تمّوز/يوليو 2023، والتي يفترض أن يتبيّن خلالها مدى استعداد المجموعة لقبول عضويّة كل هذه الدول.

كما ستبقى كل هذه التوقّعات رهينة نجاح مجموعة البريكس بإطلاق عملتها الخاصّة، ونظام التحويلات الجديد، الأمر الذي لم يحصل بعد حتّى اللحظة.

لكنّ الأكيد هو أن جميع دول مجموعة بريكس، ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي طلبت الانضمام إلى المجموعة، تتشارك هدف خلق نظام مالي عالمي متعدّد الأقطاب، بدل ما تعتبره هذه الدول أحاديّة قطبيّة مهيمنة اليوم.

المصدر: موقع fanack.com




فكرة “التجديد” عند “الجهاد الإسلامي”

د. وليد القططي

أدى غموض مفهوم “التراث الإسلامي” إلى إشكالية مفاهيمية وعملية مزدوجة مرتبطة بالتجديد في الفكر الإسلامي. الوجه الأول للإشكالية يتمثّل بوجود تيار علماني تغريبي أدخل الوحي الإلهي (النص الديني) في مفهوم التراث الإسلامي، والوجه الآخر للإشكالية يتمثّل بوجود تيار ديني سلفي أدخل الاجتهاد البشري (الفكر الديني) في مفهوم الدين الإسلامي.

والتياران – المتغرّب والمتسلّف – لم يميّزا بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري، ولم يفرّقا بين النص الديني والفكر الديني، فتطرّف التيار المتغرّب مُستبدِلاً تجديد التراث بتحييده واستبعاده لتعيش الأمة مبتورة عن ماضيها وتاريخها، وتطرّف التيار المتسلّف مستبدِلاً تجديد التراث بتجميده واستدعائه لتعيش الأمة غارقة في ماضيها وتاريخها.

انتبهت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين إلى هذه الإشكالية فميّزت بين النص الديني كوحي إلهي والفكر الديني كاجتهاد بشريّ، وأدركت أنّ التراث الإسلامي هو نتاج تفاعل عقول المسلمين مع نصوص الدين وليس هو الدين نفسه، فكان نتاج هذا التمييز والفهم موقفاً متوازناً بين المستبعِدِين للتراث لدرجة الإلغاء والمستدعين له لدرجة التقديس.

فسجّلت في وثيقتها الفكرية هذا الموقف تحت عنوان “التراث الإسلامي” بهذا النص: “التراث هو ما تركه السلف للخلف، وما عدا الوحي، فهو ليس معصوماً أو غير قابل للنقد، والموقف المتوازن منه ليس تقديسه أو الانسلاخ عنه ورفضه، بل هو العمل على التنقية والانتفاع بكل صالح فيه، بما يسهم في الارتقاء بحاضر الأمة ويحقّق استمراريتها التاريخية والحضارية”.

وكان من الطبيعي بعد هذا التمييز والفهم أن يكون التجديد والاجتهاد وفق رؤية الحركة “فريضة دينية وضرورة إنسانية”، لأنَّه يحقّق مقاصد الدين ويُلبّي حاجات المجتمع، كما جاء في وثيقتها الفكرية تحت عنوان “الاجتهاد والتجديد”، إدراكاً من قناعتها بشرعية نقد التراث الإسلامي وفق ميزان القرآن والسُنَّة، ومبدأ الاعتدال في تقويم التراث وفق معيار العدل الذي يميّز بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري.

وترى الحركة أهمية التوفيق بين التراث والتجديد بالأخذ من التراث ما يتفق مع الإسلام ومصلحة المسلمين، وترك ما لا يتفق مع الإسلام ويضرّ المسلمين، وهذا ينسجم مع ما جاء في الوثيقة الفكرية للحركة تحت عنوان “الفكر الإسلامي” ومنه: “الفكر الإسلامي ليس الإسلام، فالإسلام هو الوحي الإلهي في كتاب الله والسُنّة النبوية الصحيحة، والفكر الإسلامي هو فهم علماء المسلمين للإسلام واجتهاداتهم وآرائهم فيما لا نص فيه، أي أنه فكر إنساني في دائرة الإسلام يؤخذ منه ويترك”.

فكرة التجديد عند “الجهاد الإسلامي” كانت واضحة منذ نشأتها كما أكد مؤسسها المفكّر الشهيد فتحي الشقاقي بقوله: “حركة الجهاد الإسلامي ليست مجرد مجموعات عسكرية مُقاتلة كما تصوّر أو سألنا كثيرون، ولكنها إضافة إلى ذلك وربما قبل ذلك، رؤية متجددة في العمل الإسلامي، رؤية منهجية تُجدّد بوضوح ووعي فهمها للإسلام وللتاريخ الإسلامي ولحركة التاريخ كما للعالم والواقع أيضاً”.

وفي مواضع أُخرى جاءت في كتاب “رحلة الدم الذي هزم السيف… الأعمال الكاملة للشهيد الدكتور فتحي الشقاقي” وصف حركته بأنها: “قوة تجديد داخل الفكر الإسلامي”، و”إسهام فكري متجدّد على الساحة الإسلامية عامة والفلسطينية خاصة”، و”رؤية حضارية داخل الحركة الإسلامية”، و”فهم متميّز حول العلاقة بين الإسلام وفلسطين”. ولذلك فقد عدّ التجديد أحد أهداف النضال بقوله: “علينا أن نناضل من أجل التنوير والتجديد والتثوير”.

فكرة التجديد كانت واضحة في أُطروحة التجاوز الفكري التي قدّمتها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين كمسار طبيعي بعد مساري الامتداد والنقد، امتداد للفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، ونقد لهما يتضمّن عمليتي التقييم والتقويم أو التشخيص والعلاج.

والتجاوز سيؤدي حتماً إلى معركة فكرية مزدوجة كما ذكر المفكّر الشهيد فتحي الشقاقي بين “البدائل العلمانية المرتبطة بالاستعمار فكرياً” الرافضة للتراث الإٍسلامي والمؤيّدة للتجديد خارج السياق الإسلامي، ومع “الأجنحة المتخلّفة في الحركة الإسلامية” المُقدِّسة للتراث والتي تتخذ موقفاً سلبياً متشكّكاً من التجديد داخل السياق الإسلامي. فأثْرت هذه المعركة المزدوجة أطروحة التجاوز والتجديد في الفكر السياسي والديني لحركة الجهاد الإسلامي.

فكرة التجديد في الفكر السياسي كانت في الإجابة على السؤال الفلسطيني إسلامياً، والإجابة على السؤال الإسلامي فلسطينياً، وكانت خُلاصة هذه الإجابة الجمع بين الإسلام كمنطلق ومرجعية، وفلسطين كهدف وقضية، والجهاد كوسيلة ونهج. والقراءة الواعية للقضية الفلسطينية بأبعادها المرتبطة بالإسلام والتاريخ والواقع فخرجت برؤيتها مركزية القضية الفلسطينية للحركة الإسلامية والأمة الإسلامية.

ومن نتائج هذه الإجابة إنهاء الفصام النكد بين الإسلامي والوطني، وبين الإسلامي والقومي، فكانت حركة وطنية بمرجعية إسلامية أو حركة إسلامية قضيتها المركزية وطنية، وإشعال فتيل الجدل الحي البنّاء حول إشكالية وجود إسلاميين من دون الجهاد في فلسطين ووطنيين من دون الإسلام كنظرية ثورية ومرجعية نضالية، فكان الاجتهاد السياسي الأهم هو “الجهاد الآن في فلسطين” في إطار مشروع فكريّ وجهاديّ متكامل.

فكرة التجديد في الفكر الديني كانت في تبنّي الحركة لمدرسة الإحياء الديني والبعث الإسلامي التي أسسها الإمام جمال الدين الأفغاني وامتدت إلى الشيخ محمد الغزالي وتلاميذه، التي تُركّز على: وحدة الأمة الإسلامية، والمشروع الحضاري الإسلامي، ووسطية الإسلام والأمة، وصلاحية الإسلام لقيادة البشرية، والعودة إلى النبع الصافي حقّ القرآن والسُنَّة، والتجديد المعاصر للفقه والفكر، والجمع بين الأصول والإبداع في التراث، والتيسير في الفقه، والتبشير في الدعوة، والروح في العبادة، واليقين في العقيدة، والالتزام في الأخلاق.

وانسجاماً مع هذه المدرسة الإصلاحية التجديدية قدّمت الحركة اجتهادات فكرية تحت عناوين مختلفة أهمها: الثورة كنتاج لتفاعل معادلة الإيمان والوعي، والتربية من خلال المواجهة والجهاد، والوحدة من خلال التعدّد، والحرية كنقيض للتطرّف الديني والاستبداد السياسي، والمنهج كطريقة للتفكير والعمل، والثقافة كأرضية للمقاومة، والفن المرتبط بقيمتي الحق والجمال، والمرأة في علاقة التحرّر الاجتماعي بالتحرّر الوطنيّ.

من دون التجديد الفكري في مختلف المجالات تحدث الفجوة بين الدين الإسلامي وشريعته الإلهية الثابتة وبين احتياجات ومتطلّبات الواقع الإسلامي المتغيّر والمتطوّر دائماً وأبداً، فيصبح الدين جامداً ومتحجّراً وغير صالح لكل زمان ومكان. ومن دون التجديد في الجماعات البشرية بمختلف أحجامها وأنواعها تُصاب بـ: داء الجمود والتحجّر، ومرض العجز والتقليد، ومصيبة الخور والوهن… فتفقد حيويتها ورسالتها، وتموت همّتها وروحها، وتندثر إنجازاتها وقوّتها… فيستبدل الله قوماً غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.

وبالتجديد الفكري يحدث الارتباط بين الدين الإسلامي ومتطلّبات الواقع، فيصبح الدين صالحاً لكل زمان ومكان، وتتميّز الجماعات البشرية بالتطوّر والإبداع؛ فتزداد حيويتها وتشتعل همّتها وتتوهّج روحها وتحافظ على رسالتها الحضارية.

المصدر: موقع فلسطين اليوم




المناورات العسكرية الإسرائيلية.. رسائل ردع أم بوادر حرب؟

أحمد عبد الرحمن

يُنظر إلى المناورات العسكرية في “إسرائيل” بشكلٍ مختلف نوعاً ما، إذ إنها تعتبر نفسها في حالة حرب على مدار الساعة، فهي تتحرك من منطلق تعرّضها لتهديدٍ دائم يُشكّل خطراً وجودياً على مستقبلها.

في معظم دول العالم، يُنظر إلى المناورات العسكرية التي تجريها الجيوش في أوقات السّلم بأنها تدريبات عسكرية تقوم بها إحدى أذرع “الجيش” أو تشترك فيها أذرع عدة مختلفة، للوقوف على الجاهزية القتالية للجنود، وتطوير أدائهم القتالي، وتعزيز مهاراتهم العملانية، وكذلك للاطمئنان إلى نجاعة الخطط، وسلامة التكتيكات، واختبار الأسلحة الجديدة، وفحص مستوى التنسيق بين الوحدات القتالية المختلفة.

أما في أوقات الحرب، فالمناورة العسكرية هي إجراء عملياتي ميداني من دون معلومات مسبقة، يعتمد على تحرك مباغت وسريع تقوم به القوات العسكرية أو إحدى مفارزها الخاصة، ويحمل في طيّاته مفاجأة لقوات العدو، سواء من ناحية الزمان أو المكان، وهو الأمر الذي يؤدي إلى وقوع خسائر كبيرة وجسيمة في صفوف القوات المستهدَفة يمكن أن تنتج منها خسارة جزء من مسرح عمليات المعركة أو سقوط عدد كبير من الجنود والمقاتلين، بما يشكل ضربة مؤلمة لتلك القوات.

في “إسرائيل”، يُنظر إلى المناورات العسكرية بشكل مختلف نوعاً ما، إذ إنها تعتبر نفسها في حالة حرب على مدار الساعة، سواء كان هناك إطلاق نار أو لم يكن، فهي تتحرك من منطلق تعرضها لتهديد دائم يشكل خطراً وجودياً على مستقبلها، كما كان يقول ديفيد بن غوريون؛ أول رئيس وزراء ووزير الحرب في “دولة” الكيان.

وبناء عليه، تجد نفسها مضطرة إلى البقاء في حالة جاهزية عالية على كل الصعد والمستويات، ولا سيما العسكرية والأمنية منها، خشية تعرضها لضربة مفاجئة تزلزل أركانها وتهدد استقرارها، في ظل معاناتها من عدم وجود عمق استراتيجي يمكن أن يحميها من خطر السقوط في حال تعرضها لهجوم واسع.

لذلك، إن القيام بالمناورات العسكرية في الكيان الصهيوني يعدّ إجراء روتينياً وشبه مُستدام يسعى العدو من ورائه إلى تحقيق نتائج عملياتية تنعكس إيجاباً على حالة الأمن المراد تحقيقها في الكيان، إضافةً إلى أهداف أخرى بالغة الأهمية، ولا سيما في ظل الظروف الحالية الاستثنائية التي تمرّ بها المنطقة، وحالة اللاستقرار والتوتر الدائمة التي يشعر بهما الجميع، والتي تكاد تأثيراتها تشمل كلّ نواحي الحياة المختلفة.

وبناءً عليه، يمكن أن نشير إلى اثنين فقط من تلك الأهداف التي يسعى العدو لتحقيقها منعاً للإطالة، ولاعتقادنا بأنهما أهم من غيرهما من الأهداف الأخرى؛ أولهما هو إرساء وتثبيت حالة من الردع مع أعداء “إسرائيل”، من دون الحاجة إلى الدخول في معركة عسكرية. أما الآخر، وهو الأقرب من وجهة نظرنا، فهو الاستعداد لعمل عسكري كبير قد يصل إلى حرب واسعة.

هذا الأمر بدا جلياً في السنوات الأخيرة التي شهدت زيادة ملحوظة في المناورات العسكرية الإسرائيلية كمّاً ونوعاً، بما يشي بأنّ “إسرائيل” أعدّت العدّة لمغامرة واسعة تتجاوز الأراضي الفلسطينية المحتلة التي لا تحتاج العمليات العسكرية فيها إلى مناورات بهذا الحجم.

مناورات بوتيرة متسارعة

منذ العام 2022، أخذت وتيرة المناورات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما تلك المتعلّقة بسلاح الجو، بالارتفاع بشكل ملحوظ. وقد أُعلن في أكثر من مناسبة أنَّ تلك المناورات تُحاكي حرباً ضد إيران لاستهداف منشآتها النووية، وخصوصاً بعد توقف المحادثات المتعلقة بالعودة إلى “خطة العمل المشتركة” أو ما يُعرف بالاتفاق النووي الإيراني.

وفي أحيانٍ أخرى، أُعلن أن المناورات تُحاكي حرباً على حزب الله في لبنان؛ ففي بداية شهر حزيران/يونيو من العام الماضي، أجرت القوات الجوية والبحرية في “الجيش” الإسرائيلي، بالتعاون مع الجيش القبرصي، مناورات واسعة أطلقت عليها اسم “مركبات النار”، حاكت فيها هجوماً جوياً، وآخر بحرياً تُستخدم فيه السفن والغواصات ضد المنشآت النووية الإيرانية.

وقد تبعت ذلك في 24 تموز/يوليو من العام نفسه مناورات عسكرية جوية أُطلق عليها “درع البرق”، بالتعاون مع سلاح الجو الإيطالي، في قاعدة “نفاطيم” شمال فلسطين المحتلة، واستخدمت فيها طائرات من طراز “F35” وطائرات أخرى من طراز “نحشون”.

بعد هاتين المناورتين بأقل من 40 يوماً تقريباً، وفي 4 أيلول/سبتمبر 2022، أجرى “الجيش” الإسرائيلي مناورة برية لسلاح المدرعات قرب الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة غير بعيد عن الأراضي اللبنانية، فيما عده جزءاً من التدريبات السنوية المعتادة، تلا ذلك بأسبوعين مناورة أخرى في خليج حيفا، الذي يعدّ من أهم المناطق الاستراتيجية في كيان الاحتلال الإسرائيلي، ويضمّ أهم ميناء بحري، وهو يحوي قاعدة سلاح البحرية الرئيسية، وقاعدة للغواصات من طراز “دولفين”، إضافةً إلى قسم تصميم الأسلحة النووية وقسم تصميم الصواريخ بعيدة المدى.

في آخر المناورات العسكرية التي شهدها العام المنصرم، أجرى سلاح الجو الصهيوني مناورة مشتركة مع سلاح الجو الفرنسي في الأسبوع الأول من كانون أول/ديسمبر 2022، شاركت فيها طائرات فرنسية من طراز “رافال”، إلى جانب طائرات إسرائيلية من “طراز F-16”.

 وكما أنهت “إسرائيل” العام الماضي بمناورات عسكرية، افتتحت هذا العام أيضاً بمناورات أخرى، لكنها على مستوى أشمل وأوسع، إذ أجرت في الفترة ما بين 23 و26 كانون الثاني/يناير واحدة من أكبر مناوراتها العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة الأميركية.

 وقد شارك نحو 1500 جندي إسرائيلي، إلى جانب 6400 جندي أميركي، في مناورة “جونيبر أوك” أو “سنديان البازلت”، التي استخدمت فيها 142 طائرة مقاتلة، “100 منها أميركية، و42 إسرائيلية”، من بينها طائرات إنقاذ، وأخرى لإعادة التزويد بالوقود في الجو، إضافةً إلى طائرات من طراز “B-52، وF-35، وF-15، وF-16، وFA-18، وAC-130، وAH-64″، و12 سفينة حربية من مجموعة حاملات الطائرات الضاربة “جورج دبليو بوش” و6 سفن إسرائيلية، إضافةً إلى غواصة، وتخللتها تمارين في جميع المجالات “البحر والجو والبر والفضاء والإنترنت”.

وفي الثامن من أيار/مايو المنصرم، أجرت القوات الجوية الإسرائيلية مناورة جوية مع سلاح الجو القبرصي تحوّلت في يومها الثاني إلى هجوم مباغت على قطاع غزة، استهدف قادة بارزين في سرايا القدس؛ الجناح العسكري للجهاد الإسلامي.

المناورة الأخيرة التي بدأ تنفيذها منذ يوم الثلاثاء الماضي، والتي تستمر أسبوعين، أُطلق عليها اسم “اللكمة الساحقة”. وقد قال المتحدث باسم “جيش” الاحتلال إنها تحاكي حرباً على جبهات عدة، في لبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية، وتشارك فيها أذرع الجيش كافة، البرية والجوية والبحرية، وعبر “السبكتروم” والفضاء الإلكتروني “السايبر”، وأشار إلى أنها ستختبر جاهزية “الجيش” لخوض معركة طويلة الأمد على عدة جبهات.

كل ما تقدم من مناورات يعطي انطباعاً واضحاً بأن هناك شيئاً ما يُدبّر في الخفاء، بعيداً مما يتم الإعلان عنه في وسائل الإعلام، وأن هذا الشيء من الأهمية بمكان بحيث تُجرى من أجله كل هذه النشاطات العسكرية المحمومة، وتنفق في سبيله ملايين الدولارات، وتُسخّر له كل الإمكانيات المادية والبشرية والتكنولوجية في سبيل الوصول إلى أعلى جاهزية للقيام به.

الخيارات الإسرائيلية المُتوقعة

يوجد لدى “إسرائيل” العديد من الملفات الساخنة في المنطقة، التي كانت، وما زالت، تشكّل صداعاً مزمناً لأصحاب القرار في “الدولة العبرية”، وهي بحاجة ماسة إلى التخلّص منها أو على أقل تقدير من جزء منها.

يأتي على رأس تلك الملفات ما يُسمى إسرائيلياً بالخطر الإيراني، يليه من حيث الأهمية خطر حزب الله في لبنان، إضافة إلى التحدّي الفلسطيني، سواء في الضفة والقدس أو في قطاع غزة، الذي يعد من وجهة نظر إسرائيلية معضلة لا بد من التخلّص منها.

يضاف إلى كل ذلك التحدّي السوري واليمني والعراقي الذي يشترك مع الأطراف سابقة الذكر في حلف أوسع وأشمل يُطلق عليه “محور المقاومة”.

ولأن “إسرائيل” تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن خوض حرب متعددة الجبهات، لأسباب عديدة وكثيرة، فإنها يمكن أن تركّز جهودها في المرحلة المقبلة على استهداف جبهة معينة من المشار إليها أعلاه، وخصوصاً إحدى الجبهتين الإيرانية أو اللبنانية، في حين تنظر إلى باقي الجبهات بأنها أقل خطورة على الأمن الإسرائيلي من جهة. ومن جهة أخرى، لا يحتاج الهجوم عليها إلى كل هذه الاستعدادات والمناورات الواسعة والكبيرة.

1 – الجبهة الإيرانية

بالنظر إلى ما يتم الحديث عنه في كل وسائل الإعلام الإسرائيلية بشكل شبه يومي، وقياساً إلى التصريحات التي لا تتوقف من كل السياسيين والعسكريين والأمنيين في الكيان الصهيوني، يمكن أن نكتشف أن الهدف الأساسي لـ”إسرائيل” وحليفها الأميركي في الدرجة الأولى هو القدرات العسكرية الإيرانية، التي يأتي في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، مضافاً إليه مشروع الصواريخ البالستية الذي شهد نقلة نوعية هائلة خلال السنوات الأخيرة، والذي فشلت كل الجهود المبذولة في إيقافه أو تقليل وتيرة تقدمه المتسارعة، إضافة إلى التموضع الإيراني الملحوظ في المنطقة، الذي أصبح جزءاً منه قريباً جداً من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبات يشكل خطراً داهماً على الأمن القومي الإسرائيلي.

وبناء عليه، يمكن لنا أن نفترض أن كل ما تقوم به “إسرائيل” من مناورات عسكرية واستعدادات تشمل كل أذرع “الجيش” واختبارات الجبهة الداخلية هو في الأساس للقيام بهجوم جوي وبحري مكثّف تشارك فيه طائراتها الحديثة، إضافة إلى سفنها الحربية وغواصاتها القادرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى تحمل رؤوساً نووية باتجاه قلب المدن الإيرانية التي تحوي درة تاج الصناعات العسكرية للجمهورية الإسلامية. هذا الهجوم، في حال القيام به، يمكن أن تشارك فيه أطراف أخرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، التي تحظى بوجود عسكري واسع في المنطقة.

2 – الجبهة اللبنانية “حزب الله”

 يُنظر إلى حزب الله في” إسرائيل “بأنه أكبر خطر على أمنها القومي من بين كل أعدائها القريبين، وتصنّفه دوائر الاستخبارات الإسرائيلية بأنه القوة الأكثر تنظيماً وتسليحاً وخبرةً قتالية، وخصوصاً أن الحزب سبق أن خاض معارك عسكرية عديدة ضد العدو الإسرائيلي وخرج منها منتصراً، على غرار حرب تموز 2006.

وقد راكم الحزب، بحسب المصادر الإسرائيلية، خبرات هائلة في السنوات الأخيرة نتيجة مشاركته في التصدي للحرب على سوريا، إلى جانب تطوير وتحديث ترسانته العسكرية، ولا سيما الصاروخية، التي يقدرها بعض الخبراء العسكريين بـ200 ألف صاروخ، عدد كبير منها يُصنّف بأنه من الصواريخ الدقيقة، إضافةً إلى الطائرات المسيّرة التي يملكها، والتي تعد من أهم التهديدات التي تواجه المؤسسة العسكرية في الكيان الصهيوني، وتشكّل له معضلة حقيقية فشل حتى الآن في إيجاد الحلول المناسبة لها.

لذلك، من الوارد أن تذهب “إسرائيل” باتجاه عملية عسكرية واسعة ضد الحزب اللبناني، كما هددت أكثر من مرة، في محاولة للتخلص من ذلك التهديد الرابض قرب حدودها، الذي يعدّ أحد أهم أجنحة محور المقاومة في الإقليم ورأس الحربة المباشر في حال اندلاع حرب متعددة الجبهات يبادر إليها محور المقاومة.

3 – هجوم متزامن على أكثر من جبهة

رغم أن العدو الصهيوني يخشى كثيراً الحرب المتعددة الجبهات، ويعتبر ذلك الأمر أسوأ سيناريو قد يواجهه في المرحلة المقبلة، فمن غير المستبعد أن يبادر إلى شن هجوم واسع يستهدف أكثر من جبهة في وقت واحد، ولا سيما الجبهتين الإيرانية واللبنانية، مع فرضية أن يستخدم أسلحة غير تقليدية في حال اللجوء إلى هذا الخيار، تفادياً للرد الهائل الذي يمكن أن يتلقاه في حال لم يتم تدمير الأسلحة الاستراتيجية التي يملكها الطرفان.

قياساً إلى معرفة العدو بقدرات وإمكانيات الجانبين الإيراني واللبناني “حزب الله”، وإمكانية مشاركة باقي أطراف محور المقاومة إلى جانبهما في حال تعرضهما لهجوم إسرائيلي، فهناك احتمال باستخدام “الجيش” الإسرائيلي صواريخ وقنابل نووية تكتيكية يمكن أن تُحدث خراباً هائلاً وتدميراً واسعاً، وأن تساهم في شل القدرات العسكرية للأطراف المستهدفة، إضافةً إلى تشكيلها رادعاً لباقي الأطراف التي يمكن أن تكون لديها الرغبة أو القدرة للمشاركة في المعركة.

كلّ ما سبق من سيناريوهات يتطلّب أن يكون لدى “إسرائيل ” قدرات وإمكانيات عسكرية كبيرة ونوعية تمكّنها من تنفيذ مخططها بنجاح، وبأقل قدر ممكن من الخسائر، سواء أثناء الهجوم أو عندما يبدأ رد الجهات المستهدفة.

القدرات العسكرية الإسرائيلية

يُنظر إلى “الجيش” الإسرائيلي بأنه واحد من أقوى جيوش العالم وأحدثها، إذ يتوفّر له من الإمكانيات العسكرية ما لا يتوفر لغيره، وذلك نتاج الدعم الأميركي والغربي اللامحدود الذي يحصل عليه، والذي يشمل إمكانية حصوله على جزء من الأسلحة الفتّاكة الموجودة في المخازن الأميركية في فلسطين المحتلة، لا سيما في أوقات الطوارئ والأزمات.

وبحسب آخر معطيات موقع “غلوبال فاير باور”، فإنَّ “الجيش” الإسرائيلي يحتل المركز الخامس عشر بين أقوى جيوش العالم، سواء من ناحية عدد الجنود أو العتاد الحربي والعسكري، إضافةً إلى امتلاك “إسرائيل” قوة برية ضاربة تعد من بين الأفضل والأكفأ على مستوى العالم.

وبحسب الموقع المتخصّص برصد القوة العسكرية لجيوش العالم، يبلغ تعداد “الجيش” الإسرائيلي نحو 185 ألف جندي نظامي، إضافةً إلى أكثر من نصف مليون جندي احتياط.

وعلى صعيد سلاح الدبابات، تملك “إسرائيل” 1600 دبابة معظمها حديث الصنع، تُعد من أفضل الدبابات على مستوى العالم، إضافةً إلى نحو 7500 آلية مدرعة، و700 مدفع ذاتي الحركة، و300 مدفع ميداني، وأكثر من 120 راجمة صواريخ متعددة الفوهات.

على صعيد سلاح الجو، تمتلك “إسرائيل” أكثر من 600 طائرة حربية مقاتلة، من بينها طائرات “F-15 – F-16 – F-35″، وطائرات شحن عسكري، وأخرى للتزويد بالوقود في الجو، إضافةً إلى نحو 140 مروحية عسكرية، معظمها من النوع الهجومي.

أما سلاح البحرية الإسرائيلي، فهو يتكوّن من 65 قطعة عسكرية، منها 48 سفينة دورية، و25 زورقاً لخفر السواحل، إضافةً إلى 5 غواصات، و10 زوارق مجهّزة للمواجهات الحربية، ونحو 19500 جندي مدرّبين على القتال في عرض البحر.

وقد بلغت موازنة وزارة الحرب الإسرائيلية، بحسب تقرير للمركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، نحو 18 مليار دولار. يُضاف إلى كل ما سبق القوة النووية الإسرائيلية التي قدّرتها بعض المراكز المختصة بنحو 200 قنبلة نووية.

الخاتمة

في العرض السابق، استعرضنا استعدادات “إسرائيل” لعمل عسكري كبير في المنطقة، وهو الأمر الذي تطلّب منها إجراء كل هذا الكم الهائل من المناورات العسكرية خلال السنوات الأخيرة تحديداً، التي أُجري بعضها بمشاركة حلفاء لها من عدد من دول العالم، لا سيما الحليف الأميركي الوثيق، ومع جيوش مثل فرنسا وإيطاليا وقبرص، إضافة إلى مشاركتها في مناورات دولية بمشاركة بعض الدول العربية والإقليمية.

ولأنَّ هذه التحركات العسكرية الواسعة تكلّف خزينة الدولة مليارات الدولارات، في ظل أزمة اقتصادية تعانيها كلّ دول العالم، بما فيها “إسرائيل”، ولا يمكن أن تكون بلا هدف عملياتي، وليس من الطّبيعي إجراؤها لمجرد توجيه رسائل ردع إلى الأعداء، فنحن نتوقع، كما الكثير من المتابعين والمحللين، أن يكون ما يجري مقدمة لعملية عسكرية كبيرة قد تصل إلى حد حرب إقليمية، وستكون تداعياتها على المنطقة برمتها هائلة، ولا سيما أن الأطراف التي يمكن أن تُستهدف تملك أيضاً إمكانيات كبيرة، ولديها عمق استراتيجي مهم للغاية، وهو ما يجعل فرضية انكسارها أو انهيار منظومتها العسكرية شبه مستحيلة، بصرف النظر عن حجم الضربة أو نوعية الأسلحة المستخدمة فيها.

ولكن في ظلِّ أزمات عالمية تلقي بظلالها على مجريات الأوضاع في العالم، وفي ظل انشغال الجانب الأميركي بما يعتقد أنها الملفات الأكثر أهمية في الوقت الحالي، مثل الحرب الروسية الأوكرانية والتحدّي الصيني الذي يشغل بال كل المؤسسات الأميركية، فإننا نعتقد أنَّ الهجوم الإسرائيلي المتوقع سيتأخَّر لبعض الوقت، لأن عملية من هذا النوع ستحتاج بلا ريب إلى تدخّل أميركي مباشر، وهو الأمر الذي لا تفضّله أميركا في الوقت الحالي.

هذا التأخير الذي يمكن أن تضطر “إسرائيل” إلى التعامل معه رغماً عن أنفها، يمكن أن تعوّضه بعمليات أخرى أقل تكلفة، وضدّ جبهات تعدّ من وجهة نظر إسرائيلية أضعف وأسهل.

لذلك، من المتوقع أن تستمر هجمات “إسرائيل” في المدى المنظور ضد جبهتين أساسيتين، هما غزة والجبهة السورية، اللتين، بحسب النظرة الإسرائيلية، يمكن أن تحقّق فيهما بعض أهدافها العسكرية والسياسية، في مقابل رد فعل يمكن لجبهتها الداخلية امتصاصه وتحمّله، إلا في حال أرادت توريط الحليف الأميركي في حرب طاحنة، وقررت الذهاب إلى الخطوة الأكثر خطورة، التي، كما أشرنا آنفاً، ستكون ذات تداعيات واسعة، إذ ستجد المنطقة نفسها في أتون مواجهة من العيار الثقيل لم تشهد لها مثيلاً من قبل، حيث التغيّرات الاستراتيجية والتحوّلات الجيوسياسية وغير ذلك مما لا يخطر على بال أحد.

المصدر: موقع فلسطين اليوم




حول عملية الحدود المصرية وأرشيف جرائم الاحتلال

مصطفى إبراهيم

تتزامن حادثة مقتل ثلاثة جنود “إسرائيليين” على الحدود المصرية، مع ما تم نشره قبل أيام قليلة، أرشيف الجيش الإسرائيلي عشرات الآلاف من الوثائق المتعلقة بحرب أكتوبر أو ما يسمى يوم “الغفران”، ونشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية بحماس كبير جميع المواد التاريخية الهامة التي تم الكشف عنها للجمهور الإسرائيلي لأول مرة.

وما يسود من غضب شديد وصدمة في دولة الاحتلال، وهناك إجماع على أن الثمن كبير ومؤلم بعد مقتل ثلاثة من الجنود الإسرائيليين، من بينهم مجندة تعمل في وحدة عسكرية مختلطة على الحدود في سيناء، اسمها وحدة الفهد. ووصف الجميع في دولة الاحتلال بان العملية أو حادثة إطلاق النار بانها خطيرة وصعبة ومعقدة، خاصة أن من قام بها شرطي مصري وإطلاقه النار على الجنود الإسرائيليين، التي وقعت على الحدود المصرية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بالقرب من معبر العوجا.

لا تزال وسائل الاعلام والمحللين العسكريين، وغيرهم من قادة الجيش السابقين أو الحاليين،  والاسئلة والاجابات الضائعة حول العملية، والعلاقات الحساسة بين مصر وإسرائيل، والاختلاف بين الروايات المصرية والاسرائيلية، وما زالت ردود الفعل الإسرائيلية على الحادثة عنيفة من قبل السياسيين والصحافيين والمحللين، واستباق التحقيق، وتدفق كم كبير من المعلومات ونشر تفاصيل وسيناريوهات العملية التي نفذها الشرطي المصري طابعها تحريضي، وأنه كان مستعدا لتنفيذ الهجوم بخطة مسبقة تضمنت السير مسافة 5 كيلومترات في الأراضي المصرية من موقعه، وتسلق جرف والوصول بدقة إلى فتحة في السياج بمسافة 150 متراً.

وكان الخوف في الجيش الإسرائيلي، أن يصل الشرطي المصري إلى المسافرين الإسرائيليين الذين يتجولون في المنطقة إذا ما تمكن من الدخول في منطقة دولة الاحتلال.

الاجماع اليهودي في دولة الاحتلال والغضب، واستحضار الاعلام الإسرائيلي الفشل، والعمليات التي نفذت خلال الأربعة عقود الماضية وفي مقدمتها الجندي سليمان خاطر، أحد عناصر قوات الأمن المركزي، والذي قتل 7 إسرائيليين في عام 1985، على الحدود المصرية، بالقرب من منتجع رأس برقة بمنطقة نويبع بمحافظة جنوب سيناء.

تعتقد دولة الاحتلال أنها دولة طبيعة في المنطقة، وانها تمتع بقيم الديمقراطية وجيشها من أكثر الجيوش أخلاقية في العالم، وأن مهمته فقط هي الحفاظ على أمن دولة الاحتلال والمستوطنين، ومن حقهم قتل الفلسطينيين والعرب وتنفيذ عمليات إرهابية، وارتكاب جرائم حرب في سياق تاريخي.

والفلسطينيين والعرب بنظرهم إرهابيين يهددوا أمن وسلامة اليهود المحتلين الذين أسسوا نظام فصل عنصري استعماري استيطاني محمي بالاحتلال العسكري، قام ولا زال على القتل والتهجير والمحو، وأن اليهود لا يموتوا، ولا يجب أن يمس أي منهم بأي أذى.

قبل أيام قليلة، نشر أرشيف الجيش الإسرائيلي عشرات الآلاف من الوثائق المتعلقة بحرب أكتوبر أو ما يسمى يوم “الغفران”، ونشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية بحماس كبير جميع المواد التاريخية الهامة التي تم الكشف عنها للجمهور الإسرائيلي لأول مرة.

في الواقع، هذه الوثائق تكشف عن الجانب الخفي من طبيعة دولة الاحتلال وتاريخها الإجرامي، وهي تعبير حقيقي عن جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في مصر وسوريا. ومقتل آلاف المدنيين وإحراق مئات المنازل وتدميرها.

ومن بين الوثائق التي تم الكشف عنها، هناك بعض الحقائق المهمة التي يمكن من خلالها تعلم الحرب، ولكن وسائل الإعلام الإسرائيلية لن تغطيها، وإن فعلت فهي ستتناولها من زاوية بطولة الجيش الإسرائيلي وقادته.

ووفقا لما نشره ينيف كوقان، ناشط يهودي يساري على حسابه على تويتر بتاريخ 4/6/2023، أنه بتاريخ 10.10.73 أبلغ موشيه ديان جولدا مائير بخطة الجيش لمهاجمة “أهداف اقتصادية” (أي المدنيين) في مصر وسوريا. من الناحية العملية، كانت هذه السياسة قد بدأت بالفعل في اليوم السابق.

وهذه الهجمات هي جرائم حرب وتم توثيق هذه الجريمة في الأيام التالية للحرب في جداول هجوم لسلاح الجو الإسرائيلي وتنفيذها هجمات في مدينة بورسعيد المصرية وقصفها من الجو، ووفقا لما نشر في الأرشيف أنه بين 9 و10 أكتوبر / تشرين الأول، سجلت السلطات المصرية 156 تفجيرا في منطقة بورسعيد.

دمر خلالها الطيران الحربي الإسرائيلي، مساكن ومساجد وكنائس ومدارس ومستشفيات. وفي 12 أكتوبر، أفاد المصريون أن عدد المدنيين الذين قتلوا نتيجة قصف القوات الجوية ارتفع إلى 500، وفي نهاية الحرب زعموا أن الآلاف قد قتلوا أو جرحوا.

وحسب ما ورد من الصحافي ويليام توهي في صحيفة لوس أنجلوس تايمز: أنه “لقد ولت منذ زمن بعيد أيام بورسعيد الرائعة، بشواطئها الملونة، والمقاهي الصاخبة، والمنطقة السكنية ذات الشرفات التي تذكرنا بنيو أورلينز. اختفت منذ فترة طويلة.

تضاءل عدد سكان المدينة، الذي بلغ حوالي 300000 نسمة. وبحسب الحاكم العسكري عبد الهديب، بقي في المدينة 50 ألف مدني. لكن ممرضة في المستشفى التي دمرت في القصف تقول إن ما بين 5000 و10000 سيكون تقديرًا مبالغًا فيه. وأنه أثناء القيادة في المدينة ترى مساجد ومآذن وأبراج ساعة متهدمة. قصفت المباني السكنية ودُمر جانب مستشفى الممرضات الفرنسيات.

وينقل الأرشيف عن ما حدث في تلقت سوريا من معاملة مماثلة: وانه في 9 تشرين الأول (أكتوبر)، أوضح رئيس الأركان دافيد العازر لكبار قادة الجيش الإسرائيلي خطة الأيام المقبلة: “لنبدأ في كسر سوريا، نأخذ المدن السورية الأربع غداً ندمرها. دمشق، تدمير، قصف داخل دمشق، قصف داخل، حمص، حلب والتقية.

وينقل عنه أنا بحاجة إلى تأثير دراماتيكي، لكي تنادي سوريا، ليصرخ أحد: “رائع – سوريا يتم تدميرها!” ربما يقول أحدهم: “توقف، أوقف النار!” لا بد لي من كسر سوريا الآن. للنزول في مدنهم الأربع – الموجة الأولى والموجة الثانية، الكهرباء، محطتي الكهرباء. قولوا لي شيئًا آخر سينكسر”.

كما أتاح قصف سوريا في حرب يوم الغفران للجيش الإسرائيلي فرصة لإجراء تجارب مبكرة باستخدام الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية والوميض. قال ديل ديهان، مستشار السناتور كينيدي: “رأيت ما حدث في سوريا بسبب [القنابل العنقودية]. يجب منع استخدام هذه الأسلحة في المناطق المأهولة بالسكان. لقد استخدموها في دمشق، وكان ذلك مروعاً”.

لم يشارك سلاح الجو فقط في الفظائع، وقال إيغال لافيف في “هذا العالم”: “الدخان يتصاعد على طول قناة المياه العذبة، عشرات الأكواخ تحترق. الجدران مبنية من الطوب الأحمر، السقوف من القش. أكواخ الفلاحين المصريين، مساكن الفلاحين. تشاهد النيران في كل مكان.

لم يتم حرق منازل الفلاحين بأمر، ولكن بمبادرة من الجنود. يوجد جندي في كل مكان تقريبًا، يتألم لإعادة ممتلكات كاملة إلى مصر، ويرمي عود ثقاب مشتعل على سطح الكوخ، مما أدى إلى اشتعال النيران على الفور. الفلاحين سيعودون الى منازلهم في غضون ايام وسيجدون بقايا محترقة “.

“كان هناك معهد تحت الماء في مدينة السويس، عظمة المكان. قام وفد خاص من العلماء الإسرائيليين بالبحث عنه لعدة أيام، على أمل معرفة الكثير عن الحياة تحت الماء في خليج السويس. وجدوا المعهد. جميع أحواض السمك تحطمت، والأسماك التي جُمعت لسنوات عديدة، تم تدميرها بوحشية، ونُهبت المعدات الثمينة أو دمرت ببساطة “.

جرائم دولة الاحتلال مستمرة، في سياق تاريخي والحقيقة أن إسرائيل قتلت خلال حروبها ضد العرب والفلسطينيين ومن بينها حرب أكتوبر آلاف وربما مئات آلاف المدنيين في مصر وسوريا عن عمد، والقصف الممنهج للمدنيين، والقتل التعسفي، والتهيج، أو الترحيل القسري، من القرى خلال الحرب. وهي تمارس الدعاية بأنها ضحية، والواقع أنها ترتكب جرائم حرب وتصرخ عند قتل جنود يمارسوا الجرائم والقتل اليومي.

وتوضح حقيقة دولة الاحتلال واستمرارها في ارتكاب الجرائم ليس بحق الفلسطينيين فقط، بل بحق العرب وهو يأتي في سياق طبيعة الدولة اليهودية وعقيدتها الصهيونية العسكرية القائمة على القتل والجرائم قبل قيامها، وما قامت به الصهيونية وعصاباتها في فلسطين.

المصدر: موقع فلسطين اليوم




الاحتلال يواصل نشر تفاصيل جديدة… هذا ما فعله الجندي المصرية لإيقاع المزيد من القتلى الإسرائيليين!

تواصل وسائل الإعلام العبرية ولليوم الثالث على التوالي من انتهاء العملية، نشر تفاصيل عملية إطلاق النار البطولية على الحدود المصرية “الإسرائيلية”، حيث نشر موقع واللا العبري تفاصيل جديدة عن العملية التي أدت لمقتل 3 جنود “إسرائيليين”.

مصدر عسكري إسرائيلي قال لموقع واللا نيوز العبري إن الجندي المصري قام بقتل الجندي والمجندة في نقطة المراقبة، سار باتجاه التلة القريبة، وهناك بنى لنفسه نقطة خاصة من الحجارة، واختبأ خلفها ليكمن للقوات التي ستأتي لاحقاً.

وبين المصدر العسكري أنه لحظة وصول قائد منطقة فاران وسار باتجاه منطقة المشتبه به، أطلق الشرطي المصري صلية رصاص صوبه، ومنها قتل الجندي إيهود دهان.

وتابع الموقع أنه على الرغم من أن قائد سلاح الجو سمح باستخدام المروحيات لملاحقة الشرطي المصري، إلا أن قائد اللواء قرر إنهاء العملية بأسرع وقت والاشتباك مع الشرطي المصري لتحيده، وعدم انتظار وصول المروحيات للموقع.

ويشار إلى أن “حدثاً أمنياً خطيراً” وفقا للإعلام العبري، وقع السبت الماضي على الحدود المصرية “الإسرائيلية” عملية إطلاق نار بطولية نفذها أحد جنود الجيش المصرية وأدت إلى مقتل 3 جنود إسرائيليين

المصدر: موقع فلسطين اليوم




“رؤوس كبيرة ستطير”… تفاصيل مُثيرة عن عملية “العوجا” وهذا ما فعله “الفدائي” قبل التنفيذ!

بعد مرور ساعات طويلة على عملية معبر “العوجا” على الحدود المصرية الفلسطينية المحتلة، أصدر قائد جيش الاحتلال “هآرتسي هاليفي” تعليماته بتشكيل الفريق الذي سيتولى فحص الإخفاقات التي حصلت، وأدت لخسائر الاحتلال، فيما قدّر مسؤولون في جيش الاحتلال أنه سيتم عزل الضباط في القيادة الجنوبية المسؤولون عن هذا الفشل، ومن الواضح أن رؤوسا كبيرة ستطير هناك.

ونقل المراسل العسكري لموقع “والا” العبري أمير بوخبوط عن “ضابط كبير أنه مع مرور الوقت سيتم الكشف عما أسماها المزيد من “التفاصيل المؤلمة”، ولن أتفاجأ إذا طارت العديد من الرؤوس في القيادة الجنوبية؛ لأن هاليفي يضغط من أجل جداول زمنية لتقديم التحقيق بسبب الرغبة بالتأثير؛ بناء على ما تم اكتشافه حتى الآن، وأن نتائج ما حدث تتطلب استجابة سريعة، وإن المحققين وجدوا ثغرات كبيرة فيما حدث على الأرض، مما يثير العديد من التساؤلات، حيث انتقد جندي خدم في القطاع بشدة سلوك القيادة التي تدير منطقة الحدود المصرية”.

وأضاف بوخبوط، أن “كتائب “الكركال والفهد” تخدم في هذه المنطقة الحدودية المصرية ثمانية أشهر متتالية، ثم تذهب في تدريب قصير لا يقترب من تدريب كتيبة غولاني أو مظليين، وبين حين وآخر يكون تهريباً للمخدرات، وهناك نقص في الجنود، ولا يوجد ما يكفي في مثل هذا القطاع الطويل، ناهيك عن أن كبار القادة يصلون للزيارات والدوريات بدون سلاح”.

وتحدث مسؤولون عسكريون “إسرائيليون” عن “سلسلة النقص في أعداد القوات عند المنطقة الحدودية المصرية، لكن الخطأ الرئيسي هو وضع جنود في مثل هذه المنطقة الحساسة لفترة طويلة، رغم أن ذلك يعرّضهم للخطر، وبعد مرور المزيد من الساعات على العملية، فقد تم الكشف عن المزيد من التفاصيل الجديدة، أهمها أن الجندي المصري سار بعد قتله للجنود الإسرائيليين باتجاه الشرق؛ لأنه فهم أنه سيموت، ولم يحاول العودة لمصر، وأي شخص في هذه المنطقة يتجول بدون ماء، وفي هذه الحرارة، سيصاب بالجفاف بسهولة”.

وأضاف المسؤولون، أن “ما نفهمه من التحقيقات الأولية، أن الجندي المصري كان لديه بندقية وخراطيش وقرآن وسكين كوماندوز، وقبل وصوله إلى مكان العملية، لاحظ الجنود أنه يصلي من بعيد، وكشفت التحقيقات أنه خطط للهجوم بعناية، وأعدّ له ببندقية، وأربعة مخازن، وسكين قطع بها الأصفاد عند معبر السياج، ومن ثم توغل داخل الأراضي الفلسطينية، وسار عدة كيلومترات تجاه الحدود، وواضح أنه يعرف البقعة الجغرافية جيداً، وعلم بالفتحة التي دخلها بوقت مبكر، ولذلك تمكن من اختراقها بسهولة”.

وأكدوا، أنه “في هذه المرحلة لا يزال غير واضح ما حدث في اللحظات التي أطلق فيها الجندي النار على الجنود، وقد طلب الجيش الاستعانة بمختبر جنائي لتوثيق المشهد، وتم جمع النتائج التي تم إحالتها للفحص”.

وطرح ضباط في جيش الاحتلال، أسئلة صعبة حول سلوك قوات الجيش بمنطقة العملية، ولا يزال من غير الواضح من هو الضابط الكبير الذي وافق على قرار الحراسة لمدة 12 ساعة متتالية للجنود، وعلى بعد أمتار قليلة من السياج الحدودي، فتحة لوجستية غير آمنة يمكن للمرء من خلالها العبور بسهولة، دون اتضاح سبب عدم تحذير المراقبين في المنطقة، وأجهزة الاستشعار المختلفة من عبور الجندي المصري إلى الجانب “الإسرائيلي” من الحدود، وما إذا كان الطقس أسفر عن ذلك.

المصدر: موقع عربي 21




الياس سابا… جرأة الوقوف ضدّ الارتهان المالي

محمد وهبة

لو توجّب تأريخ حركة المعارضة لارتهان لبنان المالي إلى الخارج، فالاسم الذي سيظهر في مراحل مختلفة من عمر لبنان هو الياس سابا. نعم، الآن ثمة معارضون كثُر، بينهم من يملك الكفاءة والخبرة، وبينهم معارض بالقومية الوطنية والعربية، إنما لم تمتدّ جذور الوعي المعارض لأيٍّ منهم على التحوّلات الكبرى التي شهدها لبنان منذ الخمسينيات لغاية اليوم. وفوق هذا، يندر أن يملك أياً منهم ميزة ألا يكون ابن المدينة، كما كان عليه سابا ابن الكورة. جذوره شكّلت جزءاً لا يتجزّأ من وعيه، ومنها إلى أوكسفورد في عزّ الفورة الكينزية وحمل شهادة الدكتواره في الاقتصاد في عام 1950.

ابن الريف خريج أوكسفورد، أبدى كفاءة استثنائية في الاقتصاد السياسي، فاستقطبته الكويت ليعيّن في عام 1961، مستشاراً اقتصادياً في وزارة المال الكويتية. في تلك الفترة كان الاقتصاد الكويتي في بداية تشكّله، لكن لبنان أيضاً كان يمرّ بمرحلة تحوّل كبير من الانفصال الجمركي في عام 1950 إلى الصراعات الإقليمية وأزمة 1958 وأزمة إغلاق الحدود في عام 1969… المهم، في تلك الفترة انتُخب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية. لعلّه أول رئيس ماروني من خارج البرجوازية اللبنانية التقليدية، ولعلّه أول من يعبّر فعلاً عما يسمى المارونية السياسية. لكن فرنجية لم يكن لديه فكرة عن الاقتصاد، إنما كان يريد تعيين اقتصادي بارع من الشمال. هكذا اختار الياس سابا ليكون وزيراً للاقتصاد والدفاع. لكن لم يكن الاختيار مبنياً على هذه العلاقة فقط، بل كان مدفوعاً بالقلق والخوف لإنتاج المعرفة وهي حاجة أدركها فرنجية بفطنته وعكسها مباشرة في اختيار باقي وزراء ما سمّي في حينه «حكومة الشباب» والتي تضمّنت حسن مشرفية وجعفر شرف الدين وأميل بيطار وسائر الأسماء التي كانت تملك كفاءة سياسية إلى جانب الخبرة التقنية.
في ذلك الوقت كان اقتصاد لبنان، كما رآه سابا، مهدّداً بالارتهان المالي للخارج، وهو الأمر الذي عارضه مباشرة اعتباراً من لحظة التعيين الأولى. فلبنان الذي خرج حديثاً من الانفصال الجمركي مع سوريا، كان يحتاج إلى كبح الاتجاه الذي يسلكه نحو الارتهان المالي. فالانفصال كان يعكس توجهات متناقضة حول مفهوم الدولة والاقتصاد في لبنان وسوريا. سوريا كانت تريد عملة متوافقة مع عمليات الإنتاج المحلية وزيادة القدرة التصديرية لاحتواء المناطق الريفية ضمن الدولة، بينما في لبنان كانت القيادة في الاقتصاد السياسي للتجّار وأصحاب الأعمال الذين عملوا على تعزيز الليرة اللبنانية وإضعاف التصدير والاعتماد أكثر فأكثر على الاستيراد والتدفقات المالية الآتية من الخارج. وكان سابا يرى أن الأسعار الداخلية في لبنان بدأت تسجل ارتفاعات لا قدرة على الاقتصاد المحلي على استيعابها، وبالتوازي كانت التدفقات المالية تأتي من الخليج بوفرة، وكانت القطاعات الإنتاجية تذبل وتنتهي بوتيرة متسارعة. وحتى لا نشعر أننا أغنى مما كنّا عليه بالفعل، كان يجب عليه التدخّل لحماية الإنتاج المحلي. هكذا اختار لائحته لزيادة الرسوم الجمركية على نحو 580 سلعة. بهذا العقل وفي إطار هذا الهدف، جاء اقتراحه بزيادة الرسوم الجمركية التي تعدّ أول خطوة مسجّلة في اتجاه مكافحة اتجاه الارتهان المالي للخارج.

استثار الأمر جماعة التجّار الذين أعلنوا الإضراب لمدّة تسعة أيام. ذلك الحدث أسّس للاختلاف الجوهري حول مفهوم الدولة والاقتصاد. الدولة التي يفترض أن تتحكّم بمواردها وتمنع اقتصادها من السقوط في فخّ الارتهان الخارجي، وبين واقع النفوذ الذي أودى بنا إلى ما نحن عليه اليوم. فالانهيار ليس وليد مرحلة ما بعد الطائف فقط، وليس وليد تراكم الحرب الأهلية ثم تحالف الميليشيات مع رجال الأعمال، إنما يعود إلى ذلك المفصل الذي أسّس له سابا في حكومة فرنجية.
بمعزل عن نهاية القصّة الحزينة ونجاح اللوبي السياسي الذي قاده التجّار في «فركشة» مشروع سابا، فإن الاختلاف الفعلي كان أعمق. سابا وقف ضدّ الخيار اللبناني بعد الانفصال عن سوريا. وبالمناسبة، فإن الثقل الاقتصادي الذي نتج بفعل الانفصال تركّز في لبنان للاستفادة من الخيار اللبناني الرامي إلى إرساء عملة قويّة وتجارة ومصارف، وتحقيق فوائض في الموازنة تموّل شراء الذهب. وهذا الانفصال لم يخرّب فقط الحدود الجمركية بين البلدين، ولا أنشأ عملتين متناقضتين باقتصادين مختلفين، إذ كان أقوى وأشمل لأنه كان يضم وحدات اقتصادية وقطاعات متوافقة بشكل يفوق ما هو موجود اليوم في الاتحاد الأوروبي، فالعملة والجمارك والنقل والبريد وسائر النشاطات كانت كلّها واحدة. كان الوزن الاقتصادي لكل القطاعات مشتركاً والتحكّم بالموارد أيضاً. في ذلك الوقت لم تكن التقسيمات الجغرافية، التي تختلف عما هلي عليه اليوم، مانعاً أمام الوحدة الاقتصادية والمالية.

كان سابا في بداية مشواره عندما خسر المعركة الأولى، لكنها لم تكن الخسارة الأخيرة بوجه خيار الارتهان المالي للخارج. فعندما أدرك أن هذه الطغمة اللبنانية ستضحّي بكل شيء من أجل استمرارية نموذج فاشل يرهن لبنان للخارج، لعب دوراً أساسياً في صياغة قانون منع المسّ بالذهب من دون إذن في مجلس النواب. كان قلقه في محلّه لأننا اليوم ننفق آخر ما تبقى لدينا من موجودات بالعملة الأجنبية، وقريباً لن يكون لدينا سوى الذهب لتمويل استيراد المواد الأساسية للعيش.
استمرّت معارك سابا الواحدة تلو الأخرى، إلا أنه خاضها هذه المرّة بعد الحرب الأهلية من موقع مجلس النواب. يومها كان من بين النواب الذي عيّنوا في مجلس النواب حين طرح القانون 117 الذي يمنح شركة خاصة امتياز إعادة إعمار وسط بيروت والمسماة اليوم «سوليدير». وقف سابا ضدّ المشروع باعتبار أنه سيسلب ملكيات أصحاب الحقوق، واقترح أن يستبدل الامتياز بالتزام بناء وتسليم، بدلاً من أن يكون امتيازاً غير محدود هيكلياً كما هو عليه الآن. فالشركة ليس لديها مهل تسليم لمشروع إعادة الإعمار، وهي للآن ما زالت جاثمة فوق وسط بيروت.

لم تكن مقاومة الخيار اللبناني في الارتهان المالي للخارج أمراً سهلاً، وتسارعت المحطات التي تثبت هذه الوجهة. ففي عام 1997 جاءت محطّة الاستدانة من الخارج، وكان سابا خارج السلطة، إلا أنه استخدم علاقاته ضمن نفوذ عائلات الشمال لكنه مع آخرين خاضوا معركة انتهت بفوز تحالف الميليشيات مع رأس المال.

تسنّت له فرصة جديدة في عام 2004 آتياً في ظل تحوّلات كبرى أيضاً. ففي تلك المرحلة كان لبنان ضمن عاصفة الـ1559، وكان التمديد للرئيس إميل لحود هو محور النقاش السياسي المحلي والخارجي. ووقتها كان ارتهان لبنان المالي للخارج قد بدأ يظهر بوضوح في الأرقام والمؤشرات. أتى سابا وزيراً للمالية آنذاك في حكومة عمر كرامي ورئاسة إميل لحود. أعدّ مشروعاً للموازنة العامة أدخلت فيه سلّة من الإصلاحات فيها حسم لتوزيعات الأموال على الجمعيات، وإصلاحات في مجال الفيول والكهرباء، وقانون لإعادة ترتيب المباني الحكومية والمدارس لتصبح ملائمة للمعوقين، وأعدّ مشروعاً لنظام التقاعد والشيخوخة ضمّنت فيه غاية أساسية تتعلق بلجم التوسّع النقدي، واقترح تعديلات على نظام ضمان حماية الودائع حتى تكون الحماية منفصلة عن الخسائر المحتملة. أما أبرز ما قام به سابا في تلك الفترة، وهو العمل الأكثر جرأة، أنه أطلق عملية تصحيح إرادي. يومها كان عمر الرذاذ مديراً لمكتب البنك الدولي في لبنان، وكان على علاقة جيّدة مع شربل نحاس الذي كان مستشاراً مع سابا. انطلق سابا إلى واشنطن بمساعدة الرزاز ونحاس يرافقهم المدير العام للمالية ألان بيفاني، لمتابعة جلسات التفاوض مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعنوان «التصحيح الإرادي». نوقشت الكثير من المسائل ومن ضمنها المصارف والنقد والتسليف والأجور، حتى إنه جرى التحوّط لمخاطر عملية التصحيح من خلال الاتفاق على خطّ ائتماني بالعملة الأجنبية مع البنك الدولي. يومها طلبت وزارة المال حسابات الدين العام من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إلا أن هذا الأخير رفض، لكن سابا أجبره على تسليم الحسابات. لم يكتف بذلك، بل طلب سابا من صندوق النقد الدولي بعثة لوضع حسابات مجمّعة للدولة اللبنانية يكون مصرف لبنان ضمنها، وأجريت هذه الحسابات لأول مرّة في تاريخ لبنان رغم ممانعة سلامة، وعلى أساسها استكملت مفاوضات «التصحيح الإرادي». حكومة كرامي لم تستمر أكثر من خمسة أشهر، لكنها كانت ورشة لا تهدأ بفعل ما قام سابا.

من المعارك الأخيرة بوجه الارتهان المالي للخارج، كانت الدعوى القضائية التي رفعت لوضع حراسة قضائية على السلطة التنفيذية وسلوكها في إنفاق المال العام. ثم انتابت سابا حالة من اليأس والألم، إذ بلغت حالة الارتهان حدّ الانفجار الذي أصبح أزمة متواصلة منذ النصف الثاني من عام 2019 لغاية اليوم. كان دائماً يردّد عن قوى السلطة في لبنان: «هم مقيّدون بمصالح وكل عقلهم يعمل على موجة الخارج». ولو تسنّى لأي منّا رؤية سابا في جلسات التفاوض مع صندوق النقد الدولي لفهم سريعاً ما معنى «الجرأة».

المصدر: ملحق رأس المال في جريدة الأخبار