خواطر عن : “المنتدى الاقتصادي العالمي روسيا ودول منظمة العالم الإسلامي”
|
عمرو عبد الحميد
أكتب هذا المقال على عجل، وأنا الآن على أراضي جمهورية تتارستان الفيدرالية الروسية؛ لحضور المنتدى الاقتصادي الدولي الرابع عشر “روسيا- العالم الإسلامي: منتدى قازان”، في الفترة من 18 إلى 19 مايو (أيار) 2023. على الرغم من إقامتي أكثر من عقدين في روسيا، فإنني أزور هذه الجمهورية، وعاصمتها قازان، للمرة الأولى في حياتي، حيث يلتقي الشرق مع الغرب، الماضي مع الحاضر والمستقبل، الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والشامانية، والسلاف والتتر والبشكير، في هذه المدينة الفريدة من نوعها، التي تختصر روسيا بكل تنوعها الديني، والعرقي، والثقافي، واللغوي، وهو ما أهلها (دون غيرها من المدن الروسية) أن يشيد فيها (معبد كل الأديان) الذي صممه المهندس الروسي إلدار خانوف، ليكون المعبد الوحيد، ليس في روسيا وحسب؛ بل في العالم، الذي يحتوي على مكان عبادة: (إسلامي، وأرثوذكسي، وكاثوليكي، وبروتستانتي، ويهودي، وبوذي) وفق تصميمات شرقية- غربية، بطابع روسي.
الاتصال الأول بين العرب وروسيا
روسيا، أو “الاتحاد الروسي” وفق المسمى الرسمي، ليست مثل أي دولة. خلافًا لما هو معروف بأنها البلد الأكبر في العالم من حيث المساحة (أكثر من 17 مليون كيلومتر مربع)، وموقعها الأوراسي الفريد في قارتي أوروبا وآسيا، وهو ما يشير إليه بوضوح شعار الدولة الروسية (النسر ذو الرأسين، أحدهما يتجه نحو الغرب والآخر نحو الشرق)، فإنها أيضًا دولة ذات تاريخ إسلامي عريق، لا يقل عن بقية البلدان العربية والإسلامية.
بدأ الاتصال الأول بين العرب وأراضي ما باتت تُعرف اليوم بالاتحاد الروسي، في ظل خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، عام (22 هـ)- (643 م) عندما تمكن القائد العربي المسلم سراقة بن عمرو الأنصاري، القادم من المدينة المنورة، في المملكة العربية السعودية الآن، من فتح مدينة (دَربَند) التي كانت تسمى عربيًّا (باب الأبواب)، الواقعة حاليًا في جمهورية داغستان الفيدرالية الروسية، وتبعد عن موسكو (2212) كيلومترًا. وفيها دفن ومعه كثير من الصحابة، ما زالت قبورهم شاهدة حتى اليوم على هذا الاتصال الأول. كما يوجد (مسجد الجمعة) في المدينة نفسها، الذي بناه القائد الأموي مسلمة بن عبد الملك بن مروان عام (733 م)، وهو أول مسجد، ليس في روسيا وحسب؛ بل في جميع بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، بما فيها البلدان ذات الأغلبية المسلمة في آسيا الوسطى، كدليل على عراقة الإسلام وقدمه في هذا البلد. أيضًا استوطن في شمال القوقاز الروسي منذ القرن الثامن الميلادي، أكثر من خمسة عشر ألفًا من عرب الشام من القبائل اليمانية، وما زال أحفادهم حتى الآن يعيشون في داغستان وباقي منطقة شمال القوقاز الروسي، بوصفهم مواطنين روسيين يعتزون بأصولهم العربية، وهو ما يمثّل دليلًا حيًّا على هذا التمازج العربي- الروسي- الإسلامي المبكر.
ما الذي تعنيه مدينة قازان للحضارة الإسلامية؟
تقع مدينة قازان، عاصمة جمهورية تتارستان الفيدرالية الروسية، في السهل الأوروبي الشرقي، عند التقاء نهري الفولغا وكاما، وتبعد (800) كيلومتر فقط عن العاصمة موسكو. ما زالت شواهد وأطلال مدينة بلغار القديمة، العاصمة التاريخية لمملكة (فولغا بلغاريا)، حية لتروي قصة أول دولة مركزية تنشأ على أراضي روسيا في القرن الثامن الميلادي، قبل أن يؤسس الأمير روريك، مملكة الروس القديمة عام (862) في نوفغورود.
كانت هذه المملكة مثالًا على الوحدة والتآخي، حيث وحد أميرها ألمش خان، قبائل الترك والبلغار والسلاف، والشعوب الفنلندية الأوغرية، في مملكة واحدة، وعبر اتصالهم بالتجار العرب المسلمين، اعتنقوا الإسلام طواعية، وأرسلوا أول سفارة أو “بعثة دبلوماسية”- بالمفهوم الحديث- إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله، ليُعلموه بتبعيتهم الروحية للخلافة العربية الإسلامية في بغداد، وحاجتهم إلى من يفقهم في الدين، فأرسل إليهم سفيره أحمد بن فضلان، الذي دخل هذه الأرض في مايو (أيار) (922 م)، وكتب أول مرجع تاريخي عن الروس، وعاداتهم، وتقاليدهم. تتخذ جمهورية تتارستان من هذا اليوم عيدًا قوميًّا للجمهورية، وفي هذا الشهر تمر الذكرى الأولى بعد المئة والألف (1101) على اعتناق شعوب الفولغا للإسلام، في حين بدأ اعتناق بقية الروس للمسيحية في عهد الأمير فلاديمير الأول (عام 990 م).
عندما اجتاح التتر والمغول أراضي روسيا (عام 1237)، وعبر اتصالهم بمسلمي الفولغا، تحولوا مع الوقت إلى الإسلام، ونشأ التمازج بين البلغار والتتر والسلاف، وهم أسلاف سكان تتارستان الآن، وبفضل هذا التمازج نشأت ثقافة جديدة فريدة على هذه الأرض، عمّت الأراضي الروسية كافة، واستفاد منها الجميع. هنا أحب أن أستشهد بما قاله المؤرخ الروسي الشهير ليف نيكولايفيتش غوميليف: “التتار هم من ألهموا الروس بفكرة الإمبراطورية، وبفضلهم تحولت موسكو من إمارة هامشية إلى قوة عظمى أوراسية، واعترافًا مني بهذا الفضل سأظل أدافع طيلة عمري عن التتار وثقافتهم”. كذلك أستشهد بما قاله الكاتب السياسي الروسي سيرغي كاراغانوف: “لقد تعلمنا- نحن الروس- التسامح وقبول الآخر، وبناء إمبراطورية متعددة القوميات والأديان بفضل فترة الحكم التتري- المغولي”. ثم أكمل: “لذا، روسيا ودورها التاريخي ينبغي أن يكون شعاره (روسيا حضارة الحضارات)”.
روسيا والعالم الإسلامي
يوجد اليوم في الاتحاد الروسي (8) جمهوريات فيدرالية ذات أغلبية مسلمة، من بين (24) جمهورية فيدرالية تشكل قوام الاتحاد الروسي. ينتشر المسلمون في جميع أرجاء هذا الاتحاد بوصفهم مواطنين أصليين (لا وافدين أو مجنسين)، وهو ما يجعل روسيا بلدًا ذا ثقافة إسلامية عريقة؛ ولذلك فهي تختلف عن أي دولة أخرى أوروآسيوية.
إدراكًا منه لهذه الحقائق التاريخية، ولإيمانه العميق بقيم التعايش والحرية والتسامح، ومهمة روسيا الحضارية، رسخ الرئيس بوتين هذا النموذج الروسي الفريد من نوعه، وهو بحق وبلا أي مبالغة، الزعيم الروسي الأكثر تسامحًا وانفتاحًا على الإسلام والمسلمين في كل تاريخ روسيا، ولا أدل على ذلك إلا مبادرته الشخصية بطلب نيل روسيا عضوية منظمة التعاون الإسلامي (بصفة مراقب)، عام 2005، وكذلك مبادرته لتأسيس منتدى (روسيا– العالم الإسلامي)، عام 2006، واختيار جمهورية تتارستان لتولي دور قيادة هذا التعاون.
البناء على الماضي للانطلاق نحو المستقبل
في ظل الظروف الحالية التي يشهد فيها العالم تحولًا دراماتيكيًّا نحو “التعددية القطبية” في ظل عملية ربما تستمر عقدين أو ثلاثة حتى يستقر الشكل الجديد لهذا العالم، يجتمع ممثلو الشركات التجارية ومسؤولون من بلدان عربية، ومن بلدان العالم الإسلامي، مع نظرائهم الروس في قازان، تحت رعاية رئيسها رستم مينيخانوف، الذي شهدت رئاسته تطورًا ودفعة قوية للتعاون بين روسيا والعالم الإسلامي.
ركزت الدورة الحالية للمنتدى على عدة أنشطة، أبرزها: (التمويل الإسلامي– صناعة المنتجات الحلال–الاستثمارات المشتركة– الصناعة التحويلية– الخدمات اللوجستية– السياحة– التكنولوجيا– التعاون الدولي– تنشيط العلاقات الدبلوماسية– فرص الأعمال المشتركة).
ربما يعتقد البعض أن العقوبات الغربية قد تشكل عقبة أمام التعاون مع روسيا، لكن ما لمسته بنفسي من خلال المنتدى، وإدارة جلستين، هو وجود عزم مشترك لدى الجهات الروسية، وحكومات ورواد الأعمال في العالمين العربي والإسلامي، على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية. في النهاية، الصراع العسكري الحالي لن يستمر إلى الأبد، وسيصل- مثل أي صراع عسكري- إلى مرحلة تسوية سياسية، أو جمود. روسيا دولة كبرى، لا يمكن تجاوزها، أو التعامل معها على نمط كوريا الشمالية.
يشكل هذا المنتدى فرصة في ظل الفراغ الناتج عن خروج الشركات الغربية من السوق الروسية؛ لخلق شراكة عربية- إسلامية حقيقة مع روسيا، في ظل وجود عدد كبير من مواطني هذا البلد يعتنقون الإسلام، وهو ما يتيح مزيدًا من تعميق العلاقات، والتوازنات الاقتصادية والجيوسياسية، في ظل عالم متغير.
المصدر: مركز الدراسات العربية الأوراسية
الانتخابات التركية 2023: سر أردوغان أم سر المجتمع التركي؟
|
عماد قدورة
انتخابات عام 2023 هي الاستحقاق التصويتي السادس عشر الذي يفوز به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية في الفترة 2002-2023. بمعنى أن معدل التصويت جرى كل 1.3 سنة تقريبًا، على شكل استفتاءات دستورية، أو انتخابات محلية، أو برلمانية، أو رئاسية (وأحيانًا الأخيرتان معًا). في هذه الفترة، كان التصويت اختبارًا يقيس نتائج الواقع المعيش؛ على المستوى الاقتصادي الذي شهد نهوضًا وصعوبات، وكذلك على المستويَين السياسي والاجتماعي، فقد حصلت تغيرات جذرية وأحداث جِسام في تركيا؛ منها: تعديلات دستورية لم تُبقِ من نظام الوصاية الكمالية والعسكرية إلا القليل، وانقلابات، وتظاهرات، وتحالفات وانفصامها، وإعادة تشكّل أحزاب وائتلافات، وكوارث طبيعية، وحرب محلية، وصراعات إقليمية ودولية، واستقبال لاجئين بكثافة، واستقطاب قومي حادّ، ثمّ معارضة منسّقة بين أطيافٍ استحال جمعها من قبل. بهذا، لم يبقَ أيُ نوعٍ من الفرص والأزمات إلا مرت به البلاد في هذين العقدين اللذين تجددت فيهما الثقة أو التفويض لأردوغان وحزبه.
ومع ذلك، فالاختبار القادم (2023-2028) يبدو الأكثر جدية؛ إذ سيكون استفتاءً على استكمال وعود المئوية الأولى للجمهورية، ووضع أساسات مئوية ثانية أهمها دستورٌ جديد، وتصعيد خليفة أردوغان، وإثبات القدرة على تجاوز الصعوبات الاقتصادية، وإقناع الجيل الجديد الذي لم يجرّب حكمًا آخر بأن التغيير كامنٌ في الإنجاز لا في تعليق الآمال على حزب أو آخر.
في ضوء هذه الانتصارات المتوالية، هل كان هذا سر أردوغان بذاته وسياساته وبرامجه، أو سر التوازن الحرج بين تيارات المجتمع التركي الأساسية الثلاثة السائدة: الإسلاميون والمحافظون، والعلمانيون، واليسار الكردي، والتكيف مع الكتل الأخرى المُرجِّحة خارج هذه التيارات؟ وفي الوقت نفسه، هل كان الانتصار الأخير بسبب “كاريزمية” أردوغان حتى يسود اعتقاد بأنه لا يمكن هزيمته، أو أنه قصورٌ في المعارضة رغم أن حزب الشعب الجمهوري بقيادة كمال كاليشدار أوغلو استطاع إعادة تشكيل الحزب ليكون أكثر تنوعًا وانفتاحًا، وحشد أكبر عدد من الأحزاب واستقطب كل المعارضين والمتضررين من حكم أردوغان في تحالفٍ عريض لم يسبق له مثيل في تاريخ الجمهورية؟
أولًا: هل هو سر أردوغان؟
أبرزت شخصية أردوغان وتأثيره في السياسة التركية المعاصرة الكثير من الجدل في العقود الثلاثة الماضية، منذ أن أصبح رئيسًا لبلدية إسطنبول الكبرى عام 1994. فقد نجح بشكل لافت خلال فترة وجيزة، ثمّ تنقّل في المسؤوليات القيادية وصولًا إلى رئاسة الجمهورية بصلاحيات كاملة؛ ما أثر جوهريًا في المجتمع وتوجهات السياسة، وغيّر وزن تركيا ومكانتها. وقد تركّز الجدل حوله بسبب طول بقائه في السلطة، ونجاحه البارز في تحريك الجمهور التركي وحشده خلفه، رغم محاولات خصومه المتنوعة في إبعاده أو إضعافه، ورغم انفضاض شخصيات كبيرة وتيارات حليفة وقوية من حوله، وحتى رغم ائتلاف خصومه وحلفائه السابقين في انتخابات 2023 في “تحالف الأمة” العريض الذي استهدف أساسًا التخلص من شخصه ونفوذه ورمزيته.
إجمالًا، ثمة سمات شخصية دفعت أردوغان إلى المقدمة، ومنها، على سبيل المثال، اعتقاده الجازم بأن في إمكانه التأثير فيما يحدث في البيئة السياسية من حوله، ما جعله أكثر اهتمامًا ونشاطًا وانخراطًا في عملية صنع السياسة؛ واعتقاده بالقدرة على السيطرة على الأحداث، ما أدى إلى توجهه الاستباقي وتقديم حلول ووعود يُلزم نفسه بها؛ وإدراكه بأن الحواجز التي تحول دون العمل يمكن التغلب عليها، ما جعله مصرًّا على الانتصار؛ والشعور العام بالشك في دوافع الآخرين وأفعالهم، أي معارضي توجهه وبرنامجه داخليًا وخارجيًا؛ ما جعله يستجيب لسيناريوهات بديلة ويتكيّف معها بسرعة. ولعل السمة الأخيرة قد تكرست عنده مؤخرًا بسبب كثرة الشخصيات والحلفاء في حزبه وخارجه ممن اختلفوا معه، إلى حدّ الصدام أحيانًا مثل حالة حركة فتح الله غولن، أو تأسيس أحزاب تنافسه على قاعدته الانتخابية المحافظة مثل “المستقبل” و”الديمقراطية والتقدم”، فضلًا عن الضغوط والجهود والتصريحات الخارجية، خاصة من الغرب، التي تشكك في سياسته وتطمح في تغلب معارضيه عليه.
من أجل تحدي الأمر الواقع المترسّخ والمعقّد الذي كانت عليه تركيا، اعتمد أردوغان عندما وصل إلى الحكم على دعم قاعدته الانتخابية الأساسية، وعلى التكيّف مع مطالب جمهور الناخبين المهتمين بالتغيير سواء على مستوى الطموحات القومية والإصلاحات السياسية والديمقراطية أو على مستوى تغيير الواقع الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة. فمن دون فهم هذا الجمهور ومرونة التكيّف مع تفضيلاته ومن ثمّ التزوّد بدعمه، ما كان لأردوغان كسر العديد من المحظورات الكمالية وتجاوز مفاصل الدولة العميقة التي عُرفت بها تركيا. ولا شك في أن أسلوبه الخطابي الحماسي ساعده في استقطاب الجمهور ومواجهة الخصوم والمنافسين.
اليوم، بلغ أردوغان المرحلة الأخيرة في مسيرته، وكان مصرًا على الفوز في انتخابات 2023 لرمزيتها التي طالما راهنت رؤية حزبه السياسية عليها، فلم تخلُ برامج أو خطابات انتخابية من الإشارة إلى هذه السنة، التي تُمثل أيضًا بدايةً لمئوية ثانية للجمهورية. ففضلًا عن أن كثيرًا من مشروعاته الكبرى بدأت ملامحها بالظهور – كالغاز الطبيعي والنفط، ومصانع الطاقة النووية، والسيارة التركية الخالصة، والطائرة المقاتلة، وقناة إسطنبول، وخفض معدلات الفائدة، وغير ذلك – فإن رمزية أن تبدأ المئوية الثانية في عهده تبدو مهمة جدًا بالنسبة إليه، حيث طموحه في وضع أساسات جمهورية جديدة؛ تستند إلى دستور جديد متحرر مما تبقى من نصوص وضوابط الكمالية الصارمة، وإلى استكمال الاستقلال الاستراتيجي في الدفاع والاقتصاد والطاقة، وتبوّء المرتبة العاشرة بين اقتصادات العالم.
ثانيًا: كاليشدار أوغلو وفسيفساء المعارضة
هل كان كمال كاليشدار أوغلو مُلهِمًا أيضًا؟ فرغم خسارة الانتخابات، يبدو التساؤل مشروعًا في ضوء تصويت نحو نصف المجتمع التركي له (نحو 47 في المئة[1])، وهي نسبة وصل إليها بعد تسويات داخل حزب الشعب الجمهوري الذي يتزعمه، وبعد مفاوضات استمرت نحو عامين مع أحزاب ذات خلفيات أيديولوجية وقومية وسياسية مختلفة ومتناقضة؛ وهي أحزاب الطاولة السداسية، فضلًا عن الحزب السابع الذي ائتلف معه ضمنيًا، وهو حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.
كاليشدار أوغلو سياسي ذو خبرة طويلة أيضًا، فقد انتُخب نائبًا عن حزب الشعب الجمهوري في عام 2002، وهو العام نفسه الذي تولى فيه حزب العدالة والتنمية السلطة. لكن على عكس تجربة أردوغان، لم يفز حزبه في أي انتخابات منذ تولى رئاسته في عام 2010، سوى في بعض البلديات الكبرى، وأهمها أنقرة وإسطنبول في عام 2019. اكتسب سمعة بين مؤيديه وأنصاره بسبب عمله لسنوات موظفًا مدنيًا في الهيئات المالية التركية، وبخاصة، بحسب هؤلاء، جهوده في القضاء على الفساد بصفته مديرًا لمؤسسة الضمان الاجتماعي. كما اكتسب احترامًا داخل حزبه بسبب هدوئه وتعامله بتواضع، حيث غالبًا ما يُشبَّه بالزعيم الهندي المهاتما غاندي، فيطلق عليه مؤيدوه لقب “غاندي كمال”. ومن أهم إنجازاته: التحولات داخل حزب الشعب الجمهوري؛ إذ قدم فيه شخصيات دينية ونشطاء أكراد، ليثبت للمجتمع التركي أن هذا الحزب التاريخي، الذي تأسس في عام 1923، قد تغيّر وضمّ كل الأطياف المختلفة في البلاد، ومن ذلك مثلًا مخاطبة الناخبين حول قضايا حساسة للغاية مثل كونه كرديًا أو من أقلية علوية دون الاضطرار إلى إخفاء ذلك، وأنه صنع السلام مع الإسلاميين[2]، سواء بحضور إفطار رمضان، أو إظهار فتاة محجبة إلى جانبه في الملصق الأساسي لحملته الانتخابية، أو ضم ثلاثة أحزاب ذات جذور إسلامية إلى تحالف الأمة، وهي السعادة برئاسة تمل كارامولا أوغلو، والمستقبل برئاسة أحمد داود أوغلو، والتقدم والديمقراطية برئاسة علي باباجان.
رغم ذلك، لم تُظهر مفاوضات الوصول إلى ترشيح كاليشدار أوغلو في الانتخابات الأخيرة أنه يتمتع بكاريزما مُلهِمة؛ إذ اعترض على ترشّحه للرئاسة أعضاء بارزون داخل حزبه، مثل رئيسي بلديتي أنقرة منصور يافاش وإسطنبول أكرم إمام أوغلو. وتعثرت المفاوضات طوال سنتين مع حلفائه في الطاولة السداسية، واعترضت على ترشّحه زعيمة حزب الجيد ميرال أكشنار التي انسحبت ثمّ عادت. وفضلًا عن ذلك، كانت الموافقة على ترشّحه مثقلة بشروط لا تقبلها شخصية قيادية كاريزمية؛ مثل إلزامه بتعيين سبعة نواب له في حال فوزه بالرئاسة. وربما، جدلًا، يمكن تفهّم اشتراط الأحزاب الخمسة أن يُمثّل نائب رئيس كلًا منها، لكنّ عدم الثقة وعدم الاتفاق على شخصه كانا واضحين من اشتراط عضوي حزبه، يافاش وإمام أوغلو، أن يكونا نائبيه أيضًا.
إذًا، على مستوى القيادة، يبدو أن المعارضة لم توفّق في العثور على شخصية كاريزمية يمكن أن يلتف حولها الأتراك، أو تُنافس أردوغان. فلا مفاوضات ترشّح كاليشدار أوغلو أظهرت ميزات فردية، ولا محاولته استقطاب أصوات المحافظين، عبر انضمام ثلاثة أحزاب ذات جذور إسلامية لتحالفه وإظهار فتاة محجبة إلى جانبه، قد محت إرث حزبه الطويل في مجابهة المظاهر الإسلامية، وبخاصة فرض القيود على المحجبات والتنكيل بهنّ سياسيًا واجتماعيًا وقانونيًا[3]، ولا انحيازه إلى ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي الكردي قد أظهره قائدًا وحدويًا، حيث أدى ذلك إلى حشد قوميين أتراك مترددين خلف أردوغان ردًا على التحالف مع من يُنظر إليهم أن لهم صلات بحزب العمال الكردستاني المتهم بالإرهاب ومحاولة الانفصال. بهذا، لا يبدو أن كاليشدار أوغلو وحّد جميع أطياف المجتمع التركي المختلفة، بحسب شعاراته ووعوده، وإنما ظهر على الصعيد الشخصي غير موفّق في اختياراته، ولا موثوق من حلفائه وأعضاء حزبه كي يُترك ليحكم وحده بوصفه رئيسًا منتخبًا ومفوضًا من الشعب لو فاز.
ثالثًا: أم إنه سر المجتمع التركي؟
المجتمع التركي متنوعٌ ومُستقطَبٌ بطبيعته، وتتمحور الكتلة الرئيسة منه حول ثلاثة تيارات سائدة. وما بين هذه التيارات، وعلى هوامشها أيضًا، توجد كتلٌ أصغر؛ تكون أحيانًا مرجِّحة، لكنها لا تقوى بذاتها ومفردها وحجمها المحدود نسبيًا على تشكيل السياسة ولا قيادة حكومة.
على أرض الواقع، تُظهر نسب التمثيل شبه الثابتة للانتخابات، منذ عقدين على الأقل (2002-2023)، التيارات السائدة في المجتمع، وهي: التيار الإسلامي والمحافظ، والتيار العلماني الكمالي، والتيار الكردي اليساري. فحزب العدالة والتنمية الذي يمثل أغلبية التيار الأول بدأ في عام 2002 بالفوز بنسبة 34.4 في المئة، وانتهى في عام 2023 بنسبة قريبة هي 35.6 في المئة؛ بمعنى أن نسبة تمثيله لا تقل عن ذلك رغم أنه حصل أحيانًا على نسب أعلى وصلت إلى 49 في المئة. أما حزب الشعب الجمهوري، زعيم التيار العلماني الكمالي، فكان تمثيله بنسبة 19.4 و25.3 في المئة في الفترة نفسها. ولا يزال “اليسار الأخضر” ممثل حزب الشعوب الديمقراطي الحالي ووريث حزب السلام والديمقراطية الكردي يراوح بين 11 إلى 9 في المئة تقريبًا.
إذا جمعنا هذه النسب معًا، فسيكون معظمُ الشعب التركي (نحو 70 في المئة) متمسكًا بهذه التيارات الأساسية مهما كانت الظروف. وكلُ تيارٍ منها يمثل القاعدة الانتخابية الصلبة الموالية لأحد تلك الأحزاب الثلاثة؛ بمعنى أن إخفاقات حزب الشعب الجمهوري المتوالية لم تجعل جمهور قاعدته الانتخابية يبتعدون عنه، فهم بمنزلة أعضاء ولو لم يكن كثيرون منهم مسجلين رسميًا فيه؛ فالحزب يمثل واجهتهم السياسية واتجاههم الأيديولوجي، ولو أخفق مرات ومرات. وينطبق الأمر نفسه على حزب الشعوب الديمقراطي. ولا يشذّ عن ذلك حزب العدالة والتنمية؛ إذ لم تنفض قاعدته الانتخابية الأساسية من حوله، ولم تؤثر في ولائها الصعوبات الاقتصادية التي واجهتها البلاد مؤخرًا.
تؤكد هذه النتائج الممتدة على عقدين، والمتعلقة بانتخابات عديدة، أن الاستقطاب في المجتمع التركي قائمٌ بالفعل، وصار نمطًا مكرّسًا بعد مرور 100 عام على تأسيس كمال أتاتورك الجمهورية، ولكن مع تبدّل موقعي التيارين الكبيرين؛ أي إن الكمالية العلمانية تحولت من الحكم إلى المعارضة، وتحوّل الإسلاميون المحافظون من هامش الحياة السياسية إلى مركزها.
رغم ذلك، فالنسبة المتبقية من المجتمع، نحو 30 في المئة، هي الأكثر عرضةً للاستقطاب؛ إذ تتنافس التيارات الأساسية السائدة على هذه النسبة المهمة من أجل تعزيز حظوظها الانتخابية وقوتها. وتتكون هذه الشريحة من فئات كثيرة، لكن أكبرها ثلاثة أطراف نشهد تأثيرًا ملموسًا لها، وبخاصة في الانتخابات الأخيرة، وهي: 1. القوميون، 2. الأحزاب الصغيرة ذات الجذور الإسلامية المنفتحة على التحالف مع المعارضة، 3. الأكراد خارج التيار اليساري الأساسي.
1. القوميون الأتراك
يمثل القوميون شريحة واسعة في المجتمع التركي، ويشكلون التيار الرابع الذي يمثّل معدل ثقله الانتخابي المنظم نحو 20 في المئة تقريبًا؛ إذ يتركز توزيعهم على الحركات والأحزاب القومية الناشطة اليوم مثل حزب الحركة القومية، والحزب الجيد، وحزب ظفر، وحزب الاتحاد الكبير، وحزب وطن. لكن ليس كلُ القوميين منتمين بالضرورة إلى الأحزاب القومية، فهم يتوزعون أيضًا على أحزاب كبيرة مثل العدالة والتنمية، والشعب الجمهوري وغيرهما، لأن القومية لا تتعارض بالضرورة مع التوجهات الأيديولوجية للتيارات الأساسية في المجتمع التركي.
كان حزب الحركة القومية هو الوعاء الأكبر للقوميين الأتراك؛ إذ كان يعد تيارًا سياسيًا بارزًا، وحافظ على نسبة تمثيل راوحت بين 12 و16 في المئة، في الفترة 2007-2015. لكنه انقسم إلى نصفين تقريبًا بعد خطوات تقارب التيار الأساسي بزعامة دولت بهجلي مع أردوغان وحزب العدالة والتنمية تدريجيًا منذ عام 2015[4]. فبعد تأييد بهجلي للاستفتاء على الدستور في عام 2017، انشقت ميرال أكشنار وأسست الحزب الجيد، وسعت للتحالف مع حزب الشعب الجمهوري. بهذا انقسم القوميون بين ائتلاف الجمهور وتحالف الأمة في انتخابات 2018. وحافظ كلٌ من بهجلي وأكشنار على نسبة تمثيل الحركة القومية نفسها لكن مناصفة بينهما تقريبًا؛ ففي انتخابات عام 2023 مثلًا حصل حزب الحركة القومية على نحو 10 في المئة، بينما حصل حزب الجيد على نسبة قريبة وهي 9.7 في المئة. أما الأحزاب القومية الأخرى، مثل الاتحاد الكبير (1 في المئة)، وظفر (2.2 في المئة)، وغيرهما، فنسب تمثيلها ضئيلة.
ويمكن ملاحظة توزّع التيار القومي وانقسامه من خلال أحدث مثال، وهو الانقسام داخل حزب ظفر، حيث أعلن مرشح الحزب في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية 2023 سنان أوغان دعم الرئيس أردوغان في الجولة الثانية، بينما دعا رئيس الحزب نفسه أوميت أوزداغ للتصويت لصالح كاليشدار أوغلو. ومع أن التحليلات ركزت قبل الجولة الثانية على أن القوميين هم قطب الرحى أو “صانعو الملوك” في تحديد الفائز في الجولة الثانية، فإن هذا يؤكد على أنهم كتلة سياسية مساعدة وليست رئيسة؛ أي إنها قد ترجح كفة طرف كبير عند تقارب الأصوات.
صحيحٌ أن القوميين مؤثرون في الانتخابات وفي سياسات حزب العدالة والتنمية وحكوماته، لأن جزءًا كبيرًا منهم انضم إلى ائتلاف الجمهور، لكنّ ذلك لا يبرر تضخيم تأثيرهم أو تفسير السياسات بأنها خاضعة لأجندتهم. فأردوغان وحزبه لديهم أيضًا أجندة قومية تظهر بوضوح في السياسة الخارجية، وتجاه حزب العمال الكردستاني، وأحيانًا تجاه اللاجئين. ومع ذلك، لا يعد أردوغان قوميًا، بل يعرّف نفسه أكثر بأنه فرد من الأمة التي يجمعها الإسلام. ومن هنا، يختلف عن القوميين في أنه ينطلق من الشعور الإسلامي داخليًا أيضًا وليس القومي التركي فحسب.
وقد حضرت مسألة اللاجئين السوريين على نحو مبالغ فيه في سياق التنافس على أصوات القوميين في الانتخابات الأخيرة. وعلى العكس مما استنتجه كثيرون بأن القوميين هم الذين سيحددون السياسات في المستقبل بسبب حاجة الأحزاب الكبيرة إلى أصواتهم المرجّحة، فإنّ هامشية مسألة اللاجئين دلّت على أن القوميين الذين اتخذوا منها قضية مركزية مشتتون ويقعون على هامش التيارات الرئيسة. فمسألة اللاجئين هي قضية واحدة ضمن قضايا أخرى كثيرة. مع ذلك، حاول كاليشدار أوغلو استغلال هذه المسألة وحوّلها انتخابيًا إلى قضية مركزية للحصول على أصوات القوميين؛ فتعهد في حملته بإعادة 3.5 ملايين لاجئ سوري إلى بلادهم في غضون عامين[5]، وهو تعهدٌ يصعب تطبيقه بهذه الطريقة المتسرعة وغير الواقعية، والتي ستنطوي على العديد من انتهاكات حقوق الإنسان، فضلًا عن أنّ كثيرًا من اللاجئين أصبحوا جزءًا من دورة الاقتصاد التركي، وتحوّلوا إلى مستثمرين أو موظفين مهرة أو أيدي عاملة ضرورية.
2. تحالف الإسلاميين والعلمانيين
هل يقوّض ائتلافُ الإسلاميين والعلمانيين النمطَ المعتاد في المجتمع التركي “علماني مقابل إسلامي؟” في الواقع، أوضحت التحالفات الرئيسة في انتخابات 2023، وبخاصة “تحالف الأمة”، انفتاح العلمانيين على بعض الإسلاميين وإمكانية تبني بعض مطالبهم، مثل الحريات الدينية، ومنها التسامح مع مسألة الحجاب. والمثال الواضح على ذلك هو انضمام حزب السعادة (وريث حركة “الرؤية الوطنية” لنجم الدين أربكان)، وحزب المستقبل وحزب التقدم والديمقراطية إلى تحالف الأمة إلى جانب حزب الشعب الجمهوري رافع لواء العلمانية الكمالية. من جهة أخرى، ضمّ ائتلاف الجمهور إلى جانب حزب العدالة والتنمية قطاعًا واسعًا من القوميين العلمانيين.
رغم أن هذه الظاهرة تدل على الانفتاح في الحياة السياسية التركية، فإن الاختلافات الأيديولوجية الجوهرية بين التيارين الرئيسَين ليست في طريقها إلى الزوال في الواقع، فجوهر الاستقطاب السياسي كامنٌ في الاختلاف بين التيارين الأساسيين العلماني والإسلامي في المجتمع التركي؛ أي بين الحزبين الرئيسَين والممثلين لهذين التيارين، وهما العدالة والتنمية والشعب الجمهوري. أما تحالفا “الجمهور” و”الأمة” فهما يتمحوران حول هذين التيارين والحزبين الفاعلين. كما أن ما تبقى من قوميين وإسلاميين وأكراد، وهم قوى مساعدة، يحاول كلُ تيارٍ أساسي استقطاب أكبر عدد منهم. وفي المقابل، فإن هذه القوى المساعدة ليست خلوًا من المصالح والقضايا الخاصة بها، فهي تسعى إلى تحقيق مطالبها ومصالحها عبر المساومة والتسويات مع التيارات الأساسية السائدة للحصول على أكبر قدر من المكاسب. وهذه ظاهرة طبيعية في المجتمعات الديمقراطية، لا تعني الانقسام والتفكك بالضرورة بقدر ما تعني التنوع حتى فيما بين أطياف التيار الواحد، فلا يعقل مثلًا أن نجد جميع الإسلاميين والمحافظين متفقين على هدف أو سياسة أو شخصية واحدة، وكذلك الأمر فيما بين العلمانيين أو الأكراد.
3. الأكراد: يسار ومحافظون، معارضة وموالاة
ينتشر الأكراد في جميع المحافظات التركية، لكنهم يتركزون في إحدى عشرة محافظة في مناطق جنوب شرقي البلاد. ونظرًا إلى أنهم يشكلون الأكثرية الإثنية في هذه المناطق، فقد مثّلتهم أحزاب كردية في الحياة السياسية بصفة أساسية، مثل حزب السلام والديمقراطية الكردي حتى عام 2013، وورثه حزب الشعوب الديمقراطي الحالي، الذي دخل انتخابات عام 2023 باسم “اليسار الأخضر” وضمن قائمة الحرية والعمل، تحسبًا لاحتمال حظره في المرحلة المقبلة بسبب اتهامه بصلات مع حزب العمال الكردستاني. وفي هذه الانتخابات، نسّق هذا الحزب مع تحالف الأمة ضمنيًا لهزيمة ائتلاف الجمهور والرئيس أردوغان.
أثبتت الانتخابات الأخيرة أن المجتمع التركي مكونٌ فعلًا من ثلاثة تيارات أساسية سائدة؛ فالأكراد هم التيار المهيمن في جنوب شرقي البلاد، ويعبّر نمط تصويتهم في الانتخابات عن تأييدهم للحزب الذي يمثلهم إثنيًا. ففي الانتخابات البرلمانية صوتت الكتلة الأكبر منهم بنحو 48 في المئة لقائمة الحرية والعمل، فضلًا عن منحهم تحالف الأمة المعارض نحو 12 في المئة. وظهر هذا التحالف المعارض في الانتخابات الرئاسية موحدًا في دعم كاليشدار أوغلو بنسبة 70 في المئة.
لكن حزب العدالة والتنمية الذي يمثل التيار الأوسع من الإسلاميين والمحافظين استطاع أن ينافس في المناطق الكردية، حيث حصل تحالف الجمهور الذي يقوده على نحو 37 في المئة في الانتخابات البرلمانية لعام 2023، وهذه النسبة تكاد تكون شبه ثابتة، فقد حصل على النسبة نفسها في انتخابات عام 2018. ومع أن هذه النسبة لا تعبّر كلها بالضرورة عن تأييد حزب العدالة والتنمية أو الإسلاميين والمحافظين.
معدل التصويت في المناطق الكردية لائتلاف الجمهور والمعارضة في الانتخابات البرلمانية
المحافظة
ائتلاف الجمهور2018
ائتلاف الجمهور2023
المعارضة (تحالف الأمة، والعمل والحرية) 2023
تحالف الأمة2023
تحالف العمل والحرية 2023
بينغول
61.2
63.3
31.8
7.8
24
قارص
45.1
38.1
59.3
31.4
27.9
بتليس
48.9
44
53.2
13
40.2
إغدير
44.6
40.7
56.7
13.2
43.5
موش
36.1
41.4
56.1
5.5
50.6
سيرت
42.5
41.4
56
9.3
46.7
فان
34.8
35.2
61.6
8.7
52.9
ديار بكر
22.9
26.5
71.4
10.5
60.9
آغري
31.3
30.2
67.4
12.9
54.5
هكاري
23.8
25.9
69.6
7.2
62.4
شرناق
22.2
24.7
72.6
9.9
62.7
المعدل
37.58
37.4
59.60
11.76
47.84
المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى الأرقام الرسمية.
يعود الحضور القوي لحزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية إلى عدة أسباب، أهمها: أولًا، وجود نسبة كبيرة من الأكراد هم أيضًا محافظون، ومنهم تيار إسلامي واسع، وهناك الكثير منهم انضموا إلى حزب العدالة والتنمية، ومنهم بعض مؤسسي الحزب وقادته. لكن لا تظهر التقديرات مدى وجود الأعضاء الأكراد ونفوذهم داخل الحزب؛ لأن العضوية فيه تقوم على أساس المواطنة وليس الانتماء القومي. ومع ذلك، فمنهم من وصل إلى مراكز متقدمة جدًا في الحكومة؛ مثل بشير أتالاي، أحد مؤسسي الحزب الذي كان نائبًا لرئيس الوزراء سابقًا، وهاكان فيدان رئيس الاستخبارات العسكرية حاليًا. ثانيًا، هناك تأييد للحزب بسبب توسيعه المشاريع التنموية ورفع مستوى المعيشة وتطوير البنية التحتية منذ عام 2002؛ ما انعكس على تحسّن الأحوال المعيشية ورفع عدد الوظائف فيها. ثالثًا، تقارب حزب العدالة والتنمية مع أحزاب كردية محافظة مثل “حزب الدعوة الحرة” (هدى بار)، أو استقطاب حركات تطمح إلى أن تصبح حزبًا سياسيًا مثل حركة أزادي، أو كيانات لا تؤمن بالعمل السياسي مثل “مدرسة الزهراء”، لكنها قد تفيده في التأثير في المحافظين المتدينين. وقد برز في انتخابات 2023 دور حزب هدى بار تحديدًا، بسبب دعمه علنًا لائتلاف الجمهور، وهو حزب صغير تأسس عام 2012. ورغم حجمه الصغير، فإن أوساط حزب العدالة والتنمية ترى أنه يمكنه المساهمة في المنافسة من خلال خطابه الإسلامي واختلافه الجذري مع حزبي العمال الكردستاني والشعوب الديمقراطي، حيث يتخذ هدى بار موقفًا صارمًا إزاء محاولات هذين الحزبين اليساريين ادعاء تمثيل الأكراد، ويسعى لتجريدهما من ذلك.
رابعًا: سرّهما معًا!
هل ما سبق يعني أن المجتمع التركي تُلهمه شخصيات كاريزمية؛ ما يُفسّر تصدُّر أردوغان وانتصاراته المتوالية منذ عام 2002، أو أن انقسام المجتمع إلى ثلاثة تيارات أساسية سائدة هو الذي ساهم في فوزه بسبب تمثيل حزب العدالة والتنمية للتيار الأكبر، وهو الإسلامي والمحافظ، الذي شكل قاعدة انتخابية متماسكة لم تنخفض نسبتها مطلقًا عن 34.4 في المئة في العقدين الماضيين؟
لا تخلو السياسة من تأثير العامل الشخصي، الذي يُسمّى أحيانًا الكاريزما أو قوة الشخصية، فالقدرة البشرية والإرادة الفردية تعطي معنًى وتأثيرًا داخل الدولة وخارجها. ومع ذلك، من الخطأ افتراض أن القادة هم الذين يصنعون كل الفرق في السياسة[6]؛ إذ تظل المجتمعات التي يعملون فيها والبيئة الخارجية ذات تأثير أيضًا.
شخصية أردوغان كاريزمية، وهي استثنائية في السياسة التركية، حيث لم يحظَ أحدٌ بهذه المكانة في عهد الجمهورية إلا مؤسسها كمال أتاتورك. ويعود تماسك التيار الإسلامي والمحافظ وتمحوره حول أردوغان إلى سماته الشخصية التي أسلفنا الحديث عنها، ولأنه حقق إنجازات مشهودة لا تخطئها عين. ونظرًا إلى قوة شخصيته، زادت حدة الاستقطاب لدى معارضيه وشكلوا أكبر تحالف متنوع ومتناقض تشهده الجمهورية من أجل إنهاء مسيرته هو شخصيًا. فمن دون هذا الحشد، لا يمكن لأي تيار أساسي بمفرده، ولا لمجموعة من الأحزاب الأصغر، هزيمته. ورغم هذا التحالف الذي ضمّ أقصى اليمين وأقصى اليسار والعلمانيين والإسلاميين، فقد تمكن أردوغان من تجاوزه، رغم أن التحدي كان حرجًا.
ولم يكن لأردوغان أن يتخطى خصومه في انتخابات متعاقبة إلا بوجود تيار واسع قائم بذاته وكامن في نسيج المجتمع التركي وطبيعته. ويشكل هذا التيار الإسلامي والمحافظ قاعدة انتخابية صلبة تمثل نحو ثلث الناخبين عامة. ولا يعني وجود تيار “جاهز” مثل هذا أن تصويته يكون آليًا لأردوغان أو لحزبه، بل إن هذا التيار، وغيره من التيارات الكبيرة الأخرى، واعٍ على نحو كافٍ كي يختار ممثليه ويتعرف إلى من ينجزون المهمة. فهناك عدة شخصيات وأحزاب إسلامية أخرى كان يمكن أن تنافس أردوغان وحزبه على جمهوره المحافظ. لكن من الواضح أن دور أردوغان وحزبه كان حاسمًا أيضًا في حصولهما على ثقة هذه الشريحة واستمرار تأييدها. بناءً عليه، فوجود العنصرين (الشريحة المجتمعية والشخصية الفذة) ضروري، والتأثير متبادل.
في الجهة المقابلة، فإن ما افتقدته المعارضة طوال العقدين الماضيين هو شخصية فذة يمكن أن يتمحور حولها حزب الشعب الجمهوري، قائد التيار العلماني الكمالي الأساسي الذي يمثل عادة نحو 28 في المئة من مجتمع الناخبين. ورغم أن كاليشدار أوغلو استطاع استقطاب دعم ستة أحزاب أخرى إلى جانب حزبه، فإنه عانى عدة تحديات في أثناء المفاوضات والتسويات مع هذه الأحزاب وحتى داخل حزبه؛ ما أضعف موقفه. إذًا، على مستوى القيادة، يبدو أن المعارضة لم توفّق في الاتفاق مبكرًا على شخصية فذة كي تدعمها وتروج لها لتكون نموذجًا لرجل دولة يلتف حوله الأتراك. وبدلًا من ذلك، ظلت نحو سنتين تركز على التنافس فيما بين قادتها، في الوقت الذي يراقب الشعب الانتقادات المتبادلة فيما بينهم.
بناءً عليه، يكمن سر تواصل انتصارات أردوغان وحزب العدالة والتنمية في شخصية أردوغان نفسه وفي الإنجازات المعروفة لحكومات حزبه في العقدين الماضيين، وفي وجود تيار كبير في المجتمع التركي ظل داعمًا ومواليًا. كما يكمن النجاح في القدرة على استقطاب المخالفين أيديولوجيًا وسياسيًا وإثنيًا على أساس مدى إقناعهم بالكفاءة والنزاهة والإنجاز.
*عماد قدورة
مدير قسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط، وعلى الماجستير في الدراسات الاستراتيجية والدفاعية. تتركز اهتماماته البحثية حول الجيوبولتكس، والعلاقات الدولية، والدراسات التركية. نُشرت له كتب ودراسات عديدة
[1] تستند جميع الإحصاءات في هذه الورقة إلى الأرقام الرسمية المعتمدة، ينظر: https://shorturl.at/hlyH6
[2] Ece Goksedef, “Turkey’s Soft-Spoken Kemal Kilicdaroglu Takes on Powerful Erdogan,” BBC, 21/5/2023, accessed on 28/5/2023, at: https://shorturl.at/cdflw
[3] كان حزب الشعب الجمهوري متحمسًا لتطبيق حظر الحجاب في المؤسسات العامة والجامعات بموجب قرار مجلس الدولة في عام 1984، وقرار المحكمة الدستورية في عام 1997. في المقابل، كسب أردوغان تأييد الموظفات والجامعيات المحجبات حتى اليوم، وهنّ يمثلن قطاعًا كبيرًا في المجتمع، بسبب وعده بالنضال لإلغاء القرار، الذي تم فعلًا في عام 2013.
“Why Turkey Lifted its Ban on the Islamic Headscarf,” National Geographic, 12/10/2013, accessed on 28/5/2023, at: https://shorturl.at/rEM25
[4] كان أول تقارب قومي مع حزب العدالة والتنمية هو انضمام القيادي في حزب الحركة القومية طغرل توركش، ابن مؤسس الحركة ألب أرسلان توركش، إلى قائمة العدالة والتنمية في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.
[6] للمزيد حول التأثيرات الشخصية للقادة في السياسة، يُنظر:
Margaret G. Hermann et al., “Who Leads Matters: The Effects of Powerful Individuals,” International Studies Review, vol. 3, no. 2 (2001), pp. 83–131.
المصدر: موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
إسرائيل اليوم: المسيرات ستجعل من تل أبيب نسخة عن كييف
|
ينظر كيان الاحتلال بعين القلق الى التطور المهم لإيران ومحور المقاومة أجمع على مستوى الطائرات المسيّرة. ويراقب أيضًا ما تحققه المسيرات لروسيا في الحرب الأوكرانية. وفي هذا السياق يرى الكاتب ليئور اليفان في صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية أنّ تلك المسيرات “الرخيصة وسهلة الإطلاق”، قد تطلق من أي موقع لـ “حزب الله أو حماس إلى العمق الإسرائيلي، ولا يمكن التنبؤ بمسار سقوطها فتتجاوز القبة الحديدية”، متسائلًا هل من المقرر أن تصبح تل أبيب نسخة من كييف التي تعرضت للقصف؟”.
المقال المترجم:
بينما يركز العالم الغربي على السباق النووي، يطور الإيرانيون قدرات تتطلب مجموعة أقل قدرة من المهندسين والفيزيائيين، والتي يمكن أن تصبح لهذا السبب على وجه التحديد كاسرة للتوازن، حتى ضد دولة مستعدة وماهرة.
يمكن لمركبة صغيرة وذكية، تعمل بنظام تحديد المواقع العالمي GPS، وتحمل متفجرات أن تشق طريقها بسهولة من خلال أي نقاط أو مواقع الإطلاق لدى لحزب الله أو حماس إلى العمق الإسرائيلي.
مسار سقوطها، الذي لا يمكن التنبؤ به، يتجاوز تقنية القبة الحديدية، وهي رخيصة وسهلة الإطلاق، ويمكن شراء قطع غيارها من موقع أمازون دون المخاطرة بالشاحنات الإيرانية التي سيتعين عليها الهروب من العين الإسرائيلية. حتى سلاح الجو الأسطوري سيواجه صعوبة في التعامل مع مئات الطائرات بدون طيار المرسلة لإحداث الفوضى والدمار في المدن الإسرائيلية.
في حرب لبنان الثانية، حاول حزب الله إطلاق طائرة إيرانية بدون طيار باتجاه إسرائيل، تم اعتراضها، لكن هذه كانت بداية الطريق، وفي كانون الأول / يناير 2022 أسقطت قوات الجيش الإسرائيلي طائرة بدون طيار على الحدود اللبنانية، وعثرت فيها على صور تؤكد جمع معلومات منتظم من قبل حزب الله باستخدام الحوامات.
إسرائيل ليست الهدف الوحيد، في أيلول / سبتمبر 2019، نفذ الحوثيون في اليمن سلسلة من الهجمات بطائرات بدون طيار وصواريخ “كروز” على البنية التحتية النفطية في المملكة العربية السعودية، ومنذ الحرب في أوكرانيا والطائرات الإيرانية بدون طيار تخدم بوتين، وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2022 أطلقت لتنفيذ هجوم مدمر على كييف.
هل من المقرر أن تصبح تل أبيب والقدس نسخة محلية من كييف التي تعرضت للقصف؟ هل ستشمل الحرب القادمة أسراب لا يمكن السيطرة عليها من الأدوات او الوسائل التي تحلق بسرعة وبدقة نحو الأصول الاستراتيجية والمباني السكنية في “إسرائيل”؟ إلى جانب تطوير استجابة في مجالات التكنولوجيا والسايبر، هناك حاجة أيضًا إلى الرد على دافعية إيران لشن هجوم؟
عبرت الاتفاقية النووية لعام 2015، عن فكرة أن الدول تهتم برفاهيتها أكثر من بقائها، وأن تعاون القوى سيجعل إيران تركز على تطوير أي سلاح وتتخلى عن برنامجها النووي، وصرح الرئيس الأمريكي أوباما أن الاتفاقية “تقطع كل طرق إيران للوصول إلى القنبلة”، لكن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر الأسبوع الماضي أوضح أن إيران عملت بنشاط لتمهيد الطريق الى الوصول للقنبلة حتى في السنوات التي تلت الاتفاق مباشرة، من الواضح أن اعتبارات الجدوى التي تقوم بها إيران لا ترى في العقوبات الاقتصادية قيداً شديدًا للغاية.
إن تقوية العلاقات مع جيران إيران وحماية العلاقة مع بوتين هي مصلحة إسرائيلية حيوية، وأيضًا يمكن أن يكون إظهار “اليد الطويلة” فعالًا وقد لا تخشى إيران العقوبات لكنها على الأرجح لا تريد طهران أن تبدو مثل كييف.
المصدر: صحيفة إسرائيل اليوم ترجمة موقع الخنادق
عملية غير اعتيادية.. ساحة جديدة تُفتح مع الاحتلال؟
|
مروة ناصر
صورة نادرة جدًا وغير معتادة لرئيس أركان جيش الاحتلال (هرتسي هاليفي حاليًا)، والى جانبه قائد الفرقة 80 وقائد “العصابة الحمراء” (ايتسيك كوهين حاليًا)، وقوات من جيش الاحتلال عند الحدود المصرية. عملية غير متوقعة بالنسبة للاحتلال، في المكان والتوقيت وهوية المنفّذ، سينتظر هاليفي اسبوعًا طويلًا لمعرفة خلاصة التحقيقات، وتقديم “رواية واضحة” لجمهوره.
وجّه الجندي المصري محمد صلاح صفعة مهمة، وربما مختلفة هذه المرة لمستويات الاحتلال الأمنية والعسكرية في منطقة يدعي الجيش السيطرة عليها، بالتنسيق مع السلطات المصرية، عند الحدود المصرية – الفلسطينية. اذ نفّذ الشهيد “صلاح” عملية وصفتها صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية بـ “الفدائية”، وأدت الى مقتل 3 جنود للاحتلال برصاص من مسافة صفر، بعد أن اخترق السياج الفاصل عند معبر “العوجا” (نيتسانا).
الشعب المصري: “الله يقف مع فلسطين”
ثبّت الشهيد ابن الـ 23 عامًا الرأي الآخر للشعب والشباب للمصري، الذي لا ينسجم مع السلطة الموقِعة لاتفاقيات التطبيع منذ عام 1978، والذي لم يبدّل قضية عن فلسطين. فـ “صلاح”، نشر على صفحته الخاصة على منصة “فايسبوك”، عبارة “الله يقف مع فلسطين” كتعليق على تغريدة لمرشح سابق للرئاسة الأمريكية، مايك بينس، زعم فيها “أمريكا تقف مع إسرائيل”، وذلك في أيار / مايو 2021، أي في أجواء معركة “سيف القدس”.
في المقابل، حاولت السلطات المصرية تبرير العملية، بادعائها أنّ الجندي كان يلاحق عملية تهريب مخدرات. وفي هذا السياق، زعم المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل أنه ” على الملأ أعلن المصريون رواية كاذبة عما جرى على الحدود، في اللقاءات مع شخصيات أمنية إسرائيلية على ما يبدو اعترفوا بالمسؤولية، ومن المحتمل أن يكون هناك خيط بين العملية الصعبة على الحدود، وبين أحداث أخرى وقعت في السنوات الماضية”.
جملة الإخفاقات والانتقادات
هذا الحدث “الخطير وغير العادي”، كما وصفه أيضًا رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، حمل معه العديد من الإخفاقات لجيش الاحتلال وقواته البرية المنتشر في المنطقة الحدودية. فالشهيد “صلاح” قتل عند ساعات الفجر الأولى جنديين، ثمّ لم يكتشف الجيش ذلك الا عندما لم يستجب القتيلان للنداءات المتكررة في نقطة الحراسة، ولم يعثر على المنفّذ الا بعمليات تمشيط للمنطقة، وبعد أن اشتبك مرّة أخرى مع الجنود.
سلّط الإعلام العبري الضوء على الإخفاقات موجهًا انتقاداته لتعامل القوات المعنية مع العملية. فقد اعتبر المحلل العسكري في موقع “واللاه” العبري أمير بوخبوط، أنّ “مفهوم الدفاع للجيش انهار على الحدود المصرية”.
بدورها ذكرت صحيفة “هآرتس” أنّ “قوة اليمام الخاصة التي كانت تستعد للوصول لمكان الحدث عند الحدود مع مصر، انتظرت ساعتين حتى تنقلهم مروحية هناك، لكنها لم تصل لسبب غير معروف”. وذكرت “يديعوت احرنوت” أنّ “الجنود الذين قتلوا لم يطلقوا رصاصة واحدة على المنفذ”.
كذلك، كشفت التحقيقات الأولية للاحتلال، أنّ جنود الحراسة الذين تواجدوا في مكان تنفيذ العملية كانوا قد قضوا 12 ساعة متتالية من الحراسة ما عرّضهم للإرهاق، وبالتالي لم يكونوا قادرين على الاستجابة للحدث الطارئ. وفي هذا الإطار، طرح مسؤولون “إسرائيليون” أسئلة حول الضابط الذي أعطى أوامر الحراسة الطويلة تلك في تقرير نشره موقع “والاه العبري”. بالإضافة الى أسئلة حول الثغرة في السياج الفاصل، والتي لم يتم التبليغ عنها.
هنا، نقل المحلل العسكري “بوخبوط”، نقل “ضابط كبير” أنه “مع مرور الوقت سيتم الكشف عن التفاصيل المؤلمة، ولن أتفاجأ إذا طارت العديد من الرؤوس في القيادة الجنوبية”. وفي السياق نفسه، رأى المحلل في القناة 13 العبرية أولر هيلر أنّ المنظومة الأمنية والعسكرية تدرس سلسلة من الاقالات والطرد بسبب الإخفاقات الكبيرة في المنطقة الجنوبية.
تسلسل الأحداث
فسّر تسلسل الأحداث، أن الشهيد صلاح نفّذ عملية خطط لها مسبقًا وكان مستعدًا لها ولتداعياتها، أي مستعد للشهادة. اذ ذكر موقع “والاه” أنّه “خطط للهجوم بعناية، وأعدّ له ببندقية، وأربعة مخازن، وسكين قطع بها الأصفاد عند معبر السياج”، ومن ثم دخل الى الأراضي الفلسطينية المحتلّة وسار عدة كيلومترات. وتابع الموقع “واضح أنه يعرف البقعة الجغرافية جيدا، وعلم بالفتحة التي دخلها بوقت مبكر، ولذلك تمكن من اختراقها بسهولة”.
موقع “كود كود” العبري أيضًا، نشر بعض التفاصيل التي جاءت في التحقيق الأولي حول العملية، فقدّر أن الشهيد صلاح “مشى مسافة 5 كم من موقعه تسلق الجرف ووصل إلى السياج وكان على ظهره حقيبة بها معدات، قطع الأقفال التي تغلق المعبر الموجود في السياج، ودخل إسرائيل ثم اقترب من موقع الجنود، دون أن يتم التعرف عليه، وفتح النار”.
وأضاف “عرف الجندي المصري كيفية الوصول إلى هذه النقطة، ويبدو أنه خطط لمسار التسلل وعرف موقع الجنود الإسرائيليين على بعد حوالي 150 مترًا من ذلك المعبر في السياج. حدث إطلاق النار الأول بعد السادسة صباحًا. وكان آخر اتصال بالجنود بعد الساعة الرابعة فجرًا، وصل رئيس القسم لتغيير المناوبة قبل الساعة التاسعة واكتشف الصورة الصعبة”.
وتابع “تم التعرف على الجندي المصري على عمق حوالي كيلومتر ونصف في إسرائيل. من الحجارة الكبيرة أعد مكانًا للمأوى لنفسه. وفي المواجهة الأولى بعد الساعة 11:00 ظهرا إطلاق النار الذي نفذه وأصابه ضابط الارتباط من مسافة 200 متر، وفي المواجهة الثانية هاجمه لواء القطاع وقواته وقتلوه”.
أعادت عملية الشهيد الجندي محمد صلاح الي ذاكرة الاحتلال عمليتين سابقتين نفذهما أيضًا جنديان مصريان، الأولى، كانت عام 1985 حين قتل الضابط المصري سليمان خاطر 5 “إسرائيليين وأصاب 7 آخرين في عملية عرفت بـ “رأس برقة” نسبة للمكان الذي نفّذت فيه عند ساحل جنوب سيناء. والثانية عام 1990 حين قتل الجندي أيمن الحسن 21 “اسرائيليًا” وأصاب 20 آخرين، وعرفت بعملية “رأس النقب” نسبة لقرية رأس النقب جنوب سيناء.
خلقت عملية الشهيد محمد صلاح تساؤلات جدّية اليوم، بالنسبة للاحتلال، هل باتت الحدود المصرية “غير آمنة” للجيش، وجبهة جديدة من المواجهة؟ خاصة وأن الاحتلال رفع مستوى خطر السياحة في شمال سيناء الى 4،وهو الأكثر خطورة، وفي جنوبها الى 2، حسب صحيفة “اسرائيل هيوم” العبرية. فيما ترى الشعوب المقاوِمة في هذه العملية، التي كسبت زخمًا إعلاميًا وتفاعليًا كبيرًا، الأمل بأن تتحرّك المياه الراكدة في تلك المنطقة وأن تكون ملهمة لمزيد من العمليات. كما تتطلّع أن تنضمّ الى مسار تصاعد أعمال المقاومة على مختلف الساحات.
المصدر: موقع الخنادق
هآرتس: إسرائيل محتجزة كرهينة
|
يستمر الخلاف الداخلي في كيان الاحتلال ليصل الى مستويات تؤشر إلى امتداد الأزمة مع مرور الوقت. وتقول صحيفة هآرتس في هذا الصدد، ان “الرجل المسؤول الأول عن هذا الوضع هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي، منذ تشكيل حكومته، يقوض الاستقرار في كل مناحي الحياة”.
النص المترجم:
في منتصف شهر حزيران/ يونيو، من المقرر أن تختار الكنيست ممثليها في لجنة التعيينات القضائية، بعد تمديد الموعد النهائي المحدد في نظامها الداخلي. على مدى العقود القليلة الماضية، كان المعيار هو أن يختار الكنيست، في غضون فترة زمنية محددة بعد أداء اليمين الدستورية، ممثلاً واحداً من الائتلاف الحاكم وآخر من المعارضة، لتوفير تمثيل مناسب للهيئة التشريعية إلى جانب ممثلي مجلس الوزراء في اللجنة. هذه قاعدة أخرى جديرة بالاهتمام تم انتهاكها في السنوات الأخيرة.
ولكن منذ أن كشف وزير العدل ياريف ليفين النقاب عن اضطرابه القانوني المخطط له، أخذ هو وشركاؤه لجنة التعيينات القضائية رهينة. كجزء من الإصلاح الشامل، حاول ليفين تمرير قانون من شأنه أن يمنح الحكومة أغلبية مطلقة في اللجنة. وهذا من شأنه أن يجعل اللجنة تابعة تماما لها ويلغي مبدأ الفصل بين السلطات. ليس من قبيل المصادفة أن هذا هو مشروع القانون الأبعد في العملية التشريعية. أدرك ليفين ووكيله في الكنيست، رئيس لجنة الدستور سيمحا روثمان، أن تدمير لجنة التعيينات القضائية سيكون الضربة الأكثر إيلاما والأقوى التي يمكن أن يوجهوها للديمقراطية الإسرائيلية.
ويحاول ليفين، المسؤول عن عقد اللجنة بصفته وزيرا للعدل، عدم القيام بذلك بتكوينها التقليدي لتجنب الاعتراف بالهزيمة ومواصلة مؤامرته لإلغاء استقلال النظام القانوني. وفي غضون ذلك، لا يتم تعيين قضاة على جميع المستويات، وتزداد أعباء المحاكم، وتطول الإجراءات القانونية بسبب الروتين البيروقراطي المرهق. يعاني الإسرائيليون العاديون من تأخيرات غير ضرورية في العدالة، والبلد بأكمله ينزلق إلى الفوضى.
إن العقد العادل والشفاف والفعال بين المواطنين والدولة الذي يصف التزامات الحكومة هو أحد الركائز الأساسية للديمقراطية. حقيقة أن لجنة التعيينات القضائية لا تجتمع بسبب محاولة ليفين الانقلاب القانوني هي ضربة حقيقية للديمقراطية وسيادة القانون. ولكن على الرغم من دور ليفين في هذا، لا تخطئوا: الرجل المسؤول الأول عن هذا الوضع هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي، منذ تشكيل حكومته، يقوض الاستقرار في كل مناحي الحياة.
وإلى أن يتم التوصل إلى اتفاقات واسعة النطاق حول النظام القانوني، لا ينبغي أن تكون رهينة للحكومة. إذا رسخ ليفين نفسه في رفضه عقد اللجنة، يجب على نتنياهو التدخل وإقالته.
المصدر: صحيفة هآرتس العبرية ترجمة موقع الخنادق
مرشّح التقاطعات والمليارات المفقودة
|
د. زكريا حمودان
أعلن مجموعة من الأفرقاء السياسيين في البرلمان ــ وتحديدًا المسيحيون منهم ــ تقاطعهم على ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور.
التشديد على التقاطع
رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل هو أول من أعلن التقاطع مع باقي الكتل الداعمة للوزير السابق جهاد أزعور، وبحسب مسلسل المفاوضات كان غياب الثقة واضحًا بين القوى المتقاطعة فيما بينها.
خلال تسمية جهاد ازعور كان واضحًا ان الشرح ركيك للغاية، فكل من أعلن دعمه له قدم تبريرًا فيه من التنصل كما من الدعم، ما يجعل التسمية دون المستوى المطلوب. واذا أردنا الغوص في مواقف الداعمين نجد أنه من الملفت اعتراف أحد النواب الداعمين غياب المشروع الواضح لأزعور، حيث قال: من يريد شيئًا من أزعور فليتصل به!
دعم مرشح الـ١١ مليار دولار والفساد المالي
بحث الداعمون عن مرشح من عمق المنظومة المالية لرئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة والمسؤول عن مليارات صُرفَت في ظل وجود أزعور في وزارة المالية بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠٠٨. هل سأله أحدهم عن الـ١١ مليار دولار؟ وعن أدائه المالي في ظل حكومة السنيورة؟ أو حتى عن اتهامات متبادلة سابقة بين تيار “المستقبل” و”التيار الوطني الحر” عن تلك الحقبة التي كان أزعور رأس حربة فيها؟
ماذا عن الميثاقية؟
يعترف الجميع بأنَّ ما يحصل خارج عن التفاهم مع كتلتي حزب الله وحركة أمل ذات التمثيل الغالب للطائفة الشيعية بالاضافة الى حلفائهما من باقي الطوائف. هنا السؤال الجوهري للحريصين على الميثاقية: هل تبحثون عن انتخاب رئيس دون ميثاقية سابقة ولاحقة؟ وكيف ستتكلف الحكومات وتتشكل؟
في الخلاصة، لا شك أن التوافق المسيحي ضروري جدًا في عملية انتخاب رئيس للجمهورية، لكن على دعاة الميثاقية اليوم أن يعدّلوا حساباتهم لكي لا ننتهي بلا انتخاب ولا ميثاقية!
المصدر: موقع العهد
مسار إفلاس الدول: ربع دول العالم مهدد بالإفلاس (2 من 2)
|
محمد النوري – مكرم عمر المسعدي
يُمثل إفلاس الدولة إعلانًا عن فشل الحكومة في سداد أقساط الديون والفوائد عند استحقاقها. ولا يُشترط للإفلاس الجمع بين عدم سداد الديون المستحقة للدائنين والإعلان الرسمي من الحكومة بأنها لن تسدد الديون المُستحقة؛ إذ تتجه بعض الحكومات إلى عدم التصريح بهذه الحالة تلافيًا لردود الفعل الشعبية. ويمكن أن تبلغ أوضاع بعض الدول، على اختلاف قوتها، مرحلة الإفلاس بتوافر موجبات وفواعل مالية واقتصادية وسياسية دافعة للأزمة ومغذية للفشل. وقد شمل تاريخ الإفلاس خلال القرنين الماضيين ما يقرب من نصف دول القارة الأوروبية و40% من دول إفريقيا و30% من دول آسيا ومعظم دول أميركا الجنوبية.
عاشت بعض الدول عمليات إفلاس متتالية على غرار الإكوادور، التي أعلنت إفلاسها في عشر مناسبات، كما أعلنت كل من البرازيل والمكسيك وأوروغواي وتشيلي وكوستاريكا وإسبانيا وروسيا إفلاسها تسع مرات. أما ألمانيا فقد عرفت الإفلاس ثماني مرات، وبذلك احتلت الصدارة بين الدول الاقتصادية الكبرى التي أفلست، تليها الولايات المتحدة خمس مرات والصين والمملكة المتحدة أربع مرات. أما اليابان فقد أفلست مرتين، وفي العام 2001 أعلنت الأرجنتين أيضًا إفلاسها(1).
حالات إفلاس الدول خلال الفترة بين 1900 و2001
الدول المُفلسة
عدد حالات الإفلاس
1
الإكوادور
10 مرات
2
البرازيلالمكسيكأوروغوايتشيليكوستاريكاإسبانياروسيا
9 مرات
3
ألمانيا
8 مرات
4
بوليفيا
6 مرات
5
الولايات المتحدة الأميركية
5 مرات
6
الصين والمملكة المتحدة
4 مرات
7
اليابان
مرتين
8
الأرجنتين
مرة واحدة
المصدر: (The Business Standard)
وقد حذَّر رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 من أن أكثر من 50 من أفقر البلدان النامية معرض لخطر التخلف عن سداد ديونه ومهدد بالإفلاس الفعلي ما لم يقدم العالم الغني مساعدة عاجلة. وبيَّن أن 54 دولة، أي ما يقرب من 28% من دول العالم على قائمة المنظمة الأممية، تواجه ارتفاع احتمالية التخلف عن الوفاء بالتزاماتها المالية الداخلية والخارجية(2). وبما أن الإفلاس قد طرق أبواب معظم الدول في العالم على اختلاف أحجامها وقدراتها الاقتصادية وامتداداتها الجيوسياسية، يجدر التطرق إلى التجارب الحديثة في الإفلاس، واستعراض الدول المُهددة حاليًّا بالإفلاس في كل من أوروبا وأميركا الجنوبية وإفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأميركية.
1. أشهر حالات الإفلاس
تظل أشهر حالات الإفلاس في العقود القليلة الماضية التي كانت لها تأثيرات داخلية عميقة وانعكاسات خارجية كبيرة هي حالات المكسيك والأرجنتين وفنزويلا واليونان ولبنان. فيما يلي استعراض لتلك الحالات وقراءة في أسباب إفلاسها وآثاره:
اليونان
شهدت اليونان في العام 2010، أزمة خانقة بسبب الإفراط في الديون التي بلغت في مجملها 948 مليار يورو، وهو ما يشكِّل نسبة 400% من الناتج الإجمالي للبلاد؛ وهذه نسبة مرتفعة جدًّا، خاصة إذا ما اعتبرنا ما يصاحبها من التزامات وأعباء مالية أخرى تجعلها من أقسى الديون شروطًا وأعلاها فائدة لكونها كانت تتم تحت ظروف اقتصادية وسياسية ضاغطة. اتسمت هذه الأزمة بالإنفاق العالي على التسلح، إضافة إلى التسيب والفساد الإداري والبيروقراطية والمحسوبية السياسية وعجز الدولة عن تطبيق القانون لحسابات سياسية واجتماعية وخشيتها من سطوة النقابات. وبما أن أزمة الديون السيادية اليونانية شكلت أزمة مالية هيكلية هددت المنظومة الاقتصادية والمالية لمنطقة اليورو، فقد طُرحت مسألة خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي توقِّيًا لارتداداتها الإقليمية. في الوقت ذاته، اندفع الاتحاد الأوروبي إلى المسارعة بإنقاذ الموقف تجنبًا للانهيار التام، بالتوازي مع التزام الحكومة اليونانية بخطة تقشف لثلاث سنوات متتالية تهدف إلى خفض العجز في الميزانية إلى غاية عام 2015.
الأرجنتين
شهدت الأرجنتين أزمة غير مسبوقة بين عامي 1998 و2002 عُرفت بأزمة “كساد الأرجنتين العظيم”، أدت إلى تراجع النمو بنسبة 28% واتساع دائرة الفقر وارتفاع معدل البطالة الذي تجاوز 20%. فأعلنت الدولة إفلاسها عام 2001 بعد أن بلغت ديونها 145 مليار دولار وأصبحت عاجزة عن تسديدها. خلال تلك الأزمة وقع التفويت في 40% من الشركات المملوكة للدولة و90% من القطاع المصرفي مقابل إيرادات إجمالية بلغت نحو 49 مليار دولار. ولكن تلك المبالغ لم تنفق لمعالجة أسباب الأزمة أو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بل أُنفقت على خدمة الديون التي تعود في أغلبها إلى المستثمرين الأجانب(3). وقد تسببت الأزمة في اضطرابات سياسية واقتصادية عصفت بالبلاد وأدت إلى سقوط الحكومة وفرار الرئيس إلى الخارج. وكان لإفلاس الأرجنتين تداعيات إقليمية حيث تسببت تلك الأزمة في إفلاس دول أخرى مجاورة.
المكسيك
أعلنت المكسيك إفلاسها، عام 1994، إثر أكبر أزمة مالية مرت بها البلاد، إلى جانب عدد من بلدان أميركا اللاتينية؛ ما أثَّر على مجمل الاقتصاد الرأسمالي العالمي. تفجرت تلك الأزمة عقب إجراءات متسرعة أقدمت عليها الحكومة بضغط من صندوق النقد الدولي، من بينها تعويم مفاجئ وغير مخطط له للعملة الوطنية (البيزو) مقابل الدولار الأميركي؛ ما أدى إلى هروب مكثف لرؤوس الأموال وانهيار العديد من البنوك المحلية، فتفاقمت معدلات الفقر لتتجاوز 60%، ووصلت نسبة البطالة إلى 70%(4). وكانت المكسيك، قبل ذلك، قد تخلفت عن سداد قرض حكومي بقيمة 80 مليار دولار في العام 1982 وسط ارتفاع الدَّيْن العام بوتيرة سريعة بسبب برامج التوسع المالي الهائلة لإدارة الرئيس لويس إتشيفيريا. حدثت تلك الأزمة في أعقاب الصدمة النفطية في أواخر السبعينات وتدهور الأوضاع الاقتصادية، فانخفضت قيمة البيزو المكسيكي بنسبة 50%، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 11%، ما تسبب في تخلف المكسيك عن سداد ديونها للولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي.
فنزويلا
شهدت فنزويلا بدورها أزمة وُصفت بالاستثنائية من حيث الحجم والتأثيرات التي خلَّفتها على الصعيدين الداخلي والخارجي. وقد أفرزت معدلات تضخم خيالية وغير مسبوقة في التاريخ الاقتصادي للدول (10 ملايين بالمئة)، وذلك بسبب الاعتماد على اقتصاد ريعي، تحديدًا قطاع النفط، بنسبة 96%. وقد عُرفت تلك الفترة بإدارة سيئة لقطاع الطاقة والاقتصاد عمومًا. ومع الانهيار المفاجئ لأسعار النفط والإفراط في الاستدانة، أعلنت الدولة إفلاسها عام 2016.
لبنان
تعد لبنان الدولة العربية الأولى في قافلة الدول المفلسة أو المتخلفة عن السداد وذلك عقب أزمة اقتصادية طاحنة أدت إلى تراكم الديون التي بلغت نسبة 170% من الناتج الإجمالي الخام. بدأت الأزمة بانهيار القطاع البنكي، العصب الرئيسي للاقتصاد القائم على القطاع الخدماتي بالأساس، ومن ثم انهارت العملة الوطنية، ما انعكس سلبًا على التحويلات المالية للبنانيين المقيمين في الخارج وتفاقم ظاهرة الفقر في المجتمع بشكل غير مسبوق. وقد أدى هذا الوضع المتفجر إلى إعلان الحكومة، أولًا، عن الإفلاس عبر محافظ البنك المركزي(5)، ثم تداركت ذلك بالتراجع عن الإعلان والاستعاضة بعبارة “التخلف عن السداد”، من أجل تخفيف الوطأة وتجنب الهزة التي قد تقود إلى المزيد من الغليان الشعبي والانفجار الاجتماعي. ولكن الأحداث اللاحقة التي مرت بها البلاد أثبتت حقيقة الإفلاس ولم يجد الإنكار نفعًا. ولا يزال لبنان غير قادر على الخروج من عنق الزجاجة ولا تزال مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي بين أخذ وردٍّ لتحديد طريقة توزيع الخسائر بين الدائنين الدوليين والبنوك التجارية والمودعين والدولة ممثلة في المصرف المركزي. ولن تكون عملية الخروج من النفق دون كلفة سياسية نظرًا للشروط المجحفة التي تفرضها الجهات الدائنة عبر صندوق النقد الدولي وتدخله في الشؤون الداخلية بشكل يمس السيادة الوطنية للبلاد.
ويمكن تفسير أزمة الديون في لبنان بسببين تنظيميين وهيكليين، أولهما: السماح للبنوك التجارية اللبنانية بالمضاربة في العملات الصعبة المحولة من المغتربين في الخارج على صكوك الدين السيادية المقومة بالليرة اللبنانية بأسعار فائدة أعلى بكثير من تلك التي يمنحها مصرف لبنان المركزي، وثانيهما: الفساد المستشري في المؤسسات المالية والتنفيذية اللبنانية، خاصة تلك التي تتعلق بمشاريع التنمية لمرحلة ما بعد الحرب(6).
إلى جانب هذه الحالات المشهورة، شهدت عدة دول في مختلف مناطق العالم حالات تخلف عن السداد المفضي إلى الإفلاس، نستعرضها فيما يلي:
2. مسار إفلاس الدول في أوروبا
بالإضافة إلى الحالة اليونانية، تُعد أيسلندا وروسيا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا أبرز الدول الأوروبية التي أفلست أو يتهددها خطر الإفلاس. وتُعرف الدول الثلاث الأخيرة، إلى جانب اليونان وإيرلندا، بمجموعة دول “البيغس” (PIIGS)، وهو مصطلح يُستخدم من قبل محللي السندات الدوليين، للإشارة إلى الدول الأوروبية الأكثر مديونية والمرشحة للإفلاس.
أيسلندا
أفلست أيسلندا في العام 2008 بعدما بلغت ديونها 85 مليار دولار وجفَّت سوق الائتمان العالمية في أعقاب الانهيار الذي شهده القطاع المالي الأميركي. وقد نمت الفقاعة المصرفية إلى درجة أنه بحلول عام 2008، كان على النظام المصرفي ديون تعادل 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لأيسلندا. ومع انهيار أكبر ثلاثة بنوك فيما اعتُبر أكبر انهيار مصرفي منهجي في التاريخ، سقطت البلاد في ركود، وانكمش اقتصادها بنسبة 10% خلال العامين التاليين. ومن المثير للاهتمام، أن أيسلندا حققت انتعاشًا قويًّا بعد الأزمة، فاستقر معدل البطالة عند 4%. وبحلول العام 2014، أصبح اقتصادها أكبر بنسبة 1% مما كان عليه قبل عام 2008.
روسيا
تاريخيًّا، أعلنت روسيا إفلاسها 9 مرات، كان آخرها عام 1998 بدين قدره 17 مليار دولار، بعدما بدأت آثار الأزمة المالية الآسيوية وانخفاض الطلب على النفط في الضغط على الاقتصاد الروسي الذي تكبد ديونًا دولية هائلة وكان يعاني أصلًا من انخفاض الإنتاجية الوطنية. وأدت أزمة الروبل في السنة ذاتها إلى خسارة سوق الأسهم الروسية 75% من قيمتها، ووصل التضخم إلى 80% مع فرار المستثمرين من السوق. ولم تتمكن روسيا إلا من سداد أقل من 10 مليارات دولار من ديونها البالغة 17 مليار دولار لصندوق النقد الدولي، فانكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 5.3% ووصلت البطالة إلى 13%.
دول “البيغس” (PIIGS)
“البيغس” اختصار للبرتغال وإيطاليا وأيرلندا واليونان وإسبانيا، وهي الدول ذات الاقتصادات الأضعف في منطقة اليورو خلال أزمة الديون الأوروبية في العام 2012(7). في تلك الفترة، حظيت الدول الخمس باهتمام خاص من قبل الاتحاد الأوروبي بسبب ضعف الناتج الاقتصادي وغياب الاستقرار المالي، ما زاد الشكوك حول قدرة تلك الدول على سداد مستحقات حاملي السندات، وأثار مخاوف من تخلفها عن سداد ديونها. وباستثناء اليونان، التي استطاعت بعد بلوغها حافة الإفلاس التحكم في مديونيتها بفضل المساعدة الاستثنائية التي منحها إياها الاتحاد الأوروبي خشية انتشار العدوى إلى باقي دول الاتحاد، لا تزال أزمة الديون السيادية في باقي دول هذه المجموعة قائمة. فبالرغم من الانخفاض الملحوظ قياسًا بعام 2012، الذي سجل اندلاع أزمة الديون الأوروبية، لا تزال هذه الدول معرضة لتكرار نفس الأزمة بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية من جهة، وبسبب السياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي المتجهة منذ العام 2022 نحو ترفيع متواصل في سعر الفائدة. وقد أدت تلك السياسة إلى إفلاس ثلاثة بنوك مهمة في الولايات المتحدة، إلى جانب بنك كريدي سويس السويسري في العام 2023. ولا يزال معدل الدين الخارجي بالنسبة للناتج الإجمالي في هذه الدول مرتفعًا جدًّا؛ حيث يبلغ في إيطاليا 144% والبرتغال 113.9% وإسبانيا 113.2%. وهذه المستويات تؤشر على سوء إدارة المديونية في تلك الدول، وعلى بلوغها مرحلة متقدمة عادة ما تسبق مرحلة العجز عن السداد. وقد أشارت دراسة صادرة عن البنك الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2019، إلى أن ما يقرب من نصف الزيادات في معدلات الديون تنتهي بأزمات مالية. ويعود الأمر بدرجة كبيرة إلى سوء إدارة الديون التي ينتج عنها انهيار في أسعار السلع الأساسية والتباطؤ الاقتصادي الحاد، والتخلف عن السداد ومن ثم التورط في أزمة ديون جديدة(8)، أي الدخول في مسار الإفلاس والدوران في “حلقة الموت”.
3. مسار إفلاس الدول في إفريقيا
كينيا
طبقًا لوكالة موديز، تصنَّف كينيا ضمن البلدان الأكثر عرضة للخطر بسبب حجم الديون المستحقة بالنسبة لاحتياطياتها، وتفاقم التحديات المالية من حيث استقرار أعباء الديون. فكينيا تُنفق ما يقرب من 30% من إيراداتها المالية على مدفوعات الفائدة. وقد فقدت سنداتها التي تقدر بقيمة 2 مليار دولار مستحقة لعام 2024، أي ما يقرب من نصف قيمتها. ولا يمكن لهذه الدولة، في الوقت الراهن، الوصول إلى أسواق المال العالمية(9).
غانا
تمر غانا بأسوأ أزمة اقتصادية؛ حيث ارتفعت ديونها، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، إلى ما يقرب من 85%، وقد فقدت عملتها (السيدي الغاني) نحو 60% من قيمتها في العام 2023. ويتجاوز إنفاقها على مدفوعات فوائد الديون نصف عائدات الخزانة من الضرائب. كما يبلغ معدل التضخم 31%(10). وقد تخلفت في العام 2022 عن سداد غالبية ديونها الخارجية، ولا تزال بحاجة إلى مفاوضات تسوية مع حاملي السندات الدوليين من القطاع الخاص. وفي الوقت الراهن، تتفاوض الحكومة الغانية مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد وإعادة هيكلة ديونها الخارجية. ورغم توصلها لاتفاق أولي مع الصندوق على مستوى الخبراء في ديسمبر/كانون الأول الماضي للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار، إلا أن هذا الاتفاق يشهد تعثرًا؛ ما دفعها إلى التوجه شرقا إلى الصين للبحث عن حل بديل لتسوية ديونها.
مصر
بدورها، تشهد مصر أزمة اقتصادية ومالية عميقة لا يعكسها فقط حجم المديونية العامة التي تُعتبر الأضخم في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، فقد تضاعفت تلك المديونية ثماني مرات خلال العشرية الماضية (من 54 إلى 391 مليار دولار، منها 163 مليار دولار ديونًا خارجية). ويكشف العديد من المؤشرات عن أزمة مالية خانقة وعجز في الموازنة وركود اقتصادي، إلى جانب تضاؤل الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة وانهيار قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي. يضاف إلى ذلك نزوح الأموال الساخنة إلى الخارج وارتفاع أسعار النفط والحبوب، والآثار السلبية للحرب في أوكرانيا على القطاع السياحي.
تؤكد هذه المؤشرات جميعها أن الوضع الاقتصادي المصري بالغ التعقيد؛ ما جعل بعض التقارير الدولية يضع مصر في الترتيب الخامس عالميًّا في قائمة الدول المهددة بشكل جدي بالإفلاس. كما تشير التوقعات إلى أن مصر ستعجز عن سداد ديونها الخارجية خلال الفترة المقبلة بسبب كثرة القروض وفشل الدولة في توفير السيولة مقابل تراكم الدين العام نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. فقد بلغت تلك النسبة 93% عام 2022، وهي أعلى بكثير من الحدود الآمنة. في المقابل، تواصَلَ انهيار الجنيه المصري، فارتفعت الأسعار بمستويات غير مسبوقة وبلغ معدل التضخم 14.9%. وعلى الرغم من الإمدادات المتواصلة من صندوق النقد الدولي لإنقاذ الاقتصاد المصري، فإن مصر تحاول جاهدة الإفلات من فخ الإفلاس بكل الوسائل ومهما كانت التكاليف، بما في ذلك التمادي في عملية تدوير القروض، أي الاقتراض من جديد لتأمين سداد أقساط وفوائد القروض السابقة. وقد بلغت قيمة تلك القروض 28 مليار دولار؛ ما يضع مصر في المرتبة الثانية عالميًّا في حجم الاقتراض من الصندوق بعد الأرجنتين.
تونس
يمر الاقتصاد التونسي بمرحلة حرجة بسبب المصاعب والمشكلات المالية، خصوصًا بعد إعلان الوكالة الدولية للترقيم، موديز، تخفيض الترقيم السيادي للدولة للمرة العاشرة على التوالي. لكن هذه المرة تختلف عن المرات السابقة؛ حيث شمل التخفيض أيضًا المؤسسات المالية الرئيسية بما في ذلك البنك المركزي، إلى جانب أهم أربعة بنوك تجارية، إلى درجة متدنية جدًّا في السلم المعتمد لتصنيف الدول وهي (س أأ2) مع آفاق سلبية. وتبدو سبل الإنقاذ وتفادي الكارثة منعدمة بعدما تخلى صندوق النقد الدولي عن الطلب التونسي لتوقيع الاتفاق الذي كان من المفترض إبرامه، في ديسمبر/كانون الأول 2022. في المقابل، ثمة نوع من التعنت السياسي من أعلى هرم الدولة التونسية في القبول بشروط الصندوق من أجل المرور إلى التوقيع. وبالتالي، لا غرابة أن يكثر الحديث عن قرب الإعلان عن الإفلاس، ويذهب البعض إلى اتهام الحكومة بالتكتم على الوضع الحقيقي للاقتصاد خصوصًا بعد الزيارة المريبة لمدير الخزانة الفرنسية ورئيس نادي باريس المتخصص في إعادة جدولة ديون الدول المفلسة أو على وشك الإفلاس، وهي الزيارة الثانية لتونس في ظل تعتيم رسمي على دواعيها الحقيقية وتداعياتها المستقبلية.
تؤكد هذه المؤشرات أن تونس في طريقها للإفلاس، أو هي في وضع إفلاس غير معلن، وذلك للأسباب الموضوعية التالية:
– تخفيض الترقيم السيادي للبلاد من قبل كبرى وكالات التصنيف العالمية موديز إلى درجة (س أأ2) مع آفاق سلبية، بما يؤشر إلى إمكانية تنزيلها إلى أدنى من ذلك، أي التصنيف الخاص بالدول المفلسة حقيقةً أو حكمًا. ويعتبر هذا التخفيض بمنزلة تحذير للأطراف الدائنة لتونس وللأسواق المالية الدولية والمؤسسات المالية والمستثمرين عمومًا بأن البلاد مرشحة للتعثر في تسديد ديونها باعتبارها “ذات مخاطر عالية جدًّا”.
– ارتفاع الأسعار بشكل فاحش، وهو ما جعل معدل التضخم يتجاوز، لأول مرة، سقف 11% معدلًا عامًّا لكل أصناف المواد ويبلغ 39.8% للمواد الغذائية. وإلى ارتفاع الأسعار، بات التونسيون يعانون من ندرة أو اختفاء عدد متزايد من المواد الأساسية من الأسواق، في مقدمتها الزيت والسكر والأرز والدقيق والحليب، وكذلك المياه المعدنية والمشروبات الغازية والحلويات الصناعية والدواجن، فضلًا عن فقدان أغلب المواد التي تحظى بدعم الدولة. أما إجمالي الزيادات في سعر الوقود فقد بلغ حوالي 20% خلال العام 2013.
– اعتماد مفرط على الجباية وتوسع ملحوظ في النفقات. وقد بلغت نسبة الموارد الجبائية 87% من إجمالي ميزانية 2023، وهي نسبة عالية جدًّا وغير مسبوقة في تاريخ المالية العمومية بالبلاد. ويعود هذا الارتفاع إلى إقرار حزمة من الضرائب الجديدة على الأفراد والمؤسسات أهمها إحداث ضريبة على الثروة والترفيع في ضريبة القيمة المضافة من 13% إلى 19% لبعض المهن الحرة. بسبب ذلك، ارتفع معدل الضغط الجبائي إلى أكثر من 25%، وهو الأعلى عربيًّا وإفريقيًّا. في المقابل، تقلصت نفقات الدعم بنسبة 25% للمحروقات و30% للمواد الأساسية، كما تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة ليصل مستوى 96 يومًا فقط، مع غياب الرؤية الشاملة لمعالجة هذه الأزمات.
– ارتفاع نسبة المديونية بشقيها، الداخلي والخارجي، لتبلغ مستوى غير مسبوق قياسًا إلى الناتج الإجمالي (ما بين 90% و100% حسب مختلف التقديرات). وأصبحت ميزانية الدولة، التي تعاني من عجز يقترب من 10%، في حاجة ماسَّة إلى تعبئة موارد اقتراض بقيمة 24.5 مليار دينار منها 66.2% مرتبطة بالاقتراض الخارجي.
– تفاقم العجز التجاري بشكل قياسي بلغ 25.2 مليار دينار (8.18 مليارات دولار)، في العام 2023، مقابل 16.2 مليار دينار (5.22 مليارات دولار)، في العام 2021، بزيادة قدرها ثلاثة مليارات دولار، جرَّاء الارتفاع الحاد للواردات، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء.
4. مسار إفلاس الدول في آسيا
سريلانكا
أصبحت سريلانكا أحدث مثال على إفلاس الدول بعد فشلها في تسديد القروض الأجنبية. وقد اعترف رئيس الوزراء السريلانكي، رانيل ويكرمسينغ، بالإفلاس وأخبر البرلمان بأن الأزمة الاقتصادية ستستمر حتى نهاية العام 2024 على أقل تقدير. وكانت الحكومة قد أعلنت، في أبريل/نيسان 2023، تعليقًا مؤقتًا لسداد جميع الديون الخارجية البالغة 51 مليار دولار، كما أعلنت أنها تتفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن خطة إنقاذ محتملة.
وقد نجم الانهيار المالي الذي واجهته الحكومة جزئيًّا عن التأثير المباشر لأزمة “كورونا” وتراجع مداخيل السياحة، لكنه تفاقم بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي والتخفيضات الضريبية التي أدت إلى تآكل إيرادات الدولة. وكان من أسبابه أيضًا سداد الديون الضخمة للصين وبلوغ احتياطيات النقد الأجنبي أدنى مستوياتها منذ عقد. في غضون ذلك، ارتفع التضخم مدفوعًا بطباعة النقود لسداد القروض المحلية والسندات الأجنبية، فيما انخفضت الاحتياطيات الأجنبية الصالحة للاستخدام إلى أقل من 50 مليون دولار في بداية مايو/أيار الماضي. أما بخصوص خدمة الدين الخارجي، فعلى سريلانكا أن تدفع نحو 7 مليارات دولار متبقية من عام 2022، إلى جانب 25 مليار دولار مستحقة بين عامي 2024 و2026.
باكستان
تواجه باكستان أزمة مركبة تضعها في نظر المراقبين في قائمة الدول المهددة جديًّا بالإفلاس، على الرغم من إذعانها لشروط صندوق النقد الدولي للحصول على خط إقراضي جديد من جهة، واستمرارها في الاعتماد على الصين لتأمين ما تبقى من حاجياتها التمويلية من جهة أخرى. ومع ذلك، لم تسعف هذه القروض المزدوجة الاقتصاد الباكستاني الذي يعاني من اختلالات هيكلية عميقة. فقد ارتفعت الديون إلى مستوى غير مسبوق لتبلغ 270 مليار دولار، منها أكثر من 100 مليار دولار ديونًا خارجية و30 مليار دولار ديونًا صينية. وتمثل هذه الديون 74% من الناتج الإجمالي المحلي. ويعاني الاقتصاد الباكستاني من مصاعب أخرى، منها ارتفاع معدلات التضخم التي بلغت مستويات قياسية منذ 50 عامًا لتصل عام 2022 إلى 41%. إلى جانب ذلك، تضاءل احتياطي البلاد من العملات الأجنبية إلى نحو 3.7 مليارات دولار فقط، وهو مبلغ لا يكاد يكفي لسد حاجيات البلاد لبضعة أسابيع من أجل تأمين واردات الطاقة والحفاظ على سير العمل في مؤسسات الدولة(11).
ومع خفض قيمة العملة المحلية (الروبية) أمام العملات الأجنبية ورفع أسعار الوقود وتقليص دعم المواد الغذائية وفرض المزيد من الضرائب وزيادة أسعار الفائدة إلى 20%، تشتد الضغوط المعيشية ويتضاعف مستوى الفقر. وقد أدت هذه المصاعب إلى تخفيض الترقيم السيادي لباكستان إلى أدنى الدرجات (س أأ3)؛ وهو ما يضعها على حافة الإفلاس. وتقدِّر وكالة موديز احتياجات التمويل الخارجي لباكستان بـ11 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز بكثير حزمة الإنقاذ المقترحة من الصندوق (في حدود 1.1 مليار دولار) والقرض الصيني (700 مليون دولار)، وهذا الوضع يجعل الدائنين يستعدون لاحتمال تخلف الدولة عن السداد.
5. سيناريوهات ما بعد الإفلاس: مآلات ومعالجات
مهما كانت صحة التقديرات التي تشير إلى حالة الإفلاس الفعلية لمختلف الدول التي تم التركيز عليها في هذه الورقة، والتي تتباين في حدة الأوضاع وشدة المصاعب التي تمر بها، فإن القاسم المشترك الذي يربط بينها هو طبيعة المناخ المفضي إلى الإفلاس سواء وقع الإعلان عنه أو التكتم عليه لاعتبارات سياسية واجتماعية. وبالتالي، فإن معظم تلك البلدان تتوافر فيها علامات الإفلاس التي شهدها المسار العام الذي سلكته دول عديدة أعلنت سابقًا عن إفلاسها. من الناحية العملية، تبدأ مرحلة ما بعد الإعلان عن الإفلاس بتعليق السداد وإعلام الأطراف الدائنة بذلك ثم الشروع في عملية هيكلة الديون وجدولتها، إلى جانب الدخول في مفاوضات جديدة مع الصندوق النقد الدولي. وعمومًا، لا تخرج الصورة عن السيناريوهات الثلاثة التالية:
سيناريو التحكم
في هذا السيناريو تتمكن الدولة من التحكم في الوضع الجديد عبر تدخل طرف أو أكثر من الدول الصديقة لمساعدتها، على غرار المثال اليوناني، الذي تمكن من التغلب على ظروف الإفلاس بتدخل قوي من الاتحاد الأوروبي. وكان ذلك التدخل ضمن خطة إنقاذ عاجلة خوفًا من توسع دائرة الأزمة وانتقالها إلى بلدان أوروبية أخرى. ودامت تلك الخطة خمس سنوات، ما بين 2010 و2015. ويتطلب هذا السيناريو حكومة وطنية رشيدة تتخذ سياسات اقتصادية فعالة تعالج جذور الأزمة التي أدت إلى الإفلاس، وأن تكون حكومة توافقية بعيدة عن التجاذبات السياسية والنزاعات الحزبية. غير أن سيناريو التحكم في مرحلة ما بعد الإفلاس لا يكتمل بين يوم وليلة، بل يستغرق سنوات للخروج من هذه الأزمة؛ ما يجعل جيلًا بأكمله يعاني لعقود طويلة.
سيناريو الانفلات
يحصل سيناريو الانفلات حين تفشل الدولة في إدارة مرحلة الإفلاس، وغالبًا ما تتوسع دائرة الأزمة في حالة الانفلات، لتتخذ أبعادًا إقليمية ودولية. من أمثلة هذا السيناريو ما حصل في الأرجنتين التي أعلنت إفلاسها عام 2001 إثر أزمة سياسية واقتصادية عنيفة عصفت بالبلاد وأجبرت الرئيس على الفرار إلى الخارج. وأدت تداعيات إفلاس الأرجنتين إلى إفلاس دول أخرى مثل الإكوادور والبرازيل والمكسيك وأوروغواي وتشيلي. ولم تتمكن الأرجنتين من التغلب على الأزمة إلا بتدخل قوي من صندوق النقد الدولي بضخ حوالي 57 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد الأرجنتيني والحد من تأثيرات الأزمة.
سيناريو التعايش
في هذا السيناريو تتعايش الدولة مع حالة الإفلاس غير المعلن إلى حين، وتحاول إدارة الأزمة الاقتصادية بجملة من الإسعافات الاستثنائية في انتظار اتضاح الأمور والاتجاه نحو أحد الخيارين السابقين، إما التحكم في الأوضاع والتوصل إلى خطة إنقاذ عبر تدخل صندوق النقد الدولي أو مؤسسات مالية أخرى، أو عبر تمويلات ثنائية بطرق خاصة، أو التوجه نحو نادي باريس أو نادي لندن لإعادة جدولة الديون. وفي كل الأحوال لا يتم ذلك إلا بتوجيه من صندوق النقد الدولي وتعليماته، على غرار ما يحدث منذ نحو سنتين مع كل من لبنان وكوستاريكا.
في كل هذه السيناريوهات، تبرز الأهمية المحورية لصندوق النقد الدولي. فالمرور عبره والتفاهم معه على المعالجة المطلوبة أمر لا مفر منه من أجل إعادة هيكلة الديون بشكل يحفظ ضمان مصلحة الجهات الدائنة ويسهِّل تجاوز تداعيات الأزمة.
6. خلاصات
نخلص مما سبق إلى جملة من الدروس المستفادة من تجارب الدول التي وصلت إلى حالة الإفلاس، سواء أعلنت عنها أم تكتمت عليها. فالسبب الرئيس لما قبل الإفلاس هو المديونية، والنتيجة لما بعد الإفلاس هي كذلك المديونية، أي الوقوع في نفس الفخ من جديد وتكرار التجربة عدة مرات. فالمديونية عنوان لخارطة طريق واحدة ومتشابهة في كل الحالات، وبالتالي لا غرابة أن تشهد بعض الدول حالات إفلاس متكررة في التاريخ كما حدث في الإكوادور (10 مرات)، البرازيل (9 مرات)، تشيلي (9 مرات)، كوستاريكا (9 مرات)، إسبانيا (9 مرات)، بوليفيا (6 مرات)، الولايات المتحدة (5 مرات)، وغيرها(13). والواضح من هذا التكرار أن الدول المعنية لم تستوعب الدرس ولم تستخلص العبرة لتبحث عن حلول بديلة لمعالجة أزماتها الهيكلية بدلًا من العودة إلى الوصفات الجاهزة التي يقدمها الصندوق للجميع بغض النظر عن خصوصيات كل بلد وقدراته. فالكثير من تلك البلدان لا يحرص على الاعتماد على الذات وتنمية فرص الاقتدار وتثمين الإمكانات والثروات المحلية التي تستنزفها القوى الأجنبية في أغلب الحالات كما أن كثيرًا من الدول التي بلغت مرحلة الإفلاس فشلت في توسيع شراكاتها الإقليمية والدولية وتنويع مصادر تمويل اقتصاداتها، خلافًا لما قامت به دول صاعدة أخرى عاشت نفس الأزمة وعانت من نفس الصعوبات مثلما كانت الحال في كوريا الجنوبية وماليزيا وتركيا وغيرها.
أما من حيث المقدمات التي تسبق مرحلة الإفلاس، فتتمثل غالبًا في اجتماع ثلاث أزمات (مالية واقتصادية وسياسية) في نفس الوقت، بحيث تغذي كل منها الأخرى فينجم عن ذلك التفاعل أزمة مركبة. وما لم يحصل تفكيك تلك الأزمات والتوجه إلى معالجة كل منها على حدة، لاسيما الأزمة السياسية التي هي رأس الداء ومنبع الدواء، فإن الطريق إلى الإفلاس سيكون مفتوحًا على مصراعيه دون عراقيل.
أما بشأن العلاقة بين أولوية الداخل والخارج في عمليات الإصلاح، فيتبين من تجارب الدول التي أفلست أن أغلبها لم يتجه إلى تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الذاتية النابعة من الداخل، بل اضطر إلى الإذعان لتلك الإصلاحات تحت ضغوط خارجية مفروضة من صندوق النقد الدولي وغالبًا ما تأتي تلك الإصلاحات متأخرة وفي وقت غير مناسب ويتم تنزيلها كرهًا لا طوعًا بعد استفحال الأزمة وتعمقها.
وما يزيد من تعميق تلك الأزمات حالة الإنكار التي تعيشها بعض الدول التي تسير في مسار الإفلاس. فإنكار الواقع وعدم الاعتراف بحقيقة الوضع يجعل التعاطي مع حالة الإفلاس يأتي بنتائج عكسية فلا يقع الإعداد الجيد لتعزيز القدرة على التفاوض مع الدائنين وتحسين شروط إعادة هيكلة الديون والعمل على الحط من الفوائد الباهظة المصاحبة لها وتأجيل البعض. في المقابل، يهيمن الغموض وعدم اليقين على المناخات الداخلية، فيصعب التعامل مع الواقع الجديد والتحكم في مساراته في انتظار التوصل إلى المعالجة المناسبة بأقل كلفة ممكنة.
(6) إلياس بانتيكاس، تخلف لبنان عن سداد ديونه العامة: التجربة اليونانية تظهر أن السبب مهم بقدر أهمية العلاج، كلية القانون، جامعة حمد بن خليفة، 23 سبتمبر/أيلول 2021.
(7) Marcin Szczepanskim, European Parliamentary Research Service, A Decade On from the Crisis: Main Responses and Remaining Challenges, PE 642.253, October 2019.
(8) World Bank: Global Waves of Debt: Causes and Consequences, p. 19, December 2019.
(9) Reuters, Debt Crisis: Which Countries are at Risk of Defaulting? Global Economy, 15 July 2022.
(10) The World Bank: The World Bank Group Aims to Help Ghana towards Creating a Dynamic and Diversified Economy, Greener Job Opportunities, for a More Resilient and Inclusive Society.
مسار إفلاس الدول: الأسباب والتجليات والانعكاسات (1 من 2)
|
محمد النوري – مكرم محمد المسعدي
يكتسي البحث في مسار إفلاس الدول في الظرف الراهن أهمية بالغة نظرًا لتفاقم أزمة الديون السيادية في مناطق عديدة من العالم جرَّاء التداعيات المتراكمة للأزمة المالية الجاثمة على الاقتصاد العالمي والتي ضاعفت من مخاطرها الأزمة الوبائية الكونية والحرب الروسية-الأوكرانية. وقد أدى ذلك بوكالات الترقيم السيادي إلى تخفيض تصنيف عدد من الدول ذات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحرجة إلى أدنى درجات السلَّم الائتماني؛ الأمر الذي يضعها على أبواب الإفلاس المالي، سواء أعلنت عنه تلك الدول أو تكتمت عليه إلى حين، بهدف تخفيف تداعيات الإعلان واستتباعاته على أوضاعها الداخلية.
وتزداد الحاجة لتناول هذا الموضوع كونه يمثل أبرز التحديات التي تواجهها مختلف اقتصادات العالم، لاسيما النامي منها في المستقبل المنظور، وذلك من أجل استكشاف مخاطره السيادية من جهة، وللتعرف على السيناريوهات المحتملة لمصير الدول المقبلة على الإفلاس السيادي وتأثيراتها على العلاقات الدولية. يضاف إلى ذلك، أهمية الدور الذي تلعبه المؤسسات المالية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب الأسواق المالية ووكالات الترقيم السيادي في نحت مستقبل الدول المتعثرة عن سداد ديونها.
فماذا يعني إفلاس الدول تحديدًا؟ وما أبرز أسبابه ومقدماته وتجلياته؟ وما تداعياته على الدولة والمجتمع؟ وما المآلات التي يقود إليها، والتجارب المختلفة في معالجة استتباعاته؟ تحاول هذه الورقة الإجابة على هذه الأسئلة، وفي السياق ذاته، تقدم تحليلًا لواقع الدول المُهدَّدة بالإفلاس في العالم.
متى تُصبح الدولة مُفلسة؟
وفق تعريف معهد التمويل الدولي(1)، يعني إفلاس الدولة أو “الإفلاس السيادي” (Sovereign default) أن الدولة أصبحت غير قادرة على الوفاء بديونها ومستحقاتها الخارجية من أقساط وفوائد بشكل عام؛ وهو ما يعني ضمنيًّا عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها الداخلية من حيث تسديد نفقات التسيير من أجور ونفقات توريد لحاجياتها الأساسية، خاصة تلك المتعلقة بمستلزمات الأمن الغذائي والأمن الصحي. ويمكن أن يتم ذلك بإعلان رسمي من حكومة تلك الدولة، أو حتى من دون إعلان رسمي من خلال مجرد “التخلف عن السداد”. بعبارة أخرى، يعكس الإفلاس السيادي فشل حكومة دولة في سداد دينها بالكامل. وقد يرافق ذلك الفشل إعلان رسمي من قبل الحكومة بعدم السداد أو رفض السداد الجزئي لديونها، أو الوقف الفعلي للدفعات المستحقة(2). كما يعني الإفلاس، فضلًا عن التخلف عن السداد والعجز عن توفير مستلزمات تسيير الدولة وتمويل ما تستورده من السلع والمواد الأساسية، الفشل في الحصول على أموال من جهات خارجية لتأمين تلك المستحقات(3). ويعني الإفلاس أخيرًا، اضطرار الدولة المفلسة، في بعض الحالات، لنقل قوتها وقدرتها السيادية إلى جهات عالمية، لتتمكن تلك الجهات من التحكم في الاقتصاد، من أجل تحصيل الديون. وفي حال إعلان الإفلاس دون تمكين الدائنين من التحكم في الاقتصاد، أو عدم الإذعان لتطبيق الشروط اللازمة للتأكد من القدرة على جمع الأصول المالية الخاصة بالدولة، والكافية لسداد ثمن الديون، فإن ذلك يعني أن الدولة ستقع في خطر عدم القدرة على الاستدانة في المستقبل من أي جهة تمويلية نظرًا لتضامن الجهات الدائنة فيما بينها.
أولًا: مقدمات الإفلاس
تسبق حالة الإفلاس الفعلي للدولة مظاهر عامة، وإن كانت تختلف من دولة إلى أخرى. ويمكن إجمال السمات الأساسية لتلك المقدمات فيما يلي:
استفحال الأزمة المالية، التي غالبًا ما تجتمع مع أزمة سياسية واجتماعية تعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي وتفاقم الاحتقان الاجتماعي وضبابية الرؤية للمستقبل.
ضعف الحكومة القائمة على تسيير شؤون الدولة وحصول تغييرات متكررة فيها بما يؤشر على عجز ملحوظ في إدارة المالية العامة وتأمين مستلزماتها.
العجز عن توفير الخدمات والمرافق العامة بانتظام كانقطاع الكهرباء والماء وإمدادات الطاقة وشح في المحروقات وغيرها مما يولِّد حالة من الهلع الاجتماعي خوفًا من فقدان تلك الخدمات.
فقدان، أو اختفاء عدد من المواد الأساسية من أغذية وأدوية، وتفشي الاحتكار فيها، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ولجوء الناس إلى الشراء غير المنظم والاستهلاك غير الرشيد.
تضاؤل احتياطيات النقد الأجنبي وارتفاع أسعار الصرف وشيوع عمليات سحب الودائع من البنوك، وبالتالي تقلص السيولة.
لجوء الحكومة إلى طباعة النقود لتغطية العجز بطرق ملتوية مثل إصدار السندات قصيرة الأجل من قبل البنك المركزي وتسييلها لدى البنوك التجارية، ما يستنزف رصيد السيولة البنكية ويؤدي إلى تراجع الاستثمار لغياب التمويل، ويسهم في تغذية معدلات التضخم التي تشهد ارتفاعًا غير مسبوق.
ثانيًا: أسباب الإفلاس
تتعدد العوامل الاقتصادية التي يمكن أن تؤدي إلى انهيار اقتصاد أي دولة، ولكن السياسة النقدية الضعيفة تبقى أهم هذه العوامل المُحدِّدة لمسارات تأزم وضعها المالي. وبشكل عام، هناك أسباب داخلية للإفلاس وأسباب خارجية:
الأسباب الداخلية
عادة ما تكون العلل التي تصيب الاقتصادات الوطنية ناتجة عن عوامل داخلية مباشرة وغير مباشرة، وتتمثل الأسباب الداخلية في:
تفاقم المديونية والاعتماد الكبير على الاقتراض، ولاسيما الاقتراض الأجنبي حيث يتم يتجاوز السقف المتعارف عليه دوليًّا، أي 60%(5). فمستويات الدَّين المُرتفعة، رغم أنها ليست دائمًا سمة من سمات الاقتصادات الهشة، يُمكن أن تُسهم في تدني التصنيف الائتماني للبلدان. فقد كانت ديون أربعة بلدان من مجموعة السبع تساوي أكثر من 75% من الناتج المحلي الإجمالي، أما في جامايكا واليونان، فقد تجاوز الدَّين 100% من الناتج المحلي الإجمالي.
تعطيل تدابير التقشف والتوسع في الإنفاق والترفيع في الميزانية العامة دون مراعاة القدرة على سد الفجوة المالية المترتبة عن تلك السياسة التي يمكن أن تؤدي إلى المزيد من الاعتماد على الجباية لتغطية العجز بما يسهم في ارتفاع معدل الضغط الجبائي وإرهاق الافراد والمؤسسات.
تضخم كتلة الأجور قياسًا بالناتج الإجمالي بشكل يثقل كاهل الدولة ويعرضها لابتزاز النقابات العمالية والمطالب الاجتماعية المشطة.
اعتماد سياسة نقدية غير حصيفة تعتمد آليًّا على الترفيع في أسعار الفائدة؛ ما يسهم غالبًا في تغذية التضخم وإعاقة الاستثمار وتفشي الفقر والبطالة.
الاستمرار في الاقتراض للاستهلاك بدل الاستثمار والإفراط في اللجوء للتمويل الداخلي بما يؤدي إلى شح السيولة ويدفع الحكومة إلى السحب من احتياطيات الدولة من العملة الأجنبية لسداد الديون.
استفحال المُعضلات الهيكلية التي تنخر النظام الاقتصادي لمدة طويلة وتحول دون تطوره ونهضته من مديونية وعجز في الميزانية وعجز في الميزان التجاري.
ضعف قدرة الدولة على التحكم في مواردها وثرواتها وفشلها في إدارتها بطريقة رشيدة تحول دون التدخل الأجنبي للسيطرة عليها وتوظيفها لغير صالح الدولة المالك الحقيقي لتلك الثروات(6).
تخلُّف الإصلاحات الاقتصادية الضرورية مثل تصحيح الاختلالات وترشيد النفقات وحوكمة المنشآت العامة وإصلاح منظومتي الدعم والجباية في اتجاه تقليص معدلات الضغط الجبائي ومحاربة الفساد.
تخلف الإنتاج وتراجع الإنتاجية بسبب تعطل محركات النمو الأساسية على غرار الاستهلاك والاستثمار والتصدير، وبالتالي تقلص الموارد الذاتية وخصوصًا من العملات الأجنبية(7).
الصراعات السياسية وعدم الاستقرار الحكومي؛ إذ غالبًا ما تؤدي الصراعات السياسية الداخلية إلى إضعاف الاقتصاد وخلق حالة من عدم اليقين وزيادة المخاطر. كما أن التغييرات الحكومية المستمرة أو المفاجئة على صعيد النظام السياسي قد تدفع الحكومات الجديدة إلى التشكيك في شرعية الديون السابقة وربما التوقف عن سدادها.
الأسباب الخارجية
اقتراض الأموال من سوق السندات الدولية، وتكون هذه العملية أكثر تكلفة بكثير بالنسبة إلى البلدان ذات التصنيف الائتماني الضعيف. فالمستثمرون يحتاجون إلى عوائد أكبر على ما يرون أنه استثمارات أكثر خطورة، وبالتالي يفرضون معدلات فائدة أعلى نتيجة لذلك. على سبيل المثال، يبلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لمدة 10 سنوات 2.16٪ فقط. على النقيض من ذلك، فإن السندات المماثلة التي أصدرتها جامايكا مؤخرًا تدفع 6.44٪ سنويًّا. وقد وصلت عائدات السندات الحكومية اليونانية لمدة 10 سنوات إلى 29٪ في أوائل عام 2012، قبل أن تتخلف اليونان عن سداد ديونها مباشرة(4).
ضعف الاستثمار الأجنبي الذي يُعد أمرًا حيويًّا لأغلب البلدان، لاسيما النامية منها. ولتعزيز اهتمام المستثمرين، تستخدم البلدان الساعية لجلب الاستثمارات الأجنبية إستراتيجيات متعددة. وفي كثير من الأحيان، تصدر تلك البلدان سندات بعملات أخرى أكثر أمانًا لتكون أكثر قدرة على المنافسة في أسواق السندات الدولية، وقد أصدرت دول مثل الأرجنتين وجامايكا وبليز وأوكرانيا سندات بعملات دول أخرى. فعادة ما تكون معدلات التضخم للعملات المشتركة مثل الدولار والين واليورو أقل بكثير وأكثر استقرارًا من عملات البلدان المصدرة للسندات؛ وهذا يعني أن المستثمرين لا يحتاجون إلى القلق بشأن خسارة استثماراتهم لقيمتها.
تراجع الترقيم السيادي للدولة، فالتصنيف الدوري الذي تجريه وكالات التصنيف العالمية له أهمية كبرى. وإذا تراجعت دولة إلى أدنى درجات السلم مثل الأخيرة أو ما قبلها فإن ذلك يحول دون الوصول إلى مصادر التمويل الدولية.
منهج الإقراض غير الحكيم وغير المنتج، فإذا اتجه الإقراض للمشروعات غير المنتجة مثل المشروعات الخدمية غير ذات العائد وأفرطت الدولة في هذه السياسة فإن من شأن أن ذلك يسرِّع الوقوع في التعثر والتخلف عن السداد على غرار ما حدث في معظم دول أميركا الجنوبية التي وقعت في الإفلاس السيادي والبعض منها عدة مرات.
تأثير الظروف الاقتصادية العالمية، فالركود العالمي وما يصحبه من تراجع في النمو ينعكس بالضرورة سلبًا على اقتصادات البلدان المتعثرة ماليًّا. فعلى صعيد الصادرات ينخفض التصدير نحو الأسواق الخارجية، وعلى صعيد الواردات تضطرب سلاسل التوريد وترتفع نسب التضخم.
تداعيات الحروب بين الدول المُصدِّرة للمواد الأساسية، على غرار ما حدث في الحرب الروسية-الأوكرانية؛ حيث تفاقمت أزمة الاحتياجات من السلع الزراعية وفي مقدمتها الحبوب. وقد تجلت تلك التداعيات بوضوح على اقتصادات البلدان المستوردة لتلك السلع، وهي في أغلبها بلدان نامية مهددة بالإفلاس أو تعاني من أزمات مالية مثل مصر وباكستان وتونس وإثيوبيا والسلفادور وغانا والسودان وسوريا والأردن.
ثالثًا: “حلقة الموت” أو طريق الإفلاس
تصف حلقة “الموت” أو “حلقة العذاب” أو “الدوم لوب” (Doom Loop) الوضعية التي يؤدي فيها أحد الإجراءات أو العوامل السلبية إلى تشغيل عامل سلبي آخر، والذي بدوره يؤدي إلى تشغيل عامل سلبي آخر أو يتسبب في تفاقم العامل السلبي الأول. وتتواصل الدورة السلبية باستمرار في حلقة مُفرغة يصبح فيها الاتجاه التنازلي معززًا ذاتيًّا(8). تنطبق وضعية “حلقة الموت” بدقة على أزمة الديون اليونانية في عام 2009، حيث كشفت الحكومة اليونانية الجديدة أن الحكومات السابقة قد أخطأت في الإبلاغ عن المعلومات المالية الوطنية. وفي عام 2010، كشفت الحكومة عن عجز في الميزانية بمستويات صادمة، كانت أسوأ بكثير مما كان متوقعًا؛ فقد تجاوزت نسبة العجز في تقديرات أولية 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ثم وقع تعديلها لاحقًا لتصل إلى 15.4%. وبالتالي ارتفعت تكاليف الاقتراض في اليونان وخفضت وكالات التصنيف الائتماني الديون الحكومية للبلاد إلى مرتبة عالية المخاطر(9).
وقد أدى الكشف عن عجز أعلى من المتوقع إلى انحسار ثقة المستثمرين وانتشار الخوف بشأن مستويات الديون المرتفعة في بلدان منطقة اليورو الأخرى. وتباينت ردود فعل الجهات المالية المختصة حول خطط الاستجابة المالية العاجلة والآجلة. ومع انتشار المخاوف بشأن الديون السيادية في منطقة اليورو أصبح المقرضون يطالبون بمعدلات فائدة أعلى على الديون السيادية لأية دولة في الاتحاد الأوروبي، خاصة منها ذات الأسس الاقتصادية الضعيفة؛ ما زاد من صعوبة توفير الموارد اللازمة لتمويل عجز ميزانياتها. وقد حدا هذا الوضع ببعض الدول إلى الزيادة في الضرائب وخفض الإنفاق؛ ما أدى إلى تباطؤ اقتصاداتها المحلية.
تبعًا لذلك، شهد العديد من البلدان، بما في ذلك اليونان وأيرلندا والبرتغال، تخفيضًا في تصنيف ديونها السيادية من قبل وكالات التصنيف الائتماني الدولية؛ ما أدى إلى تضاعف مخاوف المستثمرين الذين سارعوا إلى بيع سنداتهم التي تمتلكها البنوك المحلية (10). ومع انخفاض قيم السندات، أصبحت البنوك المحلية تعاني من خسائر فادحة، وعانت الموارد المالية الحكومية من الضغط المتزايد بسبب التهديد بخطة إنقاذ البنوك المحتملة؛ ما جعل ديونها أكثر خطورة وخلق المزيد من الخسائر لتلك البنوك(11). ومن أجل كسر “حلقة الموت” التي انتشرت بالفعل وخلقت أزمة الديون السيادية الأوروبية، في أواخر عام 2010، صوَّت البرلمان الأوروبي لإنشاء “النظام الأوروبي للرقابة المالية” الذي أوكلت له مهمة الإشراف المالي المتسق والمناسب في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي(12). وفي السياق ذاته، تلقت اليونان العديد من عمليات الإنقاذ من كل من البنك المركزي الأوروبي (ECB) وصندوق النقد الدولي (IMF) خلال السنوات التالية مقابل إجراءات التقشف التي خفضت الإنفاق العام ورفعت الضرائب.
من خلال ما تقدم، يتبين أن كسر “حلقة الموت” يكون عادةً من خلال التدخل الخارجي لتوفير التمويل لوقف الدورة، مصحوبًا بإجراءات أخرى لاستعادة الصحة المالية الوطنية.
رابعًا: تجليات الإفلاس
يتجلى الإفلاس السيادي للدول، سواء باعتباره مسارًا له مقدماته وأسبابه وعوامله التي تقود إلى الإعلان عنه من خلال التخلف عن السداد أو رفضه بشكل مطلق، أو باعتباره حالة زمنية محددة تفصح فيه الدولة المفلسة عن ذلك، في جملة من المظاهر والعلامات التي ترتبط من حيث المضمون بالمقدمات والأسباب، بل هي نتيجة لها. ويمكن حصر تلك التجليات في النقاط التالية:
عجز الدولة عن تغطية احتياجاتها التمويلية من نفقات تشغيل وخدمة الدين لمدة محدودة تقدر عمومًا بستة أشهر لدفع رواتب موظفيها وتشغيل مصانعها وغير ذلك من الخدمات العامة.
تكرر حالة التعثر عن سداد الديون، وهو ما يعبَّر عنه اقتصاديًّا بـ”كرة ثلج الديون”، أي إنه كلما زاد التعثر والتخلف عن السداد زادت خدمة الدين وارتفعت نسبة الفائدة على الديون التي ستحصل عليها. ومن شأن ذلك الزيادة في حجم المديونية، وهكذا إلى أن تصل الدولة إلى مرحلة لا تستطيع فيها سداد تلك الفوائد.
غياب مصادر التمويل الخارجية، وفي حال وجودها يكون الإقراض بشروط مجحفة للغاية بسبب تدني الترقيم السيادي الناتج عن تخفيضات متتالية. في هذه الحال، لا تحظى الدولة بأية جدارة ائتمانية في الأسواق المالية.
ارتفاع حاد في أسعار المواد الأساسية، وتحديدًا الغذائية، وتراكم الضغوط الاقتصادية الأخرى الناجمة عن التضخم بصورة لا تتناسب مع القدرة الشرائية لفئات واسعة من الناس.
اللجوء المتكرر إلى الترفيع في الأداءات الجبائية وتوسيعها بشكل يؤدي إلى ارتفاع معدل الضغط الجبائي بشكل يرهق كاهل المطالبين بالأداء.
اضطرار الدولة إلى إعلان حالة التقشف ليس بغرض التنمية ولكن من أجل سداد الديون الخارجية.
ارتفاع نسق الاحتقان السياسي والاجتماعي بما يهدد حالة الاستقرار ويدفع البلاد نحو أزمة اقتصادية حادة، مدفوعة بجملة من العوامل الداخلية والخارجية، تعبِّر عنها المؤشرات الاقتصادية السلبية.
باختصار، يحدث إفلاس الدول عندما تجتمع عدة أزمات مع بعضها البعض، وهي: عجز الدولة عن سداد أقساط قروضها لعدم توافر الأموال، وعجزها عن سداد قيمة وارداتها من السلع والخدمات، والعجز عن دفع رواتب الموظفين، والعجز عن السيطرة على العملة المحلية وفقدان الاحتياطيات الأجنبية الضرورية.
خامسًا: تداعيات الإفلاس
لا شك أن التكتم على الإفلاس وتأجيل إعلانه يمكِّن الدولة من تقسيط تأثير التداعيات الداخلية على الأفراد والمؤسسات، ولكنه لا يقدم حلًّا للأزمة ولا يحول دون التداعيات الخارجية على صعيد الأسواق الدولية ووكالات التصنيف الائتماني والمستثمرين. فمن التداعيات الداخلية السريعة لحالة الإفلاس حدوث رجَّة قوية في النظام الاقتصادي من شأنها أن تدفع إلى حركة واسعة لسحب الأموال من البنوك تحوطًا من قبل المودعين من انهيار النظام البنكي، وهو ما حدث، على سبيل المثال، في حالتي اليونان ولبنان وقبل ذلك الأرجنتين. يلي ذلك تدهور سريع لسعر صرف العملة المحلية مع ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار. في هذه الحال، يلجأ أصحاب الأموال المسحوبة إلى ملاذات خارجية أكثر أمانًا. ومن أجل وقف تدهور قيمة العملة والحد من سحوبات الأموال، تلجأ الحكومة المتعثرة في سداد ديونها إلى إغلاق بعض البنوك وفرض قيود على حركة رؤوس الأموال. ومن التداعيات الداخلية كذلك، عجز الدولة عن دفع أجور الموظفين وسداد تكاليف شحن السلع المستوردة من الخارج؛ الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على المواطن وعلى قدرته الشرائية.
أما على الصعيد الخارجي فتنعكس الرجة الاقتصادية على مستوى الأسواق المالية الدولية التي تلجأ بالضرورة إلى فرض إجراءات سريعة للتخلص من سندات الدولة المفلسة التي تشهد انهيارًا في قيمتها. يعقب ذلك مفاوضات بين الدولة المفلسة والجهات الدائنة بغرض التوصل إلى إعادة جدولة لديونها بشروط عادة ما تكون مكلفة. فالدولة المفلسة تبحث عن سبل لإنقاذ اقتصادها بأي ثمن كان. ومن التداعيات الخارجية أيضًا، ونتيجة للتعثر في سداد الديون، تصدر وكالات التصنيف الائتماني تحذيرات بشأن الاستثمار في الدولة المفلسة، ما يزيد من صعوبة الاقتراض من جديد.
عندما تفلس دولة وتتخلف عن سداد قروضها، قد تحاول البنوك المركزية جذب مستثمرين أجانب إضافيين من خلال رفع أسعار الفائدة على سندات الدولة. فعلى سبيل المثال، رفع البنك المركزي الأيسلندي سعر الفائدة الأساسي إلى 18% في عام 2008، بينما عرضت فنزويلا فائدة بنسبة 20% على أمل بيع سنداتها. وتؤثر مثل هذه الارتفاعات الكبيرة في أسعار الفائدة سلبًا على التصنيفات الائتمانية للبلدان نفسها، وغالبًا ما تؤدي إلى شطب المقرضين القروض التي لم تعد الدول قادرة على سدادها.
عندما يصل بلد ما إلى مرحلة الإفلاس، فإن التضخم الهائل هو النتيجة المحتملة للمستهلكين والشركات. فغالبًا ما تنخفض أسعار الأسهم وتنهار قيمة العملة الوطنية. وفي بعض الحالات، يمكن أن تحدث اضطرابات اجتماعية، على غرار ما حدث في الأرجنتين، عام 2001، حين قام السكان الغاضبون بأعمال شغب ونهبوا محلات التسوق، أو ما وقع في أيسلندا عام 2008، حيث اضطر رئيس البنك المركزي للاستقالة بعد أزمة كلفت الآلاف من الأيسلنديين وظائفهم ومدخراتهم المالية. لقد تسبب انهيار البنوك الأيسلندية في فقد 50.000 شخص مدخراتهم، وأصبح 25% من مالكي المنازل في حالة تخلف عن سداد الرهن العقاري، ووجد المواطنون أنفسهم أمام إجبارية إعادة تقييم مزايا الإنفاق الباذخ والاقتراض والاستهلاك والمضاربة(13).
(4) David McDonald, What Happens When a Country Declares Bankruptcy? An Economic Perspective on the Leading Causes of Financial Instability, Medium Journal, 13 March 2017.
(5) Edward Chancellor, Reflections on the Sovereign Debt Crisis, Value Investing World, 9 July 2010.
(6) وقد أشار إلى ذلك بالتفصيل الاقتصادي الأميركي، جون بيركنز، في كتابه الشهير “الاغتيال الاقتصادي للأمم: السياسات الاقتصادية للتحكم في الأضعف”، حين سرد فيه قصة نهب الولايات المتحدة لثروات أميركا اللاتينية، مثل فنزويلا والبرازيل والمكسيك والسلفادور، وهي دول كلها أعلنت إفلاسها فيما بعد:
(10) Fitch Ratings, Rating Action Commentary, Fitch Downgrades Ireland’s Sovereign Rating to ‘AA-‘; Outlook Stable, 04 November 2009.
(11) International Monetary Fund, Article IV Consultation, Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for Italy, IMF Country Report No. 19/40, 2018.
(12) Karin Hobelsberger, Christopher Kok and Francesco Paolo Mongelli, A Tale of Three Crises: Synergies between European Central Bank Tasks, European Central Bank Occasional Paper Series No 305, September 2022.
(13) Roger Boyes, Meltdown Iceland, Lessons on the World Financial Crisis from a Small Bankrupt Island, Bloomsbury USA, 2009.
المصدر: موقع الجزيرة للدراسات
مصر وأزمة السودان: حدود الدور والتأثر
|
بدر حسن شافعي
إن التطورات الدراماتيكية الأخيرة التي شهدها السودان منذ الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023 جرَّاء المواجهة المسلحة بين قوات قائد القوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ونائبه في المجلس وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، ستكون لها آثار كبيرة ليس على الصعيد الداخلي فحسب، وإنما على الصعيد الإقليمي أيضًا، في ظل مجاورة السودان لسبع دول عربية وإفريقية، ومن بينها الجارة الشمالية مصر التي اهتمت -ولا تزال- بالشأن السوداني على مدى العصور المختلفة لاعتبارات عدة ترتبط ليس فقط بمفهوم الأمن القومي بمعناه الضيق، وإنما بمعناه الواسع. لذا قد يكون من المهم أولًا معرفة أهمية السودان بالنسبة لمصر وفق المنظور الحديث للأمن القومي، وما يرتبط بذلك من محددات، ثم بيان موقف مصر من التطورات السودانية في المراحل المفصلية سواء في عهد البشير أو بعد الإطاحة به، وكذلك في الأزمة الأخيرة، وأخيرًا وليس آخرًا مدى تأثر مصر بالأحداث الأخيرة في السودان.
أولًا: محددات العلاقة مع السودان وفق منظور الأمن القومي المصري
شهد مفهوم الأمن القومي الذي برز بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تطورات مهمة ارتبطت بسياق البيئة الدولية آنذاك وبروز فكرة الحرب الباردة؛ حيث ركز في البداية على حماية الدولة من الأخطار الخارجية “العسكرية” تحديدًا، ثم اتسع نطاقه ليشمل الحماية من الأخطار الداخلية والخارجية معًا، لكن هذه النظرة الضيقة تغيرت مع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي أواخر ثمانينات القرن الماضي، ليظهر مفهوم الأمن الإنساني والذي يتضمن مجموعة من الأبعاد التي تهدد الإنسان ومنها الأبعاد العسكرية والأمنية “المفهوم الضيق”، والأبعاد الاقتصادية، والبيئية، والأبعاد المائية. وكان من أوائل من أدخلوا هذه التعديلات تقريرا التنمية البشرية للأمم المتحدة لعامي 1994، و2006 اللذان أشارا إلى ضرورة النظر إلى ما وراء التصورات الضيقة للأمن القومي من حيث التهديدات العسكرية وحماية أهداف السياسة الخارجية الإستراتيجية، إلى رؤية للأمن مرتبطة بحياة الناس؛ واعتبرا الأمن المائي Water Security جزءًا لا يتجزأ من هذا المفهوم الأوسع للأمن الإنساني(1).
وفي هذا السياق، يمكن القول: إن أبعاد الأمن القومي المصري بمفهومه العسكري والأمني الضيق يرتبط بالسودان تحديدًا كونه يشكل حدود مصر الجنوبية (تبلغ الحدود بينهما حوالي 1200 مليون متر مربع).
أما بالنسبة للأمن المائي، فإن السودان رغم كونه دول الممر لمصر بنسبة 100%، إلا أنه لا يشكل أي تهديد مائي لها لوجود اتفاقية مائية “1959” تحدد حصة كل منهما، فضلًا عن وجود وفرة مائية سودانية؛ إذ تقدر الإحصاءات الرسمية السودانية الموارد المائية التقليدية بـ30 مليار متر مكعب(2)، لا يتم استغلالها بالكامل، ونفس الأمر بالنسبة لحصته النيلية(3)، بل إن جانبًا من حصة السودان “تقدر بحوالي 6 مليارات” تذهب لمصر سنويًّا بسبب عدم قدرة السدود السودانية على تخزينها.. وربما هذه الجزئية هي ما تلعب عليها إثيوبيا في أن سد النهضة، عبر تنظيم مرور المياه طيلة العام، سيجعل السودان يستغل كامل حصته التي يذهب جزء منها إلى مصر. ومن هذا المنظور فإن السودان مهم بالنسبة لمصر في مواجهة أي تعنت إثيوبي بشأن السد أو المياه عمومًا.
ما سبق يشير إلى أن المحدد الأمني المصري صوب السودان “الأمن القومي بمفهومه الواسع” يتضمن كلًّا من أمن الحدود خاصة ما يتعلق بملف حلايب وشلاتين، واللاجئين، وملف الإخوان، والأمن المائي (موضوع المياه وسد النهضة)، هذا فضلًا عن المحدد الاقتصادي الذي يأتي في مرتبة أقل.
ملف حلايب وشلاتين
ترى القاهرة أن هذه القضية محسومة من وجهة نظرها منذ عام 1958، ثم تأكد الأمر أواسط تسعينات القرن الماضي بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري، آنذاك، حسني مبارك، في أديس أبابا واتهام السودان بذلك، وقيام مصر بإرسال وحدة عسكرية قامت بطرد القوات السودانية الموجودة هناك، وبالتالي، فهي ترى أن النظام السوداني يسعى من حين لآخر لإثارتها لكسب الرأي العام، ومن ذلك محاولته إجراء الانتخابات بها عام 2010 باعتبارها دائرة انتخابية؛ مما حدا بالقاهرة إلى إدراج حلايب وشلاتين في الانتخابات البرلمانية 2015 تأكيدًا للسيادة عليها(4).
ملف المياه وسد النهضة
تسعى القاهرة دائمًا إلى جذب السودان في صفها في أية مفاوضات خاصة بسد النهضة، باعتبارهما دولتي مصب في مواجهة إثيوبيا التي توجد بها وفرة مائية، ومع ذلك تتعنت معهما فيما يتعلق بحصصهما التاريخية التي نظمتها كل من اتفاقيتي 1929، 1959. وبصفة عامة، يتسم موقف السودان بالتذبذب بشأن السد منذ حكم البشير وحتى الآن، وكان لطبيعة العلاقات المصرية-السودانية من ناحية، والسودانية-الإثيوبية من ناحية ثانية، دور مهم في هذا الشأن. فالبشير، رفض في البداية بناء إثيوبيا السد بدون تشاور، لكن مع بروز التباينات مع النظام المصري لاسيما بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب، محمد مرسي، في 3 يوليو/تموز 2013، بدأ يُعدِّل موقفه، ويميل صوب الجانب الاثيوبي، خاصة بعد التقارب السوداني-الإثيوبي إثر تعاونهما المشترك في مواجهة إريتريا المدعومة من القاهرة، وتأييد الخرطوم لأديس أبابا في حربها ضد أسمرة بين عامي 1998-2000، كما قامت إثيوبيا بدور في الوساطة في مفاوضات نيفاشا الكينية بين الحكومة السودانية وحركة جارانغ، والتي أسفرت عن التوقيع على اتفاق تقرير مصير جنوب السودان، 2005، بعد فترة انتقالية مدتها 6 سنوات(5).
وربما كان هذا أحد أسباب إعلان البشير، في ديسمبر/كانون الأول 2013، تأييده الموقف الإثيوبي بشأن بناء سد النهضة بعدما كان مؤيدًا للتحفظات المصرية، بل والتعاون مع أديس أبابا في قضايا عدة بشأنه؛ حيث قال: “ساندنا سد النهضة لقناعتنا الراسخة أن فيه فائدة لكل الإقليم بما فيه مصر… نرغب في تطوير العلاقات بين الشعبين السوداني والإثيوبي، وإلغاء الحدود التي وضعها المستعمر.. اتفقنا على إقامة منطقة حرة على الحدود تمتد من منطقة “القلابات” على الجانب السوداني إلى منطقة “المتمة” على الجانب الإثيوبي تكون تحت “إدارة واحدة مشتركة”(6).
ملف الإخوان
تتهم القاهرة الخرطوم بإيواء قيادات من جماعة الإخوان المسلمين الذين فروا من البلاد بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، بل إن بعضهم اعتبر الخرطوم نقطة انطلاق لغيرها من الدول كقطر وتركيا، فضلًا عن وجود فريق داخل الحزب الحاكم في السودان آنذاك يرفض الانقلاب العسكري في مصر. وبالرغم من أن البشير اعترف بشرعية السيسي، إلا أن القاهرة ترى في هذا الاعتراف مناورة من رئيس يفتخر بميوله الإسلامية رغم أنه جاء أيضًا بانقلاب عسكري عام 1989(7). ويلاحظ أن مصر تخشى بصفة عامة من خطر حكم “إسلامي” على حدودها. وربما هذا يفسر سبب التوتر الذي سيطر من حين لآخر على العلاقات منذ وصول الإنقاذ للحكم عام 1989.
المهاجرون واللاجئون السودانيون في مصر
تقدر المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين تعداد اللاجئين السودانيين بمصر، بنحو 58 ألفًا إلى 60 ألف شخص، حسب إحصائية صادرة في أغسطس/آب الماضي (2022)، كثاني أكبر تعداد للاجئين الأجانب في مصر بعد السوريين. ووفق القانون المصري، يلتزم كل أجنبي -بمن في ذلك اللاجئون وطالبو اللجوء الذين يقيمون بها- بالحصول على تصريح إقامة سار، وبدونه يكون مخالفًا لقواعد الإقامة بالبلاد(8). كما يتراوح عدد الجالية السودانية في مصر ما بين 3 إلى 5 ملايين سوداني، يعيشون بشكل دائم أو مؤقت. ويلاحظ أن ثلث المهاجرين الموجودين في مصر يعملون في وظائف وشركات مستقرة؛ ما يشير إلى إسهامهم بشكل إيجابي في سوق العمل ونمو الاقتصاد المصري، وفق تقرير منظمة الهجرة الدولية الصادر في 2022(9). كما يتداخل هؤلاء بصورة كبيرة في المجتمع المصري، وينتشرون في أماكن عدة سواء في قلب القاهرة، حي عابدين وسط القاهرة حيث الأقلية النوبية، أو محافظات مصر خاصة القريبة من الحدود مثل أسوان وغيرها.
ومعنى هذا أنهم لا يشكِّلون خطرًا حقيقيًّا على الأمن القومي لمصر التي تسيطر أيضًا بصورة كبيرة على المعابر البرية والبحرية والجوية، بحيث يصبح تسلل بعض العناصر الخارجة عن النظام، أو التي ترغب في الإقامة بصورة غير شرعية صعبًا، بل مستحيلًا، حتى في أوقات الأزمات التي شهدها السودان مثل حرب الجنوب 1983، أو دارفور 2003، أو حتى في الأحداث الأخيرة كما سنرى.
2- المحدد الاقتصادي
تهتم مصر بزيادة حجم تجارتها الخارجية مع الدول القارة الإفريقية بصفة عامة، ودول الجوار بصفة خاصة. وتمتلك مصر والسودان العديد من المقومات الاقتصادية التي تسمح بزيادة حجم التجارة البينية لهم، كما أن تحليل هيكل التجارة بين البلدين يوضح أنها علاقة تكاملية وليست تنافسية؛ حيث تستورد مصر من السودان اللحوم الحية والسمسم ودقيق القمح والمواد الخام، بينما يستورد السودان المنتجات الغذائية ومواد البناء والمنسوجات والأدوية، كما يتوافر بالسودان العديد من الخامات التعدينية المهمة التي يمكن التعاون لاستغلالها صناعيًّا، فضلًا عن توافر طرق النقل البرية والنهرية والبحرية، فضلًا عن الجوية.
وقد شهدت العلاقات التجارية المصرية-السودانية نموًّا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة وبصفة خاصة في ظل عضوية البلدين بمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وبتجمع “الكوميسا”، وتسعى كل من مصر والسودان لتوطيد العلاقات التجارية فيما بينهما، من خلال إنشاء مشروعات حيوية اقتصادية مشتركة في كافة القطاعات (صناعية، زراعية، كهرباء، مياه، ثروة حيوانية، عمالة فنية مدربة)(10).
ثانيًا: مجالات الدور المصري في السودان خلال حكم البشير
شهدت العلاقات بين مصر والسودان حالة من المد والجزر في عهد مبارك، لاسيما بعد محاولة اغتياله في أديس أبابا 1995، وتوجيه اتهامات لنظام الإنقاذ بالضلوع في ذلك. وقد بلغ التوتر مداه خلال 2017 في عدد من الملفات الأمنية:
1-تأييد البشير بناء سد النهضة وتوطيد العلاقات مع إثيوبيا بصفة عامة، وهو ما برز في مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، هايلاماريام ديسالين، في أبريل/نيسان 2017، حيث أكد أنه “لا يوجد حد للعلاقة بين البلدين، سياسيًّا واقتصاديًّا وتجاريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا”، وتأكيده على أن الأمن القومي الإثيوبي هو بمنزلة أمن قومي للسودان(11).
مطالبة السودان بتدويل ملف حلايب، أو الدخول في مفاوضات مباشرة مع مصر بشأنه، على غرار ما حدث في تيران وصنافير، كما قام السودان برفع مذكرة لمجلس الأمن بشأن هذا الأمر. ووفق مصادر دبلوماسية مصرية، ربط السودان قيامه بدور إستراتيجي لمصلحة القاهرة في أزمة سد النهضة، بحل ملف حلايب(12).
توطيد البشير علاقته مع تركيا، ومنحها منفذًا لها على البحر الأحمر، بما قد يهدد الأمن القومي المصري، حيث قام، في ديسمبر/كانون الأول 2017، بمنح تركيا عقد إيجار مدته 99 عامًا على جزيرة سواكن الساحلية “لتجديدها”. وهو تحرك فُسِّر في حينها بأنه تهديد يكاد يكون مستترًا للأمن القومي المصري في البحر الأحمر نظرًا للتوتر حينها بين السيسي وأردوغان(13).
قيام السودان في مارس/آذار 2017، بحظر استيراد مختلف السلع المصرية، بما في ذلك المنتجات الزراعية والأسماك المعلبة، وتوقفت واردات المنتجات بسبب المخاوف على سلامة الأغذية.
ورغم كل هذه الملفات الشائكة، إلا أن مصر عملت على التقارب مع البشير ودعمه في مواجهة حركات الاحتجاج الداخلي التي يواجهها خشية انتقالها إلى القاهرة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية منذ تولي السيسي الحكم 2014، كما أن استمرار خلافات القاهرة مع إثيوبيا بشأن الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل، دفعها للتقارب مع الخرطوم، وفي المقابل وجد البشير نفسه بحاجة للدعم المصري بعد بروز احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2018 ضده.
وقد قدمت مصر الدعم للبشير في الفترة الأخيرة من حكمه، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وخلال زيارة البشير لمصر، يناير/كانون الثاني 2019، ” أي قبل الانقلاب عليه بحوالي 3 أشهر”، تم الاتفاق على إطار للتعاون الأمني لمنع تهريب الأسلحة والمسلحين والمواد المحظورة عبر الحدود(14).
كما تم توقيع اتفاق ميثـاق الشرف الإعلامي لوقف التراشق الإعلامي بين الجانبين، والاتفاق على برنامج تنفيذي لمدة ثلاث سنوات في مجال الإذاعة والتليفزيون بـيـن الهيئة الوطنية للإعلام المصري والهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون بجمهورية السودان.
وفي المجال الاقتصادي، ووفقًا لحجم التبادل التجاري المصري عامي 2017، 2018 مع دول حوض النيل، جاء السودان في المرتبة الأولى مقارنة بإثيوبيا على سبيل المثال، حيث بلغ حجم المبادلات التجارية مع السودان 558.7 مليون دولار عام 2017، وارتفعت لـ604 ملايين دولار عام 2018، مقابل 125.7 مليون دولار مع إثيوبيا عام 2017(15). ويميل الميزان التجاري لصالح مصر في التعامل مع السودان أو إثيوبيا خلال تلك الفترة.
حجم التبادل التجاري بين مصر وكل من السودان وإثيوبيا 2017-2018 بالمليون دولار*
صادرات مصر
واردات مصر
الإجمالي
الميزان التجاري
السودان 2017
454.9
103.8
558.7
+351.1
السودان 2018
396.5
207.5
604
+189
إثيوبيا 2017
119.3
6.4
125.7
+112.9
إثيوبيا 2018
169.4
10.7
179.1
+158.7
* مصر، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التبادل التجاري بين مصر وحوض النيل 2018، النشرة السنوية، أكتوبر/تشرين الأول 2019، ص 5.
ثالثًا -الموقف المصري من المجلس العسكري بعد الإطاحة بالبشير 2019
شكَّل التقارب المصري مع البشير أواخر حكمه، مشكلة لمصر بعد سقوط نظامه، في أبريل/نيسان 2019، لاسيما لدى الفصائل الثورية والحركات المدنية التي قادت الثورة مثل الحرية والتغيير قبل انقسامها وتجمع المدنيين وغيرها.. لذا وُجِّهت نصائح للسيسي الذي كان يرأس الاتحاد الإفريقي حينها، بعدم الذهاب للسودان لتفقد الأوضاع على الأرض بسبب حالة الاعتراض على الموقف المصري. لذا حرصت مصر على أمرين:
الأول: التأكيد على أن دعمها للبشير انطلق من اعتبارات أمنها القومي المرتبطة باستقرار السودان، والخشية من حدوث فوضى أو حرب أهلية هناك، قد تنعكس سلبًا عليها.
الثاني: تأييد خطوة الإطاحة بالبشير، ومحاولة دعم المجلس العسكري بصفة خاصة، عبر الدعوة لعقد قمة إفريقية مصغرة ( 23 أبريل/نيسان 2019)، أي بعد 12 يومًا فقط من الإطاحة بالبشير، لمناقشة الأوضاع في السودان، وعدم الضغط على المجلس العسكري لتسليم الحكم لمدنيين، وتمديد مهلة الاتحاد الإفريقي في ذات الشأن من 15 يومًا إلى 3 أشهر، وكان أحد أسباب نجاح مصر في مساعيها خلال القمة، قناعة عدد من القادة المشاركين بها بعدم وجود مشكلة في بقاء المؤسسة العسكرية في صدارة المشهد لفترة، على أن تقوم بتسليم السلطة في نهاية المطاف(16).
لقد استهدفت مصر الحصول على تأييد المجلس العسكري السوداني في موقفها بشأن سد النهضة، لاسيما أن إثيوبيا دخلت على خط الأزمة السودانية بعد الإطاحة بالبشير؛ حيث لعب رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، دورًا في الوساطة بين المجلس العسكري والقوى المدنية التي قادت الثورة، والتوصل لاتفاق سياسي بينهما بخصوص المرحلة الانتقالية “الوثيقة الدستورية-أغسطس/آب 2019″؛ ما جعل الموقف السوداني أكثر قربًا من الموقف الإثيوبي… هذا التقارب السوداني-الإثيوبي يمكن الاستدلال عليه من خلال موقفين أساسيين:
رفض السودان التوقيع على مسودة الاتفاق الأميركي بخصوص قواعد الملء الأول والتشغيل “فبراير/شباط 2020” التي وقَّعتها مصر بالأحرف الأولى، وغابت عنها إثيوبيا، وتعلل السودان حينها بأن رفضه يهدف لضرورة التوصل لاتفاق يوقع عليه الأطراف الثلاثة(17).
رفض السودان إدراج اسمه في مشروع قرار وزراء الخارجية العرب “مارس/آذار 2020” الداعم لدولتي المصب في مواجهة إثيوبيا بعد فشل التوقيع على الوثيقة الأميركية نهاية فبراير/شباط، معللًا ذلك بعدم الرغبة في حدوث مواجهة عربية-إثيوبية، رغم أن المشروع يشير إلى التأثيرات السلبية للسد على مصر والسودان(18).
الرغبة المصرية في جذب المجلس العسكري إليها في ملف السد، تبدَّت من خلال جملة من المواقف، منها: التغاضي عن أية خلافات حدودية أو سياسية بين البلدين. وقد كشفت مصادر مصرية مطلعة عن صدور تعليمات من المخابرات العامة المصرية لوسائل الإعلام المصرية وللمؤسسات السياسية والدبلوماسية المعنية، بعدم التعليق على التصريحات الصادرة من رئيس المفوضية القومية للحدود في السودان، في 18 فبراير/شباط 2021، حول احتجاج بلاده رسميًّا، ضدَّ مفوضية الاتحاد الإفريقي، لاعتمادها خريطة تضع مثلث “حلايب وشلاتين” ضمن حدود مصر الجنوبية، وأن الدائرة المقربة من السيسي تعتبر مثل هذه التصريحات “محاولات من جهات داخل السودان لاستغلال حالة السيولة السياسية هناك، لضرب التنسيق القائم بين السيسي والمجلس السيادي، ضد آبي أحمد، سواء في ملف سد النهضة أو الصراع الحدودي المتصاعد بين إثيوبيا والسودان نهاية 2020 في منطقة الفشقة، ومن ثم ووفق الدائرة المقربة من السيسي، يجب تفويت الفرصة على إدخال القاهرة والخرطوم في خلافات قديمة مثل حلايب وشلاتين، أو هامشية مثل مشاكل المعابر الحدودية(19). وبدلًا من الدخول في سجالات حول الخلافات الحدودية، أوفدت القاهرة رئيس الأركان المصري إلى الخرطوم؛ حيث وقَّع اتفاقية للتعاون العسكري مطلع مارس/آذار 2021، دون توضيح تفاصيلها، لكنها كانت في مجملها رسالة رمزية مباشرة لإثيوبيا(20).
هذه الأزمة الحدودية السودانية-الإثيوبية، والتقارب المصري من المجلس العسكري، انسحب بسرعة على الموقف من سد النهضة؛ حيث جعل السودان لا يطالب فقط بضرورة التوسط الإفريقي في أزمة السد، بل بضرورة تدويلها عبر مشاركة الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لعدم قدرة الاتحاد الإفريقي بمفرده على الوساطة(21). كما تبنى السودان الموقف المصري بضرورة التوصل لاتفاق ملزم قبل قيام إثيوبيا بملء المرحلة الثانية، في يوليو/تموز 2021، مبررًا ذلك بخطورة هذه العملية على تشغيل سدِّ الروصيرص السوداني، وعلى حياة 20 مليون نسمة يقطنون أسفله، ويعيشون على ضفاف النيل الأزرق وحتى منطقة عطبرة(22). وربما هذا ما أدى لتوقف مفاوضات السد حتى الآن.
كما حرصت مصر أيضًا على استغلال تقاربها من المجلس العسكري لتجفيف منابع الإخوان، وإغلاق ملفهم بصورة كاملة عبر خطوتين أساسيتين(23):
أولًا: التعاون الأمني عبر التنسيق بشأن تسليم أعضاء جماعة الإخوان في السودان الذين لجؤوا إليها بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، عبر سحب جنسيتهم، ثم تسليمهم، وكان هذا أحد المحاور التي تضمنتها زيارة البرهان، للقاهرة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2020. وقد ترتب على ذلك إعلان الداخلية السودانية، في 9 ديسمبر/كانون الأول 2020، أي بعد أقل من شهرين من الزيارة، سحب الجنسية السودانية من 3000 أجنبي حصلوا عليها إبان البشير بينهم أعضاء من الجماعة.
ثانيًا: مطالبة السلطات السودانية بغلق المراكز الدعوية والاجتماعية التابعة لإخوان السودان بدعوى نشرها للتطرف، وهو ما دفع السلطات السودانية إلى إغلاق 131 جمعية مرتبطة بالإخوان في جنوب دارفور، في 23 يناير/كانون الثاني 2021، بدعوى تلقيها أموالًا أجنبية لدعم الأنشطة الإرهابية والتحريض على العنف ونشر الفكر المتطرف في المنطقة.
وبالنسبة لملف تأمين الحدود، تم إجراء تدريبات مشتركة مع سلاح حرس الحدود السوداني لمنع تسلل اللاجئين أو عصابات التهريب، أو أية عناصر يمكن أن تهدد الأمن القومي للبلدين، فقد انطلقت فعاليات التدريب المصري السوداني المشترك (حارس الجنوب-1) والذي نفذته عناصر حرس الحدود المصرية وعناصر المشاة السودانية المدربة على مهام تأمين الحدود على مدار عدة أيام بقاعدة محمد نجيب العسكرية “أكتوبر/تشرين الأول 2021″، في إطار خطة التدريبات المشترك للقوات المسلحة لكلا البلدين.
أما بالنسبة للتعاون الاقتصادي، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بصورة ملحوظة عام 2021 مسجلًا نحو مليار و165 مليون دولار مقارنة بنحو 725 مليون دولار، عام 2020، بنسبة زيادة بلغت 60% وبفارق 440 مليون دولار، وقفزت قيمة الصادرات المصرية للسودان إلى 826.8 مليون دولار خلال العــام 2021، مقابل 498.9 مليون دولار خلال عام 2020 بنسبة ارتفاع قدرها 65.7%، في حين بلغت قيمة الواردات المصرية من السودان 336.7 مليون دولار، مقابل 212.5 مليون دولار بنسبة ارتفاع قدرها 58.5%(24).
وهكذا نجحت مصر في تحقيق مجموعة من أهداف أمنها القومي عبر دعمها للمؤسسة العسكرية السودانية، وإن كان هذا تسبب لها في مشاكل عدة في الأحداث الأخيرة سواء مع القوى المدنية التي اتهمتها بالانحياز للعسكر، أو حتى من قبل حميدتي باعتبارها تميل فعليًّا لدعم البرهان؛ حيث انبنت وجهة النظر المصرية على أن الجيوش القومية، وليست الجهات الفاعلة غير الحكومية، في إشارة إلى حميدتي، هي الأولى بالدعم(25).
رابعًا: مصر والأحداث الأخيرة في السوان
لقد كان واضحًا وجود حالة من الرفض للوساطة المصرية لدى القوى المدنية، لذا فإن الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه، في 5 ديسمبر/كانون الأول 2022، بين “قوى الحرية والتغيير- المركز المركزي”، مع مجلس السيادة، تم من خلال جهود قادتها الآلية الثلاثية الخاصة بالسودان (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومنظمة إيغاد) إضافة للرباعية المكونة من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والسعودية والإمارات، وفي ظل غياب ملحوظ لمصر، التي أعلنت تأييدها له، باعتباره خطوة مهمة ومحورية لإرساء المبادئ المتعلقة بهياكل الحكم في السودان.
ورغم ما بدا سابقًا، من انحياز النظام المصري للمؤسسة العسكرية بقيادة البرهان، والتدريبات المشتركة بين الجانبين في مطار مروي شمال الخرطوم، إلا أن السيسي أعلن بعد يومين من أسر بعض الجنود والضباط المصريين في مروي، 17 أبريل/نيسان 2023، عدم الانحياز لأي من طرفي الصراع، عارضًا الوساطة من أجل تسوية الأزمة؛ حيث أشار إلى “خطورة التداعيات السلبية لتلك التطورات على استقرار السودان، ومطالبًا الأطراف السودانية بتغليب لغة الحوار والتوافق الوطني، وإعلاء المصالح العليا للشعب السوداني الشقيق”(26). كما أكد خلال لقائه بأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في البلاد، في 18 أبريل/نيسان، أن “القوات المصرية موجودة في السودان بهدف التدريب فقط وليست لدعم طرف على حساب آخر”، كما قام وزير الخارجية المصري بإجراء اتصالين، في 4 مايو/أيار، بكل من البرهان وحميدتي للمطالبة بضبط النفس والوقف الفوري لإطلاق النار(27)، كما أيدت مصر ما تم التوصل إليه في اتفاق جدة، 12 مايو/أيار، بشأن تعهد الطرفين بعدم استهداف المدنيين، واعتبار ذلك خطوة للتوصل عبر الوسطاء والشركاء الإقليميين والدوليين، لوقف شامل ودائم لإطلاق النار واستئناف الحوار، بما يسهم في إخراج السودان من محنته، واستعادة الشعب السوداني الشقيق لحقه في أن ينعم بالسلم والأمن والاستقرار(28).
هذا الموقف المصري “المحايد” من الأزمة الأخيرة، ربما يرجع لعدة أسباب، منها أنه في ظل تكافؤ القوى النسبي بين الطرفين المتحاربين في السودان، فإن الانحياز لطرف ما “الجيش”، سيؤدي بالضرورة لعداوة الطرف الآخر “حميدتي”، وبالتالي ستكون هناك إشكالية حقيقية حال التوسط لاتفاق شراكة بين الجانبين المتحاربين؛ حيث سيصبح حميدتي في حالة عداء مع النظام المصري، كما أن الأمور ستزداد تعقيدًا حال نجاحه في السيطرة على المشهد السياسي برمته، ويبدو أن مصر قد استفادت من سابق خبرتها في ليبيا؛ حيث أدى انحيازها لحفتر، لعداء الطرف الآخر “الحكومي” في طرابلس، وعدم حلحلة الأمور حتى الآن. علاوة على ذلك، فإن الاتجاه للحياد في الأزمة هو السائد لدى معظم دول العالم والمنظمات الدولية، التي لا تنظر إلى حميدتي والدعم السريع على أنه ميليشيا متمردة، ولكن تنظر إليه على أنه أحد مكونات المؤسسة العسكرية، ومن ثم فإن الصراع يدور بين جناحين داخل هذه المؤسسة يحظى كل منهما بشرعية دولية.
وكما يبدو أن النظام المصري يحاول تحسين الصورة الذهنية “السلبية” السائدة عنه عند القوى المدنية، التي تراه ينحاز دائما للعسكر سواء خلال حكم البشير أو بعده، وهو ما تمثل جليًّا في دعم مصر الانقلاب على حمدوك، في أكتوبر/تشرين الأول 2021، ما حدا بهذه القوى إلى رفض أي تدخل مصري في الوساطة، أو أي أنشطة تقوم بها مصر في هذا الشأن. ومن ذلك رفض قوى الحرية والتغيير (كبرى المكونات المدنية في البلاد) ولجان المقاومة الثورية، فضلًا عن أطراف مدنية أخرى، توصيات ورشة العمل التي استضافتها مصر في فبراير/شباط 2022 بعنوان “آفاق التحول الديمقراطي نحو سودان يسع الجميع”، لإيجاد منبر لحوار يؤدي إلى توافق سوداني-سوداني. ويبدو أن قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي القريبة من حميدتي الآن، لا تزال ترفض أي جهود مصرية للوساطة، وتتهم القاهرة بالانحياز للبرهان.
خامسًا: مصر وحدود التأثر بالأحداث الأخيرة
يمكن رصد حدود تأثر مصر بالأحداث الأخيرة من خلال مجموعة من المؤشرات:
تراجع الدور المصري كوسيط في الأزمة لصالح قوى إقليمية أخرى أبرزها السعودية التي هي عضو في الرباعية الدولية المعنية بالأزمة السودانية والتي تضم أيضًا الإمارات، فضلًا عن الولايات المتحدة وبريطانيا. ويبدو أن الانحياز المصري للبرهان، والإماراتي لحميدتي، جعل السعودية وسيطًا مقبولًا لدى طرفي الأزمة حتى الآن من خلال استضافتها محادثات جدة لبحث وقف العنف ضد المدنيين، وكذلك بحث وقف دائم لإطلاق النار.
أن إطالة أمد الأزمة، وعدم وجود حكومة مركزية واحدة في السودان، سيكون له أثر سلبي على الأمن القومي المصري بمنظوره الأمني الضيق، خاصة حال سيطرة حميدتي على مقاليد الأمور وحسم معركة الخرطوم، أو حتى حال فشله في هذه المعركة، وانفراده بالسيطرة على دارفور مقابل سيطرة الجيش على العاصمة وما حولها؛ إذ سيجعل ذلك مصر أكثر انشغالًا بتطورات الأوضاع في السودان الذي سيصبح في هذه الحال مفتتًا أو منقسمًا لإقليمين، كل منهما تسيطر عليها حكومة تناصب الأخرى العداء. وربما هذا التفتيت الممنهج للسودان يذكِّرنا بإستراتيجية إسرائيل التي دشَّنها بن غوريون وطورها شارون أوائل ثمانينات القرن الماضي، ودعمها برنارد لويس، والتي تعرف بشد الأطراف ثم بترها، عبر تفتيت الدول العربية من خلال إثارة النعرات الأيديولوجية أو العرقية أو الدينية بها، وكان السودان أحد المستهدفين من خلال إثارة حرب الجنوب، 1983، وتقسيمه إلى شمال مسلم وجنوب مسيحي، ثم ظهرت بعد ذلك أحداث دارفور غرب البلاد منذ عام 2003، وها هي قد تعود للواجهة مرة أخرى، كما أن الأحداث الأخيرة ربما تدفع النوبيين في شمال السودان للمطالبة بالاستقلال والانضمام لنظرائهم في مصر وتكوين دولة قوش النوبية المستقلة عن البلدين.
أما بالنسبة لموضوع حلايب وشلاتين.. فهو غير مثار، ولن يؤثر على الوضع الراهن للمثلث، لكن ربما يثار لاحقًا حال حسم حميدتي الأمر لصالحه، أو عند وصول قوى مدنية مناوئة لمصر لسدة الحكم وفق اتفاق سياسي. وإن كان الأمر لن يخرج في هذا الحال عن المناكفات السياسية لصعوبة حسمه عسكريًّا.
بالنسبة لموضوع اللاجئين والفارين من الأزمة عبر المعابر، فإن الأمر لا يزال تحت السيطرة المصرية حتى هذه اللحظة، ولا يشكل أي مشكلة أمنية، إنما المشكلة في الاعتبارات الإنسانية، والتدابير اللوجستية على معبري أشكيت وأرقين البريين. وبحسب الخارجية المصرية تم استقبال ستة عشر ألف شخص من غير المصريين عبر المنافذ الحدودية مع السودان حتى 27 أبريل/نيسان الماضي(29).
بالنسبة للأثر المتعلق بسد النهضة، يمكن القول بصعوبة استئناف المفاوضات الثلاثية قبل الملء الرابع في يوليو/تموز المقبل، كما أن القاهرة باتت لا تعوِّل كثيرًا على آلية التفاوض لعدم جدواها على مدار أكثر من 11 عامًا، ناهيك عن قيام أديس أبابا بعمليتي الملء الثاني، يوليو/تموز 2021، والثالثـ يوليو/تموز 2022، في ظل توقف المفاوضات بسبب التباينات بين الأطراف الثلاثة. ومن ثم فإن أهمية السودان لمصر ليس في موضوع المفاوضات فقط، وإنما في حال اللجوء للخيارات الأخرى سواء القانونية أو العسكرية. وهنا، فإن نجاح البرهان قد يعطي دفعة لمصر في هذا الشأن، أما في حال حسم حميدتي الأمر، فإن الأمور ستزداد تعقيدًا في ظل علاقاته الوطيدة بإثيوبيا.
6-بالنسبة لملف الإخوان؛ فإن تراجع دور الجماعة بصفة عامة، كما أن خروج الكثير من قيادتها إلى تركيا وغيرها، لا يجعل هذا الملف له تأثير على مصر، خاصة بعد الخطوات التي اتخذتها السلطات في 2021 بسحب الجنسيات والتضييق عليهم بطرق عدة.
التأثير الاقتصادي: يمكن أن تتأثر مصر اقتصاديًّا بالأزمة في السودان من عدة أوجه، منها إمكانية خفض تصنيفها الائتماني باعتبارها دولة ذات مخاطر عالية، لارتباط الأمن القومي المصري بالسوداني، كما سيدفع ذلك المؤسسات المالية الدولية إلى زيادة تكلفة الإقراض والفوائد على القروض التي تمنحها لمصر، كما سيحدث تراجع، وإن كان محدودًا، في حجم المبادلات التجارية بين البلدين لتوقف حركة الاستيراد والتصدير، كما سيتأثر الأمن الغذائي في مصر أيضًا بصورة جزئية بسبب نقص كل من اللحوم المستوردة من السودان، وكذلك الحبوب التي تعاني منها مصر بالفعل جرَّاء الحرب الروسية على أوكرانيا(30).
مدرس العلوم السياسية، أكاديمية العلاقات الدولية، إسطنبول.
مراجع
1- وفق تعريف UN-Water لعام 2013، فإن الأمن المائي يعني قدرة السكان على ضمان الوصول المستدام إلى كميات كافية من المياه ذات جودة مقبولة للحفاظ على الحياة وسبل العيش وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الحماية من تلوث المياه، مع الحفاظ على النظم البيئية في إطار مناخ من السلام والاستقرار السياسي. وتبرز مشكلة الأمن المائي، فيما يتعلق بالمياه العابرة للحدود؛ إذ قد يؤثر استخدام دول المنبع على سبيل المثال على المياه القادمة لدول المنبع؛ ما يعني تهديد أمنها المائي من حيث الكم أو حتى الكيف (تلوث المياه).
Hamilton, Water Security”: Experts Propose a UN Definition on Which Much Depends , UN University, 26-3-2013,(Visited on 15 may., 2023) https://2u.pw/q5NqO
1)- Ministry of Electricity and Dams in Sudan: Water Resources Management, , Dam Implementation Unit,(No Date) ,(Visited on 15 may., 2023) P.P. 8-9 https://2u.pw/9Qf7Mv
2)- Piesse, M., The Grand Ethiopian Renaissance Dam: Power for Ethiopia, Disaster for Egypt?, Strategic Analysis Paper, , (June, 2019), p.3
3) شافعي، بدر حسن، السودان في الحسابات المصرية.. الموقع والدور، مركز الجزيرة للدراسات، 30 مايو/أيار 2017، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار2023):
5) البشير: ساندنا سد النهضة لقناعتنا الراسخة أن فيه فائدة لكل الإقليم بما فيها مصر، موقع النيلين، نقلًا عن وكالة الأناضول التركية وموقع اليوم السابع المصري، 4 ديسمبر/كانون الأول 2013، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار2023)، https://bit.ly/2Ky4IXe
6) شافعي، بدر حسن، “تطورات العلاقات المصرية-السودانية: محاولة للفهم”، المعهد المصري للدراسات الإستراتيجية بإسطنبول، 23 ديسمبر/كانون الأول 2015، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار2023):
7) محمود سامي، تداعي علل اللجوء.. تساؤلات حول أسباب وآثار تقنين أوضاع السودانيين بمصر، الجزيرة نت، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2022، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/ePunqi
8) محمود سامي، 80% من السودان وسوريا واليمن وليبيا.. 9 ملايين لاجئ بمصر وجدل حول أعدادهم وأوضاعهم، 11 أغسطس/آب 2022، الجزيرة نت، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/wMi0ws
9) علاقات مصر والسودان، الهيئة المصرية العامة للاستعلامات، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/KMnQbH
10) لمزيد من التفاصيل، انظر: شافعي، بدر، “الإخوان” بين مصر والسودان، العربي الجديد، 18 أبريل/نيسان 2017، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/mcEZiI
11) لمزيد من التفاصيل، انظر: شافعي، بدر، “الإخوان” بين مصر والسودان، العربي الجديد، 18 أبريل/نيسان 2017، (تاريخ الدخول: 26 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/o9sWqM
12) خالد محمود، ماذا يريد السيسي من السودان؟، معهد كارنيجي لأبحاث السلام الدولي، 14 فبراير/شباط 2019، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://cutt.us/u5rEf
13) يذكر أن اتهامات طالت البشير بالسماح بنقل أسلحة قادمة من إيران عبر السودان، ومنها لمصر، ثم قطاع غزة، لكن يبدو أن احتمال إعادة إحياء هذا المسار بات شبه معدوم بعد تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل.
14) مصر، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التبادل التجاري بين مصر وحوض النيل 2018، النشرة السنوية، أكتوبر/تشرين الأول 2019، ص 4.
15) أحمد عبد الحكيم، العلاقة بين مصر والسودان… ما قبل البشير وبعده، إندبندنت عربية، 28 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/F7c4rs
16) أبو شوك، رقية، سد النهضة.. مصر تتوقع.. والسودان يتحفظ.. استفهامات ملحة، صحيفة المجهر السياسي السودانية، 2 مارس/آذار 2020، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/39IkQho
17) السودان يتحفظ على قرار وزراء الخارجية بشأن مخاطر ملء سد النهضة، العربي الجديد، 5 مارس/آذار 2020، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/2Njhz0r
18) سد النهضة: حياد أميركي سلبي لا يخدم مصر، العربي الجديد، 21 فبراير/شباط 2021، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://cutt.us/wDr1f
19) مصر والسودان يوقِّعان اتفاقية للتعاون العسكري، روسيا اليوم، 2 مارس/آذار 2021، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://cutt.us/ca2HE
20) شافعي، بدر حسن، التقارب المصري من السودان: محاولة للضغط على إثيوبيا، مركز الجزيرة للدراسات، 9 مارس/آذار 2021، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/5MD5Mj
21) عبد الحميد عوض، “وفد كونغولي في الخرطوم بشأن سد النهضة”، العربي الجديد، 25 فبراير/شباط 2021، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://cutt.us/Zu7V7
22) العلاقات المصرية السودانية… مصالح متبادلة وملفات مشتركة، موقع صحيفة الوطن المصرية على النت، 6 مارس/آذار 2021، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/ki5sSK
23) مصر والسودان، الهيئة العامة للاستعلامات، مرجع سابق.
24) Giorgio Cafiero, UAE, Egypt closer to different sides in Sudan conflict, 28 Apr 2023,Aljazeera English, ,(Visited on 15 may., 2023) https://2u.pw/MiL549
25) السيسي يعلق على أحداث السودان.. ويحذر من “التداعيات السلبية”، سكاي نيوز، 16 أبريل/نيسان 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/Wdw68X
26) موقع الخارجية المصرية على الفيسبوك، 4 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/b8MEIf
27) موقع الخارجية المصرية على الفيسبوك، 12 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/gKDig0
28) موقع الخارجية المصرية على الفيسبوك، 27 أبريل/نيسان 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/BX4uHf
29) كيف تؤثر اشتباكات السودان على الاقتصاد المصري؟، موقع الحرة، 26 أبريل/نيسان 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023): https://2u.pw/jPcka9
المصدر: موقع الجزيرة للدراسات
مؤتمر الحوار العربي-الإيراني يستعرض في جلسته الافتتاحية عوامل تعزيز التقارب
|
انعقدت في العاصمة القطرية، الدوحة، الدورة الثانية من مؤتمر الحوار العربي-الإيراني الذي ينظمه للعام الثاني تواليًا مركز الجزيرة للدراسات والمجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية بإيران، تحت عنوان “الأمن والاقتصاد والأزمات: مقاربات وحلول“، وذلك خلال الفترة من 27 إلى 29 مايو/أيار 2023.
شارك في المؤتمر باحثون وسياسيون وخبراء عرب وإيرانيون من تخصصات مختلفة، وناقشوا عبر ثماني جلسات قضايا متعددة مثل أمن الخليج والتعاون الاقتصادي والملف النووي الإيراني، وقدموا رؤاهم للتحديات التي تواجه بعض البلدان مثل العراق واليمن وفلسطين وسوريا ولبنان، ومقارباتهم للتعامل مع تلك التحديات.
في التقرير التالي استعراض لأبرز ما جاء في كلمات المتحدثين الرئيسيين في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، والتي شارك فيها: الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي، وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، والدكتور عادل عبد المهدي، رئيس مجلس الوزراء العراقي الأسبق، والدكتور كمال خرازي، رئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية ووزير خارجية إيران الأسبق، والدكتور عبد العزيز العويشق، الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وأدارها زين العابدين توفيق، المذيع بقناة الجزيرة.
أهداف المؤتمر
افتتح المؤتمر مدير مركز الجزيرة للدراسات، الدكتور محمد المختار الخليل، وأوضح أن الهدف من المؤتمر هو أن “يستمع العرب والإيرانيون لبعضهم البعض بأنفسهم، لا أن يسمعوا عن بعضهم من الغير”، وأن يديروا الحوار بينهم “بشكل مباشر لا أن يدير الحوار بينهم غيرُهم”، وقال: إن هذا يتناسق مع ما اعتادته “الجزيرة” بأن تكون منصة “للرأي والرأي الآخر”، وأن يكون هذا المنبر “منبرَ إصلاحٍ وتوفيق وحوار”، وذلك لأن الجغرافيا السياسية تقول: “إنك لا تختار جارك وإنما تختار حسن العلاقة معه”.
وأضاف الخليل أنه مهما كانت الخلافات فإنها تنتهي بالحوار، وقال: إننا لقينا ترحيبًا في تنظيم هذه الدورة من الحوار العربي الإيراني من كافة الأطراف، وإن السبب في ذلك يرجع إلى تراكمٍ ذاتيٍّ لدى الجميع، وقناعتهم بأهمية الحوار مستشهدًا في ذلك بحضور الأمين العام المساعد لمجلس التعاون الخليجي للشؤون السياسية والتفاوض، الدكتور عبد العزيز العويشق.
غياب الحوار فاقم الأزمات
الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي: وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية. (الجزيرة)
أشار الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي، وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، في بداية كلمته إلى ما تمر به المنطقة من أزمات معقدة ومتراكبة، وأرجع ذلك إلى غياب التفاهم والتنسيق والحوار لسنوات، وقال: إنَّ ذلك أدى إلى تأجيج الصراعات، وفتح الباب للتدخلات الخارجية، وتعطيل التنمية المنشودة في المجالات الحيوية التي تنشدها شعوب المنطقة. وأضاف أن غياب الحوار مع إيران كان له نصيب من تأجيج الازمات التي عانت بسببها المنطقة على المستويات السياسية والاقتصادية والبيئية.
وأكد الخليفي على ضرورة اقتناص الفرصة الراهنة لانفتاح الأطراف الواقعة على ضفتي الخليج بعضهم على بعض، من أجل الانخراط في حوار بنَّاء لنزع فتيل التوتر، وقال: “إن الاقتناص الأمثل لهذه اللحظة يتمثل في العمل لإعلاء مصلحة شعوبنا، ومصالح المنطقة الإستراتيجية، وخلق آليات بنَّاءة للحوار وفق مبادئ وأسس الاحترام المتبادل وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحل النزاعات بالطرق السلمية، مع مراعاة المشاغل المشروعة للأطراف ذات الصلة”.
وأشار الخليفي إلى دعوات دولة قطر المتكررة، ومن على منصة الأمم المتحدة، لما يقارب العقد من الزمان، إلى الحوار الشامل والهادئ بين إيران ودول الخليج العربية لمعالجة كافة القضايا التي تمس الأمن والاستقرار، وأرجع ذلك إلى إيمان قطر بوحدة المصير المشترك، وبما يحقق آمال وتطلعات شعوب المنطقة من التنمية والازدهار.
وأضاف الخليفي قائلًا: “لطالما كانت قطر تدعو إلى الدبلوماسية والحوار وسيلةً مثلى لحل الخلافات بين الدول؛ حيث أصبحت مقصدًا دوليًّا بفعل وساطاتها الناجحة وجهودها الحثيثة لتقريب وجهات النظر، وتوفير منصة موثوقة لكافة الأطراف الدولية، مع الحفاظ على التزام الدول بالقانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”.
وأشار في هذا الصدد إلى جهود دولة قطر مع الأطراف الدولية المعنية بمفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، وبالأخص الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، وأوضح أن هذه الجهود مستمرة ومقدرة لما لها من أثر واضح في التقريب بين وجهات النظر، ولانعكاس ذلك على الأمن والسلم الدولييْن.
وأضاف الخليفي أن قطر تؤمن بأن فتح آفاق التعاون، ولاسيما في المجالات الاقتصادية والثقافية، لما يجمع الإيرانيين والعرب من مشتركات ووحدة مصير، يحتم استمرار الحوار الهادئ والبنَّاء لفتح مجالات أرحب للتشاور المشترك.
واختتم الدكتور الخليفي كلمته بالإعراب عن أمله في أن تسهم فرص تبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا المطروحة على جدول أعمال مؤتمر الحوار العربي في تعزيز الرؤى المشتركة، وتقديم حلول واقعية لما تشهده المنطقة من أزمات.
التكامل سبيلًا لتعزيز القوة
الدكتور عادل عبد المهدي، رئيس مجلس الوزراء العراقي الأسبق. (الجزيرة)
استهل الدكتور عادل عبد المهدي، رئيس مجلس الوزراء العراقي الأسبق، كلمته بالقول: “إنَّ العلاقات العربية الإيرانية ليست خيارًا وإنما ضرورة وواقعًا يفرض وسيفرض نفسه علينا أكثر فأكثر”، وأوضح أنه حينما تدب الخلافات بين الطرفين فإنَّ الضرر يلحق بالجميع، وأنه حينما تعود الأواصر وتتحد الكلمة فإنَّ العكس هو ما يحدث. واستطرد قائلًا: “إن التاريخ الطويل يظهر ارتباط مصالح وهموم ومصائر العرب والإيرانيين، وإن لهذا جذورًا ومبانيَ وأسسًا لا تزال موجودة وحيَّة رغم الصدع الذي اعتراها، ورغم القوى الخارجية التي ما فتئت تعمل على تعطيلها وتمزيق فاعليتها”.
وقال: “إنَّ المنازعات والخلافات كانت تحصل كأي خلافات بين الشعوب المتجاورة، غير أنه مع انتشار الإسلام توحدت المرجعيات القيمية والعقائدية، وامتزجت المصالح والروابط الاقتصادية، وأصبحت تنتقل من حاضرة وبادية لأخرى ومن جيل لآخر”. وأضاف أن الشعبين، العربي والإيراني، قدَّما للعالم أعظم الحضارات وأكثرها انفتاحًا وقبولًا للآخر. وخلص إلى أن أساسات هذه العلاقة لا تزال موجودة وتنتظر من يزيح التراب عنها.
وأضاف عبد المهدي أن المنطقة قد فُرضت عليها خرائط “تخدم مصالح المستعمرين”، وأن الدولة القومية القائمة شُيِّدتْ على التجزئة والعصبية والخصومات “التي ترعاها وتغذيها قوى الهيمنة، فبات جارها ورفيق دربها التاريخي هو خصمها”.
وقال: “إنه خلال أكثر من قرنين قُرئ التاريخ بعيون جديدة وصارت له سرديات مستحدثة تستل الخلافات وتتناسى المشتركات وتُغيِّبُها عن الوعي والحضور، وبالتدريج حلَّت رؤى كوَّنت فهمًا وتصورًا يختلف عمَّا تستبطنه الأسس والمباني والحقائق والمشاهد والارتباطات؛ رؤى تُرَبِّي على الحقد وتشيع الكراهية والخصومة بين أبناء الأمة الواحدة، وتلجأ للأجنبي كي تحتمي به وتستخدمه مخلِّصًا وحكمًا بيننا”.
وانتهى إلى أنه كلَّما قويت يد التدخل والاستعمار ضعف العرب والإيرانيون وتفككت علاقاتهم، لتدور في حلقات مفرغة دون نتيجة تذكر، وقال: “إنَّ أملنا مهدد، والاقتصاد مسلوب، وسيادتنا ضائعة، والصراعات بيننا لا تتوقف، وقيمنا وعقائدنا مخترقة ومهددة”، وفي المقابل -يضيف عبد المهدي- كلما ضعفت يد الاستعمار تعززت العلاقات، ليس بين الإيرانيين والعرب فقط بل مع بقية أقوام المنطقة، وليس بين السنة والشيعة فقط بل أيضًا بين بقية الأديان والمعتقدات والطوائف.
وتطرق الدكتور عادل عبد المهدي إلى موضوع الأمن فأشار في كلمته إلى أن أمام العرب والإيرانيين توجهين: “أن يتحصن كلٌّ منَّا بسرديات القرنين الأخيرين المثيرة للنزاع والخصومة وجعل الأجنبي مرجعيتنا، أو أن نستحضر الحقائق الكبيرة التي ما زلنا ننعم بها إن توحدت كلمتنا، ونستثمر ما بناه التاريخ الطويل من مصالح وعلاقات متشابكة ومتجذِّرة تطوِّقُ بخيرها الكبير سلبيات المشاكل والتناحر الصغيرة والمؤقتة”.
وأكد على ضرورة النظر للمستقبل “الذي يبِّشر بوضوح بصعود قوى جديدة وتراجع هيمنة القوى الراهنة”، وقال: إن من شأن ذلك حماية “بعضنا بعضًا ضد من يريد الاعتداء علينا”.
ودعا عبد المهدي العرب والإيرانيين إلى التوصل فيما بينهم “لنموذج أمني مشترك يحقق أمننا واستقرارنا ودفع أي عدوان علينا؛ ويسير بنا لتحرير فلسطين من الاحتلال والاستيطان والفصل العنصري، وتأسيس الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني، وعودة المهجَّرين واللاجئين إلى ديارهم، واستعادة ممتلكاتهم وحقوقهم، حيث يتعايش الجميع في ظل نظام عادل”.
وأشار الدكتور عادل عبد المهدي إلى جملة من المعطيات قال إنها تدل على “ضعف يد قوى الهيمنة في المنطقة”، وعدَّد منها: الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وانهيار المشروع الأميركي في العراق، وتصاعد المقاومة في فلسطين، وتحرير المقاومة اللبنانية لأراضها، وتجاوز مجلس التعاون الخليجي الأزمة التي حدثت بين بعض دوله وقطر، ونجاح بطولة كأس العالم في قطر بعد سعيهم لإفشالها، والمصالحة التاريخية بين السعودية وإيران، وتوقف الحرب في اليمن تمهيدًا لحلول سياسية مستدامة، والتقدم الإيجابي لمسار الملف السوري، وغيرها من حقائق”.
وشدَّد عبد المهدي على ضرورة استعداد العرب وإيران للحرب والتسلُّح بالعلم والمعرفة، والتزود بالتكنولوجيا، وقال: “إنَّ ذلك ليس بغرض الحرب ولكن لحماية الأمن والسلام، ذلك لأن العالم لا يسير بحسن النوايا وإنما بقوة الردع التي تمنع الغير من استيلاب حقوق الأمة”. وأضاف أنه “من السذاجة الظن بأن الاستعمار الذي دعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والذي جزَّأ بلادنا وانتدبها واستعمرها هو الذي سيمد يد الخلاص لنا”، وقال: “إنَّ هذا لن يتحقق ما لم نمتلك مصادر القوة، ونصبح ندًّا يفرض نفسه في الميزان، ويوقف التلاعب بمصيره”.
وضرب عبد المهدي مثالًا على ما خلص إليه بقطاع غزة فقال: “إنَّ غزة، التي لا تتجاوز مساحتها 350 كيلومترًا مربعًا، وبعدد سكان يقارب المليونين، والمحاصرة، والمعدومة الموارد، استطاعت مع ذلك كله تحرير نفسها، وأن تجعل جيش الاحتلال عاجزًا أمامها، وأن تقدم ما تستطيع لحماية القدس الشريف وبقية الأماكن المحتلة”، وتساءل قائلًا: “إن كانت غزة بأوضاعها الصعبة تستطيع ذلك فكيف لا تستطيع البلدان العربية وإيران ومساحتها أكثر من 15 مليون كيلو متر مربع، وعدد سكانهما حوالي 500 مليون نسمة، ويمتلكان إمكانيات عظيمة للدفاع عن المقدسات وكبح جماح العدو”.
وأشار عبد المهدي في نفس السياق إلى المقاومة اللبنانية ودورها في “تحقيق عامل الردع مع إسرائيل وإيقاف اعتدائها على لبنان”، وخلص إلى القول: “النتائج المتحققة من المقاومة عظيمة رغم التضحيات الجسام، بينما طريق المساومة والاستجلاء تكلفته أعظم بكثير، ومآسيه وآلامه وإحباطاته لا تطاق، ومآلاته هي الاستسلام للعدو”.
وتطرق عادل عبد المهدي في كلمته إلى المشروع النووي الإيراني؛ فقال: “إنَّ إيران دافعت عن مشروعها النووي السلمي رغم الضغوطات والتهديدات، ونجحت في الوصول، عام 2015، إلى اتفاق بعد جهد جهيد، لكن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق مع مجيء الرئيس، دونالد ترامب، فسارت إيران في مشروعها، ولم تخضع للتهديدات والابتزازات، ولو لم تفعل ذلك لأصبح مصير برنامجها كمصير مفاعل تموز العراقي وكالمفاعل السوري وغيرهما”. وأوضح أن “الدولة العبرية لم توقِّع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وأنها تمتلك مفاعيلها وقنابلها النووية بحماية ورعاية من النظام الدولي”.
وقال عبد المهدي: “لا خيار لإحلال السلام بالمنطقة والتفرغ لإعادة الإعمار والبناء وخدمة شعوبها والتصدي لمحاولة الاعتداء عليها سوى بناء نظام أمني مشترك، وتناغم الأنظمة الأمنية الوطنية معه، أو اعتباره هو الأعلى الذي تخضع له المنظومات الأخرى، أو لا تتصادم معه”، وأضاف أن الشرط الأساسي لنجاح ذلك هو توفير الثقة بين العرب وإيران واطمئنان كل منهما للآخر، وقال: “إنَّ هذا يتطلب ترابط المصالح، [واعتبار] كل ضرر لطرف يتلازم مع ضرر الطرف الآخر، وكل منفعة لطرف تتلازم مع منفعة الطرف الآخر”. وأكد على ضرورة تفعيل المشتركات وجعلها قاعدة العلاقات، وقال: “لنبدأ بالمشتركات ونؤجل الخلافات التي سيتسنى حلها أفضل حينما تعطي المشتركات نتاجاتها”.
وأضاف قائلًا: “ليس مطلوبًا أن يكون لكلٍّ منَّا جيوشه الجرَّارة أو برامجه النووية، وإنما المطلوب هو التكامل؛ سواء في المجال الأمني أو في المجالات السياسية والدبلوماسية والقانونية والحقوقية وغيرها”. واستطرد في هذا السياق قائلًا: “قد يفكِّر بعضنا -في مراحل لاحقة- في تأسيس محكمة أو هيئة للحل والعقد من أجل حل المنازعات وعدم التدخل في شؤون بعضنا واحترام مصالح وحقوق الجميع؛ هيئة نتعهد باحترام قراراتها دستوريًّا طالما روعي في تأسيسها المتطلبات والشروط التي توفر لكلِّ منَّا الاطمئنان لعملها”. وقال: “إنَّ مثل هذا المسار بات ممكنًا، لأن قناعاتنا اليوم تتعزز بأن لا أحد يستطيع الوصول بمفرده، ولن تنفع الحمايات الخارجية لكلٍّ منَّا، لأن نظام الهيمنة يتفكك وسيتفكك أكثر وأكثر، والعالم ستمثله قطبيات متعددة، ولذلك يجب أن نحتل مكاننا كقطبية قوية مسالمة ندية تستطيع أن تحمي نفسها، وتتنافس مع بقية الأقطاب، وتتكامل مع بقية الدول والكيانات”.
وضرب عبد المهدي مثلًا للتدليل على طرحه؛ فقال: “في العراق، ولمواجهة الإرهاب، لم تنفع الجيوش الجرَّارة، ولا الـ170 ألف عسكري من القوات المتعددة الجنسيات، ذلك لأنه طوال 14 عامًا انتشر الانتحاريون والمفخخات والقتل الجماعي والاحتلال والتواجدات الأجنبية، [حتى إن] إحدى الجامعات الأميركية قدرت عدد الضحايا خلال الفترة الممتدة من 2003 حتى 2021 بين 186 و209 آلاف ضحية [قضوا] جرَّاء الإرهاب.
وأضاف أن داعش قد وصلت إلى أبواب بغداد ولولا “فتوى الجهاد الدفاعي التي أطلقتها المرجعية الدينية العليا” لكان الوضع الأمني تدهور أكثر من ذلك بكثير، وقال عبد المهدي: “إنه بعد دحر داعش، عام 2017، تعززت مسارات الأمن والاستقرار كما شهدت على ذلك دورة خليجي 25 [النسخة الخامسة والعشرون من مسابقة كأس الخليج العربي] وباقي الفعاليات”.
وأشار إلى أن العنصر الأساسي في هذا التطور يعود إلى الوحدة الوطنية، وتصدي الحشد الشعبي والعشائري والقوى المساندة لهما داخليًّا وخارجيًّا، مما لبَّى متطلبات لم تكن القوات المسلحة بمفردها قادرة عليها، ووفر المعادلة الأمنية الصحيحة لمحاربة الإرهاب وتوفير الأمن الذي يعيش في ظله العراق اليوم.
وانتقل الدكتور عادل عبد المهدي إلى القضايا العابرة للحدود مثل قضايا الأمن والطاقة والبيئة والتغير المناخي وأكد على أن هذه القضايا تتطلب تعاونًا بين العرب وإيران لحسن إدارة الملفات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، وقال: “إنَّ العرب وإيران يمتلكون موارد كبيرة، من الطاقة والمعادن والمعابر الدولية والحقائق الجيوسياسية؛ ما يجعلهم في مقدمة البلدان لو أصبحوا متضامنين”.
وأضاف أن سوق الدول العربية وإيران تُمثِّلُ 15% من سكان العالم، وتُمثِّلُ أراضي العرب وإيران حوالي 10% من اليابسة، وإنه، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2023، فإنَّ الناتج الوطني الإجمالي للدول العربية وإيران 11.5 تريليون دولار، أي ما يعادل 6.3% من المجموع العالمي، وإذا أضيف إليه الناتج المحلي التركي يصبح المجموع أكثر من 8% من المجموع العالمي.
وأشار إلى أن أوروبا تعتمد على أقل من 20% من نفطها من العرب وإيران، وتعتمد الصين على 40% من حاجاتها من الطاقة من بلداننا، وأنه أثناء جائحة كورونا كان أكثر من 75% من خام النفط ومشتقاته يمر عبر مضيق هرمز إلى آسيا، أما ما استوردته الولايات المتحدة ومرَّ من مضيق هرمز آنذاك فهو 1.4 مليون برميل يوميًّا، وهذا أحد الأمثلة -يخلص عبد المهدي- على انتقال ثقل العالم إلى آسيا وإفريقيا ومناطق العالم الثالث، وهو ما تعززه مؤشرات التجارة الخارجية والتجارة الدولية والاحتياطيات النقدية والأبحاث والجامعات، ومعدلات النمو، وهو ما يعزز التقارب العربي-الإيراني وفرص العمل المشترك بينهما.
واختتم الدكتور عادل عبد المهدي كلمته بالقول: “إنَّ أمامنا عددًا من المشاكل لابد من معالجتها أهمها: أولًا: أن الخلفيات الفلسفية لدولنا تختلف اختلافات جذرية أحيانًا في عدد مهم من الأمور، وهو ما يتطلب النظر [فيها]. ثانيًا: أن ارتباطات دولنا الخارجية متباينة؛ فمن يعتبره البعض صديقًا يعتبره الآخر عدوًّا، وهو ما يتطلب أيضًا المعالجة. ثالثًا: أن الأهداف المباشرة والإستراتيجية ومسطرة الأولويات تختلف من دولة لأخرى، وهو ما يتطلب وضع آليات ورؤى لتنظيم المواقف. وخلص إلى القول: “إننا بحاجة لتعزيز خطوات النجاح لنتقدم أكثر فأكثر من أجل بناء فضاء قوي وموحد ومتكامل اقتصاديًّا وأمنيًّا ومعرفيًّا وقيميًّا لشعوبه وقياداته، ليستطيع أن يكون شريكًا قويًّا في النظام الدولي الجديد، ولابد من قلب المسارات لنكون مبادرين وفاعلين وليس مجرَّد متلقين وتابعين، فهذا هو الخيار الأنجع أمامنا لنحتل مكاننا المناسب بين الأمم”.
التعاون الإقليمي يحقق الأمن والرخاء
الدكتور كمال خرازي، رئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية ووزير خارجية إيران الأسبق. (الجزيرة)
أعرب الدكتور كمال خرازي، رئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية ووزير خارجية إيران الأسبق، في بداية كلمته عن أمله في أن يصل المؤتمر إلى تفاهم مشترك بين الإيرانيين والعرب، خاصة في المجالين الأمني والاقتصادي. وأشار إلى ما ذكره في الجولة الأولى من المؤتمر من أن إيران تولي أهمية كبيرة للمملكة العربية السعودية باعتبارها إحدى الدول الكبرى في العالم الإسلامي والتي تضم أراضيها الحرمين الشريفين، وقال: “لا يمكن لإيران أو السعودية أن يستبعد أحدهما الآخر، بل من المهم أن يُكمِّل كلٌّ منهما قدرات الآخر كقوتين رئيسيتين، وذلك لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة”. وقال: “إنني سعيد أن أرى العلاقات بين إيران والسعودية تسير بقرار من قادة البلدين على طريق التطبيع”. وأشار إلى أنه سيتم قريبًا إعادة فتح سفارتي البلدين في طهران والرياض. وأوضح أن تعيين الإمارات والكويت سفيرين لهما في إيران مؤخرًا يأتي في إطار تحسن العلاقات، وذكر أن العلاقة بين إيران وقطر وسلطنة عمان والعراق “مستمرة على مسارها الجيد والمتسارع”.
وقال خرازي: “إنَّ من المثير للاهتمام أن العراق وسلطنة عُمان لعبتا دورًا بنَّاءً في إعادة العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية، كما لعبت قطر وسلطنة عمان دورًا بارزًا في مفاوضات الاتفاق النووي والمباحثات مع الولايات المتحدة لرفع التجميد عن الأصول الإيرانية وتبادل السجناء”.
وأوضح خرازي أن زيارة سلطان عمان إلى طهران، يوم 28 مايو/أيار 2023، “تنم عن تنامي العلاقات بين إيران ودول الخليج الفارسي”.
واستعرض الدكتور خرازي البيئة الجيوسياسية والجيوستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، وذكر العديد من العوامل التي أسهمت في تشكيل هذه البيئة ليخلص إلى أن هذه المتغيرات هي ما دفعت القادة العرب والإيرانيين للتعامل معها؛ الأمر الذي نجم عنه التقارب بين السعودية وإيران، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، وتحسين العلاقات العراقية-العربية، وغيرها من مؤشرات.
وفي هذا الصدد، قال خرازي: “إنَّ التدخل الأميركي في دول الشرق الأوسط بحجة تعزيز الديمقراطية إبان عهد باراك أوباما، ونشر التطرف الديني، وتشكيل داعش في العراق وسوريا، والحرب المدمرة والعقيمة في سوريا واليمن، وتغيير أولوية أميركا الجيوستراتيجية من منطقة الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى، وجهود الصين لملء الفراغ الحاصل ومتابعة مشروع طريق الحزام وتطوير علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة، وإن فشل السياسة الأميركية في ممارسة سياسة الضغوط القصوى على إيران، وتأثير حرب أوكرانيا على المنطقة، بما في ذلك توسيع العلاقات الاقتصادية لروسيا مع دول الخليج الفارسي، وإنشاء ممرات نقل جديدة بين الجنوب والشمال، وتزايد قوة المقاتلين من الفلسطينيين وحزب الله الذين يطوقون إسرائيل ويتسببون في مفاقمة حالة عدم الاستقرار وانعدام الأمن والاستياء داخل إسرائيل، واشتداد الهجرة العكسية [….] دفعت الكيان الإسرائيلي إلى التوسل والاستجداء لتطبيع علاقاته مع الدول العربية بهدف الخروج من المأزق الداخلي والحصار الخارجي الذي تفرضه قوى المقاومة [….] في سياق هذه التطورات أظهر قادة المنطقة ذكاءهم في تبني سياسة مستقلة تقوم على التوزان متعدد الأقطاب بما يتماشى ومصالح بلادهم، كما ظهر في تطوير علاقاتهم الاقتصادية مع الصين وروسيا، وتسوية الخلافات وإعادة العلاقات إلى مجراها الطبيعي، وعودة السفراء، وتطوير العلاقات الاقتصادية مع باقي الدول في المنطقة بما في ذلك إيران والعراق وسوريا”.
وخلص خرازي إلى أن هذه المستجدات “تعتبر مؤشرًا على نضج وذكاء دول المنطقة في استثمار التطورات الدولية لصالح بلدانهم، وأن الوقت قد حان للتفكير في آفاق أعلى للمنطقة”.
وأوضح خرازي أن الأزمة الاقتصادية والأمنية في أوروبا وأميركا، بسبب الحرب في أوكرانيا، وظهور التقنيات الجديدة، وأداء الصين لدور أكبر، ونجاح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تطوير الصناعات العسكرية والمدنية والتقانة الحديثة بما في ذلك الطاقة النووية السلمية، قد وضع النظام الدولي على طريق التطورات المعقدة؛ حيث ينتقل العالم حاليًّا إلى نظام جديد على الرغم من أنه لا يزال من غير الممكن إصدار حكم صارم على خصائص هذا النظام، لكن من المؤكد أن التكتلات الإقليمية سيكون لها مكانة خاصة في النظام العالمي الجديد، وستكون ضمن اللاعبين والفاعلين في هذا النظام، بناء على الوحدة والقوة والاستقلالية التي تظهرها.
وقال خرازي: “إنَّ ما نحتاجه اليوم -بناء على ما سبق- هو ظهور منطقة قوية تتكون من فاعلين أقوياء، حيث لا يتطلب أمننا واقتصادنا تحقق قوة كلٍّ منا فحسب بل قوة المنطقة بأسرها”. وأضاف: “بإمكاننا إرساء الأمن الجماعي، وتحقيق النمو والتنمية، من خلال بذل جهد جماعي للحد من التوتر، وإحلال التعاون بدلًا من المنافسة، والثقة بدلًا من الخوف والشك، وحل الخلافات بالحوار والتواصل”. والخلاصة -والكلام لخرازي- “إننا بحاجة إلى تعاون إقليمي من أجل توفير الأمن والرخاء والتقدم للمنطقة بأسرها، فضلًا عن أن نكون فاعلين ومؤثرين على المستوى الدولي، ونُثَبِتْ مكانة منطقتنا في الساحة الدولية”. وأشار إلى أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه “والتي بدأت لحسن الحظ” هي تسوية الخلافات عبر الحوار. وأوضح أن الاختلاف أمر طبيعي، بل ويمكن أن يتحول إلى فرصة إذا تمَّت إدارته بشكل صحيح، وقال إن دول المنطقة تمتلك ثروات وهبها الله لها، ولديها العديد من القواسم المشتركة؛ الدينية والثقافية والتاريخية والبيئية، وأنه على الرغم من بعض الفروقات، من حيث نوع الحكومات والمخاوف والتحديات والأولويات والإستراتيجيات، فبإمكانها اتخاذ خطوات تتماشى مع مصالحها الجماعية؛ الأمر الذي يتطلب حوارًا أخويًّا وصريحًا، والتعاون في المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية، وانتهاج الاعتدال والتسامح، “واتخاذ قرار بتشكيل آلية أمنية جماعية لهذه المنطقة دون تواجد الأجانب”، لأن الأمن والتنمية مفهومان متصلان ببعضها ولا يمكن فصلهما.
وأضاف خرازي قائلًا: لحسن الحظ فإن الأمين العام للأمم المتحدة قد بدأ جهودًا في هذا المجال على أساس الفقرة الثامنة من القرار 598 الصادر من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وإنَّ إيران كانت قد أعلنت سابقًا عن استعدادها للمشاركة في آلية أمنية إقليمية دون تواجد الأجانب من خلال تقديم خطة هرمز للسلام”.
واستعرض الدكتور كمال خرازي في مداخلته مفهوم إيران للأمن في الخليج، وقال في هذا الصدد: “إنَّ إيران تعتبر أن الأمن في الخليج الفارسي، وفي كل دولة من دوله، هو أمنها، وأنها تلتزم بضمان أمن واستقرار المنطقة، بما في ذلك أمن خطوط الملاحة البحرية، وإنَّ معارضة إيران لوجود القوات الأجنبية، وخاصة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، يعود إلى أن هذا الوجود -وبخلاف تصور البعض- هو سبب انعدام الاستقرار في المنطقة”.
وتساءل خرازي قائلًا: “هل أدى الوجود المُكلِّف لأميركا في المنطقة خلال العقود الماضية وإنشائها العديد من القواعد العسكرية إلى الاستقرار، أم على العكس من ذلك؛ أدى إلى زيادة التوتر، وحتى إلى اندلاع الحرب؟ وعقَّب على تساؤله قائلًا: “إنً التاريخ هو دليل جيد على ذلك”.
وحذَّر الدكتور خرازي من تداعيات ما أسماه وجود كيان الفصل العنصري الإسرائيلي في منطقة الخليج؛ فقال: “إنني أحذر جميع المهتمين والمتعاطفين في المنطقة من أن وجود كيان الفصل العنصري الإسرائيلي في منطقة الخليج الفارسي لن يجلب الأمن إطلاقًا، بل سيوجد مستقبلًا خطيرًا للمنطقة”.
وانتقل خرازي بحديثه بعد ذلك إلى الأزمة اليمنية فرحَّب بالتطورات التي شهدتها تلك الأزمة مؤخرًا وقال: “إنه أسعدنا -بدلًا من اللجوء إلى القوة العسكرية- أن تم اختيار طريق الحوار لحل مشاكل اليمن، وأن هذا كانت له نتائج إيجابية تمثلت في تبادل الأسرى وإرسال المساعدات الإنسانية، وأن إنهاء الحصار، وتشكيل حكومة يمنية بناءً على إرادة الشعب اليمني، هو الموقف المبدئي للجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ هذه الحرب، وإنني أعتقد بأن على دول المنطقة أن تسعى لتحقيق هذه الأهداف وضمان السلام المستدام في اليمن”.
وتطرق خرازي إلى الوضع في سوريا فقال: “إنَّ إيران تتفاءل خيرًا بعودة سوريا إلى العالم العربي، وإنه لطالما كانت سوريا إحدى الدول المهمة في منطقة غرب آسيا، وإن العلاقات السياسية الأخيرة بين سوريا والدول العربية، وبخاصة مع السعودية، تعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، وإنَّ إيران تأمل في أن تؤدي هذه الخطوة إلى تعاون اقتصادي لإعادة إعمار الدمار الذي سببته الحرب في ذلك البلد”.
وعن المباحثات التركية-السورية، قال خرازي: “إنَّ إيران ترحب بالمباحثات الأخيرة بين سوريا وتركيا، والتي جرت بوساطة وتعاون إيراني-روسي؛ [ذلك لأن] الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها السياسية [لهو] أمر بالغ الأهمية، وإنني آمل أن يتحقق ذلك بانسحاب جميع القوات الأجنبية من الأراضي السورية”.
ثم تحدث خرازي عن فلسطين، وقال: “إنَّ فلسطين -القلب النابض للعالم الإسلامي- لا تزال هي القضية الأولى والشغل الشاغل لنا جميعًا، وإنَّ نضال الشباب الفلسطيني ضد المحتلين في الضفة الغربية آخذ في التطور والاتساع، وإنه مما لا شك فيه أن المجازر المروعة للجيش الصهيوني، والتي لم يسلم منها حتى النساء والأطفال، والجرائم الأخيرة لهذا الكيان في قتله المدنيين في غزة، لن تمس من وحدة المقاومة أو تفت في عضد المقاومين الفلسطينيين، وإنَّ مهاجمة منازل الشعب الفلسطيني الأعزل تدل على ضعف وتهور كيان الفصل العنصري وعجزه عن الوقوف بوجه الشباب الفلسطيني”.
وعن الجهود التي بُذلت لوقف إطلاق النار الأخير في غزة قال خرازي: “إنَّ جهود بعض دول المنطقة لتطبيق وقف إطلاق النار جديرة بالثناء، لكنَّ المقاومة هي السبيل الوحيد لمواجهة جرائم كيان الفصل العنصري الإسرائيلي والدفاع عن حقوق الفلسطينيين”.
وعن تصوره للحل النهائي للقضية الفلسطينية قال خرازي: “إنه لابد -من وجهة نظرنا- أن يتوافق [هذا الحل] مع القيم المستندة إلى سيادة الشعب، من خلال تشكيل نظام سياسي واحد، عبر إجراء استفتاء عام لجميع سكان فلسطين الأصليين بمشاركة اللاجئين الفلسطينيين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهودًا”. وأضاف خرازي قائلًا: “إنه من المثير للاهتمام -ووفقًا لاستطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في عام 2022-2023 فإنَّ 46% من الإسرائيليين يفضلون حكومة ديمقراطية تتمتع بحقوق سياسية متساوية للجميع مقابل 35% يفضلون تشكيل حكومة بأغلبية يهودية”.
واختتم الدكتور كمال خرازي كلمته بالإعراب عن شكره وامتنانه مجددًا لمركز الجزيرة للدراسات على تنظيم هذا المؤتمر، وللحكومة القطرية على اهتمامها بتطوير العلاقات السياسية والثقافية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقال: “إنني آمل أن تؤدي نقاشات المؤتمر إلى فهم صحيح للقضايا والتحديات بين إيران والعالم العربي، وأن تصل إلى نتائج جيدة تصاغ على هيئة أفكار مجدية تؤدي إلى إيجاد منطقة قوية”.
مرجعيات المباحثات الإيرانية-العربية
الدكتور عبد العزيز العويشق، الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون لدول الخليج العربية. (الجزيرة)
استهل الدكتور عبد العزيز العويشق، الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، كلمته بالإشارة إلى استضافة الدوحة، في ديسمبر/كانون الثاني من عام 2007، للدورة الـ18 لمجلس التعاون الخليجي، والتي شارك فيها الرئيس الإيراني الأسبق، محمود أحمدي نجاد، وقال: إن الرئيس نجاد طرح أمام القادة مقترحات مهمة للأمن والاقتصاد والثقافة والتواصل بين الشعوب بما فيها تأسيس منظومة أمنية ومنظومة اقتصادية للمنطقة، وإن صورة القادة، ولاسيما الملك عبد الله بن عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية، وهو يدخل القاعة ممسكًا بيد الرئيس الإيراني، أحمدي نجاد، ومحاطيْن بقادة دول مجلس التعاون الخليجي صورة مؤثرة، وأضاف: “إنني أعتقد أن المنطقة على أعتاب فرصة مشابهة، لعلنا نستطيع استغلالها هذه المرة بشكل أفضل من سابقتها”.
وأشار الدكتور العويشق إلى توقيت انعقاد مؤتمر الحوار العربي-الإيراني؛ فقال: “إنني أهنئ المنظمين على اختيار هذا التوقيت الجيد، والذي يأتي بعد انعقاد مؤتمر القمة العربية في جدة، يوم 16 مايو/أيار 2023، بعدما أصبحت الرؤية أكثر وضوحًا حيال العلاقات العربية-الإيرانية، وكذلك بعد الاجتماعيْن اللذين عُقدا في بيجين بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في 10 مارس/آذار و6 أبريل/نيسان 2023، مما يقود إلى التفاؤل بأن تؤدي عودة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وإيران إلى انفراجٍ أشمل في المنطقة، كما عبَّرت عن ذلك الدول الثلاث التي شاركت في هذا الاختراق الدبلوماسي المهم”.
وأضاف العويشق أن ترؤس المملكة العربية السعودية للقمة العربية هذا العام يعتبر فرصة مواتية لتنفيذ تلك الرؤية التي اتضحت من خلال اتفاقيات بيجين، وقال: “إن الشعوب العربية والإيرانية على ضفتي الخليج تتطلع إلى أن يسود الأمن والسلام والاستقرار في الخليج والمنطقة العربية عمومًا، وأن تستعيد العلاقات مع إيران حيويتها وعمقها الثقافي والإنساني الذي عرفته على مدى التاريخ الطويل المشترك”.
وأشار العويشق إلى أن هناك قضايا مختلفًا عليها؛ وصفها بأنها في “غاية الأهمية”، وقال: “إنَّ هذا أمر طبيعي ولكن بيننا من المصالح الاقتصادية والإستراتيجية والأواصر التاريخية والمشتركات الثقافية والاجتماعية ما يتطلب السعي لحل تلك الخلافات”. وأضاف قائلًا: “إنه قد لا نتمكن من حلها جميعها، فلنتفق على إدارة ما نختلف عليه بالطرق السياسية والدبلوماسية وفق المعايير الدولية والنواميس المتعارف عليها في التعامل بين الدول”.
وانتقل الدكتور العويشق إلى أمن الخليج؛ فقال: “إنَّ هذا الأمن جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، كما أكدت على ذلك القمة العربية الأخيرة في جدة”. وأضاف أن أمن الدول العربية كافةً كلٌّ لا يتجزأ، بل “إنَّ أمن الخليج مطلب دولي”، وأرجع ذلك إلى توسط دول الخليج خطوط التجارة العالمية بين الشرق والغرب، فضلًا عن غنائها بموارد الطاقة التي يحتاج إليها العالم بأسره، ومن ذلك أمن الممرات المائية في الخليج والبحر الأحمر، التي يوليها المجتمع الدولي اهتمامها خاصًا. وقال العويشق: “إنَّ دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تعمل -من خلال شراكاتها الدولية- على تأمين خطوط الملاحة، ومكافحة القرصنة، وتهريب الأسلحة، وتجارة المخدرات، والجريمة المنظمة. وإنَّ ذلك واجب خليجي عربي دولي”.
وأشار العويشق إلى أنه يمكن لدول المنطقة، مثل دول مجلس التعاون والعراق وإيران، أن تلعب دورًا أكبر في التجارة الدولية إذا هي عملت بشكل جماعي وأحسنت استغلال هذا الموقع الفريد. وأضاف: “بدلًا من إهدار مواردنا الاقتصادية على الصراعات الإقليمية، وسباقات التسلح النووي والصاروخي والتقليدي، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تُفضِّلُ أن تعزز رخاء مواطنيها والتنمية بكافة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وتحقيق التنوع الاقتصادي الضروري للاستدامة”.
وأوضح العويشق أنه في العام الماضي (2022) تجاوز حجم اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي تريليوني دولار للمرة الأولى في تاريخها؛ مما جعل اقتصاد دول هذا المجلس يحتل المرتبة الثامنة دوليًّا من حيث الحجم، وقال: “إنَّ منطقة مجلس التعاون كانت أسرع المناطق نموًّا في العالم، وإننا نتوقع أن تستمر هذه المعدلات الصحية خلال السنوات القادمة، بل قد تتجاوزها إذا استتب الأمن والاستقرار والتفاهم في المنطقة”، وقال: “إن هذا هو هدف الاجتماع [مؤتمر الحوار العربي-الإيراني] في هذا اليوم”.
وانتقل العويشق إلى العام الذي تأسس فيه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عام 1981، فقال: “إنَّ حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول الست كان في هذا العام 280 مليار دولار، وإنَّ من المتوقع أن يصل هذا الرقم خلال العام الجاري (2023) إلى 2.1 ترييلون دولار؛ أي إنه تضاعف نحو 8 مرات خلال أربعين عامًا الماضية، أو بنسبة زيادة تعادل في المتوسط 18% سنويًّا، وهو معدل غير مسبوق”.
وأرجع العويشق أحد أسباب هذا النمو السريع إلى استقرار دول مجلس التعاون، وإلى التكامل بينها، وفتحها لأسواقها، وتحرير بيئتها الاستثمارية، وإلى الدعم المتبادل بينها.
وضرب العويشق مثالًا على التقدم الاقتصادي الذي ذكره بدولة قطر؛ فقال: “كان حجم اقتصاد قطر عام 1981 حوالي 9 مليارات دولار، بينما المتوقع أن يبلغ بنهاية عام 2023 حوالي 220 مليار دولار، متضاعفًا 24 مرة خلال تلك الفترة، [ولهذا] فإن الاقتصاد القطري اليوم من أسرع اقتصادات المنطقة نموًّا”.
واستطرد العويشق قائلًا: “إنه بالإضافة إلى النمو الاقتصادي، سواء في قطر أو في بقية دول مجلس التعاون، فإن مؤشرات التنمية الاجتماعية تجاوزت المتوسطات العالمية، كما هي الحال في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وأصبحت جامعاتها ومعاهد الأبحاث فيها ضمن أفضل المؤسسات التعليمية في العالم، وإنها تمكنت من تحقيق الكثير من أهداف التنمية المستدامة قبل المواعيد التي وضعتها الأمم المتحدة”.
وأشار العويشق إلى إيران؛ فقال: إنَّ لدى إيران الكثير من المعطيات التي تمكِّنها من تحقيق نتائج مشابهة، ولديها الكثير من الموارد الطبيعية والشباب والواعد والعلماء والباحثين؛ ما يمكِّنها من تحقيق نمو اقتصادي حقيقي بالتكامل مع جيرانها، وإنَّ هذا يتطلب استعادة الثقة ومعالجة العقبات التي تحول دون ذلك”.
وعاد العويشق إلى الإشارة لمشاركة الرئيس أحمدي نجاد في القمة العربية، عام 2007، فقال: “إنه بعد مشاركته كُلِّفَت الأمانة العامة لمجلس التعاون بالمتابعة مع الجانب الإيراني للوصول إلى خطوات عملية لتفعيل تلك الرغبة المشتركة التي أعلن عنها القادة في تلك القمة، وأنه تم التوصل إلى توصيات محددة بما في ذلك الدخول في مفاوضات لتأسيس منطقة تجارة حرة بين الجانبين، إلا أن المفاوضات توقفت بعد انشغال إيران لاحقًا بانتخابات 2009 وما صاحبها من أحداث، ثم [ما تلا ذلك من] أحداث الربيع العربي الذي اتخذت إيران ودول مجلس التعاون مواقف متباينة منه”.
وأضاف العويشق أن ثمة سببًا منهجيًّا أيضًا كان وراء توقف تلك المفاوضات والمحاولات الأخرى التي سبقتها وهي “عدم التوافق على المرجعيات التي تُبنى عليها تلك المباحثات، وكذلك عدم الاتفاق على آلية سير المفاوضات وتدرُّج مناقشة المواضيع”.
وأشار العويشق إلى جملة المراسلات التي تمت بين الرئيس الإيراني السابق، حسن روحاني، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي عبر دولة الكويت، وأبرز ما تضمنته تلك المراسلات فقال: إنه في عام 2016، عقب التوقيع على الاتفاق النووي، كانت هناك مبادرة من الرئيس الإيراني، حسن روحاني، حيث بعث بخطاب إلى قادة دول مجلس التعاون من خلال دولة الكويت لفتح صفحة جديدة من العلاقات، وإنَّ مجلس التعاون رحَّب بالمبادرة، وكان هناك تبادل للرسائل خلال عامي 2017 و2018 أيضًا من خلال دولة الكويت، وإنه، بهدف إنجاح هذه المحاولة الجديدة، حرص مجلس التعاون على تحديد الأسس التي يرى أن تُبنى عليها المباحثات الجديدة، وأهمها: الالتزام بالمبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول ومنها حسن الجوار، واحترام السيادة الوطنية للدول، واستقلالها السياسي، ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ونبذ الإرهاب والتطرف والطائفية وتجنب إقحام الخلافات المذهبية في الخلافات السياسية.. وإن الجانب الإيراني أُبِلغ بتلك المبادئ، التي تُعدُّ مبادئ أساسية في القانون الدولي، وتضمنها ميثاق الأمم المتحدة، ويؤكد عليها مجلس التعاون في كافة الاجتماعات، وكان آخرها في القمة الخليجية التي انعقدت في شهر ديسمبر/كانون الأول 2022، واجتماع وزراء الخارجية، في شهر مارس/آذار 2023، وإنه -خلال تلك المراسلات- لم يكن هناك حديث عن [من هو] المسؤول عن ذلك الموضوع أو ذاك، وإنما كان الحديث حول الالتزام بالمبادئ بشكل عام [….] وإن هذا المراسلات قد أسهمت في إحداث تقارب جيد بين إيران ودول مجلس التعاون [والتفاهم] حول الأسس الحاكمة للمباحثات بين الطرفين، والتي تمت بتسهيل من العراق وسلطنة عُمان، وأسفرت عن نجاح الوساطة الصينية التي نتج عنها قرار إعادة العلاقات الدبلوماسية، وإحياء آليات التعاون بين المملكة العربية السعودية وإيران، وكذلك إعادة إحياء الاتفاقيات التي سبق توقيعها عامي 1998 و2001″.
وقال العويشق: إن البيان المشترك الذي صدر في بيجين يتضمن النص على تأكيد الدولتين -إيران والمملكة العربية السعودية- على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.. وهذا النص هو أحد المبادئ الحاكمة التي أشرت إليها، وكالتي كانت جزءًا رئيسيًّا من المخاطبات بين الجانبين.
وأوضح العويشق أنه كان كذلك لمؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، والذي شاركت فيه إيران، بنسختيه؛ الأولى في عام 2020-2021 والثانية في ديسمبر/كانون الأول 2022، دور مهم في توفير أجواء إيجابية ساعدت على التقارب السعودي-الإيراني.
وأشار العويشق إلى وجود “بعض التوافق على بعض الأسس”، وإنه يأمل في اتساع دائرة هذا التوافق، وقال: “إنَّ ذلك يتطلب تبني إجراءات ملموسة لبناء الثقة وأهمها خفض التصعيد -الذي نرى مؤشرات جيدة له ولكن يجب أن يستمر- ومنها تخفيف حدة التراشق الإعلامي والتوتر المذهبي.. فإنْ توافر هذا فإنني أعتقد أن الأجواء ستكون مواتية أكثر للنجاح هذه المرة للتباحث حول القضايا التي تضمنها بيان القمة العربية الأخيرة وقراراتها، وكذلك تلك التي وردت في كلمتي المتحدثيْن، الدكتور كمال خرازي والدكتور عادل عبد المهدي.. وهي قضايا تشغل بال المواطن سواء كان في الرياض أو طهران أو بغداد أو دمشق أو بيروت أو في صنعاء”.
وحدد الدكتور العويشق خمسة مسارات يرى أن العلاقات الإيرانية-العربية يمكن أن تتطور من خلالها، فقال: أولًا: المسار السياسي والدبلوماسي، لمناقشة الأزمات الإقليمية مثل فلسطين وسوريا ولبنان واليمن بهدف الاتفاق على تشجيع الحلول السياسية وفق القرارات الدولية، ونبذ استخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية، والحد من الانتشار النووي وتعزيز السلامة النووية وتحقيق الالتزام بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بالانتشار النووي، والحد من انتشار الصواريخ والطائرات المسيرة خاصة إلى الأطراف غير الحكومية.
ثانيًا: المسار الأمني، وذلك لمناقشة الإرهاب والميليشيات الطائفية والجماعات المسلحة الأخرى التي تعمل خارج إطار القانون.
ثالثًا: المسار الاقتصادي، لمناقشة تعزيز التبادل التجاري والاستثمار بين دول المنطقة بما في ذلك الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتنظيم مؤتمرات الاستثمار والمعارض التجارية.
رابعًا: مسار الاستدامة البيئية، لمناقشة إمكانيات التعاون لإعادة تأهيل البيئة البحرية للخليج والعمل المشترك لمواجهة آثار التغير المناخي.
خامسًا: المسار الثقافي، وهو لا يقل أهمية عن المسارات الأربعة الأخرى، لإعادة إحياء التبادل الثقافي الثري بين العرب وإيران.
وقال العويشق: “إنه من أجل خلق الأجواء المناسبة فمن المهم أن تكون المباحثات واسعة النطاق، لتشمل الجهات غير الرسمية، وتشارك فيها الجامعات ومراكز الأبحاث وقطاعات الإعمال لدى الجانبين، [لأنه] من المهم خلق هذا الزخم خارج الإطار الرسمي”.
واختتم الدكتور عبد العزيز العويشق كلمته بالقول: “إنَّ الإنجازات الباهرة الحالية، والتي تحققت خلال العقود الماضية في مجالات الاقتصاد والتنمية والتعليم والثقافة والفنون في دول مجلس التعاون يمكن أن تكون أكثر شمولًا واستدامةً وقوةً في حال توصلت إيران وجيرانها إلى الدرجة المطلوبة من الثقة والتعاون والتكامل في شتى المسارات، وإنَّ التكامل بين الاقتصاد الإيراني والخليجي [لو حدث]، يمكن أن يدفع رتبة هذا الاقتصاد لتتجاوز المرتبة الثامنة، لأن الاقتصاد الإيراني لديه إمكانات كبيرة وواعدة ومهمة”.