الأبعاد الجيوسياسية للتلاقي الأفريقي-الروسي

ليس من المستغرب أن تتقدم العلاقات الروسية الخارجية في أي إتجاه كان، مع الأضداد كما مع الأصدقاء. هكذا هي الدبلوماسية العالمية، وهكذا تُبنى الدول وإستراتيجياتها البعيدة الأمد في ظل العولمة الإقتصادية والتطورات الجيوسياسية الكبرى التي تعصف بالعالم الحديث. إنطلاقًا منه كانت ولادة القمة الروسية الأفريقية الأولى من نوعها والتي ستنطلق في ٢٣ أوكتوبر في مدينة شوتشي الروسية بين قادة الدول الأفريقية ورجال أعمال ونُخب من القارة السمراء في ضيافة الدبلوماسية الروسية ورجال أعمال وشركات متنوعة.

في الشكل، تتضمن القمة التي يرأسها ويعطيها اهتمام خاص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثلاث مراحل أساسية تبدأ بقمة كيرى تجمع رؤساء الدول الأفريقية مع الرئيس بوتين، ومنهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، كما تتضمن معرض تجاري ومنتدى إقتصادي ضخم.

أما في المضمون فيشكل التلاقي الأفريقي-الروسي خطوة جريئة وكبيرة لروسيا بإتجاه القارة السمراء والتي كانت تعلب فيها دورًا كبيرًا سابقًا إلى أن إستشعرت الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي الخطر الداهم ووضعت يدها على عددٍ من الدول الأساسية في القارة كليبيا التي كانت هدفًا أساسيًا لحلف الناتو من أجل ضرب العلاقات الوطيدة الروسية الليبية، بالتالي ضرب مدخل روسيا إلى أفريقيا والمتوسط عبر البوابة الليبية.

كان لروسيا دور سياسي مهم في ليبيا كبوابة للقارة الأفريقية في عهد الرئيس بوتين خاصةً بعدما سقطت مصر في يد الولايات المتحدة بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي، فدخلت تحت هيمنتها الشاملة بعدما كانت تتلقى القوة والصمود خلال تحالفها مع الإتحاد السوفياتي سابقًا.

أما التسرع في الهجوم على ليبيا كان هدفه الأول هو ضرب المصالح الروسية التي كان يؤسس لها الرئيس بوتين في هذه القارة، بعد الدور الذي كان يلعبه الرئيس الراحل معمر القذافي.

أما اليوم، فيشكل تواجد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وباقي رؤساء أفريقيا عودة للسياسيةالروسية نحو الساحة الأفريقية على مستوى ما تمثله قمة بين روسيا الإتحادية من جهة والقارة الأفريقية برُمتها من جهة ثانية.

وسيشهد ختام القمة توقيع العديد من الإتفاقيات المشتركة على مختلف المستويات السياسية والتجارية والعسكرية، وسيكون للمعرض الذي يُشكل جزء من البرنامج دورًا مهمًا من أجل توطيد العلاقات الإستثمارية بين رجال المال والأعمال عند الطرفين.

وفي الختام، لا بُدَّ وأن تُشكل هذه القمة مدخلًا لروسيا إلى العمق الأفريقي والذي يمثل بشماله رمزية خاصة كواجهة نحو القارة الأوروبية، وفي عمقه ثروات طبيعية هائلة، سيكون لروسيا دورًا مهمًا في إزدهارها، مما سيسمح لها ببداية الدخول كلاعب جيوسياسي أساسي إلى هذه الساحة التي مازالت خصبة حتى الساعة.

الدكتور المهندس زكريا حمودان

مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.