1

وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان… شخصية جدلية تجسد الصرامة والطموح

من أصول مهاجرة بسيطة وذو توجّه يميني محافظ

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط

باريس: أنيسة مخالدي

لعل أهم ميزة تذكر لوزير الداخلية الفرنسي الشاب جيرالد دارمانان، مسيرته السياسية الحافلة. فهو، خلافاً لبعض زملائه من وزراء عهد إيمانويل ماكرون الذين يفتقرون للخبرة السياسية، بدأ نشاطه السياسي وهو ابن 16 سنة. ومنذ ذلك الوقت خاض عدة معارك انتخابية في صفوف اليمين الجمهوري قبل أن يختاره الرئيس ماكرون وزيراً للحسابات العامة في مايو (أيار) 2017، ثم يعينه وزيراً للداخلية في 6 يوليو (تموز) 2020.

لقد ارتقى الوزير الشاب سلّم المراتب بعد تخرّجه في المعهد العالي للقانون والدراسات السياسية «سيانس بو» في مدينة ليل – أقصى شمال فرنسا – وبعد سنوات عمل فيها مساعداً لعدة شخصيات سياسية مثل وزير العمل السابق كزافييه برتران، ووزير العدالة السابق جاك توبون، وصل إلى احتلال مناصب مرموقة؛ أهمها منصب نائب عام 2012 وهو لا يتعدى التاسعة والعشرين. وبعد سنتين انتخب عُمدة لمدينة توركوان – أيضاً في أقصى شمال البلاد – بشمال فرنسا.

والواقع أن دارمانان ينتمي إلى الجناح المحافظ من اليمين الجمهوري، ولذا يتعامل بحزم مع قضايا الهجرة والأمن. ثم إنه كانت له مواقف معادية لزواج المثليين، إذ رفض بصفته عمدة لمدينة توركوان الإشراف على مراسم زواج من هذا القبيل قبل أن يغيّر رأيه بعد التحاقه بالحكومة، وإعلانه في أحد حواراته أنه «كان مخطئاً…». وراهناً، يلقى تعامله مع ملف الهجرة والمهاجرين الكثير من النقد حتى قيل إنه «يصطاد في أراضي اليمين المتطرف»، ويسابق مارين لوبان للاستحواذ على أصوات ناخبيها. وللعلم، فإن دارمانان هو «مهندس» مشروع قانون الهجرة الجديد الذي سيُعرض على المناقشة قريبَاً، والذي يدعو لصرامة أكبر في التعامل مع المهاجرين، وتحديد إقامتهم، مع تكثيف عمليات ترحيل المهاجرين غير القانونين، خصوصاً ذوي السوابق العدلية.

طموح بلا حدود

الصحافي لوران فالديغييه، في كتابه «دارمانان البارون الأسود للرئيس» (دار نشر روبرت لافون)، تطرق إلى العقبات التي اعترضت طريق السياسي الشاب وهو في بداياته، فكتب «وهو ابن السادسة عشرة طرق جيرالد باب مكتب الحزب اليميني للانخراط فيه، وأول تعليق تلقاه من الموظفة كان: لا يمكن يا صغيري، يجب أن تكون فرنسياً. (مُلمحة لسحنته الأجنبية)، ورغم جنسيته الفرنسية فقد استلزم الأمر توصية من فيليب سوغان – أحد قادة الحزب آنذاك – للحصول على بطاقة انخراطه. هذه الحادثة لاحقته طويلاً وكانت حافزاً جعله يعمل دون هوادة من أجل الوصول للقمة».

الكاتب فالديغيه نقل أيضاً طموح الوزير الشاب الذي جعل الوسط السياسي يلقبه بـ«البارون الأسود»، على اسم بطل مسلسل تلفزيوني، فقال إنه شخصية سياسية «تحاول المستحيل للوصول إلى السلطة، ولو على حساب الوازع الأخلاقي». وهنا يُذكر الكاتب والصحافي في مجلة «ماريان»، بأن التخلي عن «عائلته السياسية» لم يأخذ من دارمانان سوى ثلاثة أيام كانت كافية ليرمي وراء ظهره عشرين سنة من النشاط السياسي في صفوف اليمين، وكل العلاقات والزمالات التي كونّها في هذه العائلة ليلتحق بالرئيس إيمانويل ماكرون والوظيفة السامية التي عرضها عليه.

أما أنيتا هوسر، فقد كتبت في كتاب «جيرالد دارمانان، أسرار الطموح» (دار نشر أرشيبل) «منذ البداية كان منصب الوزير الأول نصب أعينه… طَرق كل الأبواب للحصول على منصب وزير الداخلية لأنه يعلم أنه مفتاح الوصول، فكثيرون من رؤساء الحكومة وصلوا إلى هذا المنصب مروراً بخانة الداخلية…». غير أن البعض يتكلم أيضاً عن طموحات أكبر تتمثل في الوصول إلى أعلى منصب في الدولة، أي «رئيس الجمهورية»، على غرار أستاذه ومثله الأعلى نيكولا ساركوزي، الذي كان وزيراً للمالية ثم الداخلية، ثم صار رئيساً للجمهورية. وبالفعل، هناك شائعات تناقلتها بعض وسائل الإعلام عن أنه يحضّر لتأسيس حزب جديد يدخل به المعركة الرئاسية عام 2027. وعودة إلى هوسر، فإنها تؤكد على صفحات كتابها «إذا وجد الفرصة السانحة، فإن الوزير الطموح لن يتردّد في الترشح للرئاسيات المقبلة، حتى وأن تطلّب الأمر خيانة صديقه إدوار فيليب (الوزير الأول السابق) الذي ينوي الترشح خلفاً لماكرون. فعند دارمانان لا أحد أهم من دارمانان…».

أصول مهاجرة بسيطة وأب غائب

في أول خطاب له بعد وصوله للوظيفة الوزارية، شكر جيرالد دارمانان والدته أني واكيد، ابنة المهاجر الجزائري وعاملة النظافة التي وصفها بـ«المحاربة الشجاعة»، مشيراً إلى أنها كانت تعمل طوال النهار، وفي المساء أيضاً، حيث كانت تكوي ملابس الجيران، كي توفر لابنها حياة أفضل بعد انفصالها عن زوجها.

وفي حوار مع صحيفة «ليبراسيون» عام 2012، قال دارمانان إن اسمه الثاني بعد جيرالد هو «موسى» تكريماً لجده المهاجر الجزائري موسى واكيد، الذي وُلد في بلدة أولاد غالية، القريبة من مدينة بومرداس بشمال الجزائر، ثم هاجر إلى فرنسا وهو ابن 15 سنة ليلتحق بصفوف الجيش الفرنسي. ثم إن الوزير الشاب أمضى طفولته في المقهى الذي كان يديره جدّه، وكان قريباً منه ويزوره باستمرار، ولا يفوِّت فرصة من دون ذكره. وحين اختاره نيكولا ساركوزي ليكون ناطقه الرسمي، كان أول تعليق صدر منه على وسائل التواصل هو تقديم الشكر بصفته «حفيد المهاجر الجزائري»، كما ذكر جّده الذي كان يصلي لله ويحترم قوانين فرنسا في مداخلة برلمانية حول الإسلام السياسي. على النقيض من ذلك، ما كان الوزير الشاب قريباً من والده جيرار، إذ عاش بعيداً عنه بعد انفصال والديه، وكان هذا الأخير يدير مقهى ويحب الكتابة والمغامرة والترحال. ثم وقع في حالة اكتئاب، ثم أدمن على الكحول، ولم يتواصل مع ابنه إلا في آخر أيامه حين تكفل ابنه بمصاريف علاجه إلى أن توفي الأب متأثراً بمرض السرطان عام 2019.

وزير على كل الجبهات

كثيرة هي التعليقات التي تطرّقت إلى تعدد أوجه التشابه بين الوزير دارمانان والرئيس السابق ساركوزي. فـ«التلميذ» مثل «أستاذه» كثير الحركة والتنقل، يفيض بالحيوية، ويسافر على الأقل ثلاث أو أربع مرات خلال الأسبوع في زيارات رسمية تفقّدية وكأنه يطبّق النصيحة التي وجهها له ساركوزي عشية حصوله على منصب وزير الداخلية، وهي «كوزير للداخلية يجب أن تكون حاضراً بقوة على كل الجبهات، سواءً عند وقوع حرائق الغابات، أو في زيارات لأقسام الشرطة…». والنتيجة، كما يقول النائب روجيه كاروتشي، لصحيفة «لوبينيون»، هي «أن دارمانان شخص مفرط في النشاط (هيبر أكتيف) إذا أردت موعداً معه فعليك أن تكون مستعداً للجري…».

أما صحيفة «لوباريزيان»، فتُذكر أن دارمانان سافر عام 2022 أكثر من 30 مرة إلى خارج البلاد، وهذا رقم قياسي مقارنة بسابقيه ما قد يساعده على تعزيز مكانته على الصعيد الدولي أيضاً. وقال خبير الاتصال غاسبار غانتسار لإذاعة «فرانس إنفو» معلّقاً «حتى إذا كنا لا نوافق الوزير دارمانان، فلا مفر من الاعتراف بأنه نجح في ملء الفضاء الإعلامي، فهو يثير الجدل بمجرد أن يأخذ الكلمة، وهذا من منظور الاتصال والدعاية شيء جيد… وبينما لا يعرف الفرنسيون 80 في المائة من وزراء الحكومة، فإن اسم دارمانان وحده يبقى معروفاً لدى الجميع…». وللتذكير، وضعت دراسة أخيرة لمعهد «ايفوب» عن وزراء الداخلية الأكثر شعبية في فرنسا، دارمانان، في المرتبة العاشرة بعد أقطاب السياسة كساركوزي ودوفيلبان… وهذا بعد 6 أشهر فقط من بلوغه هذا المنصب.

الإخفاقات

قد يكون أكبر فشل لجيرالد دارمانان منذ بدأ مهامه على رأس الداخلية قضية ملعب «ستاد دو فرانس» بباريس، حين وقعت اضطرابات وفوضى عارمة في محيط الملعب إبان نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم، وذلك بعد تداول أخبار بوجود 40 ألف تذكرة مُزوة للمشجعين البريطانيين.

هذه القضية أساءت إلى صورة فرنسا وأثارت غضب البريطانيين، وحُمّل وزير الداخلية على أثرها كامل المسؤولية بعدما دافع عن موقف الشرطة التي قمعت المشجعين وعائلاتهم من دون التحقق من هذه الأخبار. وتطرّقت أنيتا هوسر لهذا الموضوع في كتابها «جيرالد دارمانان، أسرار الطموح» بقولها: «إذا كانت هناك نقطة سوداء في مسيرة دارمانان المهنية فهي بالتأكيد قضية (ستاد دو فرانس)… الثقة المفرطة بـفريقه كلّفته الكثير…».

أيضاً، لا تطورات في مكافحة المخدرات، وكل التقارير تشير إلا أن فرنسا ما زالت البلد الأول من حيث استهلاك «الحشيش»، والأرقام في تصاعد مستمر. والمشكلة، حسب المراقبين، هي في المنهج الذي يتبعه الوزير الذي يعتمد حظر الاستهلاك كلياً بدلاً من إباحة الاستهلاك بمستويات معقولة لكسر شوكة التجار والتحكم في الأمور. وهي تجربة كانت مثمرة في عدد من دول شمال أوروبا، حسب تقارير المتخصصين. وتضاف إلى المشكلات العالقة أيضاً الهجرة غير الشرعية في جزيرة مايوت، ومشروع «قانون الهجرة» الذي قُوبل بمعارضة اليمين واليسار ما تسبب في تأجيله إلى وقت لاحق.

جدل وقضايا قانونية

حقيقة الأمر، أن معظم الجدل الكبير صاحب توّلي دارمانان مهامه نتج عن تعليقات حادة وغير مناسبة. وآخرها كانت تصريحاته تجاه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، في برنامج إذاعي، حين قال إنها «عاجزة عن حل مشكلات الهجرة في بلادها…»، وأدى هذا الكلام إلى إلغاء زيارة رسمية كانت مبرمجة في باريس، واندلاع أزمة دبلوماسية بين البلدين استدعت تدخل الخارجية لتهدئة الأوضاع.

كذلك أثارت التهديدات التي وجهّها أخيراً إلى جمعية حقوق الإنسان بقطع المساعدات الحكومية، بعدما نددّت بقمع الشرطة للمتظاهرين، جدلاً واسعاً حتى في أوساط حزب الوزير نفسه. وهنا نشير إلى أن فالغييه أورد في كتابه عن الوزير أن «الكثير من الجدل كان سمة لتصريحات الوزير دارمانان حتى لقّب بالاطفائي المفتعل للحرائق»… فهو يتهم تارة اليساريين والنخبة الفكرية بالإرهاب، وطوراً زعيم الحزب الشيوعي بتنظيم انقلاب… وهو بذلك يطبق ما يسمى باستراتيجية الضغط، وكأنه يقول إن كل هؤلاء يخططون لخراب البلاد، وأنا وحدي هنا لإنقاذكم وكل هذا لا يخدم سوى طموحه السياسي…».

ختاماً، لا بد من الإشارة إلى تعرّض دارمانان لملاحقات قضائية بعد تسلمه منصب وزير الحسابات العامة في 2017. وكانت الدعاوى المرفوعة تتعلق بتهم الاغتصاب، إذ ادّعت سيدتان أن الوزير استغل وظيفته ونفوذه للحصول على خدمات جنسية. ومع أن القضاء قرّر حفظ الدعويين، فإن جزءاً من الرأي العام لا يزال يذكر هذه القضايا، لا سيما أن وسائل الإعلام تناقلت في حينه تنديد الجمعيات النسوية بتعيين دارمانان وزيراً للداخلية، كما نظمت مسيرات احتجاج حاملة شعار «دارمانان المغتصب… ارحل».




هل يتكرّر مشهد انتخابات «أميركا 2020» في سباق 2024؟

بايدن حشر الديمقراطيين في زاوية ضيقة… وترمب قبض على الجمهوريين

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط

واشنطن: إيلي يوسف

حتى اللحظة، لا يزال السباق الرئاسي الأميركي في مرحلة «التحمية»، على الرغم من إعلان نجمَي سباق 2020، الرئيس الحالي جو بايدن وسلفه الرئيس السابق دونالد ترمب، ترشحهما الرسمي، في ظل الخشية من أنهما في نهاية المطاف قد يكونا هما أيضاً نجما 2024. غير ان الرجلين وحزبيهما، في موقف حرج، في ظل الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه الولايات المتحدة، جراء عوامل عدة. ومع استطلاعات رأي تشير إلى أن غالبية الديمقراطيين، تفضل مرشحا آخر، يشعر العديد منهم، أن الحزب وضع نفسه في زاوية ضيقة، لأن الكثيرين يخشون الآن مواجهة بايدن (80 سنة)، أو حتى مصارحته بشكل منفرد، بأنه قد لا يكون قادراً على القيام بحملة إعادة انتخاب صعبة للغاية، جسدياً أو ذهنياً. في المقابل، وخلافاً للتقاليد المعهودة، فإن الرئيس الأميركي الذي يخسر الانتخابات عادة، لا يستمر في الهيمنة على حزبه والفوز بالمنصب مرة أخرى. بيد ان ترمب وجد الحل من خلال مثابرته على إنكار هزيمته عام 2020.«»

الأميركيون قد يجدون أنفسهم أمام «سيناريو» المفاضلة بين رئيس مسنّ ومنافس يقود حملته من السجن

في أول ظهور انتخابي له على شاشة «سي إن إن» أخيراً، حرص دونالد ترمب على تكرار الادعاءات المألوفة التي حقّقت له نجاحاً ساحقاً بين جمهوره المستهدف من الناخبين الجمهوريين اليمينيين، وأدى إلى قلب ساحة معركة الترشيح لمصلحته. وما يجدر ذكره أنه مع انطلاق حملات السباق، تتجه الأنظار عادة نحو المانحين والمموّلين، الذين تلعب أموالهم دوراً كبيراً في تغطية نفقاتها.

البعض يقول، إن المكان الذي تضع فيه مؤسسات «وول ستريت» (شارع المال في نيويورك) أموالها، سيكون مهماً؛ لأن المديرين التنفيذيين في الصناعة المالية، هم من بين أكبر المانحين في الانتخابات الرئاسية. وفي حين يفضل المصرفيون ومديرو الأموال عموماً، ضرائب أدنى ولوائح مرشحين أقل، فإنهم يقدِّرون أيضاً الاستقرار والخبرة، وينشرون أموالهم على المرشحين من كلا الحزبين، وهذا ما يجعل منهم لاعبين كباراً في كل انتخابات. وتنقل مجلة «بوليتيكو» عن أحد هؤلاء المسؤولين التنفيذيين قوله إن كثيرين «يتزايد استسلامهم لاحتمال إعادة الانتخابات، بين ترمب والرئيس بايدن»، وإن «ما قد ننتهي إليه على الأرجح، هو الاختيار بين رجل كبير في السن، يريد زيادة ضرائبنا وإعادة تنظيم كل شيء، ورجل يمكن أن يقود حملة ترشّحه من السجن».

سنّ بايدن مصدر قلق للديمقراطيينحتى الآن، وعلى الرغم من مخاوف الديمقراطيين بشأن سنّ الرئيس جو بايدن، ورغبتهم في تقديم وجه جديد شاب نسبياً، فإن الحزب قد احتشد بشكل أو بآخر حول محاولة إعادة انتخابه. ومع أن أرقام شعبية بايدن متراجعة في استطلاعات الرضا، فلا يزال يُنظر إلى الرئيس الحالي على أنه المرشح الأكثر تفضيلاً، إذا كان الهدف هو «إلحاق الهزيمة بترمب مرة أخرى»، على الأقل بحسب مساعديه ومستشاريه.

هاريس (إ.ب.أ)

من ناحية ثانية، لم يظهر بعد أي منافس جدي لبايدن، الأمر الذي قد ينقذ الديمقراطيين من انتخابات تمهيدية طويلة ومضرّة. وكل ما ركّزت حوله رسالة بايدن في شريط إعلان ترشحه، هو أن «البلاد لا تستطيع تحمل العودة إلى أيام ترمب»، وتضمّن الشريط صور الهجوم على مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لتذكير الناخبين بما حدث بتشجيع من ترمب.

لكن أحد المحللين الاستراتيجيين الديمقراطيين البارزين يقول: «هناك قلق عند كثير من الأشخاص مثلي، بالتأكيد». ويتطرق لوجود «انفصال» بين الناخبين و«جمع» من المستشارين في حزبنا يرون أنه يكفي لضمان فوز بايدن إطلاق حملة من الإعلانات تتحدث عن مدى جنون دونالد ترمب، «ولكن في الواقع… هذه ليست هي الحال».

بحسب صحيفة «ذي هيل»، فإنه ليس من غير المألوف أن يجد الرؤساء أنفسهم في مواقف يتعذّر الدفاع عنها. فهكذا كان وضع الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، في مواجهة تداعيات فضيحة «ووتر غيت». وفي كثير من الأحيان، لا يستطيعون رؤية المسار المستقبلي الصحيح؛ لأنهم يقفون قريبين جداً من المشكلة أو يكونون محميين من التداعيات السلبية من قبل مساعدين مُفرطين في الحماية. ومع تعذّر تنبّه بايدن لمشكلة سنه – التي دافع عنها بالقول إنه «صاحب خبرة وحكمة أكثر من أي شخص آخر عمل في منصبه» – قد يحتاج الأمر إلى مصارحة من قبل كبار الحزبيين، كما حصل مع نيكسون. وفي هذا السياق قال أحد النواب الديمقراطيين: «إنه رئيس يتمتع بكفاءة ونجاح كبيرين، وأنا معجب به. لو كان أصغر بـ15 إلى 20 سنة سيكون من غير المنطقي ألا نرشحه، ولكن بالنظر إلى سنه الآن، فمن السخف ألا نشجع المنافسة، لا بل نحاول القضاء عليها».

«هاريس… «فيل في الغرفةعلى الرغم من هذا، فإن بعض المحللين يرون أنه إذا قرّر بايدن في النهاية ألا يترشّح – كما هو ممكن على الأقل – نظراً لسنه، يُرجّح اتخاذ هذا القرار خلال عام الانتخابات، بينما يظل الرئيس مرشحاً نشطاً لما تبقى من هذا العام على الأقل. وهنا تطرح إشكالية أخرى تتعلق بنائبته كمالا هاريس. البعض يشبه هاريس بأنها «فيل في الغرفة» – بمعنى أن الكل يتجاهل عمداً الاعتراف بوجوده. لكن من الصعب تخيّل وضع يمكن أن تُحرم فيه هاريس – بشكل معقول – من ترشيح الحزب لمنصب الرئيس إذا كان لبايدن أن ينهي ترشحه. وهذا ما يؤكد أهمية عمل الديمقراطيين والبيت الأبيض بقوة لتحسين موقعها وتلميع صورتها.

في العادة، لا يحظى نائب الرئيس، بكثير من الاهتمام في حملات إعادة انتخاب رئيس حالي. غير أن سن بايدن – المولود في أواخر 1942 – تضمن أن تكون لهاريس مكانة مهمة في قلب النقاش السياسي، وبالتالي أن تغدو هدفاً لهجمات الجمهوريين. ومع استطلاعات رأي تشير إلى مستوى قبول باهت لها، وجهود الجمهوريين المكثفة للاستفادة من قلة شعبيتها، قد تتحوّل هاريس أيضاً إلى عبء على فرص الديمقراطيين.

للعلم، أحدث استطلاع مشترك أجرته محطة «إيه بي سي نيوز» وصحيفة «واشنطن بوست» أظهر أن ترمب يتقدّم حالياً على بايدن بست نقاط مئوية (45 في المائة مقابل 39 في المائة). لكن ساسة ديمقراطيين، وحتى بعض الجمهوريين، انتقدوا الاستطلاع باعتباره «استثناءً» بسبب قلة اتساق البيانات. ومع هذا، ما كان هذا الاستطلاع وحيداً في إظهار تقدّم ترمب، الذي لا يزال يحظى إما بتقدم على بايدن أو بمساواة معه في استطلاعات أخرى. وهنا نشير إلى أن الديمقراطيين كانوا يعوِّلون على الانطلاقة الفاترة لحملة ترمب، التي كانت مليئة بالمظالم والشكاوى الشخصية بشأن انتخابات 2020. وتفاقمت مشكلات ترمب هذا الربيع، مع توجيه لوائح اتهام له في نيويورك، وتغريمه أيضاً في قضية الاعتداء الجنسي والتشهير على الكاتبة جين كارول، بجانب عديد من المعارك القانونية المعلقة، وكل هذا دفع كثيرين للتساؤل عمّا إذا كان بإمكانه واقعياً أن يكون مرشح الحزب الجمهوري، ناهيك عن الفوز في الانتخابات العامة.

ترمب… هو ترمبغير أن ترمب الذي يمتلك تاريخاً طويلاً من التعليقات الفظة وكراهية النساء، واجه اتهامات متكرّرة بالتحرّش والاعتداء الجنسيَين… وكان من الممكن أن تؤدي ذلك إلى تدمير فرص أي مرشح آخر. لكن ما جرى كان العكس، إذ رفضت غالبية المحازبين الجمهوريين – إلى حد كبير – تلك الاتهامات، نافية أن تؤثر في تصويتها له.

وحتى في مقابلة ترمب مع محطة «سي إن إن»، التي أُجريت، بعد يوم واحد من تغريمه 5 ملايين دولار في قضية الكاتبة كارول، لم يتوانَ ترمب عن تكرار هجماته عليها، وسط تصفيق وصيحات قبول من جمهوره الذي كان حاضراً الحوار مع مضيفة المحطة، التي لم تسلم هي نفسها من تعليقاته، إذ وصفها بأنها «شخص مقرف».

هذا، وعلّق ديفيد أكسلرود، أحد كبار مستشاري الرئيس الأسبق باراك أوباما، مشيراً إلى شريط الفيديو الذي نُشر عام 2016: «لقد سمع الأميركيون بآذانهم في ذلك العام ترمب وهو يتفاخر على شريط الفيديو بالاعتداء الجنسي… ومع هذا لا زالوا يؤيدونه». وتابع أكسلرود: «هل سيكون هذا مختلفاً؟… أم أن أنصاره سيرفضونه ببساطة باعتباره مثالاً آخر للدولة العميقة ذات الدوافع السياسية التي يدّعي أنه ضحية لها؟». ومع صيحات رضا جمهوره عن تعليقاته على الكاتبة، عاد أكسلرود بعد انتهاء لقاء «سي إن إن» الذي أُجري في ولاية نيوهامبشير، ليؤكد أن كل تلك الاتهامات قد لا تغير شيئاً من شعبية ترمب لدى جمهوره.

في المقابل، وعلى النقيض من الدعم شبه الإجماعي لترمب ردّاً على لائحة اتهامه في نيويورك، التزم عديد من المنافسين الجمهوريين الحاليين والمحتملين الصمت بشأن حكم الثلاثاء الماضي. ومن بين الذين علقوا، تباينت ردود أفعالهم.

بعض حلفاء حاكم ولاية فلوريدا رون دي سانتيس، أقرب منافسي ترمب في السباق التمهيدي الجمهوري، المرتقب ترشحه رسمياً خلال أيام، يتوقعون أن تكون هذه القضية مختلفة عن الفضائح الأخرى التي واجهها الرئيس السابق، خصوصاً عند بعض الجمهوريين. وهو ما حصل حين غادر عدد من الحضور قاعة الحوار مع «سي إن إن»، فور تكرار ترمب هجماته على الكاتبة.

أيضاً قال نائب الرئيس السابق مايك بنس، خلال مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز»، معلقاً: «أودّ أن أقول إنه خلال فترة أربع سنوات ونصف السنة، التي أمضيتها إلى جانب الرئيس، لم أسمع أو أشهد سلوكاً من هذا القبيل». وفي حين لم يتطرّق بنس بشكل مباشر إلى تأثير الحُكم القضائي على وجهة نظره بشأن ملاءمة ترمب ليكون رئيساً، فإنه قال: «أعتقد بأن هذا سؤال يجب أن يوجه إلى الشعب الأميركي». أما آزا هاتشينسون حاكم ولاية أركنسو السابق، الذي سبق أن أعلن ترشحه للرئاسة، فوصف الحكم بأنه «مثال آخر على السلوك الذي لا يمكن الدفاع عنه لدونالد ترمب».

وفي هذا السياق، رغم التصريحات المندّدة من عديد من الجمهوريين الذين وصفوا ترمب بأنه «هدف لهجوم سياسي»، فإن البعض في الحزب يعربون الآن عن مخاوفهم بشأن الضرر السياسي المحتمل من قضية كارول. من هؤلاء السيناتور جون ثون، من ولاية ساوث داكوتا، ثاني أعلى جمهوري في مجلس الشيوخ، الذي توقع أن يكون للقضايا القانونية على ترمب «تأثير تراكمي… وسيتعيّن على الناس أن يقرّروا ما إذا كانوا يريدون التعامل مع كل الدراما».

لا منافس لترمب لدى الجمهوريينفي أي حال، أظهر استطلاع لشبكة «سي بي إس» تقدّم ترمب على دي سانتيس بنسبة 58 في المائة إلى 22 في المائة على المستوى الوطني. وهذه أرقام لا تختلف كثيراً عن أرقام استطلاع «فوكس نيوز» عن سباق الديمقراطيين، حيث يتقدّم بايدن على المرشح الديمقراطي روبرت كينيدي «الابن»، بنسبة 62 في المائة إلى 19 في المائة.

هذا المؤشّر ينذر بأن 2024 سيكون نسخة من 2020، ومع 61 في المائة من الجمهوريين الذين يرغبون في أن يكون مرشحهم مقتنعاً بأن ترمب «فاز» بانتخابات 2020، لن يكون غير ترمب نفسه هو المرشح المفضل لهم. وإصرار الرئيس السابق على ادعاء «سرقة الانتخابات» منه وإقناع حزبه به، عمل لصالحه على مستويات عدة، من محاولة قلب نتائج 2020، إلى تحوّله إلى شرط ضروري لعودته.

كذلك مكّنت ادعاءات ترمب الفوز بانتخابات 2020، وعلاقته القوية مع مؤيديه، الرئيس السابق من صدّ الهجمات التي تعرّض لها بنجاح بعد خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية العام الماضي. والمتعارف عليه أن تلك الخسارة كانت ستسمح لمرشحين آخرين بالبروز وعرض وجه جديد. لكن الشعور الذي ما زال سائداً بين الجمهوريين اليمينيين هو أنهم لا يريدون سماع أي شيء ينتقص من شأن ترمب. ووفق الاستطلاع نفسه، يريد أكثر من 90 في المائة من الجمهوريين من مرشح الحزب… إما الصمت أو الإذعان عندما يتعلق الأمر بالرئيس السابق.

بعض الجمهوريين يرون أن الوقت لا يزال مبكراً جداً على الحسم حيال ما إذا ستكون هناك انتخابات تمهيدية جمهورية حاشدة. لكن موكب المتملّقين المتوافدين إلى منزل ترمب في منتجع مارالاغو يقلق كثرة من رافضي استحواذ الرئيس السابق على ترشيح الحزب الجمهوري مرة أخرى. وبينما يسود إحساس بتسليم صفوف الجمهوريين من جميع المشارب، حول حتمية أن يكون ترمب مجدداً، هو حامل لواء الحزب في المعركة الرئاسية المقبلة، يحذِّر معارضوه من أمثال كريس كريستي، الحاكم السابق لولاية نيوجيرسي والحليف السابق المقرب من ترمب، من الاستسلام لمثل هذا التفكير.

أخيراً، كان الديمقراطيون في الواقع ناخبين لقضية واحدة هي «هزيمة ترمب» وهو ما قد يتجدد عام 2024 ببايدن أو من دونه. ويذكّر هؤلاء بانتخابات 2016، حين خسرت هيلاري كلينتون، التي كانت شخصية استقطابية بين جمهور الناخبين الديمقراطيين. ثم إنهم يتساءلون: هل الجمهوريون اليوم على استعداد لترشيح دونالد «كلينتون»؟ في الواقع، ثمة جمهوريون يقولون الآن إنه مثلما خسر الديمقراطيون خلال عقد الثمانينات 3 انتخابات رئاسية متتالية، ثم أعادوا بناء صفوفهم للفوز عام 1992 مع بيل كلينتون… لماذا لا ندع حزبنا الجمهوري يختبر التجربة نفسها؟ سيتعيّن إذ ذاك على الجمهوريين فقط أن يعانوا من هزيمتين في البيت الأبيض للتخلي أخيراً ونهائياً عن ترمب و«إرثه».

ترمب وسط جمهوره (غيتي)

المؤشرات تقول إن ترمب قادر على سحق خصومه

> كان بعض الجمهوريين الأميركيين يأملون فعلاً في ظهور بديل قوي للرئيس السابق دونالد ترمب، إلا أن استطلاعات الرأي، التي همّشت ليس فقط الحاكم رون دي سانتيس، بل وكل المرشحين الجمهوريين المعلنين، تجعل الوضع أكثر إثارة للتشاؤم.

وهنا يقول مسؤول تنفيذي في أحد المصارف في نيويورك، لصحيفة «بوليتيكو» إن الثقة في قدرة دي سانتيس على الفوز تتضاءل. ويضيف: «دي سانتيس هو بالتأكيد خيار أفضل من ترمب في هذه المرحلة… إلا أنه خيار ضعيف حقاً».

وتابع المسؤول المصرفي كلامه، فقال: «كان يُنظر إليه (دي سانتيس) على أنه الاختيار الأفضل لتأمين دعم العمالقة الماليين الذين كانوا قد ضخّوا الملايين في حملاته الحكومية. ولكن مع تعثره وزلاته بشأن كل شيء، من سلوكه الشخصي ومعاركه مع شركة (ديزني) إلى موقفه من أوكرانيا، أبقى المانحون في (وول ستريت) الباب مفتوحاً أمام منافسيه». واستطرد: «مع أن ضعف المرشحين الجمهوريين الآخرين يناسب دي سانتيس، الذي يعتبر معركته الفعلية مع ترمب، تُرجّح أوساط (وول ستريت) أن يتمكن ترمب من محو أي مرشح من الشريحة الوسطية الصغيرة بشكل متزايد من الحزب الجمهوري».

وحسب المسؤول المصرفي، فإن أوساط «وول ستريت» كانت تفضل مرشحاً مثل رئيس مجلس النواب السابق بول ريان، أو نسخة أكثر شباباً من السيناتور ميت رومني (المرشح الرئاسي الأسبق). ولكن «في عام 2016 رأينا جميعاً ما حدث لجيب بوش، الذي أحبه الجميع هنا في وول ستريت… لقد جرى سحقه بسرعة، وهذا سيحدث مرة أخرى».

هذا تحذير يكشف ليس فقط قوة ترمب بوصفه مرشحاً، بل يكشف أيضاً عن التغلغل المتزايد للتشدد اليميني الذي بات يهيمن على ميول الجمهوريين. وهو ما ظهر خصوصاً في معركة انتخاب كيفن مكارثي رئيساً لمجلس النواب، حين تمكنت أقلية متزايدة من متشدّدي حزبه الجمهوري الموالين لترمب، من إخضاعه لشروطهم قبل الموافقة على انتخابه.




خلفيات عودة سوريا إلى الجامعة العربية وانعكاساتها الإقليمية

استعاد النظام السوري مقعده بالجامعة العربية، استجابة لحاجة النظام العربي إلى تسوية النزاعات التي استنزفته، وشكَّلت مدخلًا للتدخلات الخارجية.
لن ينجح هذا المسعى إلا إذا تمكن من تخطي عقبة العقوبات الغربية المفروضة على النظام السوري.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

بعد أكثر من عقد على تعليق عضويتها في الجامعة العربية، وافق مجلس وزراء الخارجية العرب في جلسة طارئة عُقدت في القاهرة، يوم 7 مايو/أيار 2023، على استعادة النظام السوري مقعد سوريا الشاغر في الجامعة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2011. على الأثر، وجهت المملكة العربية السعودية دعوة، نقلها سفيرها في عمَّان، إلى رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لحضور القمة العربية الـ 32 التي عقدت في جدة، يوم 19 مايو/أيار الجاري، بصفته ممثلًا للجمهورية العربية السورية، لتنفك بذلك عزلة نظام الأسد العربية دون تغيير في الظروف والأسباب التي أدت إلى تعليق عضوية سوريا في الجامعة في المقام الأول، ودون التزامات واضحة بشأن عودة اللاجئين، والكشف عن مصير المعتقلين، وتحريك العملية السياسية المعطلة لحل الأزمة، وهي الشروط التي طالما تمسكت بها الجامعة العربية، إلى جانب القوى الغربية، للتطبيع مع النظام السوري.

رحلة العودة إلى الجامعة

رغم الدعم الذي قدمته دول الخليج العربية، خصوصًا، لفصائل المعارضة السورية في محاولاتها الإطاحة بالنظام السوري نتيجة العنف الشديد الذي استخدمه في قمع الاحتجاجات السلمية، ورفضه التجاوب مع أي مبادرة سياسية لحل الأزمة، إلا أن هذا الهدف (إسقاط النظام) أخذ يبدو غير واقعي بشكل متزايد مع اتضاح عدم جدية الموقف الأميركي في الإطاحة بالأسد، خاصة بعد خرقه الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس باراك أوباما بشأن استخدام السلاح الكيماوي، في أغسطس/آب 2013، ثم التدخل العسكري الروسي، في سبتمبر/أيلول 2015، والذي أنهى تقريبًا كل احتمالية لإسقاط النظام في دمشق. وبين الانكفاء الأميركي والتدخل العسكري الروسي بدأت المقاربة العربية والإقليمية، بشأن الصراع في سوريا، تتغير لتصبح أكثر انسجامًا مع الرؤية الأميركية التي باتت تنصب على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بعد سيطرته على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، عام 2014. ومع بلوغ الحرب على تنظيم الدولة نهاياتها عام 2018، وتمكن النظام السوري، بدعم روسي/إيراني، من استعادة مناطق واسعة حول دمشق، وفي جنوب ووسط البلاد، من فصائل المعارضة، كانت ديناميات الصراع السوري قد تغيرت كليًّا، وأخذت دول عربية، بناء عليه، تفكر باستعادة العلاقات مع النظام، مع تأكد استمراره في الحكم. بدأ الأمر بالأردن الذي قرر إعادة فتح معبر جابر-نصيب الحدودي لاستئناف حركة التجارة التي توقفت منذ عام 2012. جاءت هذه الخطوة بعد أن أوقفت الولايات المتحدة عمل غرفة العمليات العسكرية الموك(Military Operations Center, MOC)  التي أنشئت عام 2012 في الأردن لدعم فصائل المعارضة السورية، والتي تم على إثرها التوصل إلى “اتفاق درعا” بمشاركة أميركية-روسية-أردنية لوقف إطلاق النار، الذي تضمن تسليم قوات المعارضة أسلحتها الثقيلة والمتوسطة، وإجلاء المقاتلين والمدنيين الرافضين للتسوية إلى شمال غرب البلاد. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، قامت الإمارات والبحرين بإعادة فتح سفارتيهما في دمشق، ثم قامت سلطنة عمان بتعيين سفير لها في دمشق، في أكتوبر/تشرين الأول 2020. وفي يوليو/تموز 2021، طرح الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، خلال القمة التي جمعته بالرئيس الأميركي، جو بايدن، في واشنطن “خريطة طريق” للحل في سوريا “تضمن استعادة سيادتها ووحدتها”. اشتملت الخريطة على تخفيف العقوبات الأميركية على سوريا وإعادتها إلى الجامعة العربية في مقابل تعاون روسيا في إضعاف النفود الإيراني في سوريا والذي كان السبب الرئيس الذي دفع عددًا من الدول العربية إلى دعم الثورة السورية في المقام الأول. مع نهاية العام 2021، تكثفت التحركات العربية للتطبيع مع دمشق ومحاولة إعادتها إلى الجامعة العربية؛ حيث قام عبد الله بن زايد، وزير خارجية الإمارات، بأول زيارة لوزير خارجية عربي إلى دمشق، في نوفمبر/تشرين الثاني 2021. وفي مارس/آذار 2022، قام بشار الأسد بأول زيارة عربية له منذ عام 2011 إلى أبو ظبي، فيما كثفت الجزائر جهودها لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية خلال القمة العربية العادية الـ31 التي تم تأخير عقدها في الجزائر من مارس/آذار إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2022 في محاولة لتحقيق إجماع عربي بشأن استعادة سوريا مقعدها في الجامعة، إلا أن هذه الجهود لم تفلح بسبب معارضة السعودية ومصر وقطر خصوصًا، نتيجة فشل الأسد في تقديم أي التزامات لحل الأزمة.

تغير الموقف السعودي

مع أن الموقف السعودي تجاه الأزمة السورية أخذ يتغير تدريجيًّا منذ ما قبل التدخل العسكري الروسي في سبتمبر/أيلول 2015، إلا أن السعودية بدأت تعطي إشارات واضحة حول استعدادها للانفتاح على نظام الأسد فقط في مطلع 2023، وتولى وزير الخارجية، فيصل بن فرحان، الترويج للموقف الجديد. وأثناء مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن، في 18 فبراير/شباط 2023، قال الوزير السعودي: “إن إجماعًا يتزايد ليس فقط بين دول مجلس التعاون الخليجي، بل في العالم العربي بأن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار”، وإن هناك نهجًا آخر “بدأ يتشكل”، وإن هذا ينبغي أن يمر “عبر حوار مع حكومة دمشق في وقت ما”.

تمحور النهج الجديد الذي أشار اليه ابن فرحان حول أن غياب الدور العربي عن الأزمة السورية قد أضر بالمصالح العربية، وترك مصير سوريا لتقرره دول غير عربية، خاصة في إطار مسار أستانا الذي نشأ بتفاهم روسي/تركي، مطلع 2017، قبل أن تنضم إليه إيران. وقد سمح الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا، مطلع فبراير/شباط 2023، بتسهيل إعادة التواصل العربي مع سوريا؛ حيث قام وزراء خارجية الإمارات والأردن ومصر بزيارة دمشق للإعراب عن تضامنهم، فيما تدفقت المساعدات من دول عربية عديدة على سوريا لمساعدة منكوبي الزلزال. وبعد توصل السعودية وإيران إلى اتفاق لاستئناف العلاقات بينهما بوساطة صينية في العاشر من مارس/آذار 2023، بدا واضحًا أن الرياض تستعد لاتخاذ خطوة مماثلة تجاه النظام السوري. وعليه، دعت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، بناء على طلب سعودي، إلى اجتماع تشاوري في جدة، في 14 أبريل/نيسان 2023، لمناقشة الأزمة السورية. حضر الاجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الست إضافة إلى مصر والعراق والأردن. وكانت السعودية دعت قبل ذلك وزير خارجية النظام السوري إلى جدة في محاولة لانتزاع تنازلات منه تساعد في إقناع الدول العربية التي ستجتمع في جدة بعد يومين للقبول بعودة سوريا إلى الجامعة العربية. صدر عن الاجتماع السعودي-السوري بيان أعلن فيه الطرفان استئناف الخدمات القنصلية والرحلات الجوية بين البلدين، والاتفاق على “تهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين والنازحين السوريين إلى مناطقهم، وتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وتنظيماته، والتعاون بشأن مكافحة تهريب المخدرات والاتجار بها، ودعم مؤسسات الدولة السورية، لبسط سيطرتها على أراضيها لإنهاء وجود الميليشيات المسلحة فيها، والتدخلات الخارجية في الشأن الداخلي السوري”. لكن فشل اجتماع جدة في التوصل إلى اتفاق بشأن استعادة سوريا مقعدها في الجامعة العربية، دعا إلى عقد اجتماع تشاوري آخر في عمَّان حضره إلى جانب الأردن، مصر والعراق والسعودية ووزير خارجية النظام السوري. وبين الاجتماعين، قام وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، بزيارة إلى دمشق كانت الأولى لوزير سعودي منذ عام 2011. صدر في ختام اجتماع عمَّان بيان وافقت سوريا بموجبه على التعاون في مكافحة تهريب المخدرات وإنتاجها، وعلى تسهيل العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين. وفي السابع من مايو/أيار 2023، عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعًا طارئًا في القاهرة توافق فيه الوزراء دون تصويت على استعادة سوريا مقعدها في الجامعة العربية، وقامت بعد ذلك السعودية بتوجيه دعوة رسمية إلى رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لحضور قمة جدة لينهي بذلك نحو 12 سنة من غياب سوريا عن الجامعة العربية.

تطبيع مشروط؟

تفاوتت مصالح الدول العربية ومواقفها من مسألة تطبيع وضع النظام السوري بين رافض بدون حصول تغيير في الظروف التي أدت إلى عزله (قطر) ومتحفظ (الكويت ومصر) ومتحمس (السعودية والإمارات وإلى حدٍّ ما الأردن). انطلقت سياسة التطبيع من مقاربة نصَّت عليها المبادرة الأردنية والتي سميت بمبادرة “خطوة مقابل خطوة”، فكل خطوة يخطوها النظام باتجاه الحل سوف تترتب عليها خطوة من الجانب العربي لفك العزلة عن سوريا وإقناع القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة، بتخفيف العقوبات لإطلاق عملية إعادة الإعمار، أقله في إطار مشاريع التعافي المبكر التي نص عليها قرار مجلس الأمن رقم 2642 لعام 2022. وتقوم المقاربة على أنه وفي ظل الوضع الاقتصادي المنهار للنظام وعجز حلفائه عن تقديم يد العون (إيران بسبب الحصار والعقوبات الناتجة عن أزمة برنامجها النووي وروسيا بسبب أوضاعها الاقتصادية المتأزمة بعد حرب أوكرانيا والعقوبات الناشئة عنها) فإن النظام بات مضطرًّا إلى طلب يد العون من دول الخليج العربية التي باتت تملك الآن فرصة لاستعادة دورها في حل الأزمة، ودفع النظام للإذعان لشروطها.

تتفاوت هذه الشروط بتفاوت مصالح الدول العربية، ففيما يركز الأردن أكثر على قضية إعادة اللاجئين، نظرًا لوجود نحو 650 ألف لاجئ سوري على أراضيه، تتشارك السعودية ودول خليجية أخرى مع الأردن المخاوف من ازدياد عمليات تهريب المخدرات بعد أن باتت سوريا مصدرًا رئيسًا لإنتاجها. وتتهم جهات مختلفة النظام باللجوء إلى إنتاج وتهريب المخدرات وذلك لتأمين مورد مالي يساعده على البقاء في ظل العقوبات المفروضة عليه، لاستخدامها من جهة ثانية أداة ضغط على الدول العربية والمجتمع الدولي للتفاوض معه وتخفيف العقوبات، وهو ما يمكن استنتاجه من التزام النظام السوري بالتعاون على مكافحة إنتاج المخدرات وتهريبها متزامنًا بعودته للجامعة العربية، والتزامه بإعادة اللاجئين أمام دول خليجية يتطلع إلى مساهماتها المالية في إعادة الإعمار. وفيما تبدو الإمارات مهتمة أكثر بطي صفحة الربيع العربي والقضاء على تيارات الإسلام السياسي، لا يحظى موضوع الدفع بالحل السياسي للأزمة السورية إلا باهتمام مباشر من جانب قطر، التي جعلت منه شرطًا للتطبيع مع النظام. ويبدو أن السعودية ماضية من جهتها في محاولة “تصفير المشاكل، مع دول الإقليم، بما في ذلك مع سوريا، في إطار سياسة الانكفاء نحو الداخل للتركيز على المشاريع التنموية التي تقع في إطار رؤية 2030 التي يقودها ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان”. وكان اتفاق استعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة مع إيران منذ مطلع عام 2016 الخطوة الأبرز بهذا الاتجاه.

العقدة الأميركية

شكَّل التوجه العربي للتطبيع مع النظام السوري، الذي بدأته الإمارات، قبل أن تقود اندفاعته السعودية، أحد تجليات الانكفاء الأميركي عن المنطقة، وأزمة الثقة في العلاقات السعودية-الأميركية التي بدأت مع إدارة أوباما واستمرت مع ترامب وبلغت ذروتها مع بايدن. شكَّل تراجع باراك أوباما عن إنفاذ وعده بمعاقبة النظام السوري على استخدامه أسلحة كيماوية ضد المدنيين في غوطة دمشق، في أغسطس/آب 2013، صدمة في الرياض وغيرها من عواصم الخليج. وكانت العلاقات بين الرياض وواشنطن في حالة تراجع أصلًا بسبب ما رأت فيه الرياض تخليًا أميركيًّا عن الحلفاء بعد أن دعا الرئيس أوباما الرئيس مبارك للتنحي استجابة لمطالب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011. وازدادت أزمة الثقة على نحو أكبر بعد الكشف عن مفاوضات سرية أميركية-إيرانية بدأت في سلطنة عُمان، في 2013، وانتهت بتوقيع الاتفاق النووي مع إيران، في 2015. ورغم أن العلاقات تحسنت في عهد ترامب، الذي انسحبت إدارته من الاتفاق النووي وأعادت فرض العقوبات على إيران، إلا أن سياسة ترامب لم تغير الميل الأميركي نحو تقليل انخراطها في المنطقة، بل عمَّقته في واقع الأمر. وقد اتضح ذلك على نحو خاص في رد فعل ترامب على الهجمات التي تعرضت لها منشآت نفط أرامكو في بقيق وخريص، شرق المملكة، في سبتمبر/أيلول 2019، واتهمت واشنطن والرياض إيران بالوقوف وراءها.  وعلى الرغم من أن ترامب أبدى استعداده للرد على الهجوم أول الأمر، إلا أنه أكد أن مسؤولية الرد عليه تقع على عاتق السعودية؛ “هذا هجوم على السعودية وليس على الولايات المتحدة”، قال ترامب في ردٍّ على سؤال صحفي. وقد أثارت تصريحاته هذه صدمة في الرياض التي أخذت تعيد النظر في سياستها المتشددة نحو إيران، فوافقت على بدء حوار معها بوساطة عراقية في بغداد. وتعمقت الاستدارة السعودية تجاه إيران بعد وصول إدارة الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض. وكان بايدن قد أطلق خلال حملته الانتخابية تصريحات معادية للسعودية، وأبدى رغبته في إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران. وبمجرد استلام إدارته السلطة، أخرجت الحوثيين من قائمة المنظمات الإرهابية، كما أوقفت تصدير الأسلحة الهجومية إلى السعودية وبدأت بالضغط عليها لوقف الحرب في اليمن.

دفع ما بدا للرياض تخليًا أميركيًّا عنها نحو تبني سياسة أكثر واقعية في علاقاتها الإقليمية قامت بموجبها بإنهاء أزمة حصار قطر، مطلع 2021، ثم أطلقت مبادرة لحل الأزمة في اليمن، قبل أن تقبل بفتح حوار مع إيران في بغداد، توج باتفاق بكين، في 10 مارس/آذار 2023. وقد ساعد هذا الاتفاق بدوره في الانفتاح على النظام السوري؛ حيث تسارعت بعدها خطوات التطبيع معه، وصولًا إلى إعادة عضويته في الجامعة العربية وحضوره قمة جدة. ورغم أن إدارة بايدن كانت شجعت السعودية على الانفتاح على إيران ووقف الحرب في اليمن، إلا أن واشنطن لم تبد ارتياحًا للدور الصيني في إبرام الاتفاق السعودي-الإيراني، كما أبدت تحفظًا على الانفتاح السعودي على النظام السوري، والذي تم بناء على جهود وساطة قادتها روسيا التي شهدت علاقتها بالرياض تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، بما في ذلك في مجال إنتاج النفط وضبط أسعاره. وبرزت المعارضة الأميركية لخطوات التطبيع العربي مع النظام السوري خصوصًا على مستوى الكونغرس الذي مرَّر حزمة من القوانين باتت تمثل عقبة فعلية أمام أي نتائج ملموسة يمكن أن يسفر عنها التطبيع العربي مع النظام السوري، وأبرزها قانون قيصر لعام 2019، وقانون مكافحة الكبتاغون لعام 2022. كما مرر الكونغرس في 11 مايو/أيار الجاري قانونًا لمحاربة التطبيع مع النظام السوري، طالب فيه الإدارة الأميركية بعدم الاعتراف بأي حكومة سورية يرأسها الأسد أو تطبيع العلاقات معها، وفرض عقوبات على من يفعل ذلك. وبرز فوق ذلك توافق دولي، قادته واشنطن، خلال قمة مجموعة الاقتصادات السبع الكبرى في هيروشيما في اليابان، في 20 مايو/أيار 2023، على ربط التطبيع مع النظام السوري وإعادة الإعمار بحصول تقدم حقيقي في العملية السياسية، والتزمت المجموعة كذلك بمحاسبة المسؤولين عن الهجمات بأسلحة كيماوية في سوريا ومحاكمتهم.

لكن، وفي ضوء غياب أي رغبة لدى إدارة بايدن لتعريض علاقاتها مع السعودية للخطر بسبب التطبيع مع نظام الأسد، خاصة مع تنامي التنافس الأميركي-الصيني في منطقة الخليج وتوجه دول خليجية عديدة إلى تطوير علاقاتها مع الصين في مختلف المجالات بما في ذلك العسكرية والأمنية، قد تحاول إدارة بايدن ربما “ضبط” التطبيع العربي مع نظام الأسد بدلًا من منعه، بحيث يكون التطبيع بثمن، بدل أن يكون مجانيًّا، ويسفر عن تقدم في معالجة القضايا الإنسانية خصوصًا (المعتقلين واللاجئين والمعابر والمساعدات الإغاثية) وكذلك على مستوى إيجاد حل للمسألة السورية.

التداعيات الإقليمية للعودة

منذ استقلالها عن فرنسا، عام 1946، لعبت سوريا دورًا مركزيًّا في موازين القوى الإقليمية، وكان موقفها مرجِّحًا بين القوى العربية الرئيسة التي نافست على زعامة العالم العربي في الخمسينات والستينات (مصر والعراق والسعودية). وقد برز دور سوريا خصوصًا في السياسة العربية مع خروج مصر من معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي بتوقيعها اتفاقية كامب ديفيد، في 1978، ثم اتفاقات السلام مع إسرائيل، في 1979، وتعليق عضويتها نتيجة لذلك في الجامعة العربية. كما استفادت سوريا من انشغال العراق في حربه مع إيران (1980-1988) لتعزيز موقعها في النظام الإقليمي العربي. وسمح انضمام سوريا لمصر والسعودية بعد حرب تحرير الكويت (1991) بلعب دور مركزي في السياسة العربية استمر حتى هجمات سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة. لكن دور سوريا الإقليمي بدأ يضعف بوضوح بعد الغزو الأميركي للعراق، في 2003، وخصوصًا بعد انسحاب قواتها من لبنان، في 2005، بضغط أميركي/سعودي على خلفية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري. مع ذلك، تمكنت سوريا -نتيجة العلاقات الوثيقة التي أقامتها مع تركيا في العقد الأول من حكم العدالة والتنمية (2002-2011) إضافة إلى تحالفها الطويل مع إيران- من الاستمرار في لعب دور مهم في موازين القوى الإقليمية حتى اندلاع الثورة عام 2011، وتحول سوريا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.

من غير الواضح كيف ستؤثر عودة سوريا إلى الجامعة العربية في موازين القوى الإقليمية، وفي الاصطفافات الجديدة التي تشهدها المنطقة، في ضوء الضعف الشديد الذي يعتري موقفها بعد 12 سنة من الحرب، وفي ظل وجود خمسة جيوش أجنبية على أراضيها، وفقدان النظام السيطرة على مناطق واسعة من شمال وشمال شرقي البلاد؛ حيث تتركز أكثر ثروات سوريا المائية والطبيعية (النفط والغاز) فضلًا عن انهيار قدراتها العسكرية، وحدوث دمار واسع في بنيتها التحتية، تقدر تكلفة إعادة بنائه وفق أكثر التقديرات تحفظًا بـ 400 مليار دولار، والأهم من كل ذلك هو فقدان سوريا أكثر من نصف مواردها البشرية، مع اقتلاع نحو 12 مليون سوري من بيوتهم، موزعين بين لاجئ ونازح، فيما يعيش 90 بالمئة ممن يقيمون في مناطق سيطرة النظام تحت خط الفقر الأدنى. رغم كل ذلك، تحاول إيران استباق نتائج التطبيع العربي مع دمشق، التي تبدو اليوم بحاجة للاستثمارات العربية وشركات البناء التركية أكثر من حاجتها للميليشيات الإيرانية، لتأمين مصالحها في سوريا. هذه المخاوف تفسر زيارة الرئيس إبراهيم رئيسي الأخيرة لدمشق والتي تأجلت عدة مرات بسبب خلافات حول الاتفاقيات الاقتصادية التي تنشدها إيران لضمان سداد ديونها لسوريا التي تتراوح التقديرات بشأنها بين 30-60 مليار دولار، بما في ذلك المطالبة باستملاك أراض في سوريا مقابل هذه الديون.

ورغم الشكوك المحيطة بقدرة نظام الأسد على الحد من النفوذ الإيراني في سوريا، وهو أحد أهداف التقارب العربي مع دمشق، إلا أن الدول العربية المتحمسة لمسار التطبيع تجادل بأن عودة الدور العربي إلى سوريا أقله من بوابة العمل الإنساني ومشاريع التعافي المبكر سوف يعزز موقف الأسد التفاوضي تجاه الضغوط الإيرانية التي تتعاظم على دمشق لتسديد ديونها. وقد اعتبر بعض المراقبين أن إزالة الأعلام الإيرانية من مواقع تشغلها ميليشيات مؤيدة لطهران في مناطق في دير الزور والبوكمال، شرقي البلاد، ورفع أعلام سوريا مكانها يعد مؤشرًا على إمكانية حصول ذلك. وفي كل الأحوال لا يمكن التقليل من أهمية التنافس على مسار إعادة الإعمار، الذي تتطلع دول الخليج العربية إلى لعب دور رئيس فيه، في حسابات التطبيع العربية مع سوريا؛ ذلك أن عملية إعادة الإعمار بمقدار ما أنها تتطلب استثمارات طائلة إلا أنها توفر من جهة أخرى فرصًا كبيرة في مجالات البنية التحتية والخدمات، والسياحة، والزراعة، وغيرها.

فيما تشكِّل عودة سوريا العربية انتصارًا للجناح المناهض للتغيير والرافض للإصلاح السياسي في الجامعة العربية وتعزيزًا لموقفه، فإن هذه العودة توفر من ناحية ثانية مدخلًا جديدًا للتعاون الذي يتنامى مع روسيا التي تشارك هذا الجناح الموقف من الثورات العربية، إلى جانب مصالح مشتركة أخرى عديدة تبدأ بالطاقة وتمتد إلى الأمن والموقف من التيارات الإسلامية. وتأمل هذه القوى أن تعزز عودة سوريا موقفها الرامي إلى طي صفحة الثورات العربية نهائيًّا، وبالنسبة للسعودية فإنها تمثل رافعة لتعزيز دورها الدبلوماسي المتنامي على الساحتين الإقليمية والدولية، واختبارًا مهمًّا لجدية إيران في التعاون لحل أزمات المنطقة.

عود على المحك

من الواضح أن فك عزلة سوريا العربية جاء ليعبِّر عن حاجة عربية وإقليمية لتسوية الخلافات البينية والانتقال من مرحلة الاستنزاف المتبادل، خصوصًا بعد التقارب السعودي-الإيراني، والتقارب التركي-المصري، والتركي-الخليجي وفي ظل تنامي التنافس الصيني-الأميركي في المنطقة، وأن هذه الحاجة هي التي ستحدد حتمًا طبيعة الدور الذي ستقوم به سوريا في الإقليم وموقعها في اصطفافاته الجديدة. لكن المضي في هذا المسار لن يكون سهلًا؛ إذ سيترتب على الدول العربية مقاومة الضغوط الغربية، الأميركية خصوصًا، الرافضة لمسار التطبيع، وإقناعها بجدوى المقاربة الجديدة، بما يسمح بتجاوز العقوبات أو تخفيفها لإطلاق عملية إعادة الإعمار. سوف يترتب على الدول العربية أيضًا إقناع النظام السوري بتقديم تنازلات تساعدها في هذا المسعى مع وجود شكوك عميقة حول قدرة هذا النظام أو رغبته في تنفيذ أي تعهدات يقطعها في مقابل مساعدته اقتصاديًّا وفي إعادة الإعمار. في كل الأحوال، سوف تتضح خلال الشهور القليلة القادمة جدوى المقاربة العربية الجديدة القائمة على استخدام نظام الحوافز بدل العقوبات لإقناع النظام السوري بتغيير سياساته، وسيكون الاختبار الأول أمامها متصلًا بمكافحة المخدرات وتوفير بيئة آمنة لإعادة اللاجئين.




الحرب الإسرائيلية السابعة على غزة: لا قواعد اشتباك جديدة

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات.

حاولت إسرائيل أن ترسي في حربها الأخيرة على غزة معادلة جديدة في الصراع، تقوم على إضعاف المقاومة عن الرد على “الاعتداءات الإسرائيلية” لكنها لم تنجح في ذلك، هذا بعض ما خلصت إليه هذه الورقة.

صالح النعامي

مقدمة

شنَّت إسرائيل، في التاسع من مايو/أيار 2023، حملة عسكرية على قطاع غزة استهدفت بشكل خاص قيادات “سرايا القدس”، الجناح العسكري لحركة “الجهاد الإسلامي”، ومنشآت عسكرية تابعة للتنظيم. جاءت هذه الحملة بعد أسبوع على إطلاق الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة عشرات الصواريخ على العمق الإسرائيلي، ردًّا على وفاة الأسير في سجون الاحتلال، خضر عدنان، القيادي في “الجهاد” متأثرًا بإضرابه عن الطعام الذي امتد لستة وثمانين يومًا.

أسفرت الحملة التي استمرت خمسة أيام عن مقتل 33 فلسطينيًّا، من بينهم خمس من قيادات “سرايا القدس”، وثلاث نساء وستة أطفال، إلى جانب إصابة 111 آخرين. فيما ردت حركة “الجهاد الإسلامي” بإطلاق الصواريخ على المستوطنات الواقعة بين تل أبيب في الشمال وبئر السبع في الجنوب.

وتعد الحملة العسكرية الأخيرة التي أطلقت عليها إسرائيل “الدرع والسهم”، الحملة الثالثة التي تستهدف حركة “الجهاد الإسلامي” في غضون ثلاث سنوات ونصف. وقد انتهت الحملة بعد توصل إسرائيل و”الجهاد الإسلامي” إلى اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة مصرية.

ترصد هذه الورقة الأسباب التي دفعت إسرائيل إلى شن هذه الحملة، والتحولات التي طرأت على أنماط الأداء الفلسطيني خلالها، سواء على الصعيد العملياتي وعلى صعيد إدارة المواجهة؛ وتختبر ما إذا كانت ستسفر عن تمكن أحد طرفي المواجهة من إملاء معادلات جديدة تخدم مصالحه؛ وتستشرف تأثيراتها على مستقبل الصراع بين غزة وإسرائيل، وانعكاس نتائجها على القضية الفلسطينية.

أهداف إسرائيل من الحملة

لعب العديد من العوامل دورًا في دفع إسرائيل لشن حملتها العسكرية الأخيرة ضد حركة “الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة. وقد بررت القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية اغتيال القادة العسكريين لـ”الجهاد الإسلامي” بمسؤوليتهم عن إطلاق الصواريخ ردًّا على وفاة القيادي، خضر عدنان، في السجن، ولدور بعضهم في توجيه العمل المقاوم في الضفة الغربية(1). كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل سعت من الحملة إلى فرض “معادلة ردع جديدة”(2).

وحسب وجهة النظر الإسرائيلية، فإن معيار تكريس “معادلة ردع جديدة” يتمثل في إضعاف قدرة المقاومة على الرد على العمليات العسكرية الإسرائيلية، التي بالعادة تستهدف إحباط جهود مراكمة القوة العسكرية لدى المقاومة؛ والحرص على أن تدفع المقاومة ثمنًا باهظًا في أي مواجهة كي تمنعها من توظيف قدراتها للرد على سياسات إسرائيل في الساحات الأخرى، سواء في القدس، أو الضفة الغربية، وضد الأسرى في سجون الاحتلال، وتأتي في هذا السياق عمليات اغتيال القيادات المسؤولة مباشرة عن “العمل المقاوم”.

ولم يكن من سبيل الصدفة أن اختارت إسرائيل شن حملتها العسكرية قبل تسعة أيام من انطلاق “مسيرة الأعلام” التي تنظمها “الجماعات اليهودية المتطرفة” في القدس بمناسبة حلول الذكرى السنوية لاحتلال المدينة؛ وذلك بهدف ردع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة عن محاولة تكرار ما أقدمت عليه في مايو/أيار 2021، عندما أطلقت حركة حماس وابلًا من الصواريخ تجاه القدس أثناء تنظيم “المسيرة”، وهو ما أفضى إلى اندلاع مواجهة شاملة بين الجانبين، تفجرت على هامشها مواجهات غير مسبوقة بين فلسطينيي الداخل من جهة، وقوات الاحتلال و”الجماعات اليهودية المتطرفة” من جهة أخرى، وتحديدًا في المدن المختلطة بين العرب والإسرائيليين.

إلى جانب ذلك، مثَّلت الحرب الأخيرة فرصة لإسرائيل لتختبر ما تخشاه من إمكانية توسع المواجهات لتشمل عدة ساحات؛ لاسيما بعدما هدد قادة بعض الفصائل الفلسطينية وحزب الله بتبني هذا الخيار ردًّا على سياسات إسرائيل في الساحة الفلسطينية(3). ولا يمكن إغفال اعتبارات السياسة الداخلية الإسرائيلية لشن هذه الحملة؛ إذ دلَّلت نتائج استطلاعات الرأي المتواترة -التي أجريت قبل الحملة- على تآكل كبير في شعبية نتنياهو وتراجع التأييد الذي يحظى به حزب الليكود الذي يقوده، فضلًا عن الأحزاب الأخرى المشاركة في ائتلافه الحاكم؛ وذلك بسبب الرفض الجماهيري لخطة “التعديلات القضائية” التي أعلنتها حكومته، كما عكست ذلك المظاهرات التي نُظمت للاحتجاج عليها. ويمكن افتراض أن نتنياهو سعى لتوظيف الحملة العسكرية لإحداث تحول في سلم الأولويات الذي يحكم الجدل الداخلي، وتقديم الأمني منه لتقليص الاهتمام بالتعديلات القضائية. ومما يعزز من وزن اعتبارات السياسة الداخلية بوصفها مكونًا رئيسًا في شن الحملة، تحميل قادة المعارضة وكبار المعلقين في تل أبيب نتنياهو المسؤولية عن “تهاوي” قوة الردع الإسرائيلية، بعد سلسلة الهجمات الصاروخية، التي انطلقت في المواجهة السابقة (أبريل/نيسان 2023) من غزة وجنوب لبنان وسوريا(4).

كما وظف نتنياهو “العدوان” لضمان استقرار حكومته؛ إذ أعلنت حركة “المنعة اليهودية” بعد “العدوان”، وهي التي يقودها وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، عن عودة وزرائها إلى حضور اجتماعات مجلس الوزراء واستئناف نوابها التصويت لصالح مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة في البرلمان الإسرائيلي “الكنيست”، وذلك بعد أن امتنعت عن ذلك احتجاجًا على ما اعتبرته “الرد الضعيف” من الحكومة الإسرائيلية على إطلاق الصواريخ من غزة في أعقاب استشهاد القيادي، خضر عدنان.

التحول في الأداء الفلسطيني

شهدت جولة القتال الأخيرة العديد من التحولات على أداء الفعل النضالي الفلسطيني، سواء على صعيد إدارة المعركة أو على الصعيد التكتيكي العملياتي، بشكل أسهم في تمكين الفصائل الفلسطينية من الرد على عمليات الاغتيال وإطالة أمد المواجهة، لمزيد من الإضرار بالمصلحة الإسرائيلية.

فعلى صعيد إدارة المعركة، وبخلاف الحملتين العسكريتين اللتين شنتهما إسرائيل ضد “حركة الجهاد الإسلامي”، في نوفمبر/تشرين الأول 2019، وأغسطس/آب 2022، واللتان تُرك فيهما التنظيم وحيدًا في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، فإن الفصائل الفلسطينية خلال المواجهة الأخيرة، توحدت في “إدارة الرد” على إسرائيل من خلال “غرفة العمليات المشتركة”، التي تشارك فيها الأذرع العسكرية لحركات المقاومة(5). وعلى الرغم من عدم وضوح الأدوار العسكرية التي قامت بها الفصائل الأخرى، إلا أنه يرجح أن حركة الجهاد تولت بشكل أساس مهمة إطلاق الصواريخ على العمق الإسرائيلي، في حين تولت الفصائل الأخرى إسناد الجهد الحربي لحركة الجهاد أو أنها شاركت في الرد بشكل محدود. وقد اتهمت دوائر عسكرية إسرائيلية حركة “حماس” تحديدًا بتوفير منصات الصواريخ التي استخدمتها “الجهاد” في إطلاق الصواريخ على العمق الإسرائيلي خلال المواجهة، وذلك بعد استهداف سلاح الجو الإسرائيلي منصات الصواريخ التابعة لـ”سرايا القدس” على نطاق واسع في اليوم الثاني للحملة العسكرية(6). ويمكن الافتراض أن أحد أهم الأسباب وراء توحد الفصائل الفلسطينية في الرد على هجمات إسرائيل خلال هذه الجولة يتمثل في ارتباطها بقضية الأسرى في سجون الاحتلال، التي تعد من أهم محاور الإجماع الوطني الفلسطيني؛ سيما أن وفاة أسير فلسطيني في سجون الاحتلال متأثرًا بإضرابه عن الطعام تعد سابقة في تاريخ الصراع.

وقد عمدت حركات المقاومة في غزة لأول مرة في تاريخ المواجهة العسكرية مع الاحتلال إلى استخدام تكتيك عملياتي جديد من خلال تأخير الرد على عمليات الاغتيال لأكثر من 36 ساعة، وذلك بخلاف التوقعات الإسرائيلية. أسهم هذا التكتيك في تكريس حالة انعدام اليقين لدى القيادة الإسرائيلية، التي توقعت أن تتصرف المقاومة كما اعتادت عليه في مثل هذه الظروف وترد بسرعة؛ مما يمكِّن الجيش الإسرائيلي من مواصلة ضرب بنك الأهداف الذي أعدَّه سلفًا حتى تتدخل الأطراف التي تتولى الوساطة بين الجانبين للتوصل لاتفاق وقف إطلاق نار في أسرع وقت ممكن. أسهم تأخر رد المقاومة في تفاقم الأعباء التي تحمَّلها المجتمع الإسرائيلي، خاصة أن إسرائيل أعلنت حالة الاستنفار في المناطق الجنوبية بمجرد أن شرعت في تنفيذ الهجمات ضد “الجهاد الإسلامي”؛ ومن ثم اتخذت عدة إجراءات: إخلاء آلاف المستوطنين إلى فنادق، وإغلاق القواعد والنقاط العسكرية القريبة من الحدود، وتعطيل التعليم، وفرض قيود على الحركة في المنطقة الفاصلة بين تل أبيب في الشمال إلى بئر السبع في الجنوب، وهو ما أفضى إلى شل مظاهر الحياة في هذه المنطقة التي يقطنها أكثر من نصف سكان إسرائيل، وضمن ذلك تعطيل المرافق الاقتصادية والإنتاجية.

ويبدو أن تعاون الفصائل في إدارة المواجهة الأخيرة أحدث فرقًا عن سابقتها، وهو ما تظهره مقارنة مجملة بين نتائج هذه الحملة والأخرى التي استهدفت حركة الجهاد الإسلامي في أغسطس/آب 2022. ففي هذه الأخيرة التي امتدت لثلاثة أيام وأسفرت عن مقتل 48 فلسطينيًّا، من بينهم ثلاث من قيادات “الجهاد” العسكريين، لم يتجاوز إجمالي ما أطلقته “الجهاد” من صواريخ على العمق الإسرائيلي مئة صاروخ، ولم تسفر عن أية إصابات في الجانب الإسرائيلي؛ ولم يكن لها تأثير كبير على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، في حين أطلقت الفصائل في المواجهة الأخيرة 1469 صاروخًا، أسفرت عن “قتيل” وجرح عشرات آخرين، فضلًا عن إلحاق أضرار كبيرة بعدد من المنازل والمرافق(7).

قواعد الاشتباك

جاءت المواجهة الأخيرة، كسائر المواجهات التي نشبت بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل منذ مايو/أيار 2021 في إطار التصارع على فرض معادلات ردع جديدة. فقد سعت الفصائل الفلسطينية في غزة إلى إملاء قواعد اشتباك جديدة، تمثلت بربط فعلها النضالي بسياسات إسرائيل في الساحات الأخرى؛ في حين عمدت إسرائيل إلى محاولة إفشال المحاولات الفلسطينية عبر استخدام قدر غير متناسب من القوة العسكرية.

شنَّت إسرائيل الحرب على غزة في مايو/أيار 2021، بعد أن أطلقت حركة حماس مئات الصواريخ على العمق الإسرائيلي ردًّا على قرار إسرائيل تدمير منازل في حي “الشيخ رضوان” ورفضًا لسياسات إسرائيل تجاه الأقصى ولمنع “المنظمات اليهودية المتطرفة” من تنظيم “مسيرة الأعلام” في البلدة القديمة من القدس. وشنت إسرائيل حملتها على قيادة “الجهاد الإسلامي” في أغسطس/آب 2022، لإحباط توجه التنظيم لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل ردًّا على اعتقال أحد أبرز قياديه في الضفة الغربية، بسام السعدي. في حين جاءت المواجهة الأخيرة نتاج محاولة المقاومة الفلسطينية ردع إسرائيل عن مواصلة “سياسة القمع” تجاه الأسرى في سجونها، عبر الرد على وفاة القيادي خضر عدنان في السجن متأثرًا بإضرابه عن الطعام.

إن تمكن أي من الطرفين من إملاء معادلة ردع تؤسس لقواعد اشتباك جديدة في أعقاب جولة القتال الأخيرة لا يتوقف فقط على ميزان القوى العسكري، بل أيضًا يتأثر بمستوى التصميم الذي يبديه كل طرف على مواصلة القتال بغض النظر عما يملكه من إمكانيات عسكرية. على صعيد ميزان القوى العسكرية فإنه يميل بشكل جارف إلى صالح إسرائيل ومكَّنها في الجولة الأخيرة من استخدام قدر غير متناسب من القوة العسكرية -مستغلة تفوقها التقني والاستخباري- في مباغتة الجهاد الإسلامي واغتيال قادته العسكريين واستهداف بناه العسكرية على نطاق واسع. إلا أن المقاومة الفلسطينية أظهرت في المقابل قدرًا كبيرًا من التصميم على مواصلة القتال وزيادة كثافة إطلاق الصواريخ، تحديدًا بعد كل عملية اغتيال نفذها جيش الاحتلال؛ ما أفقد إسرائيل القدرة على استغلال تفوقها العسكري في وضع حدٍّ لاستهداف عمقها الداخلي وإنهاء المواجهة في التوقيت الذي حددته(8). وإن كانت القيادة الإسرائيلية قد بررت اغتيال قادة الجهاد بمسؤوليتهم المباشرة عن إطلاق الصواريخ في أعقاب وفاة خضر عدنان، فإن إطلاق الصواريخ بكثافة بعد تنفيذ عمليات الاغتيال أثناء المواجهة، دلَّل على أن عمليات الاغتيال لم تسهم في تعزيز قوة الردع الإسرائيلية، أي بخلاف ما أعلنه نتنياهو في نهاية المواجهة.

وبشكل عام عندما تضطر دولة ما إلى شن حروب وحملات عسكرية ضد نفس العدو في أوقات متقاربة، مع كل ما ينطوي عليه الأمر من تداعيات على جبهتها الداخلية، فإن هذا يدل على أنها لم تنجح في ردع هذا العدو. شنَّت إسرائيل خمس عشرة حملة عسكرية على القطاع، منها أربع حروب كبيرة منذ أن تولت حركة حماس مقاليد الحكم في 2006. إلى جانب ذلك، فإن حرص إسرائيل على عدم استهداف حركة حماس خلال هذه المواجهة، رغم اتهامها بتقديم مساعدة عسكرية حاسمة لـ”الجهاد” مكنتها من مواصلة إطلاق الصواريخ، يدل على تراجع قوة ردع إسرائيل. فإسرائيل خشيت أن يسفر انضمام حماس إلى المعركة عن إطالة أمدها وجعلها أكثر كلفة بسبب ما تملكه الحركة من ترسانة صاروخية كبيرة مقارنة بما يملكه “الجهاد الإسلامي”(9). مع العلم أن إسرائيل كانت حتى العام 2019، ترد على أي عمل ينفذه أي تنظيم فلسطيني انطلاقًا من غزة عبر استهداف حماس من منطلق مسؤوليتها عن إدارة حكم القطاع.

إن إحدى النتائج المتوقعة للجولة الأخيرة، أن تبدي إسرائيل حساسية أكبر إزاء ظروف وشروط اعتقال الأسرى في سجونها، تجنبًا لإمكانية اندلاع مواجهات عسكرية مع المقاومة في غزة، لإدراك صانع القرار في تل أبيب أن هذه القضية تحظى بإجماع فلسطيني ولن تتردد حركات المقاومة مجددًا بالرد عسكريًّا، في حال أسفرت إجراءات مصلحة السجون القمعية عن وفاة أسرى. ومما يعزز من فرص تحقق هذا السيناريو حقيقة أن نتنياهو شخصيًّا تدخل بعد وفاة خضر عدنان لدى مصلحة السجون لمنعها من تطبيق تعليمات من وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، تقضي بتشديد ظروف اعتقالهم(10).

وبالمقابل، فإن محاولة المقاومة في غزة فرض قواعد اشتباك جديدة عبر السعي لردع إسرائيل عن تبني سياسات محددة في ساحات أخرى، مثل القدس والضفة الغربية، لم تحقق نجاحات كبيرة. ففي أعقاب تفجر حرب مايو/أيار 2021 زاد حرص إسرائيل على تنظيم “مسيرة الأعلام” في البلدة القديمة، وتعاظمت وتيرة الاعتداءات على المسجد الأقصى وتأججت رغبة إسرائيل في تغيير الواضع القائم هناك، فضلًا عن مواصلتها سياسة تدمير المنازل؛ إلى جانب مواصلتها عمليات الاغتيال والمداهمات في أرجاء الضفة الغربية. تعي مقاومة غزة أن توجيه فعلها النضالي للتصدي لسياسات إسرائيل في الساحات الأخرى، سيقترن ليس فقط باستهداف واسع لمقدراتها البشرية والعسكرية، بل أيضًا بزيادة الأعباء على حاضنتها الجماهيرية التي تعاني كثيرًا بفعل الحصار المتواصل منذ 2006.

وتدرك غزة أن التوجهات “اليمينية المتطرفة” للائتلاف الإسرائيلي الحاكم تلعب دورًا مهمًّا في زيادة مستوى تصميم تل أبيب على إفشال محاولة المقاومة في غزة ربط فعلها النضالي بالسياسات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية، لاسيما في ظل محدودية تأثير الفعل النضال الفلسطيني في القدس والضفة الغربية. وهذا ما يفسر اكتفاء الفصائل الفلسطينية في القطاع بتنفيذ مناشط احتجاجية على الحدود مع إسرائيل ردًّا على تنظيم “مسيرة الأعلام” الأخيرة (18 مايو/أيار 2023) في القدس. ولكن هذا لا يمنع أن المقاومة في غزة، يمكن أن تعاود ربط فعلها النضالي باتجاهات السياسة الإسرائيلية في الساحات الأخرى في ثلاث حالات:

أولًا: للتعبير عن موقفها الرافض لسياسات إسرائيل في القدس تحديدًا، فتقوم بتصعيد محدود، مثل إطلاق عدد قليل من القذائف الصاروخية باتجاه مناطق مفتوحة في محيط القطاع دون أن تترك تأثيرًا على مجرى الصراع، من منطلق ترجيحها أن هذا سيستدعي ردًّا إسرائيليًّا محدودًا.

ثانيًا: إذا أقدم جيش الاحتلال أو “المنظمات اليهودية المتطرفة” على ارتكاب جرائم كبيرة في القدس والضفة الغربية أو حدث تحول متسارع في التعاطي الإسرائيلي مع المسجد الأقصى، فإن المقاومة يمكن أن ترد بقوة، حتى مع إدراكها أن ردها لن يردع إسرائيل عن مواصلة هذه السياسة.

ثالثًا: في حال جاء رد غزة على هذه السياسات في إطار رد شامل لمكونات “محور القدس”، الذي يضم: إيران، وحزب الله، والفصائل الفلسطينية، يتم خلاله تفعيل “وحدة الساحات”.

الوساطة الإقليمية  

أثبتت الحرب الأخيرة، كما جولات الحرب الأخرى، أهمية الدور الذي تلعبه الأطراف الإقليمية في التوصل لتفاهمات تنهي جولات القتال بين المقاومة وإسرائيل، وتحديدًا الدور المصري وبدرجة أقل الدور القطري. تسمح اتفاقات وقف إطلاق النار ذات الصيغ الفضفاضة للطرفين بالنزول عن الشجرة وتمكين كل طرف من المحاججة أمام جمهوره الداخلي بأنه حقق أهدافه من الحرب. جاء في نص اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى جولة الحرب الأخيرة: “يتم الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي يشمل وقف استهداف المدنيين وهدم المنازل وأيضًا استهداف الأفراد”(11). وهو ما مكَّن “الجهاد” من تأكيد أن الاتفاق يمثل موافقة إسرائيلية على طلبها الالتزام بوقف عمليات الاغتيال، في حين حاججت إسرائيل بأن الاتفاق يعني تبني موقفها “الهدوء يقابل بالهدوء”، ومن منطلق أنها لن تستهدف أحدًا ما لم يكن ضالعًا في استهدافها(12).

مستقبل الصراع بين إسرائيل وغزة

دلَّت جولة الحرب الأخيرة على أن إسرائيل لا تملك إستراتيجية لحل المعضلة التي تمثلها غزة، وفشلت في ترجمة إنجازاتها التكتيكية -اغتيال قيادات حركات المقاومة واستهداف بناها العسكرية- في تكريس معادلة ردع تحول دون اضطرارها لشن حملات عسكرية في أوقات متقاربة تفاقم الأوضاع الأمنية سوءًا في جنوب إسرائيل.

نظريًّا، هناك أربعة سيناريوهات يمكن أن تسلكها إسرائيل في المستقبل لمعالجة التحدي الذي تمثله غزة:

أولًا: مواصلة السياسة الحالية القائمة على شن عمليات عسكرية، بهدف تقليص قدرة المقاومة على مراكمة القوة العسكرية وكذلك الرد على محاولتها ربط فعلها النضالي بالسياسات التي تتبناها إسرائيل في الساحات الأخرى. وفي الوقت ذاته العمل -أي من قبل إسرائيل- على تحسين الأوضاع الاقتصادية بشكل محدود في غزة عبر تقليص مظاهر الحصار والسماح لآلاف الغزيين بالعمل في إسرائيل.

ثانيًا: شن عملية برية واسعة تنتهي بإعادة احتلال غزة وإسقاط حكم حماس بهدف تدمير البنى التحتية والتنظيمية للمقاومة.

ثالثًا: خوض غمار عملية تفاوضية تنتهي بالتوصل لحل شامل للقضية الفلسطينية، تتم في إطاره تسوية معضلة غزة.

رابعًا: التوصل لتسوية بعيدة الأمد بين إسرائيل وحماس برعاية دولية وإقليمية، يتم في إطارها إحداث تحول إيجابي جذري على الأوضاع الاقتصادية في القطاع، وضمن ذلك تدشين مطار وميناء مع مراعاة ترتيبات أمنية تضمن عدم توظيفهما في تهريب السلاح، والتوصل لصفقة تبادل أسرى. ويرى المتحمسون لهذه الفكرة التي بلورها وزير الطاقة الإسرائيلي الليكودي، يسرائيل كاتس، أن تحسين الأوضاع الاقتصادية بشكل جذري يجعل حماس حريصة على عدم استهداف إسرائيل لأنه سيكون لديها ما تخسره في حال اندلعت مواجهة مع إسرائيل. فضلًا عن أن هذا الخيار يمنح تل أبيب “شرعية دولية” لاستخدام قوة غير متناسبة في حال انطلقت أعمال “عدائية” من قطاع غزة(13).

ويرجح أن تختار إسرائيل الخيار الأول، أي الاستمرار في السياسة الحالية، بسبب المحاذير التي تنطوي عليها الخيارات الثلاثة الأخرى. فإسرائيل ستتجنب إعادة احتلال غزة بحملة عسكرية (السيناريو الثاني) بسبب الكلفة الباهظة المتوقعة لهذا الخيار، سواء على صعيد العدد الكبير من القتلى من الجنود أو التبعات الاقتصادية الباهظة والتداعيات السياسية، كما أن المجتمع الإسرائيلي ليس مستعدًّا لدفع كلفة متطلبات الجهد الحربي. وإذا تم تجاوز الكلفة الباهظة لإعادة احتلال القطاع، فإن عدم وجود طرف ثالث مستعد لتولي زمام الأمور في غزة بعد “إسقاط” حكم حماس، يضع إسرائيل أمام خيارين: إما أن تتولى بشكل مباشر إدارة غزة مع كل ما ينطوي عليه الأمر من تورط لأمد بعيد، أو أن تغادر القطاع بدون وجود عنوان سلطوي يمكن تحميله مسؤولية ما يحدث في القطاع، ما يعني أن تعم الفوضى بشكل يفاقم التحديات الأمنية التي تمثلها غزة. أضف إلى ذلك أن إسرائيل، خاصة في ظل الحكومة الحالية التي تعد الأكثر تطرفًا في تاريخها، غير جاهزة لخوض عملية سياسية تفاوضية (السيناريو الثالث) يمكن أن يفضي إلى التوصل لتسوية للصراع، وينطوي على حل لمعضلة غزة.

وعلى الرغم من أن التوصل لتسوية بعيدة الأمد بين إسرائيل وحماس (السيناريو الرابع) يبدو مريحًا لليمين الإسرائيلي لأنه يكرس الفصل السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن بعض مكونات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعارضه من منطلق أن الترتيبات الأمنية التي سيعمل وفقها الميناء والمطار لن تنجح في منع تهريب سلاح نوعي إلى قطاع غزة؛ فضلًا عن أن هناك شكوكًا حول مدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لتقديم الدعم المالي الذي يضمن تمويل هذه المشاريع(14).

خاتمة

أثبتت جولة الحرب الأخيرة أن غزة تلعب دورًا رئيسًا في النضال الوطني الفلسطيني، في وقت تقلص إسهام الضفة الغربية في الفعل النضالي المؤثر ضد الاحتلال، وذلك بسبب الظروف الصعبة التي تخضع لها. وعزز الأداء النضالي لغزة في هذه الحروب من مكانتها في الوعي الجمعي الفلسطيني؛ وكرَّس الرهان عليها مقوِّمًا رئيسًا في مواجهة الاحتلال.

وقد أثبتت المواجهة الأخيرة أن توحد فصائل المقاومة وتعاونها في إدارة المعركة ضد الاحتلال كان له دور في تحسين أداء الفعل النضالي وأسهم في جعل هذه المواجهة أكثر كلفة لإسرائيل مقارنة بسابقتها، فضلًا عن أن هذا الأداء منع إسرائيل من إملاء موعد إنهاء المواجهة وفق مصلحتها ما فاقم من معاناة الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وتدلل الجولة الأخيرة على أن الفعل النضالي لغزة حال دون تمكن إسرائيل من فرض معادلة ردع تفضي إلى تقليص قدرة المقاومة للرد على عمليات إسرائيل الحربية.

وفي المقابل، على الرغم من محاولة المقاومة في غزة فرض قواعد اشتباك جديدة تمكنها من الرد على سياسات تل أبيب في الساحات الأخرى، فإنها لم تنجح حتى الآن في أن تجعل ردها مؤثرًا بشكل حاسم على سياسات وقرارات الاحتلال في الساحات الفلسطينية الأخرى.

ومن المرجح أن تسهم المواجهة الأخيرة في إحداث مزيد من التراجع في المكانة التمثيلية للسلطة الفلسطينية بسبب عجزها عن التأثير على السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وهو ما أسهم في تهاوي شعبية قيادتها. مع العلم بأن قدرة غزة على التأثير على العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية محدودة إلى حدٍّ كبير. وبشكل عام لم تسهم نتائج الحروب والحملات العسكرية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ 2006 وحتى الآن في إحداث تحول على طابع العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

نبذة عن الكاتب

صالح النعامي

 باحث وصحفي متخصِّص في الشأن الإسرائيلي وتقاطعاته العربية والفلسطينية والإسلامية.

مراجع

  1. “رئيس الشاباك: أحد القياديين الذين تم اغتيالهم في غزة كان يدير خلية لصنع صواريخ في الضفة الغربية”، THE TIMES OF ISRAEL، 10 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 10 مايو/أيار 2023):  https://bit.ly/3Wo9A1q
  2. “نتنياهو: جئنا لنغير معادلات الردع، حماس مردوعة” (نتنياهو: بانو لشنوت ههمشفآ، حماس مورتاع)، كول حاي، 15 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/3W6BDlN
  3. “السيد نصر الله يستقبل النخالة ويبحث معه معركة “وحدة الساحات”، الميادين، 24 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/3I7QJSv
  4. “هل فقدت إسرائيل قوة الردع” هئم مدينات يسرائيل إبدا ههرتعا، سلطة البث الإسرائيلية، 4 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 20 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/3MIPTOE
  5. أكد رئيس الدائرة السياسية في “الجهاد الإسلامي”، محمد الهندي، أن الرد على عمليات الاغتيال التي نفذها جيش الاحتلال تم بتوافق وطني داخل الغرفة المشتركة. انظر: “الجهاد الإسلامي: الرد يتم بتوافق وطني داخل الغرفة المشتركة”، فلسطين، 10 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/3MsawOT
  6. “حماس ساعدت الجهاد الإسلامي ومكنته من استخدام منصات إطلاق الصواريخ”، حساب المراسل العسكري لإذاعة جيش الاحتلال، دورون كودوش، تويتر، 11 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 11 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/3WcnyDG
  7. “سرايا القدس” تعلن إطلاق 100 صاروخ على إسرائيل.. وغارات إسرائيلية جديدة على غزة”، سي. إن. إن. بالعربي، 5 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://cnn.it/42Y1vTd.
  8. حسب تقرير المعلق العسكري نوعم أمير، لكل من صحيفة “ميكور ريشون” وقناة “14”، فإن القيادة العسكرية الإسرائيلية توقعت في حال مشاركة حركة الجهاد لوحدها في الحرب، إنهاء الحملة العسكرية يوم الخميس، أي بعد ثلاثة أيام على بدئها. انظر: نوعم أمير، “من يوم واحد إلى عملية عسكرية واسعة: خمسة سيناريوهات ممكنة على الطاولة”(مي يوم كراف عاد مفتساع تسفئي نرحاف: حميش ترحيشيم إفشريين عل هشولحان)، ميكور ريشون، 9 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 22 مايو/أيار 2023):  https://bit.ly/3IADf1J
  9. كثير من الباحثين والمعلقين في إسرائيل توصلوا إلى هذا الاستنتاج، أحدهم ليراز مرغليت، الباحثة في جامعة رايخمان “هرتسليا”. انظر: ليراز مرغليت، “إسرائيل لا تراكم ردعًا بل تُظهر ضعفًا” (يسرائيل لو ميتسيرت هرتعا إلا مشديرت حولشاه)، معاريف، 12 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 20 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/3WhXPK1
  10. “”صدع” بين نتنياهو وبن غفير… هل الائتلاف الحكومي في خطر؟”، عرب 48، 4 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/43d7zHG
  11. “اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المسلحة بوساطة مصرية”، فرانس 24، 13 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/433afaz
  12. “الهدوء يقابل بالهدوء”، كلكليست، 13 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/4330fhA
  13. إيتمار آيخنر، “جزيرة صناعية قبالة غزة- كاتس يدفع نحو حسم في المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن” (إي مولوختي مول عزا – كاتس دوحيف لهخرعاه بكبنيت)، يديعوت أحرنوت، 21 يونيو/حزيران 2016، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2023): https://bit.ly/2FRc42I
  14. توصل “مركز أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي إلى استنتاج مفاده أن كثيرًا من المعيقات السياسية والأمنية والاقتصادية تعيق تنفيذ هذا المشروع في الظروف الحالية، وأنه يمكن أن يكون عمليًّا جزءًا من حل الصراع مع الشعب الفلسطيني وليس بديلًا عنه. انظر: شموئيل أيفن، شلومو غرتنر، دوف كهات، “فكرة تدشين جزيرة اصطناعية قبالة سواحل غزة” (رعيون لهكمات إي ملوخوتي مول حوفي عزا)، عيدكون استراتيجي، (مركز أبحاث الأمن القومي، إسرائيل، مجلد 5، عدد 4، فبراير 2003)، ص ص 22-25.



المغرب وإسرائيل: تعميق العلاقات رغم الاتفاق السعودي الإيراني

هناك حسابات وراء الاتفاقات المبرمة بين إسرائيل والمغرب، برعاية ودعم أميركيين، وهذه الحسابات قائمة على مصالح راجحة لدى الجانبين، كلاهما يستفيد منها حتى الآن، وهذا مبرر استمرارها وتسارع وتيرتها بل وتعزيزها أكثر.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

إسماعيل حمودي

أثار بلاغ (1) للديوان الملكي ضد حزب العدالة والتنمية في المغرب، على خلفية انتقادات (2) وجَّهها الأخير لوزير الخارجية والتعاون بسبب التطبيع مع إسرائيل، جدلًا قويًّا حول حدود مستوى التنسيق بين البلدين، خصوصًا في ظل تسريع وتيرة التعاون. تزامن ذلك مع تطورات داخلية وأخرى إقليمية؛ فعلى الصعيد الداخلي، يلاحظ تسريع في وتيرة العلاقات المغربية-الإسرائيلية، منذ السنة الماضية، خصوصًا على الصعيدين الأمني والعسكري؛ أما التطورات الإقليمية، فمن أبرزها الاتفاق السعودي-الإيراني، برعاية صينية، والذي يُتوقع أن تكون له تداعيات محتملة على مسار “اتفاقات أبراهام”، خصوصًا في ظل وجود حكومة إسرائيلية تعد الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، وتطور المقاومة الشعبية للاحتلال في فلسطين من السلمية إلى المقاومة المسلحة، كما في نموذجي عرين الأسود في نابلس وكتيبة جنين في الضفة الغربية.

تكشف تلك التطورات مجتمعة عن مفارقة أساسية؛ ففي الوقت الذي تتعمق فيه العلاقات المغربية-الإسرائيلية وتتعزز أكثر، بحيث اتسعت نحو مستويات إستراتيجية، عسكرية وأمنية واستخباراتية، تنبئ التطورات الإقليمية الأخيرة عن دينامية جديدة، قد تبدو غير ملائمة بالنسبة لمسار التطبيع و”اتفاقات أبراهام”، التي سعت، من خلالها أميركا وإسرائيل، إلى بناء تحالف إقليمي ضد إيران.

وعليه، تسعى هذه الورقة إلى فهم الدوافع وراء تسريع وتعميق العلاقات المغربية-الإسرائيلية، التي لم تعد تقتصر على البنود الواردة في الاتفاق الثلاثي(3) بين أميركا والمغرب وإسرائيل، وبالتحديد التعاون في المجالات التالية: السياحة، وتطوير علاقات اقتصادية وتكنولوجية من خلال إعادة فتح مكاتب للاتصال في البلدين، واستئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الدبلوماسية في أقرب الآجال، بل اتسعت لتشمل مستويات ومجالات أخرى تنبئ عن رغبة متبادلة في بناء تعاون متين بين الطرفين؛ كما تحاول الورقة تحليل آفاق تلك العلاقات في ضوء التطورات الإقليمية الجديدة، وخصوصًا التأثيرات المحتملة للاتفاق الإيراني-السعودي على العلاقات المغربية-الإسرائيلية.

أولًا: دوافع تسريع العلاقات المغربية-الإسرائيلية

من المعلوم أن المغرب استأنف علاقاته مع إسرائيل، في سياق إقليمي عربي، تميز بـ”اتفاقات أبراهام” التي أُبرمت، برعاية أميركية، بين إسرائيل ودول عربية أخرى، من أبرزها الإمارات والبحرين. إلا أن الخطوة المغربية تمت في صيغة اتفاق ثلاثي بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، أُعلن عنه في بيانات منفصلة من قبل الدول الثلاث، وهو الاتفاق الذي أكد عليه “إعلان مشترك”(4) بين الدول الثلاث، تضمَّن التزامات كل طرف بمزيد من التفصيل، بما في ذلك التزام الأطراف الثلاثة بالتصرف وفق الإعلان على المستويات الثنائية والإقليمية ومتعددة الأطراف.

ويلاحظ أنه منذ زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إلى المغرب، في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، تطورت العلاقات بين البلدين بوتيرة متسارعة، يؤكد ذلك عدد الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الإسرائيليين والمغاربة، وعدد الاتفاقيات ومذكرات التعاون المبرمة بين البلدين، والتي تكاد تشمل كل القطاعات حتى الآن، بما في ذلك المجال العسكري والأمني. فخلال 2022، مثلًا، زار المغرب كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين في أعلى مستويات السلطة في إسرائيل، منهم قائد هيئة الأركان في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وقائد القوات الجوية، ورئيس هيئة الإستراتيجية والدائرة الثالثة في جيش الاحتلال الإسرائيلي وقائد لواء العلاقات الخارجية وقائد لواء التفعيل في هيئة الاستخبارات، وهي زيارات ترتب عليها توقيع اتفاقيات ومذكرات للتعاون العسكري والأمني، كما جرى الحديث عن صفقات تسلح، وعن مشاريع استثمارية في مجال الصناعات العسكرية(5). كما زار المغرب وزراء ومسؤولون في الحكومة الإسرائيلية السابقة، منهم: وزيرة الداخلية، والعدل، والتعاون الإقليمي، والعلوم والتكنولوجيا، ورئيس الصناعة الجوية، وقائد قوات الشرطة، ممن أبرموا مع نظرائهم المغاربة اتفاقيات تعاون بين البلدين. وقد تم عرض بعض تلك الاتفاقيات على البرلمان المغربي للمصادقة، منها اتفاقية النقل الجوي واتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري(6).

بالمقابل، يلاحظ إحجام المغرب، حتى الآن، عن إرسال مسؤوليه السياسيين إلى إسرائيل، باستثناء وزير الخارجية الذي حضر قمة النقب في مارس/آذار 2022، وقادة عسكريين على رأسهم المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، وقائد قوات المدرعات. لكن يبدو الباب مفتوحًا أمام القطاع الخاص المغربي، الذين شارك بعض رجال الأعمال منه في منتديات اقتصادية في إسرائيل، لاستكشاف مجالات الاستثمار الممكنة.

ولعل تكثيف الزيارات والاتفاقيات المبرمة، يؤكد أن العلاقات الثنائية بين المغرب وإسرائيل تمضي، منذ استئناف العلاقات بينهما، في ديسمبر/كانون الأول  2020، بوتيرة متسارعة، ما يؤكد وجود رغبة متبادلة في تعزيز التعاون، تنم عن حسابات للمصالح من الطرفين، فما تلك الحسابات؟

1- حسابات إسرائيل

ترغب إسرائيل، من وراء اتفاقات التطبيع بما في ذلك مع المغرب، إلى تحقيق عدة أهداف ومصالح:

أ- الاندماج في المحيط العربي، لأجل كسب رهان التحول إلى دولة شرعية في المنطقة، تربطها علاقات تعاون ثنائي ومتعددة الأطراف مع الدول العربية والإسلامية. ولا شك أن التحول إلى دولة طبيعية يشكِّل تطلعًا إستراتيجيًّا للأمن القومي الإسرائيلي، يكسر حالة العداء الشعبي ضدها، ويجعل منها دولة عادية بين الأنظمة العربية، بل ويمنحها الشرعية الدولية في المنطقة وخارجها. وتسعى إلى ذلك بمختلف الطرق، إحداها الادعاء بأنها تتقاسم مع الدول العربية، وخصوصًا الخليجية، تهديدات وجودية مشتركة، منبعها إيران وأذرعها المسلحة في المنطقة، ومن ثم العمل على بناء ما تسميه “جدارًا دفاعيًّا” ضد إيران، تلعب فيه إسرائيل دور القيادة.

وتلاحق إسرائيل ما تزعم أنه تهديد إيراني في المغرب العربي كذلك، وهو أحد مبررات تطبيع علاقاتها مع المغرب، كما عبَّر عن ذلك وزير الخارجية الإسرائيلي، خلال أول زيارة له إلى المغرب في أغسطس/آب 2021، بحيث هاجم إيران والجزائر معًا، معبِّرًا بصراحة “عن قلق إسرائيل من التقارب الإيراني الجزائري”(7). وهو موقف تتقاسمه مع المغرب، الذي سبق له أن قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران في مايو/أيار 2018، بعد أن اتهمها، أكثر من مرة، بتسليح جبهة البوليساريو، من خلال الجزائر، رغم النفي الإيراني المتكرر(8).

ب- تعزيز التعاون الأمني والعسكري من خلال إبرام اتفاقيات تعاون ثنائية، تسمح بتسويق ما تنتجه من أسلحة وأنظمة أمنية واستخباراتية للدول العربية، التي تعتبر الأكثر طلبًا على السلاح في العالم في حين تُعتبر إسرائيل من الدول المنتجة للسلاح والتكنولوجيات الأمنية، بما تتوفر عليه من بنيات تحتية وشركات رائدة يفوق عددها الألف شركة. وتكشف الاتفاقات المبرمة بين إسرائيل والدول المنخرطة في اتفاقات “أبراهام” عن هذه الأولوية في الحسابات الإسرائيلية. ما هو لافت للنظر في هذا السياق، أن تحولًا قد حصل في موقف إسرائيل التي طالما كانت ترفض نقل التكنولوجيا العسكرية والأمنية للدول العربية بهدف الحفاظ على تفوقها النوعي في المنطقة، لكن يبدو أنها غيَّرت موقفها، ربما في اتجاه أن تجعل من التعاون العسكري والأمني مَعْبرًا للتطبيع، وبهدف اختراق المؤسسات الأمنية والعسكرية العربية على الأغلب، التي تشكل القاعدة الصلبة للأنظمة السياسية، وهو الاختراق الذي بات ممكنًا من خلال التركيز في الاتفاقيات المبرمة على الجوانب العملياتية والتكتيكية، وتسويق أنظمة الذكاء والاتصال، ومعدات الأمن السيبراني، ما يسمح لها بجمع المعلومات وكسر الحواجز النفسية وترسيخ النفوذ.

وفي علاقتها مع المغرب، يلاحظ التركيز على البعدين العسكري والأمني في العلاقات بين البلدين، مع سلاسة في التعامل تنم عن ثقة متبادلة على خلاف المتوقع، وهو ما يمكننا رصده من خلال صفقات السلاح المعلن عنها، حيث زوَّدت إسرائيل المغرب بأسلحة متطورة، وبأنظمة للدفاع الجوي، منذ العام الأول لاستئناف العلاقات بينهما(9). كما أن الاتفاقيات المبرمة تطورت بسرعة من التعاون في مجال الصناعة الدفاعية ونقل التكنولوجيا، إلى توسيعها لتشمل التعاون الاستخباراتي والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، علاوة على القيام بالتدريب والمناورات المشتركة بين القوات العسكرية للبلدين(10).

ت- التعاون الاقتصادي والطاقي، تأمل إسرائيل في كسر الطوق حولها من خلال السعي للولوج إلى الأسواق العربية، خصوصًا خزائن المال في الخليج. وفي علاقتها بالمغرب، يلاحظ أنه منذ إبرام اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتجاري في فبراير/شباط 2022، شهدت المبادلات التجارية نموًّا سريعًا تضاعف أربع مرات خلال عام واحد، وبلغت قيمته 500 مليون دولار، في حين وصلت القيمة المالية للاتفاقيات التجارية المبرمة في مايو/أيار 2022 نحو 3.1 ملايين دولار، بزيادة قدرها 94 في المئة، ويسعى البلدان بالتعاون مع الإمارات إلى رفع قيمة التبادل التجاري إلى 7 مليارات دولار خلال عشر سنوات(11). وضمن مجالات التعاون الاقتصادية، يبدو أن إسرائيل تركز أكثر على قطاع الغاز والطاقات المتجددة، ففي ديسمبر/كانون الأول  2022 جرى الكشف عن توقيع اتفاقية بين شركتين إسرائيليتين “نيوميد إنرجي” و”أداركو إنرجي” مع وزارة الانتقال الطاقي المغربية تسمح للشركتين بالتنقيب وإنتاج الغاز الطبيعي في إقليم بوجدور في الصحراء المغربية، وهي ثاني اتفاقية بعد أولى أُبرمت، في أكتوبر/تشرين الأول 2021، بين “راسيو بتروليوم” الإسرائيلية والمكتب الوطني للهيدروكربورات حصلت بموجبها الشركة الإسرائيلية على حق التنقيب في إقليم الداخلة في الصحراء المغربية(12).

2- حسابات المغرب

بالمقابل، يتطلع المغرب من وراء التطبيع مع إسرائيل إلى تحقيق عدة مصالح إستراتيجية، لعل من أبرزها:

أ- تعزيز تفوقه العسكري والأمني في المنطقة، وهو ما تعبِّر عنه طبيعة الاتفاقيات الأمنية والعسكرية المبرمة مع إسرائيل، وكذا نوعية الصفقات العسكرية والأمنية المعلن عنها، خصوصًا من لدن الجانب الإسرائيلي، من قبيل منظومة “باراك 8” للدفاع الجوي والصاروخي، وأسطول من الطائرات المسيرة، والاستعانة بالخبرة الإسرائيلية في إنشاء قطاع محلي للصناعة العسكرية(13)، إلى جانب الدعم الأميركي. ويلاحظ أن الدعم العسكري والأمني الإسرائيلي للمغرب يحصل في ظل تفاقم حالة التوتر بين المغرب والجزائر، أبرز تجلياتها إعلان الجزائر القطيعة الدبلوماسية الكاملة مع المغرب في أغسطس/آب 2021، وقبل ذلك انسحاب جبهة البوليساريو من اتفاق وقف إطلاق النار في الصحراء في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وحديث قياداتها، منذ ذلك الإعلان، عن مواجهات عسكرية مع الجيش المغربي في مناطق بالصحراء، وذلك في الوقت الذي تصاعدت فيه اتهامات المغرب لإيران بالتدخل في المنطقة وتسليح جبهة البوليساريو.

ولعل تسريع وتيرة العلاقات المغربية-الإسرائيلية، خصوصًا في الجانب العسكري والأمني، تجد تفسيرها في ارتفاع حدة التوتر بين المغرب والجزائر، والتي كادت أن تصل إلى حافة الحرب. وكان الرئيس الجزائري صريحًا حين علَّل قرار بلاده قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، بما في ذلك منع الطيران المدني والعسكري المغربي من التحليق فوق الأجواء الجزائرية، بأنه كان “بديلًا لقرار الحرب”(14)، بين الدولتين الجارتين. وعمومًا، يبدو أن المغرب قد وجد في إسرائيل الدعم العسكري والأمني الذي كان ينتظره من دول أخرى، خصوصًا فرنسا، التي ساءت علاقتها بالمغرب خلال نفس الفترة ولا تزال. ولا تقتصر الأهداف الإستراتيجية للمغرب من وراء تعزيز التعاون مع إسرائيل على منطقة شمال افريقيا، بل تمتد تلك الأهداف نحو الاتحاد الأوروبي ومنطقة غرب إفريقيا، حيث إسرائيل تمارس نفوذًا سياسيًّا وأمنيًّا وعسكريًّا، ويتصور المغرب إمكانية الاستفادة منه.

ب- يراهن المغرب في علاقاته مع إسرائيل على تعزيز فرص النمو الاقتصادي، وجلب استثمارات اليهود المغاربة حول العالم، وخصوصًا في قطاعات الماء والأمن الغذائي والبحث العلمي، حيث يواجه صعوبات نتيجة الجفاف والتغيرات المناخية، تهدد السلم الاجتماعي. في مارس/آذار 2022، عُقد أول منتدى اقتصادي بين البلدين في تل أبيب، جرى خلاله إبرام اتفاقية بين الاتحاد العام لمقاولات المغرب من جهة، واتحاد الصناعيين الإسرائيلي واتحاد الغرف التجارية الإسرائيلية من جهة ثانية، تسمح بإنشاء شركات إسرائيلية في المغرب، كما جرى تأسيس مجلس للأعمال المغربي الإسرائيلي. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022، جرى عقد منتدى ثان في الدار البيضاء لبحث مجالات الاستثمار خصوصًا في جلب تقنية نظام الري والتكنولوجيا الزراعية المتطورة، والمعدات الطبية، والطاقات المتجددة، والصناعة، والأمن السيبراني، والتعليم والسياحة، والكيماويات وغيرها، في مسعى لتحقيق “شراكة متينة” و”حاملة للنمو المشترك”(15).  

 ت- انتزاع موقف إسرائيلي مؤيد لمغربية الصحراء، وفق حسابات ترى أن الاعتراف الإسرائيلي قد ينعكس على موقف دول أخرى، خصوصًا في أوروبا وآسيا، تمامًا مثلما حصل مع الموقف الأميركي بالاعتراف بالسيادة المغربية على إقليم الصحراء، وكان له تداعيات إيجابية على مواقف عشرات الدول التي باتت تؤيد تسوية النزاع حول الصحراء تحت السيادة المغربية، وأقدمت على فتح قنصليات لها في مدينتي الداخلة والعيون، بل إن تغيير إسبانيا لموقفها بدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية لتكون أرضية للحل السياسي المتوافق عليه، لم يكن ممكنًا لولا الموقف الأميركي المتقدم. ويبدو أن المغرب يسعى إلى انتزاع موقف إسرائيلي صريح حول مغربية الصحراء، وهو التطور الذي لم يحصل بعد، لكن إسرائيل لم تمنع شركاتها من الاستثمار في أقاليم الصحراء، كما تفعل بعض الدول الأوروبية مثلًا، ويشير ذلك إلى أن الاعتراف الإسرائيلي مسألة وقت فقط، وربما ترهنه إسرائيل بعلاقات دبلوماسية كاملة مع المغرب، أي فتح سفارتين في البلدين، بدل مكتب اتصال فقط.

وعمومًا، يواجه المغرب ضغوطًا محرجة في علاقاته بإسرائيل، لسببين: الأول: وجود رفض شعبي مغربي واسع للتطبيع، أما السبب الثاني فيتعلق بممارسات إسرائيل العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، إثر وصول حكومة يمينية إلى السلطة تعد الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل. ورغم التأكيد الرسمي المغربي على أن علاقاته بإسرائيل لن تكون على حساب التزاماته تجاه القضية الفلسطينية، إلا أن التطورات الأخيرة تكشف عن صعوبات في التوفيق وتحقيق التوازن بين المضي في شراكته مع إسرائيل والوفاء بالتزاماته مع الفلسطينيين، خصوصًا أنه لم يستطع لحد الآن توظيف علاقاته مع الطرف الإسرائيلي للعودة إلى طاولة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، أو على الأقل وقف الاستيطان، والعدوان المتكرر على القدس. 

بخلاصة، تبدو دوافع العلاقات المغربية-الإسرائيلية متكافئة، كلاهما يرغب في تعميقها سعيًا وراء مصالح إستراتيجية راجحة. لكن التطورات الإقليمية الأخيرة، وخصوصًا الاتفاق السعودي-الإيراني، ألقت بنوع من الغموض على مستقبل تلك العلاقات، والتساؤل حول ما إذا كنت ستصمد أم تنكفئ وتسقط؟

ثانيًا: تداعيات الاتفاق السعودي-الإيراني على العلاقات المغربية-الإسرائيلية

مما لا شك فيه أن الاتفاق السعودي-الإيراني، برعاية صينية، قد شكَّل صدمة في الأوساط الإسرائيلية، إلى حدِّ أن رئيس الحكومة السابق، يائير لبيد، اعتبر أن الجدار الدفاعي الذي سعت اتفاقات “أبراهام” إلى بنائه ضد إيران قد انهار، وأن المساعي الدبلوماسية التي كانت تبذلها إسرائيل من أجل انتزاع قرار بالتطبيع مع السعودية قد باتت أكثر تعقيدًا، لأن الاتفاق معناه أن السعودية قد أعطت الأولوية للتقارب مع إيران على التطبيع مع إسرائيل، وهو “أمر سيء للغاية لإسرائيل”(16) على حدِّ قول رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي.

بيد أن القلق الإسرائيلي من الاتفاق السعودي-الإيراني، لا يعني أن الخلافات السياسية والأيديولوجية العميقة بين الطرفين قد طويت، إلا أن الاتفاق قد يهذب من الصراعات العنيفة بينهما في أكثر من جبهة، خصوصًا في اليمن ولبنان. ويظهر أن الحسابات البرغماتية لدى الطرفين، كانت وراء الوصول إلى الاتفاق المذكور؛ فإيران سعت، من جهتها، إلى تخفيف الضغط الأميركي والإسرائيلي عليها، وكسر الجدار الدفاعي الذي أقامته إسرائيل من خلال اتفاقات “أبراهام”، وفي الوقت نفسه تهدئة جبهات التوتر في المنطقة خصوصًا مع السعودية في اليمن ولبنان، ومن أجل أن تلتقط إيران أنفاسها على المستوى الداخلي كذلك، بسبب تدهور الوضع الاقتصادي وتنامي الاحتجاجات الضاغطة على النظام السياسي. أما السعودية فقد وجدت في الاتفاق أسلوبًا للتخفيف من الضغط الأميركي المتواصل على ولي العهد، محمد بن سلمان، منذ وصول الرئيس جو بايدن إلى السلطة في البيت الأبيض على خلفية حقوق الإنسان؛ ما دفع بن سلمان إلى المناورة باستعمال أوراق ضغط كذلك، من أبرزها تعزيز السعودية للشراكة الإستراتيجية مع الصين، أو التنسيق مع روسيا حول أسعار النفط في منظمة “أوبك+”، والامتناع عن إدانة الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية. في هذا السياق، يظهر الاتفاق السعودي-الإيراني وكأنه ورقة ضغط إضافية لجأت إليها السعودية لمقاومة الضغط الأميركي، والذي كانت تستغله إسرائيل بدورها من أجل دفع السعودية إلى الانخراط في اتفاقات “أبراهام”.

وعليه، لا يبدو الاتفاق السعودي-الإيراني إستراتيجيًّا، لذلك يُستبعد أن يؤسس لأي علاقات طبيعية ودائمة وتعاونية بين السعودية وإيران، لكنه كخطوة تكتيكية قد يحقق أمرين: تخفيف الضغط الأميركي على النظامين، السعودي والإيراني، خلال الفترة المتبقية من حكم الرئيس بايدن، أي حتى نهاية 2024؛ وتهدئة العلاقات المتوترة بين السعودية وإيران في اليمن ولبنان وغيرهما. وفي ضوء تلك الاعتبارات، يبدو مستبعدًا، كذلك، أن يؤثر الاتفاق السعودي-الإيراني سلبًا على العلاقات المغربية-الإسرائيلية، أخذًا بعين الاعتبار الحجج التالية:

– أولًا: لأن القطيعة الدبلوماسية بين المغرب وإيران تقررت في مايو/أيار 2018، وفي ضوء اعتبارات سياسية تتعلق بالوحدة الترابية للمغرب، وعلى خلفية اتهامات مغربية صريحة لإيران بالتورط في تدريب وتسليح إيراني لجبهة البوليساريو الانفصالية، أي إن محددات القطيعة كانت ثنائية بين البلدين، وبشكل مستقل عن القطيعة بين إيران ودول الخليج منذ 2016 حتى إبرام الاتفاق الأخير، لذلك يرجح أن تستمر القطيعة المغربية-الإيرانية في الأمد المنظور، إلا إذا وقعت تطورات جديدة ومستقلة عن تطورات الاتفاق الإيراني-السعودي، وتتعلق مباشرة بالعلاقات بين إيران والمغرب والجزائر، وهو ما لا يدل عليه أي مؤشر حتى الآن.

– ثانيًا: أن تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل جرى وفق حسابات تراعي مصالحه، كما سبقت الإشارة، وعلى رأسها الحفاظ على المكتسبات التي حققها على مستوى وحدته الترابية والتسليح النوعي، وتكشف الاتفاقيات التي أُبرمت بين الطرفين خلال أقل من سنتين، والتي تشمل قطاعات إستراتيجية عديدة، عن رغبة متبادلة لتعزيز العلاقات بينهما، وتعميقها أكثر في المستقبل. ولعل ما يعزز هذا التوجه، التوافق في الرؤى والمواقف تجاه الدور الإيراني في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا، وخصوصًا القلق المغربي من التسليح الإيراني لجبهة البوليساريو الانفصالية.

– ثالثًا: أن تطبيع المغرب مع إسرائيل حصل في ظل اتفاق ثلاثي مع أميركا، بمقتضاه انتزع المغرب موقفًا أميركيًّا داعمًا للسيادة المغربية على الصحراء، وهو موقف كانت له تداعيات إيجابية على مواقف عشرات الدول الأخرى، ممن انخرطت في دعم السيادة المغربية على الصحراء أو على الأقل تأييد مبادرة الحكم الذاتي المغربية لتكون الأرضية الوحيدة للحل. وهو مسار منح المغرب القدرة على محاصرة خصوم وحدته الترابية، سواء من الناحية الدبلوماسية أو من الناحية العسكرية في الميدان، ولا شك أنه معني بالمحافظة على هذه المكتسبات وتثمينها، ويستبعد لهذا السبب أن يتراجع عن مسار التطبيع إلا إذا تراجعت إسرائيل أو أميركا عن التزاماتها على هذا الصعيد، وهو ما لم يحصل حتى الآن.

خلاصة القول: إن هناك حسابات وراء الاتفاقات المبرمة بين إسرائيل والمغرب، برعاية ودعم أميركيين، وهذه الحسابات قائمة على مصالح راجحة لدى الجانبين، كلاهما يستفيد منها حتى الآن، وهذا مبرر استمرارها وتسارع وتيرتها بل وتعزيزها أكثر، كما رصدنا ذلك خلال السنتين الماضيتين فقط. لكن، مثل كل الحسابات، يمكن أن تتأثر سلبًا، إذا أصبحت كلفة التطبيع والخسائر المترتبة عليه أكبر من المصالح المحصلة منه، وهو الاحتمال الذي قد تؤكده التطورات المقبلة أو تنفيه.

وكلما حصل تعزيز للمكاسب المتبادلة في العلاقات المغربية-الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ذلك على حساب أي تطور جديد في العلاقات المغربية-الإيرانية، رغم الاتفاق السعودي-الإيراني كما سبقت الإشارة، بحيث يستبعد أن يضحي المغرب بعلاقاته مع إسرائيل لحساب إيران، إلا إذا اقتنعت إيران بضرورة الحوار مع المغرب وتبديد الاتهامات الموجهة إليها بخصوص تسليح جبهة البوليساريو. وفي حالة وقع هذا السيناريو، أي الحوار واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران، سيكون المغرب مطالبًا بنهج سياسة توازن بين مصالحه من وراء العلاقة مع إيران وإسرائيل، وهو وضع يبدو صعبًا ومعقدًا، ويبدو أن المغرب في غنى عنه خلال الفترة الراهنة على الأقل، لأن مصالحه مع إسرائيل تبدو أكبر بكثير من أي مصالح أخرى قد يحصل عليها من إيران.

نبذة عن الكاتب

إسماعيل حمودي

أستاذ العلوم السياسية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس/المغرب.

مراجع

 1- بلاغ الديوان الملكي، 13 مارس/آذار2023، (تاريخ الدخول: 1 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3L1tg7n 

 2- بلاغ حزب العدالة والتنمية، 4 مارس/آذار 2023، (تاريخ الدخول: 1 مارس/آذار 2023): https://bit.ly/41lWhQu

 3- بلاغ الديوان الملكي، 10 ديسمبر/كانون الأول 2020، (تاريخ الدخول: 1 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3nIOKwC

 4- إعلان مشترك، في 22 ديسمبر/كانون الأول 2020، (تاريخ الدخول: 1 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/433bK9A

5- المغرب وإسرائيل.. التعاون العسكري ثمرة عامين من التطبيع، وكالة الأناضول، 30 سبتمبر/أيلول 2022، (تاريخ الدخول: 2 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3nAtQ2w

6- النواب المغربي يصادق على اتفاقيتين مع إسرائيل، الشرق الأوسط، 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3UD38D7

7- لابيد من المغرب: تقارب الجزائر وإيران مقلق، روسيا اليوم، 13 أغسطس/آب 2021، (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3KovhJk

8- المغرب يقطع العلاقات مع إيران وحزب الله ينفي تورطه، الجزيرة نت، 1 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/41dxeij

9- محمد اشتاتو، المغرب وإسرائيل ومستقبل منتدى النقب، معهد الشرق الأوسط في واشنطن، 23 فبراير/شباط 2023، (تاريخ الدخول: 6 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/43pHAgU

 10- المغرب وإسرائيل.. التعاون العسكري ثمرة عامين من التطبيع، وكالة الأناضول، 30 سبتمبر/أيلول 2022، (تاريخ الدخول: 6 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3UvhmWw

11- محمد اشتاتو، مرجع سابق.

12- “نيوميد إنرجي” الإسرائيلية تعلن عن توقيع اتفاق مع المغرب للتنقيب عن الغاز وإنتاجه في الصحراء، i24News، 15 ديسمبر/كانون الأول 2022، (تاريخ الدخول: 6 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/40XUph3

13- الصناعة العسكرية الإسرائيلية تزود المغرب بأنظمة دفاعية متطورة، هسبريس، 12 أبريل/نيسان 2022، (تاريخ الدخول: 6 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3KPuWk4

14- الرئيس الجزائري: قطع العلاقات مع المغرب كان “بديلًا للحرب”، العربي الجديد، 30 ديسمبر/كانون الأول 2022، (تاريخ الدخول: 6 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3Mxs6l6

15- المغرب-إسرائيل..كافة الشروط قد اجتمعت لبناء شراكة متينة، CGEM، 26 أكتوبر/تشرين الأول 2022، (تاريخ الدخول: 7 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3KNJktk

 16- صفعة لنتنياهو وفشل لبايدن..الاتفاق بين السعودية وإيران بعيون الصحافة الإسرائيلية، الجزيرة نت، 13 مارس/آذار 2023، (تاريخ الدخول: 7 أبريل/نيسان 2023): https://bit.ly/3o1l4Lf




مآلات الانتخابات الليبية في ظل الحرب السودانية

تباطؤ سياسي وسط تعويل على «المصالحة الوطنية»

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط

القاهرة: جمال جوهر

فرض الوضعُ الراهنُ في السودان تحدياً جديداً على دول «الجوار»، وفي مقدمتها ليبيا، خصوصاً لجهة الاهتمام بالملف الأمني والحدود المشتركة. وهذا الأمر أعاد طرح السؤال على النخب الليبية المتعارضة حول مدى إمكانية عقد الانتخابات المُنتظرة، في ظل الأجواء المضطربة بالخرطوم، وهل طبيعة الأزمة الليبية، حالياً، أمنية أم سياسية؟

جانب من النخبة السياسية، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» بدت متفائلة، بإمكانية إجراء الانتخابات إذا ما «توفرت الإرادة»، لكن هذا تَقاطعَ مع آراء آخرين اعتبروا أن ذلك «صعب» لأسباب عدة، من بينها المعضلة الأمنية، وبقاء الأجسام السياسية – التي يُنظر إليها على أنها سببٌ في إفشال الاستحقاق السابق – على حالها دون تغيير.

وفي أول لقاء لمبعوث الولايات المتحدة وسفيرها لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، مع محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، منذ اندلاع الحرب السودانية – وإن جاء عبر تقنية «زوم» – لم يخلُ من بحث مخاطرها جميعها، ما دفعهما إلى الاتفاق على «أهمية تشكيل قوة مشتركة لتسيير دوريات على الحدود الجنوبية، وضمان ألا تُستخدم ليبيا منصةً للتدخل في السودان». كذلك تطرق نورلاند والمنفي، إلى مناقشة الاستقرار الإقليمي، ودور «المصالحة الوطنية» في التقارب المأمول قبل الذهاب إلى الانتخابات المرجوّة، بجانب تحسين عملية إدارة الإيرادات لضمان استفادة الليبيين جميعاً من ثروة بلادهم. وأكد نورلاند دعم واشنطن العملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة لتنظيم استحقاق مبكر في ليبيا.

هنا يرى عارف النايض، رئيس «تكتل إحياء ليبيا»، أن «النكبة السودانية المؤلمة تذكير لهم بضرورة الإسراع في إجراء الانتخابات الليبية، بشكل عاجل، العام الحالي». واعتبر النايض، في حوار مع «الشرق الأوسط» ما سماها «الفتنة المسلحة» الدامية بين الأشقاء في السودان، دليلاً آخر على أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المباشرة، هي «السبيل الوحيد» لتجديد الشرعية المستمدة من الإرادة الشعبية من خلال صناديق الاقتراع، وأيضاً «دليلاً على خطورة المماطلة في الاحتكام إلى الإرادة الشعبية الحرة، ومحاولة الالتفاف حول تلك الإرادة من خلال الصفقات والتفاهمات والاقتسامات».

ولكن، هنا تتباين رؤى الليبيين حول طبيعة أزمة بلادهم بين مَن يراها أمنية، في مواجهة مَن يعتبرها سياسية. وهناك أيضاً مَن اعتبر أن الحديث عن إجراء انتخابات نهاية العام – دون تحسين ملموس بالجانب الأمني- ليس إلاّ مجرد «رفع لسقف الطموح والآمال وامتصاص للغضب الشعبي». وعلى صعيد آخر، من دون إعلان رسمي، نقلت مصادر إعلامية قريبة من «الجيش الوطني الليبي» أن قائده المشير خليفة حفتر وجه فور اندلاع الحرب في السودان بإغلاق الحدود المشتركة معه، وأرسل تعزيزات عسكرية إلى مدينة الكفرة، جنوب شرقي البلاد.

ماذا عن لجنة «6 + 6»؟

لا يخفي كثيرون من الليبيين دهشتهم لانقضاء قرابة نصف العام، وبقاء شهر واحد يفصلهم عن الموعد المحدد لانتهاء لجنة «6 + 6» من إعداد القوانين اللازمة للانتخابات – قبل نهاية يونيو (حزيران) – من دون أن تثمر اللقاءات المحدودة شيئاً إلاّ «تقارباً في وجهات النظر». ولذا يقول عبد الرؤوف بيت المال، رئيس حزب «ليبيا النماء» إن «الواضح لنا عدم وجود أي نية لإجراء الانتخابات»، قبل أن يستدرك فيقول: «ولكن إذا توافرت الإرادة الحقيقية من الليبيين والأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في القرار المحلي، فستُجرى».

بيت المال يفترض في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه إذا قرّرت هذه الأطراف إجراء الاستحقاق، «فسيكون ذلك بعد 6 إلى 8 أشهر، بما يعني نهاية العام الحالي، أو بداية 2024»، وتابع: «أتمنى بعد هذه المدة أن تكون الحرب السودانية قد انتهت. فالربط بين ما يحدث هناك وإجراء الانتخابات الليبية ليس في محله».

هذا، ويُنظر إلى اللجنة المعنية بإعداد قوانين الانتخابات على أنها «تتحرك ببطء»، فهي لم تعقد منذ تشكيلها سوى 3 اجتماعات، آخرها كان منتصف الأسبوع الماضي، مع عماد السائح رئيس المفوضية العليا للانتخابات، الذي استمع إلى ملاحظاتها الفنية حول القوانين لـ«أخذها بعين الاعتبار»، بحسب ما صرح به عبد الله بليحق، المتحدث باسم مجلس النواب. وسبق لعبد الله باتيلي، المبعوث الأممي إلى ليبيا، إعلان «خريطة طريق» جديدة وواضحة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة، بحلول منتصف يونيو المقبل. وهو الموعد الذي يفترض أن تكون لجنة «6 + 6» قد انتهت خلاله من أعمالها. وقال باتيلي «إن الأجسام السياسية (المنتهية ولايتها) والحكومات المتعاقبة هي سبب عدم الاستقرار في ليبيا وتعرِّض الوضع للخطر».

وكانت اللجنة قد اجتمعت في الثالث من مايو (أيار) الحالي، في مقر فرع ديوان مجلس النواب بمدينة طرابلس، وجرى الاتفاق، حينذاك، على آلية عملها بما يشمل التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية، وقال بليحق، إن اجتماعها «شهد تقارباً في وجهات النظر بين أعضائها». يشار إلى أن مجلس النواب أعلن في 20 مارس (آذار) الماضي، تسمية 6 أعضاء ممثلين له في اللجنة المشتركة مع «الأعلى للدولة» (6 + 6)، المكلفة إعداد القوانين لإجراء الانتخابات المنتظرة.

«السلام الهش»… والجيش «المنقسم»

بموازاة التحركات التي تجريها لجنة «6 + 6» – حتى وإن بدت محدودة – هناك مسارات أمنية، وكذلك جهود لتوحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، وكلها تهدف إلى التمهيد لإجراء الانتخابات، وفق الرؤية الأممية. وخلال الأسابيع الماضية كثرت اجتماعات كبار القادة العسكريين بالجيش الليبي، بين شرق البلاد وغربها على نحو غير مسبوق، منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، مدفوعة بدعمين دولي وأممي كبيرين. وعلى الأثر تجددت لقاءات الفريق أول عبد الرازق الناظوري، رئيس أركان قوات القيادة العامة لـ«الجيش الوطني الليبي» ونظيره رئيس أركان القوات التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة الفريق أول محمد الحداد، تلتها لقاءات على مستوى رؤساء الأركان النوعية.

واعتبر سياسيون هذه اللقاءات «خطوةً جادةً» على طريق «توحيد» الجيش المنقسم، وتفتح الباب أيضاً أمام مصالحة وطنية جادة، ومن ثم المضي باتجاه الانتخابات، التي يرى رئيس «تكتل إحياء ليبيا» أن عقدها «ليس فقط أمراً ممكناً، بل هو أمر ضروري لصيانة السلام الهش في ليبيا، وإعلاء السيادة الوطنية، وتوطيد وحدة البلاد، وترميم النسيج الاجتماعي، من خلال المصالحة الوطنية الشاملة».

وعلى هذا النحو رأى عبد الله اللافي، النائب بالمجلس الرئاسي، أن «طريق الانتخابات الحرة والنزيهة، تبدأ من نجاح مشروع المصالحة الوطنية، للعبور إلى مرحلة الاستقرار، وبناء دولة ديمقراطية». وأردف اللافي، خلال لقائه رئيس وأعضاء «تجمع ليبيا والانتخابات» أن مشروع المصالحة الوطنية يعد «السبيل الوحيد لضمان تحقيق السلم الأهلي لليبيا وشعبها»، مؤكداً عزم مجلسه على الاستمرار في استكمال كل مساراته.

في المقابل، يلاحظ ليبيون محدودية تحركات المبعوث الأممي، لا سيما بعد اندلاع الصراع السوداني، بينما تتمحور رؤيته في العموم حول ضمان الأمن في ليبيا أثناء الانتخابات العامة والفترة التي تليها. ولذا أقدم على تيسير سلسلة من الاجتماعات في تونس وطرابلس وبنغازي وسبها جمعت اللّجنة العسكرية المشتركة ( 5 + 5)، والجهات الأمنية والعسكرية من الأقاليم الثلاثة في ليبيا، وهي الخطوة التي أثنى عليها النايض، لجهة حصوله على «تعهدات منهم بحماية الانتخابات ونتائجها».

المسار الأممي

النايض، وهو مرشح رئاسي، يرى أن الصراع السوداني «لن يفسد الانتخابات الليبية، بل يؤكد ضرورة إجرائها». ويقول إن على المبعوث الأممي إحراز «تقدم ملحوظ» في الملف الليبي، بخطوات «في غاية الأهمية، مع تمسكه بإجرائها حتى لو تطلب الأمر تجاوز مجلسي النواب و(الأعلى للدولة) إذا لم يتعاونا»، بالإضافة إلى «التواصل مع النسيج الاجتماعي والمجتمع المدني، لتأكيد وجود حاضنة داعمة وضامنة للانتخابات». وأضاف النايض أن الأوضاع الأمنية والقانونية والاجتماعية في ليبيا، هي الآن «في أفضل حالاتها لإجراء الانتخابات»، وأن الحل في ليبيا والسودان واحد، وهو «اللجوء إلى صناديق الاقتراع، بدلاً عن صناديق الذخيرة».

ملف «المرتزقة»

بموازاة الجانب المتفائل، رأى عدد من الساسة الليبيين أن الحرب في السودان تضيف عبئاً جديداً على بلادهم، إلى جانب عقبات أخرى، من بينها «الأجسام الراهنة». ويتخوف هؤلاء من تعطّل ملف إخراج «المرتزقة» والمقاتلين الأجانب من البلاد، بالإضافة إلى توجّسهم أيضاً من تسرّب «محتمل» للمقاتلين والإرهابيين عبر الصحراء الليبية المترامية. وكان باتيلي، أجرى زيارة إلى الخرطوم نهاية مارس الماضي، التقى خلالها رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» في السودان، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بحضور وزير الخارجية المكلف، السفير علي الصادق، وبحث معه ملفات عديدة من بينها «المرتزقة»، ومساعي الأمم المتحدة لحل الأزمة الليبية.

ومعلوم أن عناصر «المرتزقة» الموجودة في ليبيا من جنسيات عدة تلقي بظلالها القاتمة على المشهد في البلاد، في ظل مخاوف من تصاعد نفوذ شركة «فاغنر» الروسية، واستثمارها في هذا المناخ المضطرب بحسب متابعين. إلى ذلك كشفت السفارة الأميركية في طرابلس أن مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، باربرا ليف، تحدثت مع المشير حفتر حول «الحاجة الملحة لمنع الجهات الخارجية، ومن بينها مجموعة (فاغنر) الروسية، المدعومة من الكرملين، من زيادة زعزعة استقرار ليبيا أو جيرانها، بما في ذلك السودان». والمخاوف ذاتها عبّر عنها عيسى عبد المجيد، رئيس الكونغرس التباوي، واعتبر في تصريح صحافي أن الوضع في السودان سيؤثر في الأمن القومي الليبي.

إلى ذلك، يرى الأكاديمي الليبي حافظ الغويل، وهو زميل أول بمعهد الدراسات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية، أن ما يحدث في السودان «سيعرقل ما يحدث في ليبيا، وسيكون له تأثره في دول المنطقة». وأردف الغويل في لقاء مع «الشرق الأوسط» أنه من «الصعب جداً» إجراء انتخابات في ليبيا هذه السنة، وأنه لا يرى أن «الأجسام السياسية الموجودة في البلاد منذ 2012، وسبق لها عرقلة كل الإجراءات والمحاولات الدولية في عقد الانتخابات الماضية… ستتغير». وبشأن لجنة «6 + 6» لفت الغويل إلى أنه «لم ينتج عنها شيء حتى الآن (…) لقد اقتربنا من منتصف العام. ولا أرى أي فرص حقيقية لإجراء الانتخابات (…) ولو فُرضت بطريقة أو بأخرى، فلن تكون نزيهة أو شفافة».

من جهة أخرى، من الذين يرون أن الحرب السودانية «سيكون لها تأثير كبير في الأوضاع بليبيا»، طلال الميهوب، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب، الذي قال عقب اندلاعها، إن لجنته ستعرض على جلسة مجلس النواب المقبلة تقريراً مفصلاً يتعلق بما يجب اتخاذه لحماية الحدود بين البلدين. وفي ظل انعدام الإحصائيات الرسمية عن عدد السودانيين الذين دخلوا ليبيا، قالت الأمم المتحدة على لسان رؤوف مازو، مساعد المفوض السامي لشؤون العمليات بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن نحو 73 ألفاً فروا بالفعل إلى الدول المجاورة للسودان، من بينها ليبيا، بالإضافة إلى جنوب السودان وتشاد ومصر وإريتريا وإثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى. وسجلت مصفوفة تابعة للمنظمة الدولية للهجرة رصد نزوح ما يقرب من 700 شخص إلى الكفرة هرباً من الاضطرابات الأمنية في بلادهم.

وكانت بلدية الكفرة (جنوب شرقي ليبيا) شكّلت غرفة طوارئ لمتابعة الأوضاع في السودان، ومن بينها حالات النزوح، واتخاذ الإجراءات حيال أي مستجدات طارئة. وقبل أن ينقضي الأسبوع الماضي، هاتف المبعوث الأممي عبد الله باتيلي رئيسَ مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، وتناقشا حول ضرورة تسريع وتيرة عمل لجنة «6 + 6»، في إعداد الإطار الدستوري للانتخابات، كما بحث مع المنفي، بمقر مجلسه، أموراً عدة من بينها الاستحقاق و«المصالحة الوطنية».

***

(إطار)

مفاوضات ومبادرات… «دفتر أحوال» ليبيا منذ رحيل القذافي

* أمضى الليبيون ما يزيد على 12 سنة منذ رحيل الرئيس الراحل معمر القذافي في البحث عن حل لمعضلة بلدهم، في ظل نزوع بعض الساسة والعسكريين للوصول إلى السلطة، بعقد «الصفقات السياسية» و«التفاهمات الجهوية». وما بين هذا وذاك، شهدت البلاد جهوداً أممية ومحلية عديدة على مدار السنوات التي تلت «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011، لتفكيك هذه المعضلة، إما بطرح المبادرات والمفاوضات، أو باللجوء للحرب أحياناً، لكن كل ذلك انتهى إلى لا شيء، ليحفل «دفتر أحوال ليبيا» بتفاصيل عديدة، هنا أهمها:

– أطاحت «ثورة فبراير» بنظام القذافي بعد 42 سنة من حكمه باستناد إلى ضربات لقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو).

– انفتحت ليبيا تماماً أمام التدخلات الأجنبية بكل أجهزة استخباراتها، بينما شهدت البلاد سنوات من الاشتباكات والاقتتال الدامي انعدمت معها سبل الحياة الآمنة كلها، وانتشرت الجريمة والعمليات الإرهابية بأشكالها المختلفة.

– لسنوات عديدة، والأمم المتحدة تدفع بمبعوثيها، بداية من عبد الإله الخطيب وزير الخارجية الأردني الأسبق، وحتى عبد الله باتيلي، المبعوث الحالي، إلى ليبيا؛ أملاً في تفكيك المعضلتين السياسية والأمنية.

– كانت السنوات الدامية التي تلت «ثورة فبراير» كفيلة بتفكيك سلطة الدولة الموحّدة، لتسيطر عليها حكومتان: الأولى في العاصمة طرابلس، والثانية في مدينة طبرق (أقصى شرق البلاد). ولتشهد البلاد مزيداً من التدخلات الخارجية بقصد حماية وفرض مصالحها.

– شهدت ليبيا منذ 24 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011 حتى العام الحالي تولّي 8 حكومات، بداية من عبد الرحيم الكيب، وعلي زيدان… ومروراً بحكومة فائز السراج في طرابلس، وأخرى موازية بقيادة عبد الله الثني في شرق ليبيا، ووصولاً إلى حكومتي عبد الحميد الدبيبة وفتحي باشاغا المتنازعتين على السلطة.

– حاول عديد المبعوثين الخاصين للأمم المتحدة جمع الأطراف المتنازعة على طاولة المفاوضات، ونجحت المحاولات في نهاية المطاف في عقد مؤتمرين عن ليبيا في برلين (بين عامي 2020 و2021) نظمتهما ألمانيا.

– في فبراير من عام 2021، اتفق الفاعلون الليبيون على حكومة مؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ضمن السلطة التنفيذية التي تضم محمد المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي، مهمتها إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته.

– فشلت السلطة التنفيذية، في عقد الانتخابات الرئاسية والنيابية، لتدخل ليبيا مرة ثانية دوامة الانقسام السياسي بين حكومتي الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وباشاغا «المستقرة» بين مدينتي سرت وبنغازي.

– تقول البعثة الأممية إلى ليبيا برئاسة عبد الله باتيلي، إن السنوات الـ12 الماضية شهدت أزمة لم تستثنِ أحداً من الليبيين، غير أنها أكدت كذلك تطلع الشعب للديمقراطية والسلام والعدالة. ولا تزال هذه الآمال قائمة، لكن دخول البلاد في دوامة من المراحل الانتقالية، فاقم من صعوبات الحياة اليومية للناس على المستويات كلها.

– ترى البعثة أن الاقتصاد الليبي بات غير مستقر، والخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء، غير منتظمة، بالإضافة إلى أن الرعاية الصحية تعاني من نقص حاد في الموارد، وتلفت إلى أن الإجراءات القضائية باتت شبه معطلة، كما أن حقوق الإنسان غير مكفولة وسط مخاوف أمنية.

– لا يزال عديد من أزمات البلاد من دون حل، من بين ذلك توحيد مؤسسات الدولة، خصوصاً المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق ليبيا وغربها، بالإضافة إلى وجود عديد من التشكيلات المسلحة التي لا تزال تعمل في البلاد، وتجد الحماية والإسناد من قوى سياسية وعسكرية على الأرض.

– انتهت البعثة الأممية إلى أنه لا يزال من الممكن الاستجابة لتطلعات الشعب الليبي وتحقيق سلام مستدام. لكن يتوجب على قادة ليبيا وضع مصالحها فوق مصالحهم الشخصية، ووضع حد للجمود السياسي الراهن، وتمكين الليبيين من اختيار قادتهم، خلال عام 2023، من خلال انتخابات شاملة وحرة ونزيهة.




انتخابات الإعادة في تركيا: هل تكون فوزًا مؤجلًا لأردوغان؟

سعيد الحاج

أعلنت اللجنة العليا للانتخابات في تركيا عن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية والتشريعية التي منحت أغلبية البرلمان لتحالف الجمهور الحاكم، دون أن تحسم انتخابات الرئاسة ما دعا للاحتكام لجولة إعادة بعد أسبوعين.

تشكِّل انتخابات الإعادة استحقاقًا مستقلًّا قائمًا بذاته لا يبني على الجولة الأولى الاعتيادية، بما يعني نظريًّا احتمال تغير النتيجة بشكل جذري لصالح أحد الطرفين، تحديدًا الخاسر منهما. بيد أن الرئيس التركي يملك أفضلية ملحوظة في جولة الإعادة تجعل كفته ترجح كثيرًا على كفة منافسه، تبعًا لعدة عوامل تشير إليها الورقة.

يعني ذلك أن تحالف الشعب المعارض سيكون بعد انتخابات الإعادة أمام سيناريو خسارة كل من الرئاسة والبرلمان، بعد أن كان يطمح للفوز بالرئاسة من الجولة الأولى وبأغلبية مريحة في البرلمان تمكِّنه من تحقيق الهدف الذي تشكَّل لأجله وهو العودة بالبلاد للنظام البرلماني؛ ما يفتح الباب على انعكاسات هذه الهزيمة، من حيث تماسك التحالف ووحدته من جهة، وارتدادات النتائج داخل بعض الأحزاب وفي المقدمة منها الشعب الجمهوري من جهة ثانية.

مقدمة

هذه هي الانتخابات الرئاسية الثالثة التي يخوضها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. في 2014، فاز أردوغان بالرئاسة من الجولة الأولى وبفارق كبير عن منافسيه بعد حصوله على نسبة 51.79%من الأصوات، متقدمًا على المرشح التوافقي لحزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية، أكمل الدين إحسان أوغلو، الذي حصل على نسبة 38.4%، ومرشح حزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش، الذي حصل على نسبة 9.7% من الأصوات(1).

وفي 2018، فاز أردوغان كذلك من الجولة الأولى بعد حصوله على نسبة 52.5% من الأصوات، متقدمًا على أقرب منافسيه مرشح حزب الشعب الجمهوري، محرم إينجه، الذي حصل على نسبة 30.6%، ثم مرشح الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش، الذي حصل على 8.4%(2).

في الانتخابات الحالية، فرضت التحالفات الانتخابية نفسها بشكل ملحوظ؛ حيث كان المرشحون الرئاسيون الأربعة انعكاسًا لمنظومة التحالفات القائمة؛ فتنافس أردوغان، مرشح تحالف الجمهور الحاكم، وكمال كليتشدار أوغلو، مرشح تحالف الشعب المعارض، ومحرم إينجه، رئيس حزب البلد، وسنان أوغان، مرشح تحالف الأجداد اليميني(3).

جدول رقم 1: نتائج الانتخابات الرئاسية(4)

المرشح التحالف نسبة التصويت (مئوية) عدد الأصوات
رجب طيب أردوغان الجمهور 49.5 27088360
كمال كليتشدار أوغلو الشعب 44.89 24568196
سنان أوغان الأجداد 5.17 2829634
محرم إينجه(5) حزب البلد (بدون تحالف) 0.44 238690

جدول رقم 2: نتائج الانتخابات البرلمانية(6)

التحالفات والأحزاب نسبة التصويت (%) عدد مقاعد البرلمان
تحالف الجمهور 49.46 322
حزب العدالة والتنمية 35.58 267
حزب الحركة القومية 10.07 50
حزب الرفاه مجددًا 2.82 5
حزب الاتحاد الكبير 0.99 0
تحالف الشعب 35.02 213
حزب الشعب الجمهوري 25.33 169
الحزب الجيد 9.69 44
تحالف العمل والحرية 10.54 65
حزب اليسار الأخضر 8.81 61
حزب العمل التركي 1.73 4
تحالف الأجداد 2.43 0
حزب النصر 2.23 0
حزب العدالة 0.20 0
تحالف اتحاد القوى الاشتراكية 0.29 0
حزب اليسار 0.14 0
الحزب الشيوعي التركي 0.12 0
الحركة الشيوعية التركية 0.03 0

في الانتخابات الرئاسية، لم يستطع أي من المرشحين الثلاثة تجاوز نسبة 50% من الأصوات في الجولة الأولى، فأعلنت اللجنة العليا للانتخابات عن إجراء جولة إعادة في الثامن والعشرين من الشهر الجاري(7).

أظهرت النتائج الأولية تقدم الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية رغم تراجعهما عن نتائج انتخابات عام 2018؛ حيث تراجع أردوغان بنسبة 3% والحزب بنسبة 7%.

ثبَّتت النتائج توازنًا نسبيًّا بين التحالف الحاكم والمعارضة بشقَّيْها، تحالف الشعب وتحالف العمل والحرية، حيث حصل تحالف الجمهور على أغلبية بسيطة فقط في البرلمان وبتراجع 22 مقعدًا، كما أنها المرة الأولى التي لا يحسم فيها الرئيس التركي الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى، فضلًا عن أن كليتشدار أوغلو حقق نسبة غير مسبوقة أمام أردوغان.

ومن المؤشرات المهمة لمخرجات الانتخابات تفوق كليتشدار أوغلو على أردوغان في عدد مهم من المدن الكبرى، في مقدمتها إسطنبول وأنقرة، بينما تقدم العدالة والتنمية وتحالف الجمهور في معظمها بما فيها إسطنبول وأنقرة كذلك؛ ما يعني أن السبب الرئيس لتفوق كليتشدار أوغلو فيها هو منظومة التحالفات، ولاسيما “الصوت الكردي” أو أنصار حزب الشعوب الديمقراطي.

جولة إعادة

ستنظم انتخابات الإعادة بين أردوغان وكليتشدار أوغلو في الـ 28 من الشهر الحالي أي بعد أسبوعين من الجولة الأولى، ليكون الأعلى أصواتًا بينهما الرئيس المقبل لتركيا. المدة القصيرة التي تفصل بين الموعدين لا تسمح بحملة انتخابية تقليدية وشاملة. في هذه المدة الوجيزة ستُبنى إستراتيجية المرشحَيْن على مبدأ الحفاظ على أصوات الجولة الأولى ومحاولة كسب أصوات جديدة عبر التأثير على فئة المترددين و/أو الذي قاطعوا الجولة الأولى، فضلًا عمن صوتوا للمرشح الثالث، سنان أوغان. بيد أن نسبة المشاركة المرتفعة جدًّا، والتي بلغت قريبًا من 90%(8)، لا تمنح المتنافسَيْن مجالًا واسعًا للمناورة فيما يتعلق بالمقاطعين.

العوامل التقليدية المؤثرة في تصويت الناخبين، من اقتصاد وزلزال ولاجئين ومنظومة التحالفات وما إلى ذلك(9)، تبقى ماثلة، لكنها ضعيفة التأثير في شرائح جديدة، لاسيما مع ضيق الوقت. لذلك يجدر البحث في عوامل مستجدة، بعد إعلان النتائج، قد تملك تأثيرًا أكبر.

ثمة عوامل قد ترجِّح الكفة لصالح كليتشدار أوغلو أو على أقل تقدير يمكن أن يحاول الاستفادة منها، في مقدمتها محاولة إقناع الناخبين بضرورة التوازن بين السلطات، بحيث يكون الرئيس من تحالف وأغلبية البرلمان من تحالف آخر، وبالتالي ضرورة انتخابه لئلا يتفرد تحالف الجمهور بالرئاسة والبرلمان معًا.

ورغم أن كليتشدار أوغلو لم يفز بالانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى كما كان يطمح وكما أظهرت بعض استطلاعات الرأي غير الدقيقة، إلا أنه حقق نتيجة غير مسبوقة بالنسبة للمعارضة من حيث نسبة التصويت (44.8%) وكذلك منع أردوغان من الفوز من الجولة الأولى. قد يشكِّل ذلك دافعًا لأنصاره في جولة الإعادة، كما أن الفرصة ما زالت قائمة أمامه للفوز بالرئاسة خصوصًا إذا ما حصل تراخٍ وعزوف بين أنصار الرئيس التركي في الإعادة.

أما الفرصة الأفضل التي تتبدى أمام كليتشدار أوغلو فهي محاولة كسب أنصار جدد، مثل أنصار المرشح المنسحب، محرم إينجه، حيث لم يكن تعامله مع انسحاب الأخير مشجعًا لهم على ذلك(10)، فضلًا عن إمكانية التفاهم مع المرشح الثالث، سنان أوغان، الذي حصل على نسبة 5% تبدو كافية نظريًّا لتعديل الكفة مع أردوغان في حال صوَّت جميع أنصاره لصالح كليتشدار أوغلو.

في المقابل، ثمة عوامل لصالح أردوغان أو يمكن له استثمارها. أولها: الفارق الكبير في الأصوات عن كليتشدار أوغلو في الجولة الأولى، فليس من السهل على الأخير الحصول على مليونين ونصف مليون صوت خلال أسبوعين.

كما أن فوز تحالف الجمهور بأغلبية البرلمان يعد عاملًا مهمًّا لصالح الرئيس التركي. سيبني الأخير جزءًا مهمًّا من خطابه خلال الحملة الانتخابية على ضرورة التناغم -لا التوازن- بين الرئاسة والبرلمان تجنبًا للصدام والأزمات المحتملة. وهي سردية ستلقى تجاوبًا لدى كثير من الناخبين؛ إذ إن التصويت لصالح أردوغان ينم عن تقديمهم مبدأ الاستقرار على التجديد.

كما أن لهذه النتيجة تأثيرات إيجابية على معنويات التحالف الحاكم وسلبية على تحالف المعارضة ومعسكر كليتشدار أوغلو، وقد بدأت بعض مؤشرات ذلك من خلال استقالات في حزبَيْ الشعب الجمهوري والجيد(11).

إضافة لذلك، يتوقع أن تكون المشاركة في جولة الإعادة أقل من الجولة الأولى. فأتراك الخارج يواجهون تحديات لوجستية تتعلق ببُعد مراكز التصويت ومشقة التنقل وكلفته، وفي الداخل يواجه الناخبون في مناطق الزلزال صعوبات مشابهة. كما أن دوافع أنصار حزب الشعوب الديمقراطي والأحزاب المنضوية في تحالف الشعب ستكون أقل في جولة الإعادة بعد انتهاء معركة البرلمان.

أخيرًا، لا نرجح أن يكون لأوغان تأثير كبير في جولة الإعادة، فهو لا يملك كتلة تصويتية يمكنه التحكم بتوجهاتها؛ إذ إن جزءًا غير يسير ممن صوتوا له هم من الرافضين لكل من أردوغان وكليتشدار أوغلو أو من الذين انضموا له بعد انسحاب إينجه. كما أن خلفيته وأنصارِه القوميةَ قد تحول دون تصويتهم لكليتشدار أوغلو بسبب تعاونه مع الشعوب الديمقراطي، حتى ولو دعاهم أوغان لذلك. وعليه، فمن صوتوا لأوغان في الجولة الأولى أقرب لمقاطعة الإعادة أو التصويت لأردوغان من التصويت لخصمه.

سيحرص كل من أردوغان وكليتشدار أوغلو على لقاء أوغان ومحاولة إقناعه بدعم أحدهما في جولة الإعادة، وقد تواصل الطرفان معه فعلًا لكن سقف شروطه المرتفع(12) ومسارعته لطرحها قبل يوم الاقتراع قد يحولان دون إمكانية تفاهمه مع أي منهما وبالتالي التزام الحياد مرحليًّا.

أحد أهم نقاط ضعف كليتشدار أوغلو في جولة الإعادة أن فوز التحالف الحاكم بأغلبية البرلمان يفقده عمود حملته الانتخابية والفكرة الأهم التي أُنشئ التحالف من أجلها، وهي إعادة النظام البرلماني في البلاد والتي لم تعد ممكنة. كما أنه سيحتاج لتعديل خطاب رحيل النظام القائم والحلول مكانه لخطاب التعاون مع البرلمان إن فاز بالرئاسة. هذا التغير الراديكالي في الرؤية والخطاب والأسلوب لن يكون سهلًا ومن الصعب أن يؤتي أكله في الوقت القصير المتاح، فضلًا عن أنه قد يُغضب بعض أنصار الرجل ويدفعهم للعزوف عن المشاركة في الانتخابات.

وفي الخلاصة، وبالنظر لمجمل العوامل المؤثرة في اتجاهات التصويت في جولة الإعادة، تبدو فرص الرئيس التركي أوفر بكثير من خصمه، بل قد يكفيه الاحتفاظ بالأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى خصوصًا إذا ضمن عدم دعم أوغان لخصمه بالحد الأدنى.

خاتمة

لم تَحسِم جولة الانتخابات الأخيرة السؤال الأهم المتعلق باسم الرئيس المقبل للبلاد، والتي تُحكَم وفق نظام رئاسي يمنح منصب الرئيس صلاحيات واسعة جدًّا. يملك أردوغان فرصة كبيرة في الفوز بولاية إضافية بالاستفادة من عدة عوامل في مقدمتها نتائج الانتخابات التشريعية وتركيبة البرلمان المقبل.

وقد أغلقت النتائج الصادرة ملف العودة للنظام البرلماني، المشروع الرئيس لكليتشدار أوغلو وعموم المعارضة، لسنوات خمس قادمة بالحد الأدنى. كما أنها تفتتح مرحلة جديدة في الحياة السياسية التركية؛ حيث يتوقع أن يكون لخسارة المعارضة تداعيات مهمة على صعيد تماسك الطاولة السداسية واستقرار بعض الأحزاب، لاسيما إذا ما فاز أردوغان بالرئاسة في الإعادة.

كما سيكون على الأخير والحزب الحاكم القيام بمراجعات حقيقية للبحث في أسباب التراجع المستمر في درجة تأييدهم بين الناخبين في السنوات الأخيرة والعمل على التجاوب مع التصويت الاحتجاجي الذي تكرر في الانتخابات الأخيرة.

نبذة عن الكاتب

27539e3a081c4e33bc64f230aebb7f4d_6.PNG

سعيد الحاج

 باحث متخصص في الشأن التركي .

مراجع

  1. تركيا: رجب طيب أردوغان يفوز في الانتخابات الرئاسية بغالبية الأصوات، فرانس 24، 10 أغسطس/آب 2014 (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3MxkChD
  2. النتائج النهائية للانتخابات التركية: أردوغان رئيسًا والعدالة والتنمية يتصدر البرلمان، وكالة أنباء الأناضول، 4 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2018)، https://bit.ly/3WaeJdq
  3. سعيد الحاج، الانتخابات التركية: حملات ساخنة وفرص متقاربة، مركز الجزيرة للدراسات، 10 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3MzFSDe
  4. حسب النتائج الأولية، بينما ستصدر النتائج الرسمية النهاية بعد البت في الطعون المقدمة للجنة العليا للانتخابات خلال أيام.
  5. انسحب محرم إينجه من السباق الرئاسي بعد أن أقرت اللجنة العليا للانتخابات القائمة النهائية للمرشحين، وبعد أن بدأ التصويت لأتراك الخارج.
  6. حسب النتائج الأولية، بينما ستصدر النتائج الرسمية النهاية بعد البت في الطعون المقدمة للجنة العليا للانتخابات خلال أيام.
  7. انتخابات تركيا.. جولة إعادة بين أردوغان وكليتشدار أوغلو في 28 مايو، الجزيرة نت، 15 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3MdlFC4 
  8. المصدر السابق.
  9. سعيد الحاج، العوامل المؤثرة في نتائج الانتخابات التركية، الجزيرة نت، 25 أبريل/نيسان 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/42G7dcx
  10. أول تعليق من أردوغان على انسحاب محرم إينجه.. ماذا قال كليتشدار أوغلو؟، عربي 21، 11 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3MbJQRd
  11. استقالة نائب مرشح المعارضة التركية كلجدار أوغلو على خلفية نتائج الانتخابات، العربي الجديد، 16 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/42Z1BtQ
  12. صانع الملوك في تركيا يضع 5 شروط قبل دعمه لأي من المرشحين المتنافسين.. ما هي؟، رأي اليوم، 16 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2023)، https://bit.ly/3OdnDVt