القمة العامة لتطوير الإنتاجية والتصنيع، أفق جيو-إقتصادية جديدة بين روسيا والإمارات العربية المتحدة

 

لم تُقفل روسيا أبوابها أمام أي دولة كانت، كما أنها حافظت على جميع علاقاتها الإستراتيجية في القرن الحالي والذي يشهد نقلة نوعية للسياسة الروسية تُقلق أعداءها وجميع المتربصين بضرب روسيا الإتحادية وتطورها المتصاعد

روسيا الوفاء يوازي المصالح الإستراتيجية

لم تعرف دول الخليج أصدقاء في تاريخها البسيط، فهي لم تكن شيئًا قبل إكتشاف النفط وأصبحت وجهة للعالم الإستثماري بعد إكتشافه. هذا الأمر جعل منها وجهة تحقيق مصالح دون صداقات، الأمر الذي تختلف فيه العلاقة اليوم والإنفتاح نحو روسيا. يعرف تاريج الجغرافيا السياسية تغييرات كثيرة بناءً لتطور الزمن، لكن الحالة التي سارت فيها العلاقات الأمريكية الخليجية باتت واضحة للجميع أنها مبنية على مصلحة سيادية تسحب من خلالها الولايات المتحدة المال مقابل حماية آبار نفط الخليج.

أما الملفت اليوم هو أنَّ بعض الدول الخليجية باتت واعية لما يحدث حولها بعدما بدأت تتحرر أكثر من قيودٍ فرضتها الولايات المتحدة على شعوب العالم عن إستفرادها بالسياسة الدولية. من أهم هذه الدول التي بدأت تنوع علاقاتها الاستراتيجية في العالم، الإمارات العربية المتحدة.

تطور العلاقات الروسية الإماراتية

الإنفتاح الذي إنتهجته روسيا الإتحادية بالإضافة إلى نجاحها في إيقاف الحرب على سوريا جعلها هدفًا أساسيًا لدول الخليج العربي وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة التي منذ العام ٢٠١٥ قامت بنقلة نوعية على مستويات متعددة وصلت بها اليوم إلى تبادل تجاري يقترب من ال٤ مليارات دولار سنويًا، بالإضافة إلى الإنفتاح السياحي وإلغاء التأشيرة بين البلدين، الأمر الذي زاد عدد الرحلات الإماراتية نحو روسيا ليصل إلى مستوى تخطى الرحلة كل يوم

هذه المعطيات والأرقام التي تحدث بها مؤخرًا وزيرا خارجية البلدين في مؤتمرٍ صحفي من موسكو تدل على دور روسيا المهم والجاذب لإقتصادات دول الشرق الأوسط بشكلٍ عام، والخليج العربي الحليف الأساسي للولايات المتحدة الأمريكية التي تُشكل لها روسيا عقدة جيوسياسية تتضخم كل يوم في ظل نجاحات روسيا المتعددة مقابل إخفاقات السياسة الأمريكية في المنطقة في أهم الملفات الإستراتيجية

من أهم الملفات التي بدأت تأخذ منحى تصاعدي في التنسيق بين البلدين هو التنسيق العلمي البحثي ونقل التكنولوجيا الحديثة في القطاعات الإنتاجية، فبدأت ورشات العمل المشتركة بين عددٍ من القطاعات تتصاعد تدريجيًا لتصل إلى مستويات متقدمة أهمها القمة العامة لتطوير الإنتاجية والتصنيع والتي ستنعقد من ٩ ولغاية ١١ تموز القادم في مدينة ياكاترنبرغ الروسية، والتي تشمل مختلف القطاعات الصناعية والخدماتية التي تدخل في صلب هذا القطاع

قد يعتقد البعض أنَّ هذا النوع من القمم يمر مرور الكرام كغيره من المؤتمرات أو المنتديات العلمية أو الإقتصادية، لكن عندما نضطلع على التقدم الذي أحرزته هذه القمة منذ بدايتها في العام ٢٠١٥ نجد أنها ركيزة مستقبل واعد من العلاقات الثنائية بين البلدين

القمة التي تأسست في العام ٢٠١٥ بمبادرة إماراتية وبشراكة أممية مع جمعية الصناعة والتطوير في الأمم المتحدة بالإضافة إلى روسيا، هي قمة تعاونية من أجل بناء جسر من التنسيق بين القطاعات الإنتاجية وحكوماتها بالإضافة إلى دور الجمعيات التي تعنى في الشق الصناعي والتطويري  داخل هذه الدول

تهدف الإمارات من هكذا علاقات مع روسيا من كسب التكنولوجيا والتطور الهائل الذي تشهده روسيا في هذا الإطار، وذلك في سبيل تعزيز القدرة الإنتاجية لقطاعاتها الصناعية والخدماتية. لهذه الأسباب تتوجه الإمارات وعدد من دول الخليج نحو روسيا كبديل عن الولايات المتحدة الأمريكية لتعزيز قطاعاتها الإنتاجية وللإستفادة من التطور الكبير الذي تحققه روسيا في القطاعات الصناعية والإنتاجية، كما أنها تبحث عن فك الإرتباط اللصيق بالولايات المتحدة الأمريكية تدريجيًا

أبعاد العلاقة بين روسيا والإمارات

تتجه العلاقة بين روسيا وعددً من دول الخليج إلى التوسع أكثر ولكن بإسلوب تدريجي، قد لا يكون بالسرعة المطلوبة ولكنه يبني على مستقبل واعد لعلاقات قد تشهد قفزة مفاجئة في الخمس سنوات القادمة نظرًا للعديد من المتغيرات الجيوسياسية والجيوإقتضادية التي تشهدها المنطقة.

الدكتور زكريا حمودان

مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.