روسيا، الملتقى العالمي للشباب وأبعاده الجيوسياسية

لم تكن روسيا لتبحث عن سياسة الإنفتاح منذ تولي الرئيس بوتين رأس الحكم لو لم تكن تهدف إلى إيصال رسالة هذا الحاكم الفعلية والتي لها بُعد عالمي قبل أي بُعد روسي محلي.

جميع العناوين التي طرحها الرئيس بوتين منذ توليه الحكم كانت واضحة وتتمحور حول الإنفتاح على العالم وعدم القبول بإبقاء العالم تحت السيطرة الأمريكية. هذا الإنفتاح الذي دعا له الرئيس بوتين منذ بداية القرن الحالي بدأ بحصد ثماره منذ تولي روسيا إستضافة الألعاب الأولمبية الشتوية مرورًا بتولي كأس العالم وصولًا اليوم إلى التحضير منذ سنتين لإستضافة الحدث الفريد من نوعه ولأول مرة بالشكل والمضمون هذا ألا وهو الملتقى العالمي لتحضير وتدريب المتطوعين الشباب في اللقاء الجامعي الشتوي 2019. فما هو المميز في هذا الحدث؟

ما يميز الحدث العالمي بإمتياز هو الوجهة التي أرادت أن تسلكها روسيا في عملية بناء الإنسان من جهة، بالإضافة إلى الإنفتاح على العالم الآخر ضمن سياسة العالم المتعدد الأقطاب من جهةٍ من أُخرى. فلماذا كل هذا الإنفتاح وبهذه التكاليف المرتفعة بالرغم من العقوبات الإقتصادية والتضييق على روسيا؟

أسئلة متعددة ليس من السهل الإجابة على أي شخص الإجابة عنها بالشكل والمضمون. فبالشكل يعتقد كثيرون أن روسيا اليوم تسلك طريق الإنفتاح من أجل التوسع وبناء إمبراطورية كبيرة، في وقت تمتلك روسيا من جغرافيا ما يزيد عن حجم قارة أوروبا مجتمعةً وسياسة ما يخولها أن تكون لاعبًا دوليًا كبيرًا. 

لكن حقيقة الأمور هي في مكانٍ آخر حيث لروسيا هدف من كل حركة أو مشروع تتبناه. فعندما تجمع روسيا الشباب وتغذي مهاراتهم وتدربهم وتنفق عليهم المال من أجل تعزيز مهارة التطوع لديهم، فهي تكون قد كسرت حاجز وضعه الغرب بما يمثل كالولايات المتحدة وحلف الناتو والإتحاد الأوروبي، الذين يضغطون على روسيا إقتصاديًا من أجل إخضاعها وحلفاءها في العالم.

إنَّ التوسع الجيوسياسي بهذه الطريقة الذكية التي تنتهجها روسيا أرعب الولايات المتحدة وجعلها تُغير معايير سياستها الخارجية من خلال البحث عن حلول توقف روسيا وحلفاءها عن التوسع والتغلغل في العالم بطرق عصرية لا تلتق مع سياسة الإخضاع والتبعية التي إتبعتها الولايات المتحدة وحلفاءها في العالم. 

إنطلاقًا مما تقدم إنتهجت الولايات المتحدة سياسة التضييق الإقتصادي على روسيا وحلفاءها في العالم، فزادت العقوبات على روسيا وضغطت على الدول الاوروبية وبريطانيا من اجل اضافة عقوبات جديدة بعد اعلان البدء بخط السيل الشمالي الثاني، وغيرت اتفاقياتها الدولية لتحويلها ذريعة لمحاربة روسيا فها هي اليوم توقف اتفاقية الصواريخ مع روسيا ويدعو ترامب لتغييرها، وعدلت اتفاقياتها الاقتصادية مع الصين، وباتت تتجه نحو الاعتراف بطالبان كممثل رئيسي في أفغانستان. 

جميع هذه الأحداث تشكل الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة للحد من الاستقطاب الروسي لدول العالم نحو موسكو التي باتت تشكل الرادع العالمي في وجه سياسة الغطرسة الأمريكية، وأهمها اليوم استقطاب روسيا للعالم من خلال المؤتمرات العالمية المتعددة الأشكال والمضمون. 

الدكتور زكريا حمودان

مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.