1

اتفاقية 17 مايو 1983: فشل ذريع

سامي مبيض

كلما ذُكرت اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية، تتصدّر اتفاقيتا كامب ديفيد التي أبرمها الرئيس المصري أنور السادات عام 1978، وأوسلو التي أبرمها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 1993. بينما غالبا ما يسقط من هذه القائمة على وجه العموم اتفاق 17 مايو/أيار الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل، والذي لم يُنفذ أبدا على الرغم من موافقة البرلمان اللبناني عليه، ويصف المؤرخ الكندي نيل كابلان هذا الاتفاق في كتابه الذي صدر العام 1997 بعنوان “مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية بأنه “فشل ذريع”. وقد كان كذلك بالفعل.

كان جيش الاحتلال الإسرائيلي اجتاح لبنان عام 1978 بهدف طرد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية. وفي يونيو/حزيران 1982، حاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي بيروت واحتلها. وقد يَسَّر الزعيم الشاب بشير الجميّل الذي كان ينتمي لحزب الكتائب اللبنانية غزو الجيش الإسرائيلي للأراضي اللبنانية وشجّع عليه، وكان شديد الكراهية لعرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. وفي واقع الأمر، كانت المواجهات التي دارت بينهما هي التي أثارت الصراع الذي دارت رحاه في لبنان بأسره في منتصف أبريل/نيسان من عام 1975. وقد انتُخب بشير الجميّل رئيسا للبنان في 23 أغسطس/آب ثمّ قُتل في 14 سبتمبر/أيلول من عام 1982.

مطالب شارون الأولية

سيحلّ أمين الجميل، أخو بشير، محله كرئيس للبنان في وقت لاحق من ذلك الشهر، ولكنه لم يأتِ في خطاب تنصيبه آنذاك على ذكر انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان. ويقول مقال نُشر في صحيفة “نيويورك تايمز” في 18 مايو/أيار 1983: “كان وزير الدفاع أرييل شارون، كبير مهندسي الحرب، قد أنجز الكثير من الأعمال الأساسية للاتفاقية في الخريف الماضي، والتقى سراً بأحد الثقاة المقربين من الرئيس اللبناني أمين الجميل، وصاغ وثيقة تحدد الاتفاق”.

Getty Images
رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحم بيغن يلقي كلمته في الكنيست في ذروة الاجتياح الاسرائيلي في 30 يونيو 1982

مثل بشير الجميل، كان شارون يشعر بالكراهية تجاه عرفات ويتوق لرؤيته ميِّتا. وكان يطالب، من بين أمور أخرى، بوضع حدٍّ لنشر الأسلحة في الجنوب، وبوجود عملاء استخبارات يحق لهم دخول منازل اللبنانيين واحتجاز المدنيين بحثا عن مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية. كما طالب بخمسة مواقع عسكرية في جنوب لبنان يتم إشغالها بـ 750 جنديا إسرائيليا.

المحادثات

بدأت المفاوضات الرسمية في فندق “ليبانون بيتش” في بلدة خلدة الساحلية جنوب بيروت، في 28 ديسمبر/كانون أول 1982. ومثّل إسرائيل في المحادثات ديفيد كيمحي، الشخصية الأسطورية في”الموساد”، ونائب رئيسه، والذي كان يشغل حينها منصب المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية. ومثّل الجانب اللبناني أنطوان فتال، وهو دبلوماسي لبناني يتمتع بالخبرة ومن أصل سوري. وكان قد شغل منصب سفير لبنان السابق لدى الفاتيكان. ولعب وزير الخارجية الأميركي، جورج شولتز، دور الوسيط في المحادثات والذي كان يتولى إدارة المحادثات عن بعد، وكان مبعوثه المميز، موريس درابر، هو من يمثله على طاولة المفاوضات.

كان الرئيس الجميّل متابعاً لكل تفاصيل المحادثات عن كثب، في حين كان رئيس الوزراء شفيق الوزان يُظهر ترددا ويشعر بعدم الرغبة في الانخراط المفاوضات. قال الوزان قبيل وفاته في عام 1999، إنه بكى يوم توقيع اتفاقية 17 مايو/أيار.

الاتفاقية

نصت الاتفاقية على انسحابٍ إسرائيلي تدريجيٍ من لبنان خلال فترة زمنية تمتد من 8 إلى12 أسبوعا، بإشراف لجنة مشتركة من البلدين برئاسة الولايات المتحدة. وطالب الإسرائيليون مقابل الانسحاب الكامل بأن يُقيم الجيش اللبناني منطقة أمنية في جنوب لبنان، تبعد فيما بين 20 و37 ميلا عن شمال إسرائيل، لمنع المقاتلين الفلسطينيين من الاقتراب من المنطقة الحدودية.

وأوضح المفاوض الإسرائيلي ديفيد كيمحي لنظيره اللبناني أنطوان فتال أن انسحاب إسرائيل يجب ان يتزامن مع انسحاب كل من منظمة التحرير الفلسطينية والجيش السوري. وأومأ فتال برأسه تعبيرا عن الموافقة، دون أن يدري السبيل لتحقيق ذلك بالضبط.

AFP

أكدت الاتفاقية النهائية صراحة أن كلا من لبنان وإسرائيل “يعترفان بحقهما والتزامهما بالعيش في سلام مع بعضهما البعض”، الأمر الذي ينهي حالة الحرب التي استمرت بينهما منذ عام 1948. ولم تُؤسّس الاتفاقية لعلاقات دبلوماسية بين بيروت وتل أبيب، ولكنها أكدت بوضوح أن كل دولة يمكنها، إذا رغبت في ذلك، إنشاء مكتب اتصال في الدولة الأخرى. وأُوكلت مهمة التحدث مع لبنان مستقبلا إلى المسؤول الإسرائيلي البارز أوري لوبراني. وكان قريبا من الموساد وكان قد شغل منصب سفير في أوغندا وإثيوبيا ورئيس بعثة في إيران قبل ثورة الخميني عام 1979.

جرى حفلان لتوقيع اتفاقية 17 مايو/أيار. الأول في فندق “لبانون بيتش” في خلدة، وبعد ذلك نقلت مروحية جميع المندوبين إلى مدينة كريات شمونة الواقعة على الحدود الغربية لوادي الحولة، بالقرب من الحدود اللبنانية. وجرت حفلة توقيع ثانية هناك داخل إسرائيل.

ثم بدأت المشاكل الحقيقية: فكيف يمكن تحويل حبر الاتفاقية إلى واقع ملموس؟ كان لبنان منقسما انقساما حادا، وفيما كان أحد أطراف الوطن الواحد يدافع عن الاتفاقية، كان الطرف الآخر يتعهد بأن ذلك لن يمر أبدا. وشعر الكثيرون داخل العالم العربي بالغضب. وكان ذات الغضب الذي تولد عن اتفاقات السلام التي أبرمها الرئيس المصري أنور السادات في عام 1978 لا يزال ماثلا في أذهان الناس، وكذلك صور اغتياله بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ. وافترض إنجاح الاتفاقية الكثير من التعاون مع الرئيس السوري حافظ الأسد الذي كان الزعيم العربي الوحيد الذي يملك قوات على الأرض في لبنان. فسافر جورج شولتز جوا إلى دمشق في محاولة منه لإقناع الأسد بدعم الاتفاقية، ولكن الأسد رفض ووصف الوثيقة بأنها “اتفاقية إذعان”.

Getty Images
الرئيس اللبناني امين الجميل يلقي كلمة امام البيت الابيض في 1 ديسمبر 1983 وبدا خلفه الرئيس الاميركي رونالد ريغان ووزير الخارجية جورج شولتز

مضى أمين الجميل قدما في الاتفاق رغم المعارضة التي كان يواجهها آنذاك، وأرسلها إلى مجلس النواب للتصويت. حضر الجلسة 72 عضوا من أعضاء البرلمان اللبناني، وامتنع ثلاثة منهم عن التصويت، وصوت اثنان ضد الاتفاقية، في حين صوت البقية بالموافقة عليها. وبالنظر إلى قائمة المصوتين، فمن المثير للاهتمام أن نرى أسماء بارزة ستتحالف بشكل علني مع “حزب الله” في السنوات المقبلة، كالرئيس المقبل إلياس الهراوي، بالإضافة إلى المؤيدين المتوقعين الذين كانوا موالين للغرب طوال حياتهم كالرئيس السابق كميل شمعون ومؤسس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميّل والد الرئيسين بشير وأمين الجميل.

البرلمان يصوت على اتفاقية 17 مايو

ولم يصوت رئيس مجلس النواب كامل الأسعد، معتبرا أنه يجب عليه بصفته رئيسا للمجلس النيابي أن يأخذ جانب الحياد، وسادت حالة من الانقسام لدى الناس بشأن رأيهم في الاتفاقية. إذ امتنع النائب عن الروم الكاثوليك ألبير منصور ورئيس البرلمان ومهندس اتفاقات الطائف لاحقا حسين الحسيني ورئيس الوزراء السابق رشيد الصلح عن التصويت، ولم يصوّت ضدّ الاتفاق سوى النائبين القوميين زاهر الخطيب ونجاح واكيم.

تحالف معارض للاتفاقية

خارج أبواب البرلمان، كان يتشكل تحالف واسع لإسقاط اتفاقية 17 مايو/أيار. وقف نبيه برّي زعيم حركة أمل، أمام أبواب غرفة البرلمان، والذي وصف الوثيقة بأنها اتفاق “للإذلال والفضيحة”. وقد كان حلفاؤه هم الرئيس السابق سليمان فرنجية، وهو مسيحي ماروني، ووليد جنبلاط الذي يمثل الدروز، ورئيس الوزراء السابق رشيد كرامي، الذي يمثل المسلمين السنة. وفي 23 يوليو/تموز 1983 شكل هؤلاء الجبهة الوطنية للإنقاذ في بعلبك وإهدن، وحصلوا على دعم شخصيات ذات شأن كرئيس الوزراء السابق تقي الدين الصلح والمفتي حسن خالد، اللذين انتقدا الاتفاقية انتقادا لاذعا.

ثم جاءت انتفاضة 6 فبراير/شباط 1984، والتي قادها على نحو رئيسٍ نبيه بري في المنطقة التي كانت تُسمى آنئذٍ بغرب بيروت. وشهد لبنان تظاهرات جماهيرية في جميع أنحاء البلاد، والتي كثيرا ما تسببت في اشتباكات عنيفة دارت مع الجيش اللبناني. وقُتل على إثر ذلك شاب في مسجد بير العبد في جنوب بيروت، الأمر الذي جعل من الصعب على أمين الجميل الاستمرار في صفقة السلام. واقتحم متشددون من حركة أمل والجبهة الاشتراكية الديمقراطية التابعة لوليد جنبلاط مقار وحدات الجيش في جميع أنحاء البلاد، وهو الأمر الذي زاد من الضغط على الدولة لإحباط اتفاقية 17 مايو/أيار. ثم جاءت حرب الجبل في سبتمبر/أيلول 1983، والتي تسبب في دخول قوات حركة القوات اللبنانية إلى منطقة الشوف، الأمر الذي أدى إلى مواجهة دامية جرت مع المحاربين الدروز التابعين لوليد جنبلاط. واستمرت حتى سبتمبر/أيلول 1984، وكانت هي الأخرى نتيجة مباشرة من نتائج اتفاقية 17 مايو/أيار.

ولم ينتهِ الأمر هنا…

بعد مرور شهر واحد من بدء حرب الجبل، تحطمت شاحنة محملة بـ 5.4 أطنان من المتفجرات عبر البوابة الأمامية لثكنة المشاة البحرية الأمريكية في بيروت، وانهار المبنى المكون من أربعة طوابق، ما أسفر عن مقتل 241 جندياً وبحاراً – في أكبر خسارة في يوم واحد للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. وقد حدث ذلك في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1983، بعد خمسة أشهر من 17 مايو/أيار وستة أشهر من هجوم مماثل على السفارة الأمريكية، أسفر وقتها عن مقتل 17 أميركياً أيضا.

كان من الواضح أن اتفاق 17 مايو/أيار لن ينجح، فلم يكن أحد مستعدا لإراقة المزيد من الدماء من أجله. ولذلك، في 5 مارس/آذار 1984، ألغت الحكومة اللبنانية الاتفاق رسمياً، وكان من ألغاه هو مهندسه، الرئيس اللبناني أمين الجميّل.
 

المصدر: موقع المجلة




بحار وضوابط وأسلحة: المصالح البحرية الإماراتية والسعودية في النزاع اليمني

عبدالله باعبود

أدّت الأهداف البحرية للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في حرب اليمن دورًا أساسيًا في توجيه بوصلة الصراع. سعى التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية في آذار/مارس 2015 إلى إلحاق الهزيمة بحركة أنصار الله المعروفة بالحوثيين ومساعدة حكومة الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي التي تحظى باعتراف دولي على استعادة سلطتها. وعمد المسؤولون السعوديون والإماراتيون، لاعتقادهم بأن الولايات المتحدة في صدد فك ارتباطها بالشرق الأوسط، إلى السيطرة على الممرّات المائية الأساسية، واستثمروا في إنشاء الموانئ والقواعد العسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن، ما سمح للبلدَين بحماية حدودهما البحرية وفرض سلطتهما الإقليمية ودعم مصالحهما التجارية.

إلى جانب الأبعاد المحلية للنزاع اليمني، كان الهدف الأساسي للتحالف منع إيران من توسيع نطاق نفوذها في داخل اليمن وجواره. وتمثّلت مخاوف السعودية والإمارات في أن تشنّ طهران هجمات على ممرات الشحن الأساسية لمصالحهما الاستراتيجية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إضافةً إلى هجمات على دول الخليج المجاورة. وفي تموز/يوليو 2015، سيطر التحالف على مدينة عدن التي يُعتبر ميناؤها من أكبر موانئ المياه العميقة الطبيعية في العالم، وكان ذلك محوريًا في جهود التحالف الرامية إلى فرض حصار بحري على الموانئ اليمنية ومنع إيران من متابعة إرسال إمدادات عسكرية إلى الحوثيين. وسُرعان ما تحوّلت عدن إلى عاصمة مؤقتة لليمن، فاستطاع التحالف وشركاؤه المحليون من الحصول على موطئ قدم في الجنوب، مكّنهم من التقدّم شمالًا باتجاه العاصمة صنعاء التي كانت قد وقعت تحت سيطرة الحوثيين. وإذ نجح الهجوم المضاد الذي شنّه التحالف وأتاح له تحقيق بعض المكاسب الأولية على الأرض في محافظة مأرب الغنية بالنفط والواقعة إلى الشرق من صنعاء، بيد أنه فقد زخمه لاحقًا وبات الصراع يراوح مكانه.

على ضوء هذا الواقع، باشرت الإمارات إعادة توجيه استراتيجيتها بدءًا من العام 2018 وصاعدًا، من خلال تغليب مصالحها على مصالح حلفائها في التحالف. وتمثّلت أهدافها الرئيسة في السيطرة على سواحل اليمن وممرات الشحن، وتطبيق استراتيجية “سلسلة الموانئ”، وكبح انتشار الإسلام السياسي. لكن هذه الخطوات أوقدت جذوة الخصومة بين الرياض وأبو ظبي لأنها أماطت اللثام عن تباين مصالحهما في اليمن. فقد أحكمت الإمارات قبضتها على موانئ جنوبية أساسية والمناطق المحيطة بها، ما حدا بها إلى رعاية المشروع الانفصالي في جنوب اليمن، لكن السعودية اعتبرت أن هذه الاستراتيجية تضعف حليفها الأساسي المتمثّل في الحكومة اليمنية التي تحظى باعتراف دولي، لذا تفكّك التحالف المناهض للحوثيين وباتت المملكة تواجه منفردةً الحوثيين على حدودها.

مع أن الأولويات البحرية الإماراتية وتّرت الأجواء مع السعودية، حرص الجانبان على تجنّب حدوث قطيعة بينهما، ويُعزى سبب ذلك بشكل كبير إلى تشاركهما الهدف الأساسي نفسه في اليمن، أي إلحاق الهزيمة بالحوثيين. لكن، حتى لو نجحا في ذلك، ستبقى لدى كلٍّ منهما أولويات أخرى في اليمن يصعب التوفيق بينها، وبالتالي من المرجّح أن يواصلا نزاعهما على النفوذ.

أهمية الحدود البحرية اليمنية في التفكير الإماراتي والسعودي

يحتلّ اليمن موقعًا استراتيجيًا على طول خليج عدن عند تقاطع بحر العرب والبحر الأحمر، واكتسى بحكم موقعه هذا أهمية جوهرية للطموحات الإقليمية والبحرية السعودية والإماراتية على السواء. فالسيطرة على السواحل اليمنية لا تؤثر فقط على حركة الشحن العالمية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بل تسمح أيضًا للمسؤولين الإماراتيين والسعوديين بتجاوز مضيق هرمز المضطرب باطّراد، والذي هدّدت إيران بإغلاقه في أكثر من مناسبة.

تقع طموحات الإمارات البحرية في صُلب مساعيها لتصبح مركزًا اقتصاديًا يربط بين شرق أفريقيا وجنوب آسيا، لذا سعت إلى إبرام اتفاقيات للتحكم في سلسلةٍ من الموانئ الواقعة في جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي وتشغيلها. على ضوء ذلك، توسّعت شركة موانئ دبي العالمية إقليميًا على مرّ السنوات، ودخلت في مشروع مشترك مع مؤسسة موانئ خليج عدن اليمنية المملوكة للدولة في العام 2006 لإدارة ميناء عدن، وأبرمت لاحقًا اتفاقيات عدة لتشغيل محطة حاويات دوراليه في جيبوتي في العام 2006، وميناء بربرة في أرض الصومال في العام 2018.

واجهت الخطط الإماراتية سلسلةً من النكسات، إذ ألغت حكومة هادي المشروع المشترك لإدارة ميناء عدن بعد الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح في العام 2012. واستولت حكومة جيبوتي على محطة حاويات دوراليه من شركة موانئ دبي العالمية في العام 2018. تعتبر الإمارات أن ميناء جبل علي في دبي هو المركز اللوجستي والتجاري الأساسي الذي يربط بين أفريقيا وآسيا. لذلك، وفي وجه التنافس الصيني والسعودي المتزايد على موانئ القرن الأفريقي، اختارت أبو ظبي التركيز أكثر على اليمن، حيث كانت المنافسة الدولية أقل.

بات أصعب على الإمارات بشكل متزايد تبرير انخراطها في الحرب اليمنية بسبب إخفاق التحالف الذي تقوده السعودية في تحقيق تقدّم ميداني يُذكر في اليمن، ومقتل جنود إماراتيين في مدينة الحديدة وجنوب اليمن. كذلك، أضرّت مزاعم ارتكاب القوات الإماراتية انتهاكات لحقوق الإنسان بسمعة أبوظبي. وفي تموز/يوليو 2019، أعلنت الإمارات عن عملية إعادة انتشار استراتيجية من الحديدة، وسلّمت قيادة عدد كبير من القواعد العسكرية في البحر الأحمر، ومن ضمنها ميناء المخا وميناء الخوخة، إلى القوات السعودية. وبحلول شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، أعلنت الإمارات إنهاء تدخّلها العسكري في اليمن، إلا أنها أكّدت أن انسحابها لن يخلّف فراغًا أمنيًا نظرًا إلى أنها درّبت ما مجموعه 90,000 مقاتل محلّي.

وقد اكتسبت الإمارات نفوذًا كبيرًا، خصوصًا على مستوى القواعد البحرية، بفضل الدعم المالي والعسكري الذي قدّمته للميليشيات المحلية، ولا سيما المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو تيّار انفصالي ساعدت أبوظبي في تأسيسه في العام 2017. كذلك، أنشأت الإمارات ودعمت قوات النخبة الشبوانية في محافظة شبوة، وقوات النخبة الحضرمية في محافظة حضرموت، وشاركت هذه الميليشيات في عمليات مكافحة الإرهاب المدعومة من الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وسمحت للإمارات أيضًا بنشر حلفاء لها على طول الساحل للسيطرة على الموانئ وحقول النفط والغاز ومحطات التصدير في اليمن.

انسجمت هذه الخطوات مع الاستراتيجية الإماراتية المتمثّلة في الاستحواذ على الموانئ على طول طرق الشحن الدولية الرئيسة. وقد فعلت ذلك في محافظات عدن وحضرموت وشبوة وتعز، إضافةً إلى أرخبيل سقطرى وجزيرة ميون (المعروفة أيضًا باسم جزيرة بريم) في مضيق باب المندب. كذلك، استثمر القادة الإماراتيون في تجديد الموانئ المحلية والقواعد العسكرية وبنائها، معزّزين سيطرتهم على المرافق.

سلكت السعودية مسارًا مشابهًا، ونجحت في تحقيق هدفها الرامي إلى إحكام سيطرتها على ميناء نشطون في محافظة المهرة الواقعة على الحدود مع عُمان،نظرًا إلى النجاح الإماراتي المحدود في تأسيس ميليشيات هناك. وبحسب وثيقة سُرِّبَت في العام 2018، خطّطت الرياض لبناء خط أنابيب يمتدّ من منطقة نجران وصولًا إلى ساحل المهرة اليمني، للاستمرار في تصدير النفط في حال عمدت إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، لكن حتى الآن، ما من مؤشّر على أن هذه الخطة تسير قدمًا. وكشف تركيب الرافعات السعودية في موانئ عدن والمكلّا والمخا النقاب عن توسّع المصالح البحرية السعودية في اليمن، خارج المهرة.

تركّز الاستراتيجية البحرية السعودية بشكل أساسي على ساحل البحر الأحمر، ويُعدّ تأمين هذا الممر البحري ضروريًا كي تتمكّن السعودية من تحقيق طموحها الأوسع المتمثّل في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للسياحة والخدمات اللوجستية. وقد باشرت المملكة مشروعًا سياحيًا ضخمًا على ساحل البحر الأحمر في العام 2019، يندرج ضمن إطار رؤيتها للعام 2030. وفي أوائل العام 2020، أطلقت تحالف البحر الأحمر، وهو مجلس إقليمي يضم ثماني دول، والغرض منه زيادة الاستقرار في المنطقة الأوسع من خلال معالجة قضايا أمنية مثل القرصنة والتهريب. لكن لا يزال تأثير هذا المسعى موضع تساؤل لأنه استثنى أفرقاء أساسيين آخرين في البحر الأحمر، مثل إيران وقطر وتركيا والإمارات.

عَقِب الانسحاب العسكري الإماراتي، اشتبكت الميليشيات الانفصالية المدعومة من أبوظبي بشكل منتظم مع القوات الحكومية المدعومة من الرياض، ما عرّض المجهود الحربي في اليمن للخطر من خلال تقسيم المناطق الواقعة تحت سيطرة التحالف وزعزعة استقرارها. وتصاعدت وتائر التوتر في آب/أغسطس 2019 حين أرغم المجلس الانتقالي الجنوبي القوات الحكومية على الانسحاب من عدن بعد أن فرض سيطرته عليها، مدعومًا بحسب ما أُفيد من الغارات الجوية الإماراتية. وسُرعان ما امتدّ العنف إلى محافظتَي أبين وشبوة، حيث استولى الانفصاليون على منشآت الطاقة والمرافق البحرية من قبضة الحكومة.

وعمدت السعودية، في محاولةٍ منها للحدّ من النفوذ الإماراتي المتنامي في جنوب اليمن، إلى إنشاء عدد كبير من الميليشيات المحلية ودعمها، على غرار قوات درع الوطن في عدن ولواء الأماجد في أبين. وشكّل ذلك سابقة خطيرة مهّدت الطريق لوقوع معارك شرسة في الجنوب بين ميليشيات موالية للسعودية وأخرى موالية للإمارات، ما هدّد بمفاقمة الانقسامات التي تعتري التحالف المناهض للحوثيين.

وأدّت المحادثات غير المباشرة التي جرت بوساطة سعودية بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي لتهدئة الأوضاع، إلى توقيع الطرفَين اتفاق الرياض في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2019. وشملت بنود هذا الاتفاق تشكيل حكومة جديدة تضمّ المجلس الانتقالي الجنوبي، وانضواء جميع المجموعات المسلحة تحت لواء الحكومة المركزية، ونزع سلاح القوات المنتشرة في عدن. أما بالنسبة إلى الإمارات، فقد نصّ الاتفاق على أن يصبح المجلس الانتقالي الجنوبي شريكًا سياسيًا شرعيًا في مستقبل اليمن، ما يضمن محافظة الإماراتيين على نفوذ قوي على الرغم من انسحابهم العسكري.

في البداية، نجح اتفاق الرياض في إرساء عمليات وقف إطلاق نار محلّية بين المسلحين الانفصاليين والقوات الحكومية في أبين، إلا أن بنوده الرئيسة لم تُنفَّذ بعد، ولم يتم الوفاء بجميع المهل المحدّدة فيه. ونتيجة عدم تنفيذ ترتيبٍ لتقاسم السلطة بموجب اتفاق الرياض، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي الحكم الذاتي في نيسان/أبريل 2020، ما أدّى إلى نشوب قتال عنيف في جميع أنحاء جنوب اليمن. وسارع المقاتلون الانفصاليون إلى الاستيلاء على مواقع تجارية وبحرية أساسية، من ضمنها مدينة زنجبار الساحلية في محافظة أبين، وحقول النفط في محافظة شبوة المجاورة. وفي حزيران/يونيو 2020، سيطر الانفصاليون أيضًا على أرخبيل سقطرى، وأقالوا محافظها وطردوا القوات الحكومية منها، وهذه خطوات أدانها هادي معتبرًا أنها انقلاب.

ومع أن المجلس الانتقالي الجنوبي تخلّى عن إعلان الحكم الذاتي في تموز/يوليو بعد الجهود التي بذلتها السعودية لخفض وتيرة الصراع وتسريع إبرام اتفاق الرياض، لم يتم إحراز تقدّم يُذكر لتشكيل حكومة وحدة أو دمج المجموعات المسلحة في الجيش اليمني. وأفضت محاولات المملكة لإرساء ثقل موازن مقابل المجلس الانتقالي الجنوبي من خلال تشكيل ميليشيات محلية تابعة لها في جنوب اليمن إلى تعطيل بنود الاتفاق المتعلقة بنزع السلاح وانضواء المجموعات المسلحة تحت سلطة الحكومة المركزية.

الحسابات البحرية وآفاق إنهاء النزاع اليمني

تمامًا كما كانت الأهداف البحرية في صُلب تفكير الإماراتيين والسعوديين عندما انخرطوا في الحرب اليمنية، سيحكم الجانبان على النتائج المحتملة للصراع على أساس تأثيراتها البحرية إلى حدٍّ كبير. وفيما ترغب السعودية في أن تعيد الحكومة اليمنية بسط سيطرتها على كامل التراب اليمني، أي أيضًا على موانئها، يُشار إلى أن الإمارات تستفيد من حالة التشرذم المستمر في البلاد، إذ يسمح لها ذلك بمواصلة سيطرتها على الموانئ اليمنية وعزل أعدائها الإسلاميين في اليمن. لكن، على الرغم من الخلافات بين السعودية والإمارات، تجمع بينهما الرغبة في منع الحوثيين من تحقيق الانتصار، والحرص على تفادي حدوث قطيعة دائمة بينهما.

من وجهة نظر الإمارات، يتمثّل السيناريو الأسوأ في يمنٍ خاضعٍ لسيطرة الحوثيين، لأن ذلك سيحرمها من النفوذ في بحر العرب والبحر الأحمر، ومن الاستفادة من العقود المربحة لعملية إعادة إعمار اليمن بعد الحرب. وفيما أضرّت بعض الفصائل في القوات المدعومة من الإمارات بشرعية الحكومة اليمنية، مُزعزعةً الاستقرار في الجنوب، أدّت فصائل أخرى دورًا مهمًا في الدفاع عن المحافظات الجنوبية من توغّلات الحوثيين.

ففي أيلول/سبتمبر 2021، نفّذ الحوثيون هجومًا نجحوا خلاله في السيطرة على محافظة البيضاء وأجزاء من محافظة مأرب، ما شجّعهم على التوسع جنوبًا نحو محافظة شبوة الغنية بموارد الطاقة. وردًّا على ذلك، انتشرت في شبوة قوات ألوية العمالقة المدعومة من الإمارات والمنضوية تحت لواء تحالف المقاومة الوطنية اليمنية، وهي قوة مستقلة تقاتل نيابةً عن الحكومة اليمنية. ونجحت ألوية العمالقة، بالتنسيق مع قوات النخبة الشبوانية المحلية، في طرد الحوثيين خلال فترة أقل من عشرة أيام. كان استيلاء الحوثيين على ميناء شبوة ومنشآت النفط والغاز سيضرّ باستقلال الجنوب، ويفاقم الوضع الاقتصادي المتردّي أصلًا هناك، ويقوّض الطموحات البحرية الإماراتية. يُشار إلى أن هجوم الحوثيين بطائرة مسيّرة على أبو ظبي في كانون الثاني/يناير 2022 ردًّا على دعمها لألوية العمالقة زاد ربما من تصوّر أبوظبي للتهديد الحوثي، إلا أنها لم تغيّر استراتيجيتها في اليمن.

وينطبق ذلك أيضًا على السعودية، إذ إن سيطرة الحوثيين على اليمن ستؤثّر بشكل كارثي على طموحات المملكة الإقليمية. فهذه النتيجة ستتيح لإيران، الخصم الإقليمي الأساسي للمملكة، الاستعانة بحلفائها الحوثيين لشنّ هجمات عبر الحدود ضد السعودية، إضافةً إلى هجمات على ممرات الشحن في البحر الأحمر.

دفع قلق السعوديين والإماراتيين من انتصار الحوثيين قيادتَي الجانبَين إلى البحث عن أرضية مشتركة من خلال تأسيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في الرياض في نيسان/أبريل 2022، يضمّ حلفاء للبلدَين، ومن ضمنهم المجلس الانتقالي الجنوبي. لكن المجلس الرئاسي ما زال منقسمًا، ما يشير إلى استمرار تباين المصالح بين الرياض وأبوظبي، لأن لدى كل منهما تصورات مختلفة عمّا يشكل النتائج المرجوّة في اليمن.

في غضون ذلك، تُعتبر الإمارات في وضع أفضل لحماية مصالحها مما هو حال السعودية. فقد تمكّنت أبوظبي، من خلال تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي وتحقيق الاعتراف السياسي به، وتدريب الميليشيات المحلية وتسليحها، من سحب قواتها وتفادي التورّط في مستنقع الحرب اليمنية، إنما من دون التخلّي عن نفوذها في البلاد. يُضاف إلى ذلك أن سيطرة الإمارات على الموانئ ومنشآت الطاقة من خلال وكلائها المحليين ستعزّز بشكل كبير موقفها التفاوضي في سيناريو مرحلة ما بعد النزاع. كذلك، أفادت تقارير عن بناء الإمارات قواعد عسكرية في سقطرى وجزيرة ميون، ستزيد قدرتها على تأمين ممرات الشحن الدولية، وتوطيد استراتيجية “سلسلة الموانئ”. وقد تؤدي حالة اللااستقرار في جنوب اليمن والمخاوف بشأن أمن الموانئ اليمنية إلى تكثيف حركة المرور في ميناء جبل علي، ما يعزّز مكانة الإمارات كمركز لوجستي عالمي.

أما السعودية، فمشكلتها أكبر من مجرّد المسائل البحرية. في الواقع، قد تسمح الحكومة المتحالفة مع السعودية للمملكة ببناء خط أنابيب يمتدّ إلى بحر العرب، متجاوزًا مضيق هرمز، ما يحرم إيران من القدرة على عرقلة صادرات النفط السعودية، لكن هذا ليس كافيًا، لأن الوجود الحوثي المستمر عبر الحدود الجنوبية للسعودية يعني أن إيران يمكن أن تستهدف المملكة، ولا سيما منشآت الطاقة لديها، بشكل غير مباشر. لهذا السبب، تتمثّل أولوية الرياض في إرساء دولة يمنية موحّدة في ظل حكومة موالية للسعودية، أكثر من المزايا البحرية ذات الصلة.

قد يشكّل دور حزب الإصلاح في مستقبل اليمن السياسي تحدّيًا إضافيًا كبيرًا في مرحلة ما بعد الحرب. فنظرًا إلى أن الإمارات تعارض بقوة جماعة الإخوان المسلمين التي تجمعها روابط وطيدة مع حزب الإصلاح، من غير المرجح أن توافق على أي ترتيب لتقاسم السلطة من شأنه أن يقوّي الحزب. مع ذلك، يحظى حزب الإصلاح بدعم قوي في المناطق القبلية اليمنية، ولديه عضوان في مجلس القيادة الرئاسي، وهذا يمثّل عقبة كبيرة ينبغي على الإمارات التعامل معها.

كذلك، ستوفّر إعادة توحيد اليمن جملةً من الفرص والتحديات للمصالح الإماراتية، وذلك بطرق أخرى. تتمثّل إحدى الفوائد المهمة التي قد تجنيها الإمارات من هزيمة الحوثيين في الاستيلاء على ميناء الحديدة على البحر الأحمر، وهو الميناء اليمني الأساسي الوحيد الذي يقع خارج نطاق النفوذ الإماراتي، والذي يكتسي موقعه أهمية حيوية لأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وفي ظلّ حكومة يمنية تحظى باعتراف دولي، سيكون أصعب بكثير على الإمارات إحكام سيطرتها على الحديدة، إن لم يكن مستحيلًا. مع ذلك، في حزيران/يونيو 2018، أدّت الميليشيات المدعومة من الإمارات والتي تقاتل ضمن تحالف المقاومة الوطنية، ومن بينها ألوية العمالقة وقوات مقاومة تهامة والحرس الجمهوري، دورًا حاسمًا في معركة الحديدة، إذ استولت على مطار المدينة ومحيطها. وفي حال نجح التحالف العربي في استعادة شمال اليمن، يمكن لتلك الميليشيات تأمين النفوذ الإماراتي على الحديدة ومينائها، على غرار ما حدث في عدن.

لكن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن اليمن سيبقى منقسمًا، في ظل سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة في شمال البلاد، وتَنافُس الحكومة اليمنية مع المجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة على الجنوب. فاقم فشل التحالف في التقدّم شمالاً وتدهور الوضع الاقتصادي في الجنوب، المشاعر الانفصالية. وعلى الرغم من أن الإمارات قد لا تدعم بالضرورة استقلال جنوب اليمن، إذ من شأن ذلك أن يمنعها من الوصول إلى مرافق أساسية في الشمال مثل الحديدة، فإن دعمها للفصائل الانفصالية سيعزّز نفوذها على الموانئ الأخرى، ويسمح لها بالتعامل مع حزب الإصلاح.

وقد بدأ هذا الأمر يحدث بالفعل في محافظة حضرموت. فبعد الانتصار العسكري على حزب الإصلاح في شبوة في آب/أغسطس 2022، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي هجومًا للسيطرة على معقل الحزب في مدينة سيئون. ويمنح اليمن المنقسم الإمارات هامشًا أكبر لإضعاف حزب الإصلاح ميدانيًا، ويقلّل من شرعية الحكومة المعترف بها دوليًا، والتي يشكّل حزب الإصلاح جزءًا منها. علاوةً على ذلك، وفي ظل التشرذم الذي يعيشه اليمن، لن تواجه سيطرة الإمارات على الموانئ الجنوبية ومنشآت الطاقة تحديات كبيرة، ما يمنحها ميزة قوية في رسم معالم التجارة البحرية في المنطقة.

لكن، غالب الظن أن يفضي اليمن المنقسم إلى تصعيد وتائر الخلافات السياسية في الجنوب وتعقيد العلاقة بين السعودية والإمارات، ولا سيما إذا كثّفت أبوظبي دعمها للحراك الانفصالي. واقع الحال أن استقلال جنوب اليمن قد يلحق الضرر بالحكومة اليمنية، الحليف الأساسي للسعودية، ويقوّض طموحات الرياض البحرية. وعلى الرغم من أن للمملكة اليد العليا في المهرة راهنًا، فإن النزاع على السلطة في جنوب اليمن قد يضعف نفوذها في المحافظة الحدودية، ما يهدّد سيطرتها على نشطون. يُشار إلى أن الإمارات امتحنت علاقتها مع السعودية في مناسبات عدة في اليمن. مع ذلك، قد يشكّل الدعم الإماراتي لاستقلال جنوب اليمن تجاوزًا كبيرًا، لأن هذه الخطوة قد تلحق أضرارًا بالغة بعلاقتهما الثنائية لا يمكن إصلاحها.

تُعدّ المحادثات الجارية بين السعودية والحوثيين لإنهاء النزاع خطوة واعدة على مسار إرساء السلام في اليمن، إلا أن الجهود التي تبذلها السعودية والإمارات لتوسيع نطاق نفوذهما في المناطق الساحلية من خلال دعم الميليشيات المحلية قد تنبئ بنزاع مديد على السلطة في جنوب اليمن.

عبدالله باعبود: باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط. هو أستاذ كرسي دولة قطر لدراسات المنطقة الإسلامية وأستاذ زائر في كلية البحوث الدولية والتعليم في جامعة واسيدا في طوكيو

المصدر: مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط




أخلاقيات مشكوك فيها؟

مايكل يونغ

ربما كانت للاغتيالات الإسرائيلية ردًّا على مجزرة الألعاب الأولمبية في ميونخ خلال العام 1972 أبعادٌ أكبر من الثأر للضحايا.

إحدى الحبكات الفرعية المثيرة للاهتمام في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي أن نفهم بالضبط ما جرى خلال الألعاب الأولمبية في ميونخ في العام 1972 وبعده، حين أقدم مسلّحون فلسطينيون ينتمون إلى مجموعة أيلول الأسود على احتجاز رياضيين إسرائيليين رهائن لديهم وقتل إحدى عشرة رهينة منهم.

النسخة المتداوَلة عن المأساة، والتي ربما يجسّدها على النحو الأفضل فيلم “ميونخ” لستيفن سبيلبرغ، هي أن المسؤولين الفلسطينيين الذين اغتالتهم إسرائيل انتقامًا للعملية كانوا جميعهم مذنبين بالتورّط فيها. وكان الأبرز بينهم علي حسن سلامة الذي اغتاله جهاز الموساد في كانون الثاني/يناير 1979 في بيروت، إضافةً إلى آخرين، منهم ثلاثة مسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية قتلهم الإسرائيليون في بيروت في نيسان/أبريل 1973، وهم كمال عدوان، وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار. تقوم هذه السردية السائدة على تصوير الإسرائيليين بأنهم تحرّكوا ردًّا على مرتكبي جريمةٍ نكراء بدقّةٍ همجية إنما أخلاقية.

ولكن هذه الرواية عن عملية ميونخ تعرّضت للتحدّي في العام 1999، حين قام محمد داود عودة، المعروف باسمه الحربي أبو داود، بنشر مذكّراته بالتعاون مع الصحافي الفرنسي جيل دو جونشاي. الادّعاء الأساسي الذي ساقه أبو داود أنه هو، لا سلامة، مَن نظّم عملية ميونخ. ويعود سبب نشر هذه المذكّرات جزئيًا إلى أن الأردنيين اعتقلوا أبو داود في شباط/فبراير 1973، وأرغموه على الاعتراف برواية كاذبة عن عملية ميونخ تُعفيه من المسؤولية.

لماذا أخبر أبو داود روايةً غير صحيحة؟ هو قدّم تفسيرًا، لكنه ليس كاملًا، بل يدفع إلى طرح مزيد من الأسئلة. فهو يروي أن مدير المخابرات العامة الأردنية السابق*، محمد رسول الكيلاني، نصح الملك حسين في آذار/مارس 1973 بالعفو عن أبو داود وفلسطينيين آخرين أُوقِفوا معه. يدّعي أبو داود أن روايته المُلفَّقة، التي أُذيعت عبر راديو عمّان، كانت وسيلةً استخدمها الكيلاني للرد على أولئك الذين انتقدوه في الأردن لإقناعه الملك بعدم إعدام الفلسطينيين. قد يكون ذلك صحيحًا، ولكن أبو داود لا يشرح فعليًا لماذا أراد الكيلاني، في المقام الأول، إنقاذه هو والآخرين.

في مُطلق الأحوال، اقتنع الإسرائيليون، منذ ذلك الحين، بضلوع أبو داود في عملية ميونخ. يتحدّث الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان، في كتابه بعنوان Rise and Kill First: The Secret History of Israel’s Targeted Assassinations (قُم واقتل أولًا: التاريخ السري لاغتيالات إسرائيل المركزة)، وهو لديه مصادر جيدة جدًّا داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، عن الدور المحوري الذي اضطلع به أبو داود في العملية. ولكن إذا اقتنعنا برواية أبو داود، فهذا يعني أن الاغتيالات الإسرائيلية التي نُفِّذت بعد ميونخ بحق عدوان والنجار وناصر وسلامة، استهدفت جميعها أشخاصًا لا علاقة لهم بما حلّ بالرياضيين. ويبدو أيضًا أن عدوان وناصر لم يشاركا مطلقًا في عمليات أيلول الأسود.

يتطرّق بيرغمان إلى هذه المشكلة في كتابه. فهو ينقل عن المدير الأسبق لوحدة مكافحة الإرهاب في جهاز الموساد، شمشون يتسحاقي، قوله إن الإسرائيليين كانوا على يقين من ضلوع سلامة. ينبذ يتسحاقي مذكرات أبو داود مشيرًا إلى أنه “[أراد] أن يتبنّى كامل الفضل لنفسه”. ولكن هذه الحجة تبدو مؤاتية للغاية. واقع الحال أن التفاصيل الواردة في الكتاب عن الاستعدادات لعملية ميونخ مستفيضة، وتُظهر أن أبو داود كان مطّلعًا عن كثب على مجريات تنظيم العملية وتنفيذها. ولا شكّ أن الإدلاء بالاعتراف الكاذب في عمّان أزعجه جدًّا، ولكن لو أسقط سلامة من الرواية بطريقة غير مبرّرة، لشكّل ذلك تهديدًا أكبر لسمعة أبو داود في أوساط الفلسطينيين. وهكذا، فإن جميع المؤشّرات تدلّ على أنه كتب رواية صادقة.

قد يكون ممكنًا تفسير هذا التشوّش انطلاقًا من الطبيعة الحقيقية لأيلول الأسود. وفقًا للسردية الإسرائيلية، يبدو أن المنظمة كانت تتمتع بهيكلية جيدة، تحت قيادة نائب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك صلاح خلف. ويصفها بيرغمان بأنها “فصيل آخر من فصائل فتح المتطورة باستمرار…”. من هذا المنظور، كان سلامة وأبو داود من كوادر منظمة أيلول الأسود المتماسكة نسبيًا، وبالتالي أمكن اعتبار الرد الإسرائيلي ضدّ أيٍّ من عملاء المنظمة على نطاق أوسع بأنه ضربة تستهدف مرتكبي عملية ميونخ.

ولكن، إذا كانت أيلول الأسود أقل اتّساقًا من ذلك بكثير، ومجرّد عنوان أكثر مما هي منظمة، فعندئذٍ تتغيّر القصة. في هذه الحالة، لا يؤشّر الانتماء الاسمي إلى أيلول الأسود بالضرورة إلى أن الشخص ضالعٌ في عملية ميونخ، وبالتالي ربما استهدف منفّذو عمليات الاغتيال الإسرائيلية الأشخاص الخطأ. وإذا كان الإسرائيليون مدركين لهذا الالتباس، فربما كان الدافع وراء عمليات الاغتيال وقائع لا صلة فعلية لها بما جرى في ميونخ، ولكنهم لتبرير ارتكابهم لها تذرّعوا بالثأر لعملية ميونخ.

كتب أبو داود في مذكراته أن أيلول الأسود “ليست منظمة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل هي تسمية تبنّاها مقاتلو فتح”. ويميل زميلي يزيد صايغ، الذي صدر له كتاب عن منظمة التحرير الفلسطينية بعنوان “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية 1949-1993“، إلى الموافقة على ذلك. فقد قال في سياق حديث جرى مؤخرًا ما مفادع: “ثمة لغط في تصوير أيلول الأسود بأنها منظمة واضحة المعالم. فهذا يفترض وجود إطار رسمي وهيكلي لكيفية قيام فتح بالأمور، وهذا غير صحيح. اعتُبرت حركة فتح فضفاضة إلى حدًّ كبير، وكان الكثير فيها مدفوعًا بتنافسات شخصية وفئوية، تافهة في الكثير من الأحيان. لكنها كانت أيضًا انعكاسًا لنوع المبادرات التي يمكن للأفراد تنفيذها، ولا سيما بعد الهزيمة في الأردن ]في ظل[ أجواء من الخوف والارتياب والشعور بالعيش تحت الحصار. كان الحدْس العام هو التصدّي لأعداء [فتح] وزعزعة توازنهم وتصوير ]فتح[ على أنها ناشطة للغاية. وقد سمح ذلك للكثيرين بإطلاق مبادراتهم الخاصة”.

بالفعل، يُلمح أبو داود إلى أن عملية ميونخ عكست مثل هذه المبادرات. وقد أجمع هو وخلف والعمري على هذه الفكرة في بيازا ديلا روتوندا في روما. تضرّ نجاة الثلاثة ربما بصورة إسرائيل كدولة تتوخّى الدقة في ثأرها، حتى لو اعترف الإسرائيليون بأن الموساد ارتكب خطأ فادحًا في تموز/يوليو 1973، حين اغتال عن طريق الخطأ نادلًا مغربيًا هو أحمد بوشيخي في مدينة ليلهامر النرويجية، ظنًّا منه أنه سلامة.

صُوّر اغتيال سلامة بعد ست سنوات على أنه الفصل الأخير في حملة الاغتيالات الإسرائيلية التي نُظمّت انتقامًا لعملية ميونخ. وينقل بيرغمان في كتابه عن المسؤول الإسرائيلي يائير رافيد قوله إن “قتل سلامة كان بالدرجة الأولى إغلاقًا لملف عملية ميونخ”. لكن بيرغمان يشير أيضًا إلى أن عددًا من الأشخاص الذين عملوا مع سلامة نفوا هذا الاتّهام بشدة. ويُلمح كذلك إلى أمر اشتُبه به لفترة طويلة حول اغتيال سلامة، وهو أن السبب الحقيقي وراء تصفيته يُعزى إلى أن إسرائيل أرادت قطع الصلة بينه وبين شخصية مهمة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، روبرت كلايتون أيمز. ويشاطره هذا الاعتقاد مؤلّف سيرة حياة أيمز، كاي بيرد، في كتابه بعنوان “الجاسوس النبيل: حياة روبرت أيمز وموته“، ومسؤولون سابقون في وكالة الاستخبارات الأميركية أورد بيرد أقوالهم.

إذًا، لم يكن اغتيال سلامة مرتبطًا بالإرهاب على الإطلاق، بل محاولة معيبة أخلاقيًا من الإسرائيليين لحرمان الفلسطينيين من قناة اتصال مباشرة مع واشنطن، من شأنها ربما تخطّيهم. مع ذلك، تمسّكت إسرائيل بحجة أن الاغتيال هدَف إلى الثأر لعملية ميونخ، كي تتجنّب اللائمة التي كانت ستواجهها من وكالة الاستخبارات الأميركية لتخلّصها من قناة تواصل استخباراتية قيّمة. لكن هذه الحجة لم تخدع كثيرين، ومن بينهم أيمز. وقد نقل بيرد عن إيسر هاريل، المدير العام السابق للموساد، قوله: “عرفنا أن سلامة كان يتواصل مع الأميركيين. وعلمتُ لاحقًا أن أيمز غضب كثيرًا منا عندما قُتل علي حسن”.

إذا استُخدمت عملية ميونخ كغطاء لتبرير اغتيال سلامة، فلا بدّ من طرح أسئلة جادّة حول ذنب الآخرين الذين قُتلوا تحت راية الثأر لعملية ميونخ. قد تساعدنا الإجابة عن هذه الأسئلة في معرفة ما إذا كانت الاغتيالات الانتقامية التي نفذّتها إسرائيل دقيقةً أو أخلاقيةً بالفعل كما صوّرها كُثر.

*أُجري تعديل على هذه الجملة، لأن الكيلاني في العام 1973 لم يعد في منصب مدير المخابرات العامة الأردنية، بل كان قد أصبح مستشار الملك حسين لشؤون الأمن القومي.

المصدر: مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط




تعاقبت طوال 200 عام…كيف سارت الحملات الصليبية على المشرق الإسلامي؟

محمد يسري

استمر الوجود الصليبي في بلاد الشام حوالي مئتي عام، وكانت القارة الأوروبية في تلك الفترة الخزان الرئيسي الذي يمدّ الغزاة بالطاقات البشرية والمالية، على شكل “حملات صليبية” مباركة من قِبل باباوات الفاتيكان. ورغم أهمية تلك الحملات ومركزيتها في السردية التاريخية للعصور الوسطى، في كل من الشرق والغرب، إلا أنه يوجد اختلاف بين المؤرخين حول عددها، وذلك نظراً لتباين تأثيراتها، ولاختلاف ظروف وأحداث كل منها، بالإضافة إلى تعدد المناطق الجغرافية التي استهدفتها.

الحملة الشعبية… حماس ديني أفشله السلاجقة

في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، زاد ضغط السلاجقة المسلمين على الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى، وحقق السلاجقة انتصارات عسكرية مهمة، ما دفع أباطرة القسطنطينية إلى طلب المساعدة العسكرية من باباوات روما. كنوع من الاستجابة لتلك الطلبات، قام البابا أوربان الثاني في نوفمبر 1095، بعقد مجمع ديني في مدينة كليرمونت الفرنسية، ودعا الحضور للقيام برحلات الحج المقدسة إلى المشرق، وللدفاع عن الإمبراطورية البيزنطية ضد أعدائها من السلاجقة الأتراك. وبمجرد انتهاء خطبة البابا في كليرمونت، انتشرت الدعوة للمشاركة في رحلة الحج إلى المشرق، وظهر بعض الوعاظ الذين أثّروا كثيراً على الفقراء والفلاحين وعمال المناجم. وكان بطرس الناسك، وهو راهب كاثوليكي فرنسي متحمس لدعوة البابا وللحج إلى فلسطين، أهمهم على الإطلاق، ووصفه ستيفن رنسيمان في كتابه “تاريخ الحملات الصليبية” بأنه كان يمتلك قدرة عجيبة على إقناع عموم الناس “فما من شيء يقوله أو يفعله إلا ويبدو شيئاً شبه إلهي”.

هذه الحملة التي بلغ العدد الإجمالي للمشاركين فيها ما يقرب من 25 ألف مقاتل لم تضم إلا عدداً قليلاً من الفرسان، كان على رأسهم “والتر المفلس”، وهو أحد النبلاء الفرنسيين، ولا تذكر المصادر التاريخية الكثير عن خلفيته، بينما اشترك فيها عدد كبير من النساء وقطاع الطرق والمجرمون. قامت تلك الحملة بإحداث الكثير من مظاهر الدمار والتخريب في الأراضي المجرية والبيزنطية التي مرّت عليها، وكان السبب الرئيسي في ذلك هو العجز عن توفير مؤن وأطعمة لهذا العدد الكبير من جهة، ولعدم تنظيمها من جهة أخرى، بحسب ما يذكر رنسيمان في كتابه. وكان مصير الحملة الشعبية الفشل التام. فبعدما وصلت إلى أسوار مدينة نيقية في آسيا الصغرى، خرج لها جيش منظّم بقيادة سلطان دولة سلاجقة الروم قلج أرسلان الأول ولم يجد أية صعوبة في تدميرها في معركة سيفتوت في أكتوبر 1096.

الحملة الأولى… نجاح باهر وتأسيس إمارات صليبية

في منتصف أغسطس 1096، وهو الموعد الذي كان البابا قد حدده في كليرمونت من قبل، خرجت الحملة الصليبية الأولى من أوروبا.

يذكر الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه “الحملة الصليبية الأولى: نصوص ووثائق”، أنه جرى تنظيم الحملة على أساس التقسيمات الجغرافية واللغوية، فضلاً عن التكوين الإقطاعي لجيوش العصور الوسطى في أوروبا، والتي تُلزم كل فارس بالانضمام إلى اللورد أو الأمير التابع له عند استدعائه للحرب، وكان من أشهر قادة تلك الحملة جود فري، دوق اللورين السفلى، وأخيه بلدوين، والقائد النورماندي بوهيمند ابن روبرت جيسكارد، وابن اخته تانكرد. استفادت تلك الحملة من الظروف العصيبة التي مرّت بها الحملة الشعبية، وتم تقسيمها إلى مجموعة من الجيوش، وقام كل جيش باتخاذ طريق منفرد، لأنه لم يكن هناك أي طريق تستطيع محطاته أن توفّر المؤن والأطعمة لتلك الحشود الضخمة. استهلت تلك الحملة جهودها الموفقة، بإسقاط مدينة نيقية، الواقعة على الساحل الغربي للأناضول، عاصمة سلاجقة الروم عام 1097، ثم حققت انتصاراً ضخماً على قلج أرسلان في موقعة ضوروليوم، بالقرب من نيقية، في يوليو من العام نفسه، وسرعان ما أتبع الصليبيون جهودهم بغزو أنطاكية التي تقع على الضفة اليسرى من نهر العاصي، بعدما أوقعوا هزيمة مدوّية بجيش كربوقا، أتابك الموصل، والذي كان أقوى أمير سلجوقي تركماني في تلك الفترة. وبعد ما يقرب من عام كامل من الانتظار، تحرّكت الجيوش الصليبية إلى جنوب الشام، وسط غياب تام لأية مقاومة إسلامية حقيقية، وتمكنت من احتلال بيت المقدس، وارتكبت مذبحة ضد سكانها. يذكر فوشيه الشارتري، وكان شاهداً على تلك الأحداث، في كتابه “تاريخ الحملة على القدس”، أن الصليبيين ذبحوا ما يقرب من 10 آلاف رجل وامرأة وطفل، وبقروا بطون النساء للبحث عن قطع الذهب والمجوهرات. ورغم كل تلك الجرائم البشعة، إلا أن الحملة تُعتبر الأنجح بين الحملات الصليبية، لأنها تبّتت الوجود الصليبي في آسيا الصغرى وبلاد الشام، بعدما أسست ثلاث إمارات صليبية قوية في الرها وأنطاكية وطرابلس، بالإضافة إلى تأسيس مملكة بيت المقدس.

الحملة الثانية… عندما تسبب سقوط الرها في غليان أوروبا

بعد الصدمة الهائلة التي تعرّض لها المسلمون إبان الغزو الصليبي الأول لأراضيهم، بدأت القوى الإسلامية في استعادة توازنها وعملت على تنظيم عملية الجهاد ضد الصليبيين. أحد أهم الأسماء التي ظهرت في هذا السياق، كان عماد الدين زنكي، حاكم الموصل، الذي استطاع من خلال علاقته الوثيقة بسلاطين السلاجقة أن يوسّع دائرة نفوذه لتشمل حلب وبعلبك ونصيبين، في جنوب شرق تركيا، ليتمكن بذلك من الوقوف في وجه الغزاة.


 محمد يسري

أضف تعليقاً

سياسة الـ22

الخميس 10 يناير 201903:03 م

استمر الوجود الصليبي في بلاد الشام حوالي مئتي عام، وكانت القارة الأوروبية في تلك الفترة الخزان الرئيسي الذي يمدّ الغزاة بالطاقات البشرية والمالية، على شكل “حملات صليبية” مباركة من قِبل باباوات الفاتيكان. ورغم أهمية تلك الحملات ومركزيتها في السردية التاريخية للعصور الوسطى، في كل من الشرق والغرب، إلا أنه يوجد اختلاف بين المؤرخين حول عددها، وذلك نظراً لتباين تأثيراتها، ولاختلاف ظروف وأحداث كل منها، بالإضافة إلى تعدد المناطق الجغرافية التي استهدفتها.

الحملة الشعبية… حماس ديني أفشله السلاجقة

في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، زاد ضغط السلاجقة المسلمين على الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى، وحقق السلاجقة انتصارات عسكرية مهمة، ما دفع أباطرة القسطنطينية إلى طلب المساعدة العسكرية من باباوات روما. كنوع من الاستجابة لتلك الطلبات، قام البابا أوربان الثاني في نوفمبر 1095، بعقد مجمع ديني في مدينة كليرمونت الفرنسية، ودعا الحضور للقيام برحلات الحج المقدسة إلى المشرق، وللدفاع عن الإمبراطورية البيزنطية ضد أعدائها من السلاجقة الأتراك. وبمجرد انتهاء خطبة البابا في كليرمونت، انتشرت الدعوة للمشاركة في رحلة الحج إلى المشرق، وظهر بعض الوعاظ الذين أثّروا كثيراً على الفقراء والفلاحين وعمال المناجم. وكان بطرس الناسك، وهو راهب كاثوليكي فرنسي متحمس لدعوة البابا وللحج إلى فلسطين، أهمهم على الإطلاق، ووصفه ستيفن رنسيمان في كتابه “تاريخ الحملات الصليبية” بأنه كان يمتلك قدرة عجيبة على إقناع عموم الناس “فما من شيء يقوله أو يفعله إلا ويبدو شيئاً شبه إلهي”. 

هذه الحملة التي بلغ العدد الإجمالي للمشاركين فيها ما يقرب من 25 ألف مقاتل لم تضم إلا عدداً قليلاً من الفرسان، كان على رأسهم “والتر المفلس”، وهو أحد النبلاء الفرنسيين، ولا تذكر المصادر التاريخية الكثير عن خلفيته، بينما اشترك فيها عدد كبير من النساء وقطاع الطرق والمجرمون. قامت تلك الحملة بإحداث الكثير من مظاهر الدمار والتخريب في الأراضي المجرية والبيزنطية التي مرّت عليها، وكان السبب الرئيسي في ذلك هو العجز عن توفير مؤن وأطعمة لهذا العدد الكبير من جهة، ولعدم تنظيمها من جهة أخرى، بحسب ما يذكر رنسيمان في كتابه. وكان مصير الحملة الشعبية الفشل التام. فبعدما وصلت إلى أسوار مدينة نيقية في آسيا الصغرى، خرج لها جيش منظّم بقيادة سلطان دولة سلاجقة الروم قلج أرسلان الأول ولم يجد أية صعوبة في تدميرها في معركة سيفتوت في أكتوبر 1096.

الحملة الأولى… نجاح باهر وتأسيس إمارات صليبية

في منتصف أغسطس 1096، وهو الموعد الذي كان البابا قد حدده في كليرمونت من قبل، خرجت الحملة الصليبية الأولى من أوروبا.  يذكر الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه “الحملة الصليبية الأولى: نصوص ووثائق”، أنه جرى تنظيم الحملة على أساس التقسيمات الجغرافية واللغوية، فضلاً عن التكوين الإقطاعي لجيوش العصور الوسطى في أوروبا، والتي تُلزم كل فارس بالانضمام إلى اللورد أو الأمير التابع له عند استدعائه للحرب، وكان من أشهر قادة تلك الحملة جود فري، دوق اللورين السفلى، وأخيه بلدوين، والقائد النورماندي بوهيمند ابن روبرت جيسكارد، وابن اخته تانكرد. استفادت تلك الحملة من الظروف العصيبة التي مرّت بها الحملة الشعبية، وتم تقسيمها إلى مجموعة من الجيوش، وقام كل جيش باتخاذ طريق منفرد، لأنه لم يكن هناك أي طريق تستطيع محطاته أن توفّر المؤن والأطعمة لتلك الحشود الضخمة. استهلت تلك الحملة جهودها الموفقة، بإسقاط مدينة نيقية، الواقعة على الساحل الغربي للأناضول، عاصمة سلاجقة الروم عام 1097، ثم حققت انتصاراً ضخماً على قلج أرسلان في موقعة ضوروليوم، بالقرب من نيقية، في يوليو من العام نفسه، وسرعان ما أتبع الصليبيون جهودهم بغزو أنطاكية التي تقع على الضفة اليسرى من نهر العاصي، بعدما أوقعوا هزيمة مدوّية بجيش كربوقا، أتابك الموصل، والذي كان أقوى أمير سلجوقي تركماني في تلك الفترة. وبعد ما يقرب من عام كامل من الانتظار، تحرّكت الجيوش الصليبية إلى جنوب الشام، وسط غياب تام لأية مقاومة إسلامية حقيقية، وتمكنت من احتلال بيت المقدس، وارتكبت مذبحة ضد سكانها. يذكر فوشيه الشارتري، وكان شاهداً على تلك الأحداث، في كتابه “تاريخ الحملة على القدس”، أن الصليبيين ذبحوا ما يقرب من 10 آلاف رجل وامرأة وطفل، وبقروا بطون النساء للبحث عن قطع الذهب والمجوهرات. ورغم كل تلك الجرائم البشعة، إلا أن الحملة تُعتبر الأنجح بين الحملات الصليبية، لأنها تبّتت الوجود الصليبي في آسيا الصغرى وبلاد الشام، بعدما أسست ثلاث إمارات صليبية قوية في الرها وأنطاكية وطرابلس، بالإضافة إلى تأسيس مملكة بيت المقدس.

الحملة الثانية… عندما تسبب سقوط الرها في غليان أوروبا

بعد الصدمة الهائلة التي تعرّض لها المسلمون إبان الغزو الصليبي الأول لأراضيهم، بدأت القوى الإسلامية في استعادة توازنها وعملت على تنظيم عملية الجهاد ضد الصليبيين. أحد أهم الأسماء التي ظهرت في هذا السياق، كان عماد الدين زنكي، حاكم الموصل، الذي استطاع من خلال علاقته الوثيقة بسلاطين السلاجقة أن يوسّع دائرة نفوذه لتشمل حلب وبعلبك ونصيبين، في جنوب شرق تركيا، ليتمكن بذلك من الوقوف في وجه الغزاة. 

الإمارات والممالك الصليبية في الشام والأناضول سنة 1135م[/caption] زنكي استطاع عام 1137 أن يحقق انتصاراً كبيراً على ملك بيت المقدس في معركة بعرين بالقرب من مدينة حماة السورية، بحسب ما يذكر ابن القلانسي في كتابه “ذيل تاريخ دمشق”، كما تمكّن بعد سبع سنوات من استرداد مدينة الرها التي تقع في جنوب شرق الأناضول. تسبّب سقوط إمارة الرها في غليان القارة الأوروبية، وأسفر عن إرسال الحملة الصليبية الثانية، والتي قادها كل من لويس السابع ملك فرنسا وكونراد الثالث، إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتي مثلت السلطة السياسية الأكثر نفوذاً وحضوراً في أوروبا منذ أن تم تأسيسها عام 800 على يد شارلمان. يذكر الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور في كتابه “الحركة الصليبية” أن الحملة تعرّضت لمتاعب جمة منذ بدايتها، إذ تلقت هزيمة على يد السلاجقة بالقرب من ضوروليوم، ثم وقع اختلاف بين زعمائها حول وجهتها. وبعد طول اختلاف، اتفق قادة الحملة مع الزعماء الصليبيين في بلاد الشام على مهاجمة دمشق، ولكنهم سرعان ما فكوا حصارهم عن دمشق، بسبب تحرّك نور الدين محمود بن زنكي، حاكم حلب والذي خلف أبيه في رفع راية الجهاد ضد الصليبيين، لقتالهم. ترتبت على تلك الحملة نتائج تمثلت في انهيار أسطورة المقاتل الأوروبي الذي لا يقهر، بحسب ما يذكر رنسيمان، كما أنها مهدت الطريق أمام نور الدين للاستيلاء على دمشق بعد إسقاط دولة بني بوري، حكام دمشق، وتحقيق الوحدة بينها وبين حلب لاحقاً.

الحملة الثالثة… الصدام الأشهر بين ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين

كان الدور السياسي الذي اضطلع به صلاح الدين يوسف بن أيوب، في حقيقته استكمالاً لجهود البيت الزنكي في قتال الصليبيين في بلاد الشام. فبعد أن وصل في معية عمه شيركوه إلى مصر لنجدة الوزير شاور، تغيّرت الظروف السياسية بسرعة، وتولى شيركوه نفسه الوزارة بعد غدره بشاور، وبعدها تولى صلاح الدين هذا المنصب عقب وفاة عمه. بعد وفاة نور الدين محمود عام 1174، عمل صلاح الدين على فرض سيطرته على جميع المدن الشامية التي كانت خاضعة لنفوذ الزنكيين، فتزوج من عصمة الدين خاتون، أرملة نور الدين، وبدأ في منازلة ورثة بيت زنكي، حتى استخلص معظم المدن الشامية من أيديهم، ثم استدعته الظروف عام 1187 لخوض معركة حاسمة ضد الصليبيين في حطين، انتهت بانتصار صلاح الدين ودخوله إلى بيت المقدس. وبحسب ما يذكر جيمس واترسون في كتابه “سيوف مقدسة”، تسبّب ضياع “مدينة الرب” في إثارة موجة عاتية من الغضب في أوروبا، ما أسفر عن إعلان الحملة الصليبية الثالثة بمباركة البابا غريغوري الثامن.

تميّزت تلك الحملة باشتراك عدد من أقوى ملوك وأمراء الغرب المسيحي، ومنهم ريتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا، فيليب الثاني أغسطس ملك فرنسا، وفريدريك بارباروسا إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

ويذكر واترسون أن الحملة تعرّضت للكثير من الصعوبات، منها وفاة فريدريك بارباروسا في طريقه إلى الشرق، وتشتت أغلبية قواته، والخلاف بين ملكي فرنسا وإنكلترا حول أحقية كل منهما في قيادة الحملة، ما تسبب في عودة فيليب إلى فرنسا مع أغلبية قواته، وبقاء جزء صغير منها في بلاد الشام. تمكّن الصليبيون في تلك الحملة من الاستيلاء على مدينة عكا الحصينة، وتبادلوا مع صلاح الدين النصر والهزيمة في بعض المعارك، وعام 1192 تم عقد صلح الرملة بين الطرفين، وبموجبه احتفظ المسلمون ببيت المقدس، وتم تسليم مدن الساحل السوري من صور إلى يافا للصليبيين، كما سمح للحجيج المسيحي بالحج للقدس دون قيد أو شرط.

الحملة الرابعة… الاستيلاء على القسطنطينية بدلاً من مصر

كانت هذه الحملة من أغرب الأحداث في تاريخ الحروب الصليبية، لما اتسمت به من طابع مميز عن باقي الحملات الصليبية الأخرى، ولما ترتب على انحرافها من نتائج، حسبما تذكر الدكتورة إسمت غنيم في كتابها “الحملة الصليبية الرابعة ومسؤولية انحرافها ضد القسطنطينية”.

كان البابا إينوسنت الثالث يتطلع لاسترداد بيت المقدس، فدعا عام 1198 إلى حملة صليبية جديدة، وكان اعتقاد قادة أوروبا وقتها، أن غزو مصر يجب أن يتم قبل غزو فلسطين، ومن هنا فقد كانت خطة قادة الحملة متركزة على الاستيلاء على السواحل المصرية في البحر المتوسط. عقد قادة الحملة اتفاقاً مع أنريكو داندولو، دوق البندقية، بموجبه توفّر تلك المدينة الصغيرة السفن اللازمة لنقل 35 ألف جندي إلى مصر، مقابل دفع مبالغ مالية معينة.

ولكن بعد انطلاق الحملة، عجز الصليبيون عن دفع التزاماتهم المالية، فأجبرهم دوق البندقية على الاستيلاء على بعض مدن المجر، ثم سرعان ما عقد معاهدة مع الملك العادل الأيوبي، واتفق مع الصليبيين على غزو القسطنطينية. تسبّب انحراف الحملة عن مسارها في إصدار البابا قراراً بحرمان الحملة بأكملها، كما أدى إلى إنقاذ الأيوبيين المنقسمين على أنفسهم من قتال الحشود الصليبية الغفيرة.

الحملة الخامسة… الأوروبيون يصلون مصر للمرة الأولى

عام 1216، دعا البابا هونوريوس الثالث إلى تدشين حملة صليبية جديدة، وبينما اعتذر أغلبية ملوك أوروبا عن الاشتراك فيها، استجاب لدعوته ملك المجر أندريه الثاني، مع عدد كبير من نبلاء أوروبا.

يذكر الدكتور محمد سهيل طقوش في كتابه “تاريخ الحروب الصليبية”، أن الحملة تحرّكت صوب مدينة دمياط في مصر، واستولت عليها بعد حصار امتد 19 شهراً. حاول الملك الكامل ناصر الدين محمد، خامس سلاطين الدولة الأيوبية، أن يعقد صلحاً مع قيادات الحملة، فأغراهم بإعادة بيت المقدس إليهم، ولكنهم رفضوا العرض، وتقدموا صوب القاهرة، فانتهز الكامل ذلك وفتح السدود المقامة على النيل، ما تسبب بإغراق الأراضي المحيطة بالجيش الصليبي.

وبحسب ما يذكر المقريزي في كتابه “السلوك لمعرفة دول الملوك”، فإن قادة الجيش الأوروبي وجدوا أنفسهم عاجزين عن الحركة، فمالوا لطلب الصلح من الكامل، ووافق الأخير عليه، وتم الاتفاق على تبادل الأسرى وعقد الهدنة لمدة ثمانية أعوام.

الحملة السادسة… بيت المقدس يُسلَّم كهدية!

تُعتبر هذه الحملة من أغرب الحملات الصليبية على المشرق، إذ لم تشهد قتالاً بين الصليبيين والمسلمين، بل سادت فيها الروح الدبلوماسية والودية بين الطرفين. كان فريدريك الثاني ملك صقلية يخوض صداماً عنيفاً ضد البابوية بسبب رغبة الطرفين في إحكام السيطرة على إيطاليا، وقام البابا غريغوري التاسع بإصدار قرار بالحرمان بحقه، بسبب تقاعسه عن غزو المشرق الإسلامي. الإمبراطور الذي عُرف بحبه للثقافة الإسلامية، وإعجابه بمظاهر الحضارة الإسلامية، دخل في علاقة صداقة وطيدة مع السلطان الكامل الأيوبي حاكم مصر، وعام 1228، وبعد مجموعة من السفارات المتبادلة بين الطرفين، وافق فريدريك على تقديم يد العون لصديقه الأيوبي، ضد أعدائه من الأمراء الأيوبيين في بلاد الشام من جهة والدولة الخوارزمية التي حكمت مساحات واسعة في آسيا الوسطى من جهة أخرى، حسبما يذكر الدكتور رجب محمود إبراهيم في كتابه “تاريخ الدولة الأيوبية”.

ويذكر الدكتور قاسم عبده قاسم، في كتابه “الأيوبيون والمماليك”، أنه وفي العام نفسه قدم فريدريك مع قوة صغيرة من فرسانه إلى المشرق، في ما عُرف بعد ذلك باسم “الحملة الصليبية السادسة”، ووافق الكامل على تسليم بيت المقدس للإمبراطور المسيحي، وذلك مساندةً له في حربه ضد البابوية، ولتوطيد مركزه في العالم المسيحي، خصوصاً وأن جميع الدول الأوروبية كانت تنظر له بنظرة نفور وكراهية، لتأثره بثقافة المسلمين، واستيراده لمظاهر الفنون الإسلامية إلى بلاطه، ولتسامحه مع المسلمين في صقلية، واختياره بعضهم في مناصب دولته المهمة. ورغم الأجواء السياسية الهادئة التي سارت فيها المحادثات والاتفاقات بين الحاكميْن، إلا أن موجة عاتية من الغضب الشعبي قامت في البلدان الإسلامية، عقب تسليم بيت المقدس للإمبراطور. يحدثنا ابن الأثير، في كتابه “الكامل في التاريخ”، أن قسماً كبيراً من المسلمين وجّه للكامل الاتهامات بالخيانة والتقصير، لكونه سلم تلك البقعة المقدسة للعدو.

خاتمة الصراع… الحملات السابعة والثامنة والتاسعة

كان المغول قد قاموا بتحطيم الدولة الخوارزمية في الربع الأول من القرن الثالث عشر الميلادي، وتمكن الملك الصالح نجم الدين الأيوبي حاكم مصر، من استمالة بعض القوات الخوارزمية، فدعاها إلى فتح بيت المقدس، وهو ما وقع بالفعل عام 1244، بحسب ما يذكره ابن واصل في كتابه “مفرج الكروب في أخبار بني أيوب”.

هذا الفتح أعقبه وقوع معركة أرِبيا، التي وقعت بالقرب من غزة، وانتصرت فيها قوات الصالح على التحالف الصليبي في بلاد الشام. أخبار تلك الهزائم المتلاحقة وصلت إلى أوروبا، فتم الاتفاق بين ملك فرنسا لويس التاسع والبابا إينوسنت الرابع، على القيام بحملة صليبية جديدة، وهي تلك التي انطلقت قاصدة دمياط عام 1248. يذكر الدكتور سهيل زكار، في موسوعته المهمة “الحروب الصليبية”، أن الصليبيين استولوا على دمياط دون قتال بعد فرار المقاتلين المسلمين المكلفين بالدفاع عنها، وبعد عدة أشهر انطلقوا في طريقهم إلى القاهرة، مستغلين الفوضى الحادثة في المعسكر الإسلامي نتيجة مرض الصالح أيوب. بعد وفاة الصالح أيوب، قدم ابنه توران شاه من حصن كيفا الواقع في شمال الشام، وقاد الجيش الأيوبي إلى تحقيق انتصار كبير على الملك الفرنسي في معركة المنصورة، ووقع لويس التاسع في الأسر، وتم تحريره بعدها مقابل دفع فدية ضخمة.

وعلى الرغم من الهزيمة التي تعرّض لها ملك فرنسا، إلا أنه تحين الفرصة للأخذ بثأره، وهو ما تحقق عقب تحريض من أخيه شارل أنجو ملك صقلية، بحسب ما يذكر الدكتور سهيل طقوش. بحسب المصدر السابق، أعدّ لويس التاسع حملة صليبية جديدة، عام 1270، تألفت من 36 ألف مقاتل، وعُرفت باسم الحملة الصليبية الثامنة. تونس كانت وجهة هذه الحملة، إذ نُظر إليها على كونها مصدراً مهماً للثروة، بالإضافة إلى أن موقعها الاستراتيجي كان مهماً لتنفيذ أية مشاريع مستقبلية ضد مصر. ولما علم المستنصر الحفصي حاكم تونس بالحملة، أعد التحصينات والتجهيزات للدفاع عن مدينته، فلم يكد الفرنسيون يرسون على الشواطئ إلا وداهمهم الجنود الحفصيون، وساعدتهم عوامل الحرارة الشديدة والأوبئة في الفتك بالآلاف من الجيش الفرنسي. وكان لويس التاسع نفسه أحد الضحايا. وأمام تلك الخسائر الفادحة، تراجع شارل أنجو بالقوات الصليبية، بعد أن دفع له المستنصر مبلغاً من المال، ولاقت الحملة الثامنة نفس المصير الأليم الذي لاقته الحملة السابعة. في ذلك الوقت، وصلت قوات الأمير الإنكليزي إدوارد الأول إلى تونس، فلما عرف بالنهاية المؤسفة لحلفائه، رجع بقواته إلى قبرص، وتبادل بعض الخطابات مع المغول، إذ كان الطرفان يخططان للقيام بهجوم مشترك ضد المماليك. ولما عرف سلطان المماليك في مصر والشام (1260-1277) الظاهر بيبرس بأخبار تلك المفاوضات، وجّه الأسطول المملوكي نحو قبرص لتوجيه ضربة استباقية إلى قوات إدوارد، لكن الرياح دمّرت السفن فرجع المماليك إلى مصر مهزومين بدون الدخول في معركة حقيقية، ثم تم عقد الهدنة بين الطرفين، لتكون هذه الحملة التي عُرفت بالحملة الصليبية التاسعة آخر الحملات التي يقودها أمير أوروبي في المشرق الإسلامي. وبقي وجود الصليبيين في بلاد الشام بعدها مهدداً، وبدأ الخناق يضيق عليهم شيئاً فشيئاً، وتم استرداد المدن الشامية التي كانوا قد فرضوا سيطرتهم عليها، وظل معقلهم الأخير يتمثل في مدينة عكا الحصينة، وعام 1292 قام الملك الأشرف خليل بن قلاوون بتوجيه الضربة الأخيرة لهم عندما فتح عكا، وتم عقد الاتفاقات مع البقية الباقية من الصليبيين الموجودين فيها، ليرحلوا إلى أوروبا، وليُسدل الستار بذلك على عصر الحروب الصليبية.

المصدر: موقع رصيف 22




بين الإيمان بوحدة المصير والبحث عن المنفعة…أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية – الشيعية

محمد يسري

تُعتبر فترة الحملات الصليبية على المشرق الإسلامي، والتي امتدت على مدار القرنين السادس والسابع الهجريين، من الفترات التاريخية الحرجة التي تعرّضت فيها “الأمة الإسلامية” بمختلف طوائفها وفرقها لتحدٍّ حقيقي ومحنة شديدة. وإذا ما استثنينا الشيعة الزيدية، لعدم وجود حقيقي لهم في الرقعة المكانية التي استهدفها الصليبيون، فإن ثلاث طوائف شيعية أخرى هي الاثناعشرية والإسماعيلية والإسماعيلية-النزارية (الحشيشية) تواجدت في بلاد العراق والشام ومصر. اصطدمت هذه الطوائف بشكل مباشر بالهجمات الصليبية، فتفاعلت معها وانبنت على ذلك تغيّرات في مجرى العلاقة بين هذه الجماعات الشيعية وبين السنّة.

خريطة التشيّع في المنطقة قُبيل قدوم الحملات الصليبية

مع بداية النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، بدأ الشيعة في الانتشار في معظم البلاد والأقاليم الإسلامية. ومع مرور الوقت، أضحت الجماعات والطوائف الشيعية إحدى المكوّنات الرئيسة في اللوحة الفسيفسائية الكبرى، والتي عبّرت عن التنوّع المذهبي في تاريخ الإسلام. وإذا رجعنا إلى العقد الأخير من القرن الحادي عشر الميلادي، وهو التوقيت الذي بدأت فيه الحملات الصليبية الأولى ضد المسلمين في الأناضول وبلاد الشام، لوجدنا أن الشيعة كانوا ينتشرون في عدة بلدان وأقاليم تأثرت بشكل مباشر بالغزو الصليبي. كانت بلاد الشام مقسمة إلى عدد من الإمارات الصغيرة التي اعتاد ملوكها على التصارع مع بعضهم البعض، وكان انتشار مذهب عقائدي معيّن مرهوناً بالنفوذ السياسي للأمراء. في حلب، أهم مدن شمال الشام، كان الحمدانيون قد هيئوا الأوضاع لانتشار التشيّع. يذكر ابن العديم في كتابه “زبدة الطلب في تاريخ حلب”: “كان سيف الدولة الحمداني يتشيع، فغلب على أهل حلب التشيع لذلك”. وظل نفوذ الشيعة الإمامية في شمال الشام قائماً بعد سقوط الدولة الحمدانية عام 392هـ/ 1002م، وكان السبب في ذلك أن الأسرة المرداسية التي خلفت الحمدانيين في حكم حلب، كانت هي الأخرى إمامية اثنا عشرية. وعام 463هـ/ 1071م، وأمام الهجمة السلجوقية الشرسة على بلاد الشام، اضطر محمود بن صالح بن مرداس إلى إعلان ولائه للدولة العباسية، حسبما يذكر ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”. ولكن رغم ذلك، بقي الحضور الشيعي قائماً ومؤثراً في حلب. طرابلس هي الأخرى كانت تحكمها أسرة شيعية إمامية عريقة، وهي أسرة بني عمار، الأمر الذي أتاح الفرصة لانتشار التشيع الإمامي فيها وفي المدن القريبة منها مثل جبيل. بشكل عام، تتضمّن المشاهدات التي دوّنها الرحالة المسلمون الذين مرّوا ببلاد الشام في القرنين الخامس والسادس الهجريين، مثل المقدسي في كتابه “أحسن التقاسيم”، وابن جبير في رحلته، ما يفيد بأن الشيعة مثّلوا الأغلبية السكانية في عموم هذه البلاد في زمن الحروب الصليبية، وخصوصاً في مدن دمشق، طبرية، نابلس، صور، حمص، وجبل عامل. في مصر، كان الفاطميون، وهم من الشيعة الإسماعيلية، يحكمون دولة شاسعة، ولكنهم رغم ذلك لم يتمكنوا من تحويل الشعب المصري إلى مذهبهم العقائدي، فظلوا يعيشون في عاصمتهم القاهرة، كنخبة أرستقراطية حاكمة معزولة عن باقي الشعب السنّي.

وبرغم وجود بعض حالات الاضطهاد الذي مارسته السلطة الفاطمية ضد بعض علماء السنّة، إلا أن التسامح ظل هو السمة الغالبة على دولتهم “فقد كانوا يتألفون أهل السنة والجماعة ويمكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم”، كما يذكر القلقشندي في كتابه “صبح الأعشا في صناعة الإنشا”. وعام 487هـ/ 1094م، وقبل ما يقرب من العامين فقط من وصول أول حملة صليبية إلى بلاد الشام، توفى الخليفة الفاطمي الثامن المستنصر بالله، وتنازع ولديه أحمد (المستعلي) ونزار على السلطة، وحظي الأول بدعم الوزير الأفضل شاهنشاه، فهرب نزار إلى الإسكندرية، ثم قُتل بعد ذلك في ظروف غامضة كما يذكر برنارد لويس في كتابه “الحشاشون: فرقة ثورية في تاريخ الإسلام”. تلك الأحداث السياسية المتلاحقة أسفرت في ما بعد عن وقوع تغيّرات جوهرية في المذهب الشيعي الإسماعيلي، إذ قام الداعية الإسماعيلي الحسن بن الصباح بالدعوة إلى إمامة أبناء نزار في إيران، وعُرف أتباعه باسم النزاريين أو الحشيشية، وسرعان ما نشروا دعوتهم في سوريا، وتمكنوا من السيطرة على بعض القلاع القوية هناك، وأهمهما قلعة مصياف بالقرب من مدينة حماة.

ابن الخشاب… فقيه شيعي مُعمم قاد جيشاً سنّياً في سرمدا

يؤكد محمد مختار الشنقيطي في كتابه “أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنّية الشيعية”، أن هناك عدداً من الأسباب التي تضافرت مع بعضها البعض، لخلق حالة من حالات التفاهم والتعاون بين السنة والشيعة الإمامية في بلاد الشام إبان فترة الحروب الصليبية. من تلك الأسباب أن معظم السنّة في الشام كانوا من الأشاعرة الذين ينظرون بتسامح إلى الشيعة، بالإضافة إلى أن الشيعة الإمامية أنفسهم في تلك الفترة لم يكونوا يعتنقون أية أفكار سياسية، وكانوا يؤمنون بضرورة انتظار المهدي الغائب، وهو ما مهد لقبولهم بفكرة النضال مع السنّة، تحت راية واحدة، ضد العدو الصليبي. يوجد مثالان في منتهى الأهمية للدلالة على التعاون السني-الشيعي ضد الصليبيين: المثال الأول في طرابلس، أما الثاني ففي حلب. تعرّضت إمارة بني عمار الشيعية في طرابلس لهجوم الحملة الصليبية الأولى بعد إسقاط بيت المقدس. وعام 495هـ/1102م، فرض ريمون دي سان جيل، وهو أحد قادة الفرنجة الذين شاركوا في الحملة الصليبية الأولى، حصاراً طويلاً على طرابلس، ما أجبر فخر الملك ابن عمار على طلب المساعدة من جيرانه السنّة في دمشق وحلب، واستطاعت الجيوش الموحدة كسر الحصار الصليبي على أسوار المدينة، حسبما يذكر ابن الأثير. ولكن عام 497هـ/ 1104م، ومع تكرار الحصار الصليبي على طرابلس، طلب ابن عمار المساعدة من الأمير التركي السنّي سقمان القطبي، صاحب قلعة كيفا الواقعة على نهر دجلة في جنوب شرق تركيا، واستجاب الأخير للنداء وتحرك بجيشه لإنقاذ طرابلس، ولكنه توفى في طريقه إليها، فرجع جيشه. أجبرت الظروف العصيبة التي تعرّضت لها طرابلس ابن عمار على القيام بخطوة جديدة، وهي السفر بنفسه إلى عاصمة السنّة، بغداد، حيث التقى بكل من الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي، وطلب منهما المساعدة ضد الصليبيين. ورغم الود والترحاب اللذين قوبل بهما ابن عمار، إلا أن الاثنين كانا منشغلين بالأوضاع الداخلية في دولتهما، فنتج عن ذلك عدم تقديمهما أية مساعدة حقيقية للإمارة الشيعية المُحاصرة، والتي سقطت بيد الصليبيين عام 502هـ/ 1109م، لتصبح الإمارة الصليبية الرابعة في المشرق الإسلامي بعد كل من أنطاكية والرها الواقعتين في جنوب تركيا، وبيت المقدس. النموذج الثاني شهدته حلب، والتي كان صاحبها السلجوقي رضوان بن تتش، قد اعتاد على استرضاء جيرانه من صليبيي أنطاكية والرها بالأموال والهدايا. فعام 507هـ/ 1113م، توفى رضوان وعانت حلب من الفوضى السياسية، إذ تتابع عدد من أخوة رضوان على عرش حلب، وانشغلوا في قتال بعضهم البعض، واستغل الصليبيون هذه الفرصة لحصارها. ووسط تلك الظروف العصيبة ظهرت شخصية الفقيه الشيعي الإمامي أبو الفضل بن الخشاب، وكان صاحب تأثير كبير على طبقة عريضة من أهل المدينة. يذكر ابن العديم أن ابن الخشاب تجاوز الخلافات المذهبية، وسارع في إرسال وفد إلى أمير ماردين السنّي نجم الدين إيليغازي، صاحب دولة الأراتقة التركمان، والتي حكمت من عاصمتها في مدينة ماردين الواقعة جنوب شرق الأناضول مساحات واسعة من جنوب تركيا وشمال سوريا، وطلب منه المساعدة عارضاً عليه حكم حلب. استجاب إيليغازي لدعوة الفقيه الشيعي المُعمم، وتحركت قواته صوب المدينة، لتتحالف مع قوات ابن الخشاب، وخاض المسلمون، سنة وشيعة، معركة سرمدا عام 513هـ/ 1119م، وهي التي تسميها المراجع الأوروبية بمعركة حقل الدم. ابن الخشاب لعب دوراً في غاية الأهمية خلال تلك المعركة، حسبما يذكر ابن العديم في كتابه، فقد “أقبل القاضي أبو الفضل بن الخشاب، يحرّض الناس على القتال، وهو راكب على حمار وبيده رمح، فرآه بعض العسكر فازدراه، وقال: إنما جئنا من بلادنا تبعاً لهذا المعمم! فأقبل على الناس، وخطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم واسترهف هممهم بين الصفين، فأبكى الناس وعظم في عينهم”. انتهت تلك المعركة بانتصار المسلمين، فكانت سرمدا هي المعركة الكبيرة الأولى التي يُهزم فيها الصليبيون في بلاد الشام. وعام 518هـ/ 1125م، عاود ابن الخشاب ممارسة جهوده الفعالة لتوحيد الصف الإسلامي، بعدما حاصر ملك بيت المقدس بلدوين الثاني حلب، واشتد الأمر بالناس حتى أكلوا الكلاب والميتات، بحسب ابن الأثير. في تلك الظروف الحرجة، أرسل ابن الخشاب إلى أمير الموصل السني أق سنقر البرسقي، وكان أحد كبار القادة السلاجقة في ذلك الوقت، ليستحثه على نجدة حلب، فتحرك أمير الموصل بجيشه ودخل حلب كاسراً الحصار عليها، واستقبله ابن الخشاب والشيعة الإمامية مرحبين، وكان ذلك الاستقبال فاتحة لفترة جديدة، تولت فيها حلب عبء جهاد الصليبيين، وذلك عندما قاد عماد الدين زنكي، ابن أق سنقر، حركة النضال ضد الصليبيين أي أن البداية الحقيقية للجهاد الإسلامي السنّي ضد الصليبيين تمت بسبب دعوة شيعية إمامية بالأساس.

الفاطميون… من التعاون مع الصليبيين إلى التحالف مع السنّة

اختلف رد فعل الفاطميين على التحركات الصليبية في الأناضول وبلاد الشام، وبالتالي اختلف موقفهم من التعامل مع القوى السنّية المجاورة لهم. مع بدايات الحملة الصليبية الأولى، اعتقد الفاطميون أن الصليبيين سيكتفون بضرب السلاجقة، ومن ثم اعتبروهم حلفاء عسكريين ضد أعدائهم التقليديين، ويؤكد على ذلك ما أورده المؤرخ الفرنجي ويليام الصوري، في تاريخه، عندما ذكر أن حكام القاهرة أرسلوا لقادة الحملة الصليبية الأولى وفداً رفيع المستوى محملاً بالهدايا والتحف، أثناء الحصار الصليبي لمدينة أنطاكية. لكن تلك النظرة سرعان ما تغيّرت بعدما اندفع الصليبيون لغزو بيت المقدس، إذ تيقن حكام مصر من عداء الصليبيين لهم، فأعدوا العدة لقتالهم، وحاربوهم في معارك عدّة تباينت نتائجها، بحسب ابن الأثير. إدراك الفاطميين للتفوق العسكري الصليبي، دفعهم إلى عقد تحالفات مع جيرانهم السنّة. يذكر ابن القلانسي في كتابه “المذيل في تاريخ دمشق”، على سبيل المثال، أن الفاطميين أرسلوا أساطيلهم للدفاع عن مدن صيدا وصور وعسقلان وطرابلس، كما تحالفوا مع الأمير السلجوقي ظاهر الدين طغتكين، أمير دمشق السني، وخاض الطرفان عام 498هـ/ 1105م معركة مشتركة ضد الصليبيين، في منطقة واقعة بين عسقلان ويافا، ولكن المعركة انتهت بهزيمة المسلمين وعودتهم إلى بلادهم.

وفي نهايات الدولة الفاطمية، ازداد الاعتماد على الجيران الشاميين من أهل السنة، فأثناء الصراع على منصب الوزارة بين شاور بن مجير السعدي وضرغام بن عامر بن سوار اللخمي، وكانا من أقوى أمراء الدولة الفاطمية في النصف الأول من القرن السادس الهجري، سارع الأول مؤيداً من الخليفة الفاطمي العاضد، بطلب المساعدة من نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، حاكم حلب، وقدّم له عرضاً مغرياً يتضمن أن يكون لنور الدين “ثلث دخل البلاد (أي مصر) بعد إقطاعات العساكر، ويكون أسد الدين شيركوه (قائد جند نور الدين) مقيماً بعساكره في مصر، وأن يتصرف شاور بأمر نور الدين واختياره”، بحسب ابن الأثير. ولما خالف شاور هذا الاتفاق ورجع جيش نور الدين محمود إلى الشام، وخاف الخليفة العاضد من دخول الصليبيين لمصر، أرسل إلى نور الدين مستغيثاً إياه، وأرسل له بضعة خصلات من شعر بناته لاستنهاضه للدفاع عن مصر، بحسب ابن العديم. وسرعان ما عيّن العاضد أسد الدين شيركوه وزيراً له، ولم يلتفت إلى الخلاف المذهبي، بل قام بعد وفاة شيركوه بتعيين ابن أخيه صلاح الدين يوسف في منصب الوزارة، واستمر صلاح الدين منصبه حتى أسقط الدولة الفاطمية عام 569هـ/ 1174م.

المصدر: موقع رصيف 22




أبو الفضل بن الخشاب…منسق التحالف الشيعي – السني ضد الصليبيين في حلب

محمد يسري

في نهايات القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، بدأت الحملات الصليبية على المشرق الإسلامي. ولم يمرّ الكثير من الوقت قبل أن يتمكن الصليبيون من الاستيلاء على مجموعة مدن مهمة في بلاد الشام والأناضول، ومنها بيت المقدس و أنطاكية والرها وطرابلس.

وقعت مدينة حلب، باعتبارها عاصمة شمال الشام وحلقة الوصل بين سوريا والأناضول، تحت ضغط وتهديد متواصلين من جانب إمارَتيْ أنطاكية والرها القريبتين منها، ما تسبب في دخول الحلبيين في حروب كثيرة، للدفاع عن أرضهم وحمايتها من مطامع الصليبيين.

في تلك الظروف العصيبة، تتحدث مجموعة من المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الأحداث، عن القاضي الشيعي الإمامي الاثني عشري أبي الفضل بن الخشاب الذي لعب دوراً مهماً ومحورياً في التصدي للخطر الصليبي، من خلال معارضته وانتقاده للحكام الموالين للصليبيين من جهة، وسعيه إلى انعقاد عدد من التحالفات مع القوى السنّية التركمانية المتواجدة بالقرب من حلب من جهة أخرى.

تجاوز ابن الخشاب للخلافات المذهبية السنّية-الشيعية التقليدية يجعل من تجربته نموذجاً تاريخياً مميّزاً للتوحد السياسي العابر للمذهبيات في التاريخ الإسلامي.

المعارض الأكبر لسياسة التطبيع والخضوع

كانت معظم المدن الشامية، عشية الغزو الصليبي للمشرق، واقعة تحت حكم مجموعة من القادة العسكريين التركمان الذين تولّوا مناصبهم بموجب مراسيم صادرة عن سلاطين السلاجقة الأتراك.

في حلب، كان فخر الملوك رضوان بن تتش، يحكم منذ عام 488هـ/ 1095م، أي أنه كان شاهداً على أحداث الحملة الصليبية الأولى إلى الشرق، والتي تمكّنت من تحقيق انتصارات باهرة على القوى الإسلامية في المنطقة، فضلاً عن الاستيلاء على بيت المقدس عام 492هـ/ 1099م.

مثله مثل العديد من الأمراء المسلمين في تلك الفترة، عمل رضوان على الحفاظ على أملاكه الخاصة، فاهتم بمهادنة جيرانه الجدد، وآثر ألا يدخل معهم في حرب مدمرة.

وبهدف التخلص من منافسيه من أمراء الشام، تحالف رضوان مع أبناء طائفة الشيعة الإسماعيلية النزارية، المعروفين باسم الحشاشين، وكانوا ينتشرون في إيران وسوريا، أما معقلهم الرئيسي فكان يقع في حصن ألموت في شمال إيران.

عُرف الحشاشون بمهارتهم الفائقة في الاغتيال، وقتل الرؤساء والقادة المُحاطين بالحرس والجند. ومن هنا، يذكر مؤرخ حلب كمال الدين ابن العديم في كتابه “زبدة الطلب في تاريخ حلب” أن “أمر الباطنية كان قد قوي بحلب في أيام رضوان بن تتش، وتابعهم خلق كثير على مذهبهم طلباً لجاههم، وصار كل مَن أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم يلتجئ إليهم”.

جنوح رضوان للتوافق مع القوى الصليبية لم يحظَ بقبول في الأوساط الشعبية في حلب، ويظهر ذلك في قول ابن العديم: “ساء تدبير الملك رضوان، فأطلق العوام ألسنتهم بالسب له وتعيينه، وتحدثوا بذلك فيما بينهم، فاشتد خوفه… وترك الركوب بينهم”.

كما عبّر سبط ابن الجوزي، في كتابه “مرآة الزمان في تواريخ الأعيان”، عن الأمر نفسه بقوله: “كان رضوان غير محمود السيرة… وكان ظالماً، بخيلاً شحيحاً، قبيح السيرة، ليس في قلبه رحمة ولا شفقة على المسلمين، وكانت الفرنج تغار وتسبي، وتأخذ من باب حلب ولا يخرج إليهم”.

الحلبيون من السنة والشيعة، على حد سواء، مالوا إلى النضال ضد الصليبيين، وكان أشهر من عبّر عن رغبات أهل المدينة في ذلك الوقت القاضي الشيعي أبو الفضل بن الخشاب.

كان هذا القاضي المتحدّر من عائلة حلبية نبيلة، يصفها ابن العديم بقوله “من بيوت حلب القديمة، وعيسى الخشاب جدهم كان مقدماً في دولة بني حمدان، وتقدم بنوه وعقبه بعده، ورأسوا بها واتخذوا الأملاك بحلب، ومال إليهم الشيعة بها، وتولوا المراتب السَنِيّة (المرموقة)”.

وكان القاضي الشيعي المُعمم صاحب نفوذ واسع في حلب، فهو بحسب ما يذكر أمين معلوف في كتابه “الحروب الصليبية كما رآها العرب”: “أكثر من تُسمع كلمته في الأحياء، فإذ كان يتحدر من أسرة غنية من تجار الخشب فإنه يقوم بدور أساسي في إدارة البلد، وبوصفه قاضياً شيعياً فإنه يتمتع بسلطة دينية ومعنوية كبيرة ويضطلع بأمر تسوية النزاعات المتعلقة بالناس والأموال في طائفته، وهي أهم الطوائف في حلب، وهو علاوة على ذلك رئيس المدينة، الأمر الذي يجعل منه شيخ التجار، وممثل مصالح الشعب لدى الملك، وقائد الميليشيا البلدية”.

ابن الخشاب الذي عبّر عن المزاج الشعبي في حلب، عارض توجهات رضوان السياسية مراراً، فرفض تحالفه مع الحشيشية، كما انتقد سياسته الخانعة للصليبيين، وظهر ذلك بشكل واضح عندما قام رضوان بتعليق صليب كبير على مئذنة المسجد الجامع في حلب، بناءً على أمر تانكرد، أمير أنطاكية، فقد رفض ابن الخشاب ذلك، وقاد تظاهرة حاشدة أجبرت رضوان على إنزال هذا الصليب، ثم تعليقه في برج كاتدرائية حلب الكبرى، بحسب ما يذكر معلوف.

وعام 505هـ/ 1111م، وأثناء تزايد الضغط الصليبي على حلب، سافر القاضي ابن الخشاب، ومعه مجموعة من أعيان أهلها، إلى بغداد، لطلب الدعم العسكري من الخلافة العباسية، فدخلوا إلى مسجد السلطان السلجوقي في أحد أيام الجمعة و”أنزلوا الخطيب عن المنبر وكسروه وصاحوا وبكوا لما لحق بالإسلام من الإفرنج، وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال، ومنعوا الناس من الصلاة، والخدم والمُقدمون يعدونهم عن السلطان بما يسكنهم من إنفاذ العساكر والانتصار للإسلام من الإفرنج والكفار”، بحسب ما يذكر ابن القلانسي في كتابه “ذيل تاريخ دمشق”.

نفوذ ابن الخشاب المستتر سرعان ما ظهر بشكل معلن، عقب وفاة رضوان عام 507هـ/ 1113م، إذ قام بنشر أعوانه في مراكز حلب الرئيسة وأبنيتها الكبرى، فسيطر عليها، وضغط على حاكم حلب الجديد ألب الدين أرسلان بن رضوان. جرى ذلك قبل عام واحد من اغتيال هذا الحاكم على يد أحد خدمه.

انتصار إسلامي مبهر على الصليبيين

شهدت حلب في السنوات القليلة التي أعقبت اغتيال أرسلان سلسلة من الأحداث الفوضوية. يتحدث ابن العديم عن أوضاعها المضطربة في تلك الفترة، فيقول: “كانت رغبات الملوك فيها إذ ذاك قليلة، لمجاورة الفرنج لها، وخراب بلدها، وقلة ريعه، واحتياج من يكون مستولياً عليها إلى الخزائن والأموال والنفقة في الجند”.

عام 512هـ/ 1118م، رشّح ابن الخشاب اسم أمير ماردين السني إيليغازي ليصبح حاكماً جديداً لحلب، فـ”اتفق رأيهم على أن سيّروا الأعيان والمقدمين إلى إيليغازي بن أرتق، واستدعوه ليدفع الإفرنج عنهم، وظنوا أنه يصل في عسكر يفرج به عنهم، وضمنوا له مالاً يقسطونه على حلب يصرفه إلى العساكر”، فقدم إيليغازي من ساعته، وكان القاضي الشيعي هو مَن فتح الأبواب له بنفسه، حسب ما يذكر معلوف.

بعد وصوله إلى حلب مباشرة، تزوج إيليغازي من ابنة رضوان، لتعزيز شرعية الحكم. ويحكي ابن القلانسي أن إيليغازي عمل على تحسين أحوال المدينة الداخلية إذ “رفع المكوس عن أهل حلب والمؤن والكلف، وأبطل ما جدده الظلمة من الجور والرسوم المكروهة، وقوبل ذلك منه بالشكر والثناء، والاعتداد والدعاء”.

وعام 513هـ/ 1119م، وقع الصدام بين الحلبيين والصليبيين، في معركة سرمدا التي عرّفتها المراجع الأجنبية باسم “سهل الدم”.

المعركة التي شارك فيها القاضي ابن الخشاب، ورد ذكرها في العديد من المصادر التاريخية المهمة، من ذلك ما قاله ابن العديم من أنه “حمل الترك بأسرهم حملة واحدة من جميع الجهات… وكانت السهام كالجراد، ولكثرة ما وقع في الخيل والسواد من السهام، عادت القوات الصليبية منهزمة وغلبت فرسانها، وطحنت الرجال والأتباع والغلمان بالسهام، وأخذتهم بأسرهم أسرى”.

وعن دور القاضي الشيعي في تلك المعركة، يقول ابن العديم: “أقبل القاضي أبو الفضل بن الخشاب يحرّض الناس على القتال، وهو راكب على حجر وبيده رمح، فرآه بعض العساكر فازدراه، وقال: إنما جئنا من بلادنا تبعاً لهذا المعمم، فأقبل على الناس، وخطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم، واسترهف هممهم بين الصفين، فأبكى الناس وعظم في أعينهم”.

أما ابن القلانسي، فقد وصف ذلك الانتصار بقوله: “كان هذا الفتح من أحسن الفتوح، والنصر الممنوح، لم يتفق مثله للإسلام، في سالف الأعوام، ولا الآنف من الأيام، وبقيت أنطاكية شاغرة خالية من حُماتها، ورجالها، خاوية من كماتها، وأبطالها”. وبلغ من عظم شأن تلك المعركة في وقتها، أن تردد القول بين الحلبيين بأن الملائكة حاربت يومها في صف المسلمين.

وعلى العكس من الروايات السابقة التي ضخّمت من أهمية معركة سرمدا، وشهدت للدور المهم الذي لعبه ابن الخشاب في أحداثها، عرضها ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ” بشكل في غاية الاختصار والاقتضاب، وذكر أن جيش المسلمين تجاوز العشرين ألف مقاتل، بينما لم يتعدَّ عدد الصليبيين الاثني عشر ألفاً ما بين فارس وراجل.

ويذكر ابن الأثير أن الصليبيين تمركزوا في منطقة شديدة الوعورة و”لم تعتقد الإفرنج أن أحداً يقدم عليهم لصعوبة المسلك إليهم، فلم يشعروا إلا وأوائل المسلمين قد غشيهم، فحمل الإفرنج حملة منكرة فولوا منهزمين، فلقوا باقي العسكر متتابعة، فعادوا معهم وجرى بينهم حرب شديدة، وأحاطوا بالإفرنج من جميع جهاتهم، وأخذهم السيف من سائر نواحيهم فلم يفلت منهم غير نفر يسير وقتل الجميع وأسروا، وكان في جملة الأسرى نيف وسبعون فارساً من مقدميهم وحملوا إلى حلب فبذلوا في نفوسهم ثلاثمائة ألف دينار، فلم يقبل منهم وغنم المسلمون منهم الغنائم الكثيرة، وأما سيرجال صاحب أنطاكية فإنه قتل وحمل رأسه”.

أيضاً، من الملاحظ أن ابن الأثير تجاهل الحديث عن الدور الكبير الذي لعبه القاضي ابن الخشاب في تلك المعركة، بينما ركز على بطولة إيليغازي بن أرتق في سحق جيش أنطاكية الصليبي.

وعام 514هـ/ 1120م، عُقدت هدنة بين إيليغازي والصليبيين فـ”تقررت الموادعة والمسالمة، وكف كل جهة من الفريقين الأذية عن الآخر”، حسب ما يذكر ابن القلانسي. وتوفي إيليغازي بعد ذلك بسنتين.

وضع أسس التحالف الإسلامي الأقوى

عام 518هـ، توفي خليفة إيليغازي، بلك بن بهرام، وآل حكم حلب إلى حسام الدين تمرتاش بن إيليغازي، حاكم ماردين.

أوضاع حلب السياسية في تلك الفترة كانت متشابهة إلى حد كبير مع الفترة التي أعقبت وفاة رضوان. ساد الارتباك والفوضى، وضعفت المدينة، خصوصاً أن تمرتاش استقر في معقله في ماردين وترك أمر العاصمة الشمالية لبلاد الشام لبعض من أقاربه ومساعديه، وهو الأمر الذي عبّر عنه ابن العديم بقوله: “أما تمرتاش فإنه لما ملك حلب ألهاه الصبى واللعب عن التشمير والجد والنظر في أمور الملك، ففسدت الأحوال وضعف أمر المسلمين بذلك”.

أما ابن الأثير، فقد فسّر ترك تمرتاش لحلب ورجوعه إلى ماردين بقوله: “لأنه رأى الشام كثيرة الحرب مع الفرنج، وكان رجلاً يحب الدعة والرفاهة”.

بلدوين

ذلك الوضع المؤسف أغرى القوات الصليبية المتحفزة بعد هزيمتها في سرمدا، فانعقد تحالف بين بلدوين، ملك بيت المقدس، وجوسلين، أمير تل باشر، وبعض الأمراء المسلمين في بلاد الشام، وتوجهت قوات هذا التحالف لمحاصرة حلب عام 518هـ.

عن ظروف انعقاد التحالف المذكور، يذكر ابن الأثير أن دبيس بن صدقة، حاكم مدينة الحلة الشيعي، أغرى الصليبيين بغزو حلب، وكان مما قاله لهم: “إن أهلها شيعة وهم يميلون إليّ لأجل المذهب فمتى رأوني سلموا البلد إلي… إني أكون ههنا نائباً عنكم ومطيعاً لكم”.

أمنيات دبيس المبنية على خططه المذهبية ذهبت أدراج الرياح، ذلك أن الحلبيين الذين يقودهم القاضي المُعمم اختاروا أن يقفوا مع السنة في مواجهة التحالف الصليبي.

ولما كان التحالف الصليبي هذه المرة قد أعدّ العدة للحصار الطويل الأمد، عانى أهل حلب الأمرين في مواجهته وتحمل آثاره السلبية الواقعة عليهم، إذ وجدوا أنفسهم إزاء حالة من الضيق الشديد. ووصف المؤرخ الحلبي ابن العديم ذلك بقوله: “أكلوا الميتة وقلت الأقوات ونفذ ما عندهم من المؤن وفشا فيهم المرض، فكان المرضى يتلوّون من شدة المرض”.

وجد القاضي ابن الخشاب نفسه مسؤولاً للمرة الثانية عن مصير حلب، ولذلك قاد بنفسه حركة المقاومة العسكرية ضد قوات التحالف، فنصب لهم الكمائن ونظّم صفوف المقاتلين الحلبيين، كما رتّب أمور حراسة الأسوار والأبواب. ولما كان يدرك خطورة موقفه هذه المرة، أرسل وفداً مُنتقى من أعيان حلب إلى ماردين، لاستنهاض أميرها للدفاع عن أملاكه في شمال الشام، ولكن آماله تبددت بعدما رفض تمرتاش طلب الوفد، بل قام بالزج بأعضائه في السجن، حسبما يذكر ابن العديم.

الخطوة الأهم في هذا السياق وقعت عندما تمكن وفد ابن الخشاب من الهروب من زنازين سجن تمرتاش، إذ رحلوا إلى الموصل، وطلبوا المساعدة من أميرها القوي الأتابك أق سنقر البرسقي، فرحب بهم واستجاب لمطلبهم، وخف بجيشه لنجدة المدينة المحاصرة، وخرج ابن الخشاب بنفسه لاستقباله بعدما فك المحاصرون حصارهم ورحلوا إلى ديارهم خوفاً من الدخول في أتون معركة حامية.

ويذكر ابن القلانسي أن آق سنقر البرسقي لما دخل حلب، انتهج نهجاً سديداً في حكمها فقد “أحسن السيرة فيها، وأجمل المعاملة لأهليها، واجتهد في الحماية لها، والمراماة دونها، بحيث صلحت أحوالها، وعمرت أعمالها، وأمنت سابلتها (الطرق إليها)، وتواصلت الرفق إليها ببضائعها وتجارتها”.

وعام 520هـ/ 1125م انفكّت عُرى التحالف بين آق سنقر وابن الخشاب، إذ قام الحشاشون باغتيالهما في حادثتين منفصلتين، لتُكتب كلمة النهاية لفصل حافل بالأحداث القلقة المتسارعة التي شهدتها حلب.

من المهم هنا الإشارة إلى أن ذلك التطور الذي وقع في حلب على صعيد انتقال السلطة فيها إلى أمير الموصل، لعب دوراً هائلاً في ما بعد في تغيير خريطة القوى السياسية في بلاد الشام كلها، وفي تأسيس جبهة إسلامية قوية موحدة تستطيع أن تواجه الصليبيين وتجبرهم على التخلي عن بعض أهم المدن والإمارات التي كانوا يسيطرون عليها.

يشير المؤرخ الإنكليزي ستيفن رانسيمان إلى ذلك بشكل واضح في كتابه “الحروب الصليبية”، ويقول: “سرعان ما غدت الإمارة التي شكلها البرسقي نواة لما قام بعدئذ في الشام من دولة إسلامية متحدة زمن الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ولم يكن الصليبيون الذين وحّد بينهم نظام الملكية في بيت المقدس يواجهون قبل ذلك سوى بلاد تتنازعها في الشام قوى عديدة وإقطاعات متفرقة زادت من ضعفها، وما حدث من توحيد حلب مع الموصل يُعتبر بدء توحيد الجبهة الإسلامية التي قُدّر لها أن تقضي في يوم من الأيام على قوة الصليبيين في الشام”.

أما الجانب الإيجابي الذي كادت تجربة ابن الخشاب أن تتفرد به عبر التاريخ الإسلامي، فيصفه الباحث المعاصر محمد المختار الشنقيطي في كتابه “أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية”، بأن ما وقع من توافق بين القاضي وكل من إيليغازي بن أرتق ومن بعده آق سنقر البرسقي هو بمثابة “تلاحم سني إمامي صلب ضد الصليبيين وضد الحشاشين، تجاوز خطوط الطائفية خدمة للمصير المشترك… ويدل على مستوى عميق من الانسجام بين السنة والإمامية في حلب، فرضه تحدي الصائل الإفرنجي، والنخر الباطني الذي كان يمثله الحشاشون آنذاك”.

المصدر: موقع رصيف 22




جامعاتنا العربية وأزمة التجديد في المجتمعات العربية

جمال عمر

مرّ ألف وأربعمئة عام هجري على مقتل علي بن أبي طالب (661م-40هـ)، ولكن مَن ينظر إلى ساحات صراعات المسلمين الآن، يتصوّر أن هذه القرون لم تغيّر شيئاً تقريباً، وكأن الزمن لا يتحرك، أو بتعبير أدق، وكأن زمن وعي المسلمين بالتاريخ ووقائعه لم يتحرك، فيتصارع المتصارعون على نفس القضايا، بل وبنفس الحجج الماضية.

والاختلاف الوحيد هو “حداثة” وسائل وأدوات وساحات الصراعات بل الخناقات. فبعد ما يزيد عن قرنين تقريباً من محاولات التجديد الديني بأشكاله ومراحله التقليدية في القرن الثامن عشر، أو في أشكاله الناتجة عن تحديات غزوات الحداثة الغربية العسكرية، أو تحدياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، خلال القرن ونصف القرن الماضيين، بل وبعد ما يزيد عن قرن تقريباً من تأسيس جامعات “مدنية” و”حديثة” في بلاد المسلمين، ما زالت ثمار هذا التجديد ضعيفة وجزئية، بل وجافة، إذ استطاع ويستطيع خطاب التقليد أن يُهمشها، ويحتويها.

خطابات التجديد عند المسلمين

فما هي أزمة خطاب أو خطابات التجديد الديني عند المسلمين؟ وبالتحديد لماذا فشلت جامعتنا “الحديثة” في تحويل الدين إلى موضوع للفهم والدرس العلمي، يتجاوز الصراعات والسجالات بين فرق ومذاهب المسلمين؟

كانت حركات التجديد في القرن الثامن عشر، في نجد مع محمد بن عبد الوهاب (1703- 1791) والهند مع شاه ولي الله الدهلوي (1703-1762) ومن بعدهما في اليمن مع محمد الشوكاني (1759-1839)، وفي العراق مع أبي الثناء الألوسي (1803-1854)، هي رد فعل على التغيّرات التي شهدتها مجتمعات المسلمين من ضعف وتفكك اجتماعي في القرون السابقة.

وكان رد الفعل هذا نوعاً من التمرّد على التقليد المذهبي الذي أصبحت فيه مذاهب المسلمين في الفقه وفي المعتقدات بمثابة قلاع، يدافع عنها أتباعها ضد مذاهب المسلمين الأخرى، وأصبح التقليد داخل المذهب الواحد لأئمة المذهب بمثابة دين يُتديّن به، فتجمدت المذاهب فكرياً.

حاول محمد بن عبد الوهاب التواصل مع الجذر القديم الذي كان يتمرد على المذهبية سواء من نصوصية الإمام أحمد بن حنبل (780-855)، أو التأسيس الفكري والعقدي الذي قام به ابن تيمية (1263-1328) وتلميذه ابن قيم الجوزية (1292-1350)، لكنه تحالف مع الأمير لتُفرض هذه التصورات بالقوة، فيتم الاستقرار بالعودة إلى “الشريعة” وعقوباتها، بقوة أمير حازم، يحارب البدعة الدينية بقوة السيف.

من هنا، كان التعدي على العتبات الشيعية وعلى أضرحة ومقامات الصوفية يجري بـ”دليل” نصي من المرويات المنسوبة للنبي والتي تعكس طبيعة الحياة البدوية في الحجاز في القرن السابع الميلادي والتي لم تختلف كثيراً عن الحياة في نجد في القرن الثامن عشر.

وربما لطبيعة الحياة الثقافية وتراثها في الهند الذي يختلف عن الحياة في نجد، كان رد فعل شاه ولي الله الدهلوي على التحدي مختلفاً، إذ كان يشيع التصوف ويشيع المذهب الحنفي وتوجد أديان أخرى غير الأديان المنصوص عليها في المصحف.

ورغم أن الدهلوي اختصر الإسلام في “الشريعة” كما فعل ابن عبد الوهاب، ونظر إليها كأداة ضبط وربط لمواجهة التفكك الاجتماعي، ومحاربة التغيّرات الاجتماعية على أنها “البدع”، بل واعتمد كذلك على النصوص مباشرة، فإن هذه الجهود في القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر لم تقع تحت ضغط خطر تحدي الحداثة الغربية بعد، فكانت عودتها إلى الأصول بمحاربة “البدعة”.

في هذا الإطار يتم استدعاء خطاب ابن حزم الأندلسي (994-1064)، في كتابه “المُحلى”، في محاولة للخروج من التقليد المذهبي الفقهي، ويستدعي آخرون مقاصد إبراهيم الشاطبي (1320-1388) للخروج من ضيق أصول الفقه التقليدي والسعي وراء المقاصد والمصلحة، في القرن العشرين، وما زالت هذه الجهود مستمرة.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصبح الخطر الغربي وتحديه الحضاري مباشراً وواضحاً، وجاثماً من خلال السيطرة الغربية المباشرة وغير المباشرة عبر النفوذ الغربي وعبر عمليات الاحتلال العسكري المباشر. وتجلى عجز الإجابات المبثوثة في كتب التراث ومقالات وآراء السلف أمام خطر الحداثة وفتنتها، وأمام التحدي الثقافي للتيارات الفكرية الغربية، فكان تيار الإصلاح الديني بكل روافده، يحاول مقاومة جمود التقليد، بالعودة إلى السلف الصالح أيضاً، مثل سابقيه، ولكن السلف هنا كان السلف وقت تأسيس العلوم في ثقافات المسلمين أيضاً وليس سلف الصحابة والتابعين وتابعيهم فقط.

وحاول هذا التيار أيضاً تحديث الفكر الديني عند المسلمين بشكل يواكب العصر، وفي نفس الوقت يقاوم خطر الاستعمار الغربي، سواء مقاومة سياسية، عبر السعي إلى وحدة المسلمين سياسياً، سنّة وشيعة، كما سعى السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني (1838-1897)، أو عبر مقاومة التقليد والغرب عبر التربية والتعليم وتحديث الفكر وتقديم فهم جديد للنصوص القديمة يتوافق مع منتجات العلوم الأوروبية الحديثة، كما في كتابات محمد عبده (1849-1905) وأحمد خان في الهند (1817-1898).

نشأة المؤسسات التعليمية الحديثة

نتيجة لاهتمام تيار الإصلاح الديني بالتعليم والتربية، ونتيجة لشبه الفشل في تحديث مؤسسات التعليم الدينية التقليدية، مثل التعليم في الجامع الأزهر، كان الاتجاه نحو إنشاء مؤسسات تعليمية حديثة، تواكب العصر، ولا تقتصر على المسلمين فقط، بل تكون جامعة، وطنية، وغايتها العلم، مثل مدارس أوروبا وجامعاتها.

ورغم أن جامعات أوروبا والغرب العريقة كانت في ذاتها مدارس دينية تدافع عن دين أو عن مذهب أو عن معتقدات طائفة دينية، فالسوربون كانت مدرسة تدافع عن الكاثوليكية ضد البروتستانتية، وهارفارد مسماة باسم واعظ ديني وظل خريجوها مكتسحين للوعظ الديني في ولاية “ماساتشوستس”، و”ييل” كانت مدرسة مخصصة للدراسات الدينية فقط، تماماً مثل مدارسنا الدينية التراثية، إلا أن هذه المدارس الدينية المنشأ، تحوّلت إلى دراسة الدين كموضوع للدرس العلمي النقدي، واستطاعت الحداثة أن تتولد من داخلها، فانتقلت من الدفاع عن دين أو عن معتقدات طائفة ما ضد الطوائف الأخرى وضد الأديان الأخرى إلى أن تُصبح دراسة الدين فيها دراسة من أجل الفهم والاستيعاب، بل ولم يعد الدين فيها هو مصدر المعرفة ومورد العلوم، بل أصبح موضوعاً للمعرفة ومادة للبحث النقدي، وليس مجرد جدل وسجال دفاعاً عن العقيدة الصحيحة ضد خصوم من أديان أخرى ومعتقدات “باطلة”.

ورغم أن الحداثة هي فعل تجاوز من داخل هذه المؤسسات الدينية، التراثية، الغربية، فإن التحديث عندنا، تقريباً ترك القديم على حاله، ولم يحاول تحديثه، وأقام بجواره مساراً موازياً، ننقل من خلاله تجربة التحديث الأوروبية، نقل نموذج كامل، سابق، لتصبح الحركة في وعينا حركة بين متجاورين: القديم الموروث والحديث المنقول، ويصبح التحديث عبارة عن نقل وتقليد.

وبالرغم من أن الحداثة هي في لبها حركة ضد التقليد، فإن التحديث عندنا أصبح تقليداً، ما جعل حركتنا تصير تحديثاً بلا حداثة، وتجديدنا عبارة عن تجاور بين بنيتين تُكبّل كل منهما حركة الأخرى. فتقريباً لم تتكون حركة في الوعي ولم يحدث في مدارسنا التراثية أو الحديثة التجاوز المعرفي الذي حدث داخل مدارس الغرب الدينية ليجعلها جامعات حديثة، عبر “قتل القديم فهماً ودرساً” لتجاوزه من داخله وتجليه داخل وعينا العام.

فإذا كانت مدارسنا الدينية التقليدية في الزيتونة في تونس أو الأزهر في مصر أو القرويين في المغرب أو النجف في العراق، أو قم في إيران وغيرها عبر بلاد المسلمين، مدارس قامت لنشر مذهب معين في المعتقدات أو في الفقه والدفاع عنه، على أنه مذهب أهل الحق، فإنها لا زالت، مع كل المسوح التي وضعتها لتدريس المذاهب الأخرى، تدرس الأخيرة لتثبت وتجادل بأن تعاليمها هي تمثل دين الحق ودين الوسطية، ضد الآراء والأفكار والمعتقدات “الشاذة” أو “المنحرفة” أو “الضالة” التي تمثلها المذاهب الأخرى.

وأضافت هذه المدارس في العصر الحديث الدفاع عن مذاهبها ضد الغزو الثقافي لتيارات التفكير الغربية، مثل الليبرالية والعلمانية والديمقراطية والماركسية والبنيوية والوجودية، إلخ، والتي تعاملت معها مدارسنا الدينية التقليدية على أنها مجرد صور أخرى من انحرافات فرق المسلمين التراثية التي ستتعدى السبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة هي الفرقة الناجية، بل بدأت تكوّن أيديولوجية “إسلامية” في مواجهة هذه التيارات الغربية “الغازية”، لتكون “الأسلمة” في مواجهة “التغريب”.

كان لتركيز تيار الإصلاح الديني على التوفيق عبر التجاور بين الحداثة ومنتجاتها وخصوصاً في مجال علوم دراسة الكون ودراسة الحياة عليه، وفكرة النظم الاجتماعية الحديثة وخصوصاً القانون والنظم السياسية، وبين تراثنا الفكري والفقهي منه تحديداً أن تم التركيز على مسائل الفقه في المعاملات، ومحاولة تجاوزها، دون التعامل نقدياً مع الأسس الفكرية التي قامت عليها المذاهب في أصول الفقه وفي أصول الدين أو بتعبير تراثي تم التركيز على نقد “الفروع” ومسائلها وليس نقد “الأصول” وإعادة النظر فيها.

تجنّب تيار الإصلاح الديني مراجعة ونقد الأصول الفكرية التي قامت عليها المذهبية، وركّز فقط على التجديد في فروع المذاهب، في المسائل العملية المباشرة والجزئية، عبر استخدام ثنائيات يدور بين رحاها التفكير مثل “الثابت والمتغير”، “الشريعة والفقه” أو “الدين والفكر الديني” أو “المنهج والمسائل” أو “الأصالة والمعاصرة”، إلخ.

هذه الثنائيات كل هدفها هو محاولة التوفيق بين المتباينات والمتناقضات عبر مجرد التجاور بين العناصر، ليتحول التوفيق إلى مجرد تلفيق يستطيع عبره تيار السلفية والتقليد أن يوسع نفوذه ويأكل مساحات التجديد.

فتيار التقليد يتقوقع في معنى واحد لا ثنائية فيه وهو أن الدين ثابت وواحد لا متغير فيه، والواقع هو الذي يجب أن يخضع لهذا الدين الثابت الشامل المطلق الأبدي بل ويخضع بالقوة، ويصبح أي تغير شهدته المجتمعات هو بدعة وضلالة وانحراف عن “صحيح الدين”، كما كان أيام النبي والصحابة والتابعين قبل أن يتلوث نقاؤه بما عند الفرس والهنود واليونانيين من القدماء وبما عند الغربيين وغزوهم الثقافي في عصورنا الحديثة.

ثنائية القديم والحديث في جامعتنا “الحديثة”

قامت جامعتنا “الحديثة” على الثنائية المتجاورة بين القديم والحديث، لكن رسّخ من تأثيرها أن التحديث قام على نقل النموذج السابق الجاهز، سواء أكان نقلاً عن الآخر الأوروبي أو عن أسلافنا.

كذلك، قامت جامعتنا الحديثة كمؤسسات في أغلبها بدوافع تحديثية من السلطة، حين أرادت أن تنقل ثمار الحداثة المادية من نظم دولة تضبط حركة المجتمع، ولذلك أضيف إليها، عدا المتباينات والمتناقضات التي قام عليها خطاب النهضة وخطاب الإصلاح الديني بعده، نوع من التسلط المعرفي، لتصبح المؤسسة التحديثية التي أتت لإخراج مشروع النهضة من أزمته هي ذاتها ممثل ونموذج للأزمة ولتعيد إنتاج التجاور والتوفيق، وفرضه عبر معرفة القوة وليس قوة المعرفة.

هذه الازدواجيات جعلت حضور التراث بشكل عام، والديني منه بشكل خاص، وكذلك حضور السياسة وحضور الآخر، كموضوعات للدرس علمياً داخل هذه الجامعات، نقاط التهاب، تنفجر بين حين وآخر.

جامعتنا “المدنية الحديثة” لم تستطع أن تتجاوز حالة العجز التي كان عليها تيار الإصلاح الديني بتركيزه على الفروع وتعامله على استحياء مع الأصول، وفي كل مرة حاولت ولو على الهامش لمس هذه الأصول نقدياً، ظهرت قضايا الالتهاب وكانت المعارك الفكرية.

بل إن الجامعة كانت تدرس التراث حتى الفكري والتاريخي منه بالاحتفاء به احتفاء أقرب إلى التمجيد. وكان الاتجاه النقدي فيها على استحياء، وإنْ كان قد تجلى في مجالات التراث اللغوي والفقهي قليلاً، ففي مجال الفكر الديني وخصوصاً المعتقدات تكاد تكون الرؤية النقدية لا تُرى تماماً. بل أصبحت هذه الجامعات مع توسعها مُنتجة لدوغما التصورات القديمة على أنها “المعلوم من الدين بالضرورة”، ومدافعة عن “دين الوسطية” ضد المفرِّطين والمُفرِطين، مثلها مثل مدارسنا الدينية التقليدية، بل وبصورة أكثر تشدداً، في محاولة لإثبات أنها مدارس ليست ضد الدين.

وحين تمت عمليات التحديث لمدارسنا الدينية التقليدية في القرن العشرين وتحوّلت من مجرد جامع، أو حوزة تقليدية، لأن تصبح جامع وجامعة ومرجعيات دينية، بإنشاء كليات “لأصول الدين” أو “للشريعة والقانون” أو للغة العربية، ظلت البنية التقليدية القديمة كما هي وتم طلاء سطحها بزركشات ونقوش حديثة.

فحين تم إنشاء كليات عملية تطبيقية لدراسة الطب والهندسة والزراعة، إلخ، تجاورت ثلاثة أبنية تُكبل كل منها الأخرى، وتُقصِيها، فيدخل أستاذ يُحاضر ويشرح حتمية قانون الحركة بين الأجسام، من خلال علاقات سببية بين الظواهر، ويدخل بعده أستاذ يشرح مذاهب الفلسفة الحديثة وأهمية الفلسفة والمنطق، ثم يدخل أستاذ “العقيدة” أو “التوحيد” ليلغي ما قاله الأستاذان السابقان، ويقول إنه لا موجود سوى الله، ولا فاعل في الكون سوى الله، وإنه ليس هناك علاقة بين سبب ومسبب، بل هي علاقة كسبية على سبيل ما تعودنا عليه، لكن المسبب هو الله.

ثم يدخل أستاذ آخر بعد كل هؤلاء ويشرح مذهب المعتزلة والشيعة الجعفرية والإباضية والشيعة الزيدية كمذاهب لفرق مسلمين، وأستاذ الفكر الفلسفي الحديث يتحدث عن الوجودية والوضعية المنطقية والبنيوية… ويدخل أستاذ التوحيد ليقول للطالب إن كل هذه فرق شاذة وضالة ومنحرفة عن دين الوسطية الذي كان عليه النبي والصحابة، ومن المهم مواجهة هذا الإفراط وذاك التفريط، ويحذره من الباطنية الإسماعيلية، ليخرج الطالب بعد المحاضرات ليتنزّه في حديقة أغاخان بجوار الأزهر التي بنتها مؤسسة أغاخان الشيعية الإسماعيلية المعاصرة.

هذا التجاور تجده في البلد الذي مذهبه جعفري ويُنص على تبني المذهب الفقهي ذاته في دستور البلاد، وفي البلد الذي مذهبه إباضي. وإنْ كانت الحاجة في مجال القوانين قد جعلت الخروج عن أسر مذهب فقهي واحد وفرضت الأخذ بمذهب مقارن أو عدم التقيد بمذهب واحد في التقنين، أو الخروج عن ذلك بالتركيز على “مقاصد الشريعة” وعلى “المصالح المرعية”، فإن المعتقدات وأصولها ظلت ساحة يتم الاقتراب منها على استحياء.

ولم نستطع أن نتعرض لأصول المعتقدات بدرس علمي نقدي، درس لا ينطلق من الدفاع عن المذهب “الحق” و”الصحيح” ضد المذاهب الأخرى “الباطلة أو الضالة”، بل درس ينطلق من فهم معتقدات الآخرين حسب منطق مذاهبم بدون أن نكتفي كما نفعل دائماً بمجرد إصدار حكم قيمي بالصحة أو الخطأ، بل درس من أجل فهم واستيعاب وتمثل تمكننا من تجاوز المذهبية من داخلها معرفياً، بقتلها فهماً واستيعاباً، وهذا حديث آخر.

إن قرناً ونصف القرن من عمليات التجديد الفقهي ومن الإصلاح الديني، وقرناً على إنشاء جامعات “مدنية حديثة” وما يقرب من قرن من عمليات تحديث المدارس والمعاهد الدينية التراثية، بل وما يقرب من قرن من مساعي التقريب بين مذاهب المسلمين، ومثلها من جهود للحوار بين الأديان، لم تنتج عنها سوى جهود ضعيفة الثمار.

وأتصور أنها لن تُثمر ثماراً تؤثر في واقعنا، بدون الدرس العلمي النقدي للأصول نفسها، وإلا ستظل حركتنا حركة في المحل. فكيف لنا أن نجدد في فهم نصوص المصحف دون التعرض لطبقات التصورات والمعتقدات المنسوجة حول القرآن عبر العصور، من قدِمه أو حدوثه، ومن علاقة الله بالعالم، وطبيعة الوحي، ومن علاقة اللغة بتصوراتنا عن أنفسنا وعن الوجود وعن نشأة وأصل اللغة وكيف تعمل وهل هي مواضعة من البشر وكائن حي يعكس تصورات الجماعات البشرية، أم هي أصل سابق من الله والعلاقة فيها بين اللفظ والمعنى علاقة أوقفها الله؟

أو كيف نُجذِّر فكرة القانون، أو المسؤولية الفردية وفكرة الحقوق المدنية، دون التعرّض لفاعلية الإنسان وقدرته على خلق أفعاله ليصبح مسؤولاً عنها؟ وكيف نبني علماً عن الكون وعن الحياة فيه أو عن الإنسان، أو علوماً في الاجتماع البشري أو في السياسة، على بنية من التصورات ليس للإنسان فيها فاعلية، وليس لظواهر الكون فيها قانون أو حتمية سوى الفاعلية الإلهية التي ليس لحدِّها حدود، ولو حتى من داخلها؟

فهل يمكن أن يكون مرور أربعة عشر قرناً على مقتل علي بن أبي طالب وعلى تحزب الأحزاب مناسبة لإعادة النظر في هذه الأبنية وتصوراتها وأصولها وكونها تصورات لاهوتية أكثر مما هي تصورات مبنية على أسس علمية ومعرفية؟

المصدر: موقع رصيف 22




مؤتمر النجف… أول مؤتمر للتقارب بين الشيعة والسنّة قبل نحو 300 سنة

علي أديب

يُعَدّ مؤتمر النجف الذي عقده شاه “الإمبراطورية الفارسية” نادر شاه واحداً من المحطات التي تكشف تداخل السياسي والديني في التاريخ الإسلامي، وحينذاك كانت مصلحة السلطة قد دفعتها نحو القيام بمحاولة تقريب إيجابية بين السنّة والشيعة، ولكن لم يُكتب لها البقاء طويلاً.

ارتبط الانشقاق السنّي الشيعي منذ البداية بالصراع على الحكم والسلطة. لذلك، نرى أن “الروحي” و”الزمني” يكادان لا يفترقان في التأثير والتأثر. وعلى مرّ العصور، اعتبرت السلطة الدين أحد أقوى أدوات السيطرة على الرعية وضمان طاعتهم، فطالما كان الحاكم يسوّق لنفسه كحامٍ لـ”الطريق الأصح والأنبل والأقدس إلى الله”، فإن عرشه سيكون محمياً وسلطته لا خطر عليها.

منذ مطلع القرن السادس عشر، وظف كل من الصفويين والعثمانيين الخلاف الطائفي لخدمة نزاعهم على الأرض والسلطة. فقد تبنى الصفويون المذهب الشيعي الاثنا عشري، وتبنى العثمانيون المذهب السنّي الحنفي، ونصب كل منهما نفسه مدافعاً عن أتباع مذهبه وحامياً لهم.

وتحوّل الخلاف المذهبي إلى أداة سياسية شديدة التأثير في الصراعات العسكرية على الأرض والسيطرة على المناطق المحاذية لحدود الدولتين وأهمها العراق الذي كان ساحة صراع صفوية-عثمانية لفترة ليست بالقصيرة.

توحيد الجبهة الداخلية

برز نادر خان كقائد عسكري محنك وشديد القسوة في الدولة الصفوية المتداعية، واستطاع أن يستثمر شهرته وقوته في خلع الشاه طهماسب الثاني المهزوم في حملة القوقاز عام 1731، والتي خسر فيها كل مكاسب نادر شاه من الأراضي في جورجيا وأرمينيا أمام العثمانيين، وسجنه وتولية ولده الطفل عباس الثالث الحكم، مع وصايته عليه، ليصير الحاكم الفعلي عام 1732.

كان نادر شاه، التركماني الأصل والذي نشأ نشأة سنّية، قد بدأ بالتوسع لبناء إمبراطورية واسعة لأولاده، وكان العراق ضمن ما أراد أن يضمه إلى ملكه، لقربه من العثمانيين، خصومه التقليديين.

بدأ حملاته على العراق عام 1733، ثم تجددت عام 1734 وأفضت إلى اتفاق سياسي على ترسيم الحدود والسماح للإيرانيين بزيارة العتبات المقدسة وإطلاق سراح أسرى الطرفين.

كان الهدف الأول لنادر شاه من هذا المؤتمر توحيد جبهته الداخلية بعد ما عاناه من شقاقات وصلت حد الصدام داخل معسكره أحياناً بين الجنود الأفغان والفرس بسبب الخلافات الطائفية.

كما أراد أن يطرح نفسه كموحد للمسلمين ليذهب أبعد من دور حامي الشيعة الذي لعبته الأسرة الصفوية ويمنع عودتها للحكم، وتهدئة جبهة القتال مع العثمانيين. فلطالما طلب نادر شاه من العثمانيين الاعتراف بالمذهب الجعفري مذهباً خامساً، وأن يكون هناك أمير حج إيراني ولكن العثمانيين كانوا يرفضون.

مناظرة قرب مرقد علي

طلب نادر شاه من والي بغداد أحمد باشا أن يرسل إليه أحد علماء السنّة ليشهد المناظرة قرب مرقد علي بن أبي طالب في النجف. وأرسل الوالي العثماني الشيخ عبد الله السويدي كممثل عن السنّة.

حاول البعض إنكار حدوث المؤتمر من أساسه، ولكن مصادر عراقية وفارسية تجزم بحدوثه. فقد ذكره الشيخ عبد الله السويدي في كتابين من تأليفه هما “الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية” و”النفحة المسكية في الرحلة المكية”، كما ذكره ميرزا مهدي خان استرابادي، المؤرخ الرسمي لبلاط نادر شاه، في كتابين بالفارسية من تأليفه هما “جهانكشاري نادري” و”دري نادري”.

سافر عبد الله السويدي والتقى في النجف بوفد كبير من 70 عالماً من إيران يرأسهم كبيرهم الملا باشي، كما حضر المناظرات علماء سنّة من أفغانستان وما وراء النهر. وعقد مؤتمر النجف في 24 شوال 1156 الموافق 11 ديسمبر 1743.

كان الشيخ السويدي بمثابة الحكم هناك بين الشيخ بحر العلم الحنفي الأفغاني وفريقه، والملا باشي الشيعي الإيراني. ويبدو من سرد الشيخ السويدي الذي وثق المؤتمر أن الجفوة بين الطرفين لم تذهب وأن الثقة لم تُبنَ والخلافات لم تختفِ. فالشيخ السويدي يتكلم عن أجواء تبدو فيها السماحة والقبول وكأنها إجبار للنفس على الإذعان لما يريده الآخرون خوفاً من بطش السلطة.

في اليوم الأول من المؤتمر الذي عُقد بمحاذاة ضريح علي بن أبي طالب، وافق الملا باشي على ما طرحه عليه بحر العلم من الاعتراف بأفضلية الصحابة وفق ترتيب الخلافة بعد النبي. كما وافق على رفع السب عن الشيخين (أبي بكر وعمر) والقول إن المتعة لا يقوم بها إلا السفهاء، وقال إن أصول الشيعة على عقيدة أبي الحسن الأشعري. وطالب الملا باشي بحر العلم بأن يعترف بالمذهب الجعفري مذهباً خامساً فوافق بعد مراجعة وتلكؤ وترديد لقول: سب الشيخين كفر.

مشهد من المناظرة

من المشاهد التي ناظر فيها السويدي الملا باشي شخصياً هذه المحاورة التي أوردها ضمن عنوان “مسألتان لا تستطيع الشيعة الجواب عنهما”.

السويدي: ما حكم أفعال الخليفة الجائر عندكم؟ هل هي نافذة عند الشيعة؟

الملا: لا تصح ولا تنفذ.

السويدي: أنشدك الله من أي عشيرة أم محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب؟

الملا: من بني حنيفة.

السويدي: مَن سبى بني حنيفة؟

الملا: لا أدري (وهو كاذب) كما يقول في الكتاب.

قال بعضهم: سباهم أبو بكر.

وهنا يسأل السويدي كيف استساغ علي لنفسه أن يأخذ جارية من سبي خليفة جائر أفعاله لا تصح، فقال الملا باشي لعله استوهبها من أهلها، وعندما طالبه السويدي بالدليل انقطع الملا باشي.

وعلى هذا النمط، دارت العديد من المناقشات والتي انتهت، وبسبب وجود إرادة سياسية من حاكم جبار، بموافقة علماء الشيعة على النقاط التالية والتي مهروها بأختامهم في اليوم الثاني:

أ. بما أنَ أهل إيران عدلوا عن العقائد السالفة ونكلوا من الرفض والسب، وقبلوا المذهب الجعفري الذي هو من المذاهب الحقة، المأمول من القضاة والعلماء والأفندية الكرام الإذعان بذلك وجعله خامس مذهب.

ب. إن الأركان الأربعة من الكعبة المعظمة في المسجد الحرام التي تتعلق بالمذاهب الأربعة، والمذهب الجعفري يشاركهم في الركن الشامي بعد فراغ الإمام الراتب فيه من الصلاة، يصلون بإمامهم على طريقة الجعفري (أي أن إمام المذهب الجعفري يمكنه الصلاة في أحد أركان البيت الحرام التي كان يشغلها عادة أئمة من المذاهب الأربعة).

ت. في كل سنة يعين من حكومة إيران أمير للحج الإيراني، ويكون في الدولة العلية العثمانية أعلى شأنا من الأمير المصري والشامي.

ث. فك الأسرى من الجانبين ومنع وقوع التحقير عليهم.

ج. يعين وكيلان في الدولتين في مقر السلطنتين لأجل القيام بمصالح المملكتين، وبهذه الوسيلة ترتفع الاختلافات الصورية والمعنوية ما بين أمة سيد الثقلين (ص).

وسُجّلت في الوثيقة خلاصة عقيدة الشيعة وشهادة أهل السنّة عليها، وخلاصة عقيدة أهل السنّة وشهادة الشيعة عليها. كما تضمنت الوثيقة الإقرار بالخلفاء الراشدين الأربعة على الترتيب الذي هم عليه، ومدح مؤتمر النجف الإمام جعفر الصادق وقبوله عند سائر أئمة المذاهب، واعتبر أن الاختلاف في بعض الفروع لا يؤدي إلى الخروج من الإسلام، مع تحريم الاقتتال بين الطرفين.

مشهد لافت في اليوم التالي

سعد نادر شاه بمقررات المؤتمر، ووزعت الحلويات وتعانق ألوف السنّة والشيعة في معسكر نادر شاه، من إيرانيين وأفغان وأوزبك وغيرهم، احتفاء بوحدة مفترضة للمسلمين بعد توقيع النقاط السابقة. ولكن مشهداً لافتاً في اليوم التالي يؤكد حقيقة أن خلافاً استمر لقرون وشكّل هوية دينية لطرفين متضادين لا يمكن أن ينتهي بإرادة سياسية، مهما بلغ جبروتها، في يومين فقط.

فقد طلب نادر شاه من السويدي البقاء لليوم التالي لحضور صلاة الجمعة التي أقيمت في جامع الكوفة مع كل الوفود، وقد كان. يقول السويدي إن أحد علماء الشيعة، وهو السيد نصر الله الحائري من كربلاء ارتقى المنبر وبدأ خطبته بمدح النبي ومن بعده الصحابة بالترتيب السنّي وحين قال: “وعلى الخليفة الثاني الناطق بالصدق والصواب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه” نطق اسم عمر مجروراً مع أنه ممنوع من الصرف. ويقول السويدي إن المتكلم من فحول العربية وإن المنع من الصرف إنما كان للعدل والمعرفة. وأضاف: “فصرفه هذا الخبيث قصداً إلى أن لا عدل فيه ولا معرفة، قاتله الله من خطيب وأخزاه، ومحقه وأذله في دنياه وعقباه”. وفي هذا التعليق ما يكفي للكشف عما بقي في دخائل النفوس رغم دعاوى الاتفاق.

يقول الدكتور ياسين شهاب شكري، أستاذ التاريخ المساعد في كلية الآداب في جامعة الكوفة والذي نشر بحثاً حول مؤتمر النجف لرصيف22 إن مؤتمر النجف هو بالفعل أول مؤتمر يتم عقده في التاريخ من أجل التقارب بين السنّة والشيعة.

ويضيف عن العلاقة بين الطائفية والسياسة: يمكن القول إن العامل السياسي له الدور الهام في التقارب أو التباعد بين المذاهب والطوائف منذ بدأ الاختلاف بين الطائفتين. كانت السلطة في غالب الأحيان تستثمر حالة الاختلاف لتحولها إلى حالة خلاف وقطيعة وهذه ما قام به الأمويون والعباسيون والبويهيون والسلاجقة والعثمانيون والصفويون. وما قام به نادر شاه كان محاولة لإظهار نفسه الزعيم الذي نجح في ما فشل فيه غيره، رغم أنه في السنوات الأولى من حكمه حاول استغلال حالة الصراع الطائفي لدعم مركزه ونفوذه أيضاً في الصراع مع العثمانيين”.

لم تدم نتائج المؤتمر طويلاً، فقد رفضت الدولة العثمانية التعامل معها، وحين أرسل أمير إيراني للحج إلى مكة قبض عليه وأرسل إلى الأستانة وقتل هناك. وبعد مقتل نادر شاه عام 1747 وتمزق دولته بين خلفائه عادت الطائفية لتشتعل مرة أخرى.

وفي واقعنا المعاصر، نرى أن موانع التقارب بين السنّة والشيعة أبعد بكثير من تفصيلة إمامة علي أو عدالة الصحابة، بل هي صراع سلطة إقليمية، ولذلك لا تثمر المبادرات ذات الصلة عن نتائج تؤدي إلى نبذ الطائفية.

المصدر: موقع رصيف 22




الحركات الإسلامية وقضيّة الوحدة بين المسلمين

جعفر محمد حسين فضل الله

باحث في الفكر الإسلامي

إنّ بناء الشخصية الحركية الإسلامية على قاعدة أنّ الوحدة الإسلامية عنصرٌ أساس من عناصر هويّته، هو تكليفٌ شرعيّ إيمانيّ، يحقّق العزّة والرفعة للإسلام وراية التوحيد.

يجري الحديث عن مسألة الوحدة الإسلاميّة على 3 مستويات:

الأوّل: مستوى القيادات العُليا، والمتمثّلة في المرجعيّات الدينية والقيادات السياسية، وهذه عادة ما تكتفي بالتوجيهات أو بالفتاوى التي تُعلنُ موقفاً عامّاً، تاركةً لغيرها من المستويات مهمّة تحويل تلك التوجيهات العامّة إلى ثقافة مجتمع، بحيث يتبنّى أفراده مسألة الوحدة نظريّاً ويطبّقها عمليّاً. 

الثاني: مستوى الأطر الوسطى، وهو يتمثّل في النّخب الثقافية من باحثين وكتّاب ورجال دين ووسائل إعلام أو إعلاميّين وغير ذلك من المؤثّرين في الرأي العام.

الثالث: مستوى الجماهير أو الرأي العام، وهؤلاء هم الذين يشكّلون القاعدة الأساسيّة لتجسّد الوحدة الإسلامية في الحياة، باعتبارهم الأكثريّة العددية، وهم عمليّاً يعكسون حال المجتمع.

من المهمّ لنا هنا أن نُشير إلى أنّ الأطر الوسطى تؤدي دوراً حسّاساً وخطراً في مسألة الوحدة، فهي التي تنتج الثقافة الجماهيرية وتوجّه الرأي العامّ، وذلك لكونها الأكثر احتكاكاً بالجماهير وعامّة النّاس، وهي حين تُمارس دور الوسيط بنجاحٍ بين القيادة والجماهير فإنّ قضيّة الوحدة تتقدّم خطواتٍ كبيرةً إلى الأمام. 

موضوع المقالة

من خلال هذه المقدّمة، يمكن لنا أن ندخل إلى الهدف من مقالتنا هذه، وهو تحديد الدّور الذي يجبُ أن تضطلعَ به الحركات الإسلاميّة في تفعيل الوحدة الإسلامية كثقافة حياة. 

لكن لا بدّ لنا قبلاً من أن نورد تعريفاتٍ مختصرةً لبعض المصطلحات:

1) الحركة الإسلامية: هي كلّ إطارٍ حزبيّ يرتكزُ إلى الإسلام كناظمٍ لمشروعه وأهدافه وحركته في المجال السياسي. وهو بذلك يشملُ حتّى الحركات الإسلامية المتطرّفة والتكفيرية؛ إلّا أنّ ما يعنينا في مقالتنا هو الحركات الإسلامية ذات المشروع المقاوِم للاحتلال الصّهيوني بشكل خاصّ؛ للسبب الذي سنبيّنه لاحقاً بإذن الله.

2) الوحدة الإسلاميّة: هي –أوّلاً- اللقاء على تفعيل المشتركات بين أتباع المذاهب الإسلامية في اللحظة الراهنة لتاريخهم من أجل صناعة واقعٍ وحدويّ على قاعدة الإسلام؛ واتّخاذ الحوار كوسيلة دائمة من أجل الوصول إلى موقفٍ ما تجاه المختلَف فيه. وهذا الحوار تقتضيه طبيعة التنوّع والاختلاف الذي يحكم المسار العام للوجود الإنساني، سواء أكان فرداً أم جماعةً، وليس مما يقتضيه مفهوم الوحدة فحسب؛ ولكنّه مدخلٌ أساسٌ لإزالة عوامل الفرقة، علماً أنّ المقصود به هنا ليس شكله الفردي الساذج، بل أطره المؤسّسية التي تجعل منه جزءاً من حركة المجتمع ومؤسّساته العاملة بشكل دائم.

أهمّية دور الحركة الإسلامية

تكمن أهمّية تناول موضوع الوحدة من زاوية دور الحركات الإسلامية من 3 أسس:

الأوّل؛ لأنّ الوقائع أثبتت أنّ تلك الحركات تملك الرصيد الشعبي الكبير، وخصوضاً العنصر الشبابي، وهي قادرة على تحريكه نحو أهدافٍ محدّدة، أكثر من الأنظمة السياسية التي تحكم الدول الإسلامية، والتي تحيط بها مجموعة كبيرة من التعقيدات بسبب العلاقات السياسية الدولية التي تفرض نفسها على الساحة الإقليمية والعالمية، وكذلك الداخلية بشكل وبآخر.

الثاني: أنّ الحركات الإسلامية هي حوامل قضايا الأمّة، وتحديداً قضيّة تحرير فلسطين كقضيّة مركزيّة، وبعد تحقيق إنجازات وانتصارات تاريخية شكّلت هذه الحركات نقاط ارتكاز استنهاض وفاعليّة كبيرة على مستوى الأمّة، وهذا الأمر يجعل تعاطيها مع قضيّة الوحدة مهماً واستراتيجيّاً. 

الثالث: أنّ الجماهير هي الشرط الأساس للنجاح في أيّ قضيّة تلتزمُ بها؛ وما يعنينا في مقالتنا هذه هو قضيّة تحرير فلسطين كقضيّة مركزيّة للأمّة، التي تكمن أهمّيتها في كونها ناظم عقد كلّ أنواع الهيمنة الاستكبارية والاستعمارية على منطقتنا، وأيضاً هي القضيّة التي تمتدُّ تأثيراتها على طبيعة النظام العالمي في حركة السياسات الدولية تجاه الشّعوب والقضايا؛ وهي القضيّة التي نريد لها أن تُعيد تصويب النظام والسياسة العالميّين لتكون العدالة فوق القوّة وليس العكس كما هو حاصل.

وهنا يكمنُ لدينا عوامل مؤثّرة عدة في الجماهير:

أ‌-   اتّساع التقنيّة في العصر الحديث، حيثُ مكّنت العولمة الإنسان الفرد من امتلاك وسائل الاتّصال والتواصل، ما جعل مسألة الوعي الإنساني متأثّرة على نحو كبير بما تبثّه هذه الوسائل، والتي باتت إحدى الركائز الأساسيّة التي تدخُل في الحرب، حتّى بتنا نشهد معها ما سمّي “حروب الجيل الخامس” التي تستهدف السيطرة والتحكّم بالإنسان من خلال التأثير في وعيه؛ ما يجعلنا أمام حقيقة أنّ الانتماء إلى جماعة دينية (مذهب أو طائفة) أو إلى حركة إسلامية معيّنة لا يجعل الإنسان المنتمي ثابتاً في ثقافته ونظرته وحركته. 

ب‌-  أنّ الحركات الإسلامية دخلت في السنوات الماضية في صراعٍ عنيفٍ في الأمن والسياسة، ما استدعى من القوى المعادية استحضار كلّ الركام التاريخي المناقض للوحدة، الذي أخذ يشكّل الأداة الأكثر فاعليّة على تشويه الوعي الجماهيري، وخصوصاً الأفراد المنتمين إلى الحركة الإسلامية نفسها.

ت‌-  أنّ الصراع العنيف الذي جرى أخيراً ولا يزال قد أظهر تبايناً في الاستراتيجيّات تجاه القضيّة المركزيّة نفسها، من حيث: بروز رؤى متباينة حول عدد من القضايا الأساسيّة، ويمكن أن تندرج هذه الرؤى في إطار رسم الاستراتيجيّات وتحديد الأولويّات؛ فقد تحوّلت فلسطين في حساب بعض الحركات إلى قضيّة لها المقدار نفسه من الأهمّية التي تحتلّها مسألة مواجهة أنظمة الاستبداد، حتّى إنّه لم يجرِ التفريق في هذا المجال بين هذه الأنظمة، ومدى تشكيلها شرطاً أو ظرفاً للتحرير ومقاومة الاحتلال ومواجهة قوى الهيمنة على المنطقة، كما أخذت مقولة شرعية الاستناد إلى القوى الاستكباريّة في عمليّة التغيير الداخلي تسود لدى غير حركة، ومن دون وضع أيّ خطوط حمر في هذا المجال، حتّى أدّى ذلك ببعضها إلى فقدان السيطرة على الموقف وتعقيد الواقع أمام الجميع، كما كان لهذا الأمر انعكاسات سلبية كبيرة على الذهنية العامّة للجماهير، سواء تجاه نظرتها إلى نفسها أو إلى قضاياها.

وجهة الحركة الإسلامية تجاه الوحدة

انطلاقاً ممّا تقدّم، وما اختزنَه من إشارات ونقاط لا تخفى على اللبيب، وحتّى لا نغرقَ في الإطالة، يمكن لنا الحديث عن ضرورة أن تفكّر الحركات الإسلاميّة الفاعلة، وتحديداً الحاملة لمقاومة المحتلّ كمشروع تحرّري ونهضوي، أن تفكّر في أمور عدة نحسبُها ذات أهمّية قصوى في المرحلة الآتية من العمل الإسلامي الحركي بالخصوص:

أوّلاً: إعادة إنتاج الثقافة

لئن كانت مسألة التقويم الدّائم للثقافة تندرج في إطار حركة الفكر الناقد الذي ينبغي أن يكون سمةً إنسانيّة، وجزءاً من التعبير عن الذات بشكل دائمٍ، فإنّ ما أظهرته التجارب العنيفة الأخيرة، والمؤامرات الخارجيّة وعوامل نفوذها في منطقتنا، إضافة إلى التحدّيات الثقافية التي أفرزتها العولمة وما بعدها، كلُّ ذلك يقتضي التفكير الجادّ في القيام بالمسؤوليّة تجاه الإسلام والمجتمع والعلاقة بالآخر، المذهبي بخاصّة، وهو يقتضي –كضرورة حتميّة– إعادة إنتاج قراءة التاريخ وعلاقته بالنصّ وقراءاته، وتحديد موقع ثقافة الحركة المعاصرة من كلّ ذلك.

لا يصحُّ في حالٍ من الأحوال، وأمام المنعطفات الأخيرة التي مرّت بها الأمّة وتحدّياتها، أن تتعامل الحركة الإسلامية بذهنيّة مذهبية مغلقة، أو حزبيّة تجيد القفز فوق الخلافات المذهبية، والإهمال أو التراخي في معالجتها على قاعدة فكرية إسلامية أصيلة، فمثل هذا التقاعس يُهدّد الانسجام الداخلي على الصعيد الحركي والجماهيري، ويُبقي الحركة الإسلامية أسيرة السجال المذهبي ودوّامة الفتن على خلفيّة تكرار ما أنتجه السلف والتاريخ وتبريره حتّى لو ناقض العقلانيّة وقيم الإسلام في مصادره وقواعده المعرفية.

هذا الموضوع يزداد أهمّية مع الامتداد الجماهيري العاطفي للحركات الإسلامية، بعضها على الأقلّ، بحيث بات يُطلبُ منها الاهتمام بما هو أبعد من إطارها الحزبي أو الحركي، ما يتطلّب أن تعمل في الجانب الثقافي وفق آليّات بعيدة عن الفئويّة. 

إنّ الخلط بين الجانب الأمني المقتضي لأقصى درجات الاحتياط في التنظيم والجانب الثقافي مسألة غير منهجية ولا صحيحة، وتوقع الحركة نفسها في حالة من الجمود الثقافي والضّعف عن مواجهة المتغيّرات، وتُدخلها في حالات تنافر مع دوائر حركية أخرى بشكل حادّ.

ثانياً: إنزال الثقافة إلى الأرض

على أثر الصراعات العنيفة التي عصفت بالمنطقة في السنوات الأخيرة، جرت حوارات بين عدد من الحركات الإسلامية، التي عزّزت عناصر الوحدة بينها، ما جعل من المقاومة ركناً رئيساً في معادلات المنطقة في مواجهة الاحتلال وقوى الهيمنة.

وهذه الحوارات ساهمت إلى حدّ لا بأس به في تبريد أجواء التنافر المذهبي على الصعيد الجماهيري العامّ، وحدّت من فعّالية دعوات التكفير ومفاهيم الفتنة، وحاولت جهات مرجعيّة كثيرة إيجاد حالة حماية لهذه التوجّهات الوحدويّة عبر فتاوى حرّمت التعرّض للرموز التي يقدسّها كلّ فريق؛ لكنّ ذلك يحتاج إلى متابعة متواصلة ومستدامة، عبر تعميق الإيمان بثقافة الاحترام المتبادل على قاعدة تقبّل الاختلاف، واعتبار أنّ أسلوب الاعتداء على مقدّسات أي طرفٍ يناقض الانتماء الإسلامي نفسه، فضلاً عن منافاته لأدبيات الحركة الإسلاميّة ومصلحة الإسلام العُليا.

نؤكّد أنّ هناك فرقاً بين إبراز الاحترام للآخر المذهبي انطلاقاً من المصالح السياسيّة، وكونه ثقافة إسلاميّة يطبّقها الإنسان الحركي كجزء من تكليفه وهويّته، وهو ما يضمنُ استمراريّتها في أجيال الحركة.

إنّ بناء الشخصية الحركية الإسلامية على قاعدة أنّ الوحدة عنصرٌ أساس من عناصر هويّته، وأنّ تعزيز الوحدة تكليفٌ شرعيّ إيمانيّ، وأنّه يحقّق العزّة والرفعة للإسلام وراية التوحيد، ويخدم قضيّة التحرير، ويساهم في تراكم بناء المشروع الحضاري الإسلامي، ويبعث الطمأنينة إزاء بعض الشكوك التي تراود هذه الحركات تجاه بعضها بعضاً، وهي شكوكٌ تُثار على شكل نوادر، كأن يتندرّ البعض فيتساءل عن أنّنا عندما نحرّر فلسطين، هل ندخل في حربٍ مذهبيّة في شوارع القدس؟! وبعضهم قد يهمسُ أصلاً: هل يحرّرها الشّيعة ليسلّموها للسنّة؟! ومن يسأل: ما شأنُ الشّيعة في القُدس وفلسطين؟! وما إلى ذلك من أسئلة قد تغلّف بالنكتة، ولكنّها تعكسُ أزمة هويّة إسلاميّة جامعة، تراكمت عبر التاريخ، وتُركت على رسلها، حتّى استطاع المستكبرُ والمستعمرُ استغلالها لزرع أفكار الفرقة، من قبيل أنّ الشيعة يستغلّون فلسطين لمصلحة خاصة، أو أن السنّة غير جادّين في حمل قضيّة التحرير، حتّى وصلت تلك الأفكار إلى بعض جماهير الحركات الإسلامية المقاوِمة نفسها.

لذا فإنّ تأصيل الثقافة المستندة إلى إعادة إنتاج الهويّة الإسلامية الجامعة، وتحكيم أخلاقيات الإسلام وروحيّته في التربية الحزبية والحركية بات أمراً حيوياً لإنجاز مشروع التحرير الكبير.

ثالثاً: الأيديولوجيا ليست كافية

إنّ بناء الحركة الإسلامية على هذه الأسس يمنحها الفرصة لمواجهة المتغيّرات والأسئلة والإشكاليّات المعاصرة التي يتعرّض لها الإسلام، وهو ما يعزّز وحدة الحركة الإسلامية على تنوّعها، ويساهم في تعزيز المناعة الإيمانية اللازمة –وخصوصاً جيل الشّباب- أمام الحملات والتحديات المضادّة، التي بات الإنسان موصولاً بها تلقائياً. 

إنّ اقتصار الحركة الإسلامية على التثقيف الأيديولوجي لم يعد كافياً في تمتين الإيمان في نفس الإنسان الحركي، بل يحتاج الأمر إلى حركة فكريّة عميقة وموازية تقوم بها الحركة الإسلامية بطريقة ذكيّة، تجمع فيها بين تعميم الأيديولوجيا – وهي الأفكار التي تخدم المصالح الإسلامية في مرحلة زمنيّة معيّنة –وإيجاد حراك فكري أصيل بالاستناد إلى قواعد صلبة في مواجهة التحدّيات والمتغيّرات، ويتيح تعديد الأيديولوجيا أو تطويرها بطريقة لا تخلّ بالمسار الحركي.

رابعاً: المشاريع المشتركة

كثيرٌ من الأمور التي يجري النقاش فيها بين الحركات الإسلامية هي قضية الوحدة كموضوع، بينما يُحتاج إلى أن تكون الوحدة منهجيّة عمل؛ بحيث يجري تفعيل المشاريع المشتركة التي تهمّ الناس على وجه الخصوص، وتجري إدارة الحوار حول كيفية توزّع الأدوار مع وحدة الهدف، وينخرط في هذا الأمر المستويات الاجتماعية التي أشرنا إليها، كلٌّ بحسب دوره، ويكون الناتج على مستوى الجماهير هو كسر كثير من الصور النمطية التي يحملها أتباع كلّ حركة عن الآخر. 

ربّما من المهمّ الحديث عن مقاومة الاحتلال كمشروع مشترك، وهو يقع في نواة المشاريع الأخرى؛ باعتباره مشروع تحرّر له انعكاساته على الشخصيّة والمجتمع، لكنّنا نُريد هنا أن تتوسّع الدّائرة إلى مواضيع ذات صلة بمجالات عمل المجتمع، كقضايا التربية والبيئة والاقتصاد والعلاقات ومتابعة الظواهر السلبية ذات الصّلة بالجانب الشرعي أو الأخلاقي وما إلى ذلك.

لو تأمّلنا، على سبيل المثال، في المشاريع التي يقوم بها طلّاب المدارس على قاعدة التنوّع، وكذلك طلّاب الجامعات، أو ما إلى ذلك، لأدركنا أنّ النتائج العملية المترتّبة عليها أسرع من كثير من التنظير عن الوحدة؛ لأنّها هنا قضيّة يجري عيشُها وإدراك أثرها على الناتج الذي يسعى له كلّ طرفٍ بالتعاوُن مع الآخرين، بينما هي هناك قضيّة فكرية لا تلبثُ أن تغيبَ عندما يعودُ الإنسان إلى ما ألفه من أفكار وعادات ومواقف.

هل يمكن –كمثال آخر– أن نجد أوراقاً بحثيّة يقومُ بها اثنان ينتميان إلى حركتين إسلاميّتين مختلفتين مذهبيّاً حول موضوع يهمّهما؟ ألا نتوقّع حجم التأثير الإيجابي على قضية عيش الوحدة على منهجيّة التعاطي من قبل كلّ منها مع المشتركات والمختلَف فيه في المجال الإسلامي، كما في كلّ مجالات الحياة؟

خامساً: العناية بالمرأة

تعد المرأة نصف المجتمع، وأيضاً هي نصفُ الحركة؛ والإسلام وإن لم يُلزمها الجهاد العسكري، كجزء من توزيع الأدوار وتمتين جبهة المجتمع بكل أبعادها، لكنّه حباها بالطاقات الإنسانية الكاملة التي تحتاج معها –وليس من حقّها فقط- إلى المساهمة الفعّالة في أيّ ميدانٍ تستطيع أن تبدع فيه، على قاعدة أنّ المسؤوليّات العامّة من شأن الإنسان، وأنّ ميدان الأسرة هو من شؤون الأمومة والأبوّة معاً. يكفينا في ذلك قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[1].

إنّ جزءاً ممّا خبرته ساحات الصّراع ضدّ المجتمعات الإسلاميّة هو استغلالُها نقاط الضّعف المرتبطة بتمكين المرأة المسلمة، والتي جُعلت -في التسويق الغربي الاستكباري خصوصاً– بين تطرُّفين؛ إمّا الاحتباس داخل الأسرة، وإما الخروج من المنظومة الدّينيّة! 

هذا كلُّه يجعل إهمال قضيّة المرأة في الحيّز الإسلامي العامّ ثغرةً يمكن أن تهدّد تأثير الحركة الإسلاميّة حتّى تجاه أبنائها، فضلاً عن أنّ إيمان المرأة وتديُّنها العميق يحتاجان –إلى جانب الإجابة عن أسئلتها الخاصّة والعامّة– إلى الفسح في المجال لها للمساهمة في القضايا الكُبرى التي تتبنّاها الحركة الإسلاميّة، وفي الخصوص قضايا الوحدة والتحرير.

لا تزال حركات كثيرة تعاني مشكلة في إبراز الطاقات النسوية كجزء من الحالة القيادية بشكل فاعل في الحيّز العام الظاهر، وأقصد هنا الحالة الفرديّة، بحيث تسمح الحركة الإسلامية للمرأة القائدة بالتعبير عن حضورها –بهويّتها ومظهرها الإيماني– بما يشكّل نموذجاً حيّاً في الحركة والمجتمع الإسلاميّين؛ لأنّ هذه باتت حاجة ملحّة للإنسان المعاصر، لا للمرأة وحسب، وإذا لم يجرِ تلبيتها فستكون ثغرةً يمكن إضعاف حضور المنظومة في أبناء الجيل الإسلامي؛ لأنّ الحاجة إلى النموذج الحيّ توازي الحاجة إلى النموذج المثاليّ.

سادساً: إنتاج الفكر السياسي الإسلامي

الحركة الإسلامية لا بدّ من أن يواكب مسيرتها التنظيرُ الفكري للتجربة الحزبيّة، وبما حملته في تاريخها من نقاط قوّة وضعف، ولا سيما أنّ هذا النمط من التنظيم هو نتاج لا ينتمي إلى الثقافة الإسلاميّة، وهذا جانبٌ مهمّ يتطلّب أن تلتفت الحركة الإسلامية إلى نفسها وهي تتحرّك في الفضاء السياسي؛ حتّى لا تجد نفسها آخذةً بآليّات غير إسلاميّة. 

هنا أيضاً، تتطلّب قضيّة الوحدة لدى الحركة الإسلامية إيجاد أطر لتلاقح الأفكار والتجارب وتناول الهموم الإسلاميّة العامّة فيما بينها، وهو ما تفرضه الروح الإسلامية وأدبيّاتها وأخلاقيّاتها التي لا معنى للحركة الإسلامية من دون ملاحظتها وتطبيقها. 

وهنا ثمّة مسألة مهمّة لا بدّ من الالتفات إليها، وهي التي تتّصل باتخاذ الحركة الإسلامية مواقف قد تكون غير مسوّغة أخلاقياً، فيما يقتضيه فقه الضرورة، وهو أمر يجبُ تحديده بوضوح، وصوغ قواعده بشفافية وانطلاقاً من التعقيدات المعاصرة؛ لئلّا يختلط الأمر على الجماهير، فيسهل تالياً تسويق اتهام للحركة الإسلامية بأنّها انحرفت عن مبادئها.

أخيراً، ما قدّمناه هو بعض التأمّلات في دور الحركات الإسلامية في قضية الوحدة الإسلامية، مُدركين سلفاً أنّ الموضوع كبيرٌ وكثير التشعّبات، لعلّنا نفتح من خلالها مجالاً للمزيد من التأمّل والتفكير حولها؛ والله من وراء القصد.

[1] سورة التوبة: 71.

المصدر: موقع الميادين




أسعار الغاز في أوروبا تنخفض إلى أدنى مستوى منذ منتصف 2021

حياة حسين

هبطت أسعار الغاز في أوروبا إلى أدنى مستوى لها منذ منتصف عام 2021 في مايو/أيار الجاري، بعد أشهر من المعاناة عاشتها الشعوب وحكومات القارة منذ غزو روسيا أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، وتتعدد الأسباب، لكنها ليست كلّها إيجابية، إذ يحتلّ الركود الاقتصادي وتراجع النشاط الصناعي جزءًا مهمًا منها، خاصة في ألمانيا، لكنه انعكس إيجابًا على معدلات التضخم وعدم قدرة البنك المركزي على احتوائه بسياسة زيادة سعر الفائدة، ومن المرجح أن تشهد السوق نزولًا إضافيًا.

وشهدت أسعار الغاز انخفاضًا بمقدار الثلثين منذ بداية 2023، ما يخفّف الضغط على المستهلكين، ويُضعف ورقة الطاقة التي تستغلها روسيا ضد الغرب، حسبما ذكرت وكالة بلومبرغ، اليوم الأحد 28 مايو/أيار 2023، في تقرير اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

ودفع غزو أوكرانيا أسعارَ الغاز والنفط إلى الصعود لمستويات قياسية، قادت معها معدلات التضخم إلى الزيادة الأكبر في 4 عقود بأوروبا وأميركا أيضًا.

وأثّرت الحرب في أسعار الطاقة، خاصة أوروبا، التي كانت تعتمد بكثافة على واردات النفط والغاز الروسية، لكن فرض دول القارة عقوبات على موسكو وضعَ عراقيل أمام تدفّق تلك الواردات.

وزاد من تفاقم أزمة الطاقة في القارة العجوز فرضها حظرًا على واردات النفط الروسي المنقول بحرًا في 5 ديسمبر/كانون الأول 2022، ثم المشاركة في وضع سقف لسعر خام موسكو ومشتقاته في وقت لاحق.

اختلاف الصورة

توقّع بعض التجّار انخفاض أسعار الغاز “لمدة قصيرة” لتسجل مستويات سلبية، بعد تراجعها إلى مستوى أقلّ مما كانت عليه قبل غزو روسيا أوكرانيا.

وتختلف ملامح سوق أسعار الغاز في أوروبا خلال مايو/أيار 2023 عن الشهر ذاته في 2022، إذ كانت تزيد في الشهر الثالث بعد نشوب الحرب عن المعدل الحالي بمقدار 4 أضعاف، ما أجبر بعض الدول الأوروبية إلى إعادة إحياء محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم.

وجاء ذلك مدفوعًا بخفض روسيا لصادرات الغاز إلى أوروبا بنسبة كبيرة، في وقت كانت تعتمد القارة العجوز عليه لتلبية نحو 40% من احتياجاتها في المتوسط، وكانت تلك النسبة تزيد في بعض الدول مثل ألمانيا التي تتجاوز 50%.

ولم يكن سعر الغاز هو القلق الوحيد الذي ينتاب أوروبا في هذا الوقت، بل أيضًا قدرتها على ملء مستودعات التخزين لمستويات مطلوبة قبل موسم الشتاء.

وتغيرت الصورة -الآن-، إذ تزيد مستويات التخزين عن المعدلات المتوسطة، وقد تعلو فوق مستويات الصيف المعتادة، وعن النسب المجدولة.

وتراجعت أسعار الغاز في أوروبا، وتحديدًا ببورصة العقود الآجلة بالدنمارك، للأسبوع الثامن على التوالي، وبلغت 25 يورو (23.4 دولار أميركي) لكل ميغاواط/ساعة.

أسباب التراجع

تعددت أسباب تراجع أسعار الغاز في أوروبا، وكان من بينها زيادة استيراد الغاز المسال، ليحلّ مكان صادرات روسيا.

ناقلة غاز مسال
ناقلة غاز مسال – الصورة من “إنرجي نيوز”

كما ساعد الطقس الدافئ في تقليل الحاجة إلى مخزونات كبيرة.

ويعكس هذا الوضع ارتفاع مستوى المخزون من الغاز في أوروبا بصورة عامة إلى 67%، وهو أعلى من مستواه خلال السنوات الـ5 الماضية، وكانت عند 50%، ويصل مستوى المخزونات في ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد أوروبي، إلى 73%.

وأدى ضعف الاقتصادات العالمية وبوادر الركود الأوروبية دورًا مهمًا في تراجع أسعار الغاز بالقارة، كونه أحد أسباب ضعف الطلب بسبب هبوط الاستهلاك.

وفقد نشاط الاقتصاد الصيني زخمه، وسقط النشاط الصناعي في أوروبا بركود عميق، وشهدت ألمانيا انكماشًا غير مسبوق لاقتصادها في الربع الأول من 2023، ما يشير إلى دخولها لدائرة الركود أيضًا.

وأسهمت زيادة توليد الكهرباء النظيفة من المصادر المتجددة من الشمس والرياح في تقليص الحاجة إلى الغاز لتشغيل المحطات.

أنباء جيدة

قال كبير محللي إحدى شركات الأبحاث في بروكسل، جيورغ زاتشمان: إن “انخفاض أسعار الغاز في أوروبا من الأنباء الجيدة للأوروبيين، ويعكس ارتفاع واردات الغاز المسال، وتراجع الطلب عليه، بعد الصعود الكبير عقب الحرب في أوكرانيا“.

وتوقّع محللون أن يؤدي تراجع أسعار الغاز في أوروبا لهبوط معدلات التضخم خلال مايو/أيار الجاري إلى 6.3%، وهو أدنى مستوى منذ غزو روسيا أوكرانيا.

وقال محللون اقتصاديون في مجموعة الخدمات المالية والاستشارية اليابانية “نومورا”: “إن تراجع أسعار الطاقة للمستهلكين الأوروبيين سينتشر على نطاق واسع”.

وأضافوا أن رفع البنك المركزي لسعر الفائدة أسهم في خفض التضخم جزئيًا، لكن هبوط أسعار الغاز ساعد على هذا التراجع، الذي سيصل إلى فئات أكبر، “لكن سيستغرق بعض الوقت”.

وتوقّع محللو “أسبيكت” أن تشهد أسعار الغاز في أوروبا مزيدًا من الانخفاض، إذا تراجع الطلب الصيني على الغاز المسال.

المصدر: موقع الطاقة