تحديات جيوسياسية جديدة للمؤتمر الإقتصادي الدولي في سان بطرسبرغ

يأتي المؤتمر الإقتصادي الدولي السنوي الذي يُقام كل عام في مدينة سان بطرسبرغ الروسية وأمامه تحديات كبيرة تشهدها المنطقة والعالم، فما هو الرابط اليوم بين المؤتمر والتطورات الجيوسياسية؟

لا يخف على أحد أن العلاقة بين السياسة والإقتصاد وثيقة ولا يمكن فصلها أبدًا في عصرنا الحالي، هذا الواقع من العولمة الإقتصادية يجسده قلبًا وقالبًا المؤتمر الإقتصادي السنوي في مدينة بطرسبرغ الروسية نظرًا للأبعاد الكثيرة التي يمثلها المؤتمر والتي تتمحور حول قضايا سياسية تشهدها الساحة العالمية.

قد تكون التطورات السياسية اليوم على الساحة العالمية تشهد سيطرةً للصراع بين التهديدات الأمريكية والموقف الإيراني الثابت والموحد، لكن أبعاد الحدث تبقى في الميدان الإقتصادي الذي يُمثل البعد الأساسي للعديد من الصراعات، فما هي التحديات الجيوسياسية الجديدة للمؤتمر الإقتصادي الدولي في بطرسبرغ لهذا العام؟

العنوان الأساسي للمؤتمر هذا العام هو الغطرسة الأمريكية على الإقتصاد الدولي والمخالفات المتعددة التي يقوم بها الرئيس الأمريكي في وجه العديد من الدول التي بات المؤتمر الدولي في بطرسبرغ متنفسها السنوي لفتح أفق عالمية جديدة. فالرئيس الأمريكي خالف الإتفاقيات الإقتصادية والدولية مع العالم أجمع، وإذا أردنا أن نكون أدق في التوصيف، بدأ الرئيس الأمريكي حملته في كسر الإتفاقيات الدولية مع كل الدول التي تدور في فلك الإتحاد الروسي. هذا الأمر كان واضحًا من خلال إلغاء ترامب العديد من البنود في الإتفاقيات الإقتصادية مع الصين، ثم التوجه نحو الضغط على روسيا من خلال إلغاء إتفاقية الصواريخ من أجل تأجيج الأوضاع مع أوروبا، ثم إتجه الرئيس الأمريكي نحو الهند إقتصاديًا وألغى بعض الإتفاقيات معها بسبب شراءها منظومة الدفاع اس 400، كما فعل مع تركيا في الشق الإقتصادي والتهويل عبر الغاء إتفاقيات عمل مشتركة إقتصاديًا وعسكريًا كذلك بسبب شراء منظومة اس 400 الروسية.

هذه المواقف الأمريكية التي هدفت من خلالها الولايات المتحدة إلى الضغط على روسيا عبر عرقلتها إقتصاديًا من خلال الضغط على حلفاءها الدوليين كالصين وإيران وتركيا والهند، أصبح بمثابة الداعم الرئيسي للمؤتمر الإقتصادي الذي ستشكل المشاركة الآسياوية فيه وزنًا أساسيًا من أجل الإستفادة من هذه الإنتفاضة الإقتصادية والتكنولوجية الأولى في العالم في وجه الغطرسة الأمريكية.

أما في الشارع الأوروبي فكان العام المنصرم والأعوام السابقة أكبر دليل على الإنفتاح الأوروبي نحو روسيا وتمسكها بالتعاون الإقتصادي بشكل أوسع كل عام عن الذي سبقه خاصة وأنَّ الشريك الأساسي للمؤتمر (شركة غاز بروم) هو المورد الأساسي للغاز باتجاه أوروبا، وقد إعتادت الدول الأوروبية المشاركة الكثيفة وعقد صفقات متعددة في هذه التظاهرة الإقتصادية العالمية.

اليوم، بات المؤتمر الإقتصادي السنوي في بطرسبرغ تظاهرة سنوية، له أبعاد جيوسياسية وإنعكاس جيوإقتصادي واسع، يجمع من خلاله الحلفاء الأساسيين لروسيا الإتحادية وشركاءها في العالم، كما يجمع كل عام دول جديدة باتت تتضح لديها الصورة ويزيد لديها الفضول في الذهاب إلى روسيا بعدما إنفضحت السياسة الأمريكية في العالم، بدءً من الشرق الأوسط وصولًا إلى شرق آسيا دون أن ننس الدرس الذي قدمته المواقف الثابتة الإيرانية وفنزويلا للعالم حول سقوط غطرسة الولايات المتحدة في العالم، وأن عالم القطب الأمريكي بات في خبر كان، وأنَّ العولمة الإقتصادية هي حق مشروع لكل دول العالم وعلى رأسها روسيا التي تفتح الباب كل عام لدول العالم من أجل كسر حاجز تدمير الإقتصاد العالمي وتفتح أفق جديدة نحو دول العالم في سبيل سياسة إقتصادية عالمية ناجحة.

د. زكريا حمودان

مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.