‎الولايات المتحدة تتخبط في أفغانستان قبل الإندحار

خاص الوطنية: الدكتور زكريا حمودان

لم تدخل الولايات المتحدة أيٍ من حروبها دون سببٍ جيو-إقتصادي يخدم مصالحها الجيو-سياسية، لذلك هي اليوم بدأت تقطف ثمار فشلها في جميع الحروب التي قررت خوضها منذ بداية القرن الحالي. كيف قررت الولايات المتحدة خوض حروبها هذه؟ في وثيقة تم تسريب مضمونها لأحد الجنرالات الكبار في الولايات المتحدة أتت تزامنًا مع وقوع أحداث 11 أيلول، تتحدث عن تحضير وزارة الدفاع الأمريكية لشنها حروب على سبع دول مختلفة تبدأ من العراق، ثم أفغانستان، الصومال، السودان، سوريا، إيران ثم لبنان حيث يوجد حزب الله. لكلٍ من هذه الدول خصوصيتها الجيو-سياسية التي تدخل في الحسابات الإستراتيجية للولايات المتحدة، ومنها أفغانستان التي دخلت الولايات المتحدة اليوم فيها مرحلة التخبط قبل الإندحار الكامل منها بعد الفضائح الكبيرة التي سنعرضها في إطار هذا المقال مع عددٍ من الوثائق المهمة والتي تبرز تورط الولايات المتحدة، بريطانيا وكندا بالتنسيق مع حلف الناتو في عمليات تجنيد دولية لأعضاء من حركة طالبان.

بعد تأزم وضع الجيش الأمريكي في أفغانستان وإنفضاح الفشل في الحرب الأطول التي تشنها الولايات المتحدة في تاريخها دون تحقيق أي نتائج تُذكر، فالحركة اليوم تسيطر على 44% من المديريات الرسمية في أفغانستان وتتوسع أكثر من السابق نظرًا لتقليص عدد جنود الولايات المتحدة من 100ألف إلى 16 ألف جندي، وكسبت الحركة في السنوات الثلاثة الأخير 16% أراضي إضافية وهي بتقدم مستمر. إنطلاقًا منه تتسارعت حركة الولايات المتحدة للخروج من المأزق الأفغاني بأكبر مكاسب إقتصادية يمكن أن تجنيها وأقل خسائر عسكرية، بحسيث بدأت الدبلوماسية الأمريكية ترفع السرية عن علاقتها المباشرة أو غير المباشرة بتنظيم القاعدة في العالم، كما أنها اليوم بدأت تفضح أسماء تم تجنيدهم في مراحل سابقة سواءً عبر أجهزة مخابراتية عربية من جهة، أو عبر إعتقالهم في مراحل سابقة في غوانتانامو أو في السجون العربية. وفي هذا الإطار وضمن الملف الأفغاني أفادت وكالة “أسوشيتد برس” بأن المبعوث الأمريكي الخاص للسلام في أفغانستان، زلماي خليل زادة، أجرى مؤخرا جولة من المفاوضات في دولة قطر مع ممثلي حركة “طالبان”بحيث دارت المفاوضات بمشاركة خيرالله سعد والي ومحمد فضل ممثلين عن حركة طالبان، والرجلان كانا قد أفرج عنهما في العام 2014 من معتقل غوانتانامو. هذا اللقاء ليس الأول بين الحركة ودبلوماسيين أمركيين بحسب ما قالت مصادر الحركة.

الحركة القوية للدبلوماسية الأمريكية لم تكن وليدة الخسائر التي تتكبدها الولايات المتحدة في وسط قارة آسيا فقط، لكن الأمر يتعداه إلى أبعاد أُخرى تتمثل بالعديد من العوامل المؤثرة والمتمثلة في العديد من الملفات الجيوسياسية في العالم، وأهمها:

تهاوي المعسكر الأمريكي مقابل نجاح الخارجية الروسية في جميع الجبهات وأهمها وسط آسيا والشرق الأوسط

تتراكم الخسائر وتتعقد الملفات لدى وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، والأمر متعلق مباشرة بدخول منافس سياسي حقيقي للولايات المتحدة كشف عورتها في نزع عنها ورقة التوت التي غطت غطرستها على مدى سنوات، في المقابل كان النجاح البارز للدبلوماسية الروسية في حل الملفات الشائكة هو العنوان الأبرز لسقوط المعسكر الأمريكي. ففي وسط آسيا ضربت الخارجية الأمريكية علاقتها بباكستان التي صرح رئيسها بأنها قدمت الكثير للولايات المتحدة في حربها على أفغانستان دون أي مقابل يُذكر تقدمه لها الولايات المتحدة سوى 75 ألف ضحية وأكثر من 123 مليار دولار خسائر مادية على مدى 17 عامًا. في المقابل، دافعت روسيا عن دول وسط آسيا ودعمتها بالرغم من التباعد السابق حتى علمت هذه الدول الصديق من العدو، بحيث أصبحت باكستان اليوم كاملة العضوية في منظمة شنغهاي وأفغانستان عضو مراقب في المنظمة بالرغم من خصوصية الحرب فيها.

خصوصية البيئة الإجتماعية في وسط آسيا في عملية نشر التطرف

يتمتع السكان في أفغانستان والدول المحيطة بها بالمرونة التي سمحت للولايات المتحدة بسهولة الدخول إلى بيئتهم الإجتماعية وتجنيد الآلاف من الشباب في سبيل تغذية المجموعة المسلحة المتطرفة التي إستخدمتها أمريكا في حروبها سواءً في وسط آسيا أو في الشرق الأوسط، أو أفريقيا.

وقد إستغلت الولايات المتحدة الإنغلاق الذي تعيش فيه هذه القبائل منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي عندما أرسلت بن-لادن وقدمت له جميع التسهيلات المادية والعسكرية من أجل خلق نفوذه هناك عبر تجنيد الآلاف لمحاربة الإتحاد السوفياتي، ثم تحكيمه على أفغانستان وتجنيد الباكستانيين بأرخص الأثمان قبل إرسالهم إلى معسكرات القاعدة في العالم.

تجنيد المتطرفين الغربيين بكل الأساليب الغير مشروعة

بعد إنغماسها في عملية نشر معسكر متطرف في بداية الثمانينات في أفغانستان من أجل محاربة الإتحاد السوفياتي، دأبت الولايات المتحدة إلى إستخدام مختلف الأساليب في عملية تجنيد قيادات متطرفة ونشرها على وجه الكرة الأرضية. وفي عملية التجنيد عمدت الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إستغلال المسلمين المتواجدين على أراضيها وتجنيدهم في سبيل إستخدامهم في كل منطقة تجد الولايات المتحدة ودول حلف ناتو مصالح لها في نشر الخراب. أما الأمثلة عن تجنيد أصحاب جوازات السفر الغربية فهي كثيرة وفاضحة كان آخرها مجموعة من جوازات السفر الأمريكية والكندية والبريطانية التي تم العثور عليها في إحدى عمليات منظمة طالبان داخل باكستان، بالإضافة إلى مجموعة من المتطرفين الذين تم إرسالهم من مختلف الدُوَل التي شاركت في غزو أفغانستان. وفي إحدى الوثائق السرية المسربة عن ممثل الولايات المتحدة لدى حلف الناتو، حذر السفير الأمريكي دولته بأن عددًا من جوازات السفر الغربية قد فضح أمرها لأشخاص من الجناح الباكستاني لحركة طالبان.

أما الماكينة الإعلامية لدول حلف الناتو فقد ركزوا على تضليل الرأي العام العالمي بعض إنفضاح أمرهم في عملية تجنيد حركة طالبان لخدمة مشاريعهم التخريبية، وقد حاولوا مرارًا تجنيد أشخاص من الجالية المسلمة في روسيا في سبيل إظهار دعم روسيا لهذه المجموعات، في وقتً كانت الساحة العراقية، السورية، الليبية، والأفغانية قد فضحت الناتو في عمليات التجنيد لمتطرفين من الولايات المتحدة، أوروبا، وسط آسيا وبريطانيا وأستراليا ولكن هذه المرة بطريقة مفضوحة بحيث ساهمت الإستخبارات الغربية وبشكلٍ فاضح في تسهيل وصول هؤلاء المسلحين من أجل خدمة المشروع الأمريكي.

خصوصية أفغانستان الإقتصادية

تحتوي أفغانستان اليوم على ثروات طبيعية هائلة، فهي لديها إحتياطي هائل وغير مُستغل من النفط والغاز الطبيعي والذهب والنحاس الأصفر والحديد الخام، وتملك أكبر إحتياطي عالمي من الليثيوم الذي يُستخدم في صناعة الكومبيوتر والبطاريات والسيارات الكهربائية والهواتف الذكية. أضف إلى ذلك، أنَّ أفغانستان اليوم هي أكبر منتج للأفيون في العالم بنسبة 90% من الإنتاج العالمي بحيث يُصَدَّر 75% من كمية الإنتاج الأفغاني إلى الخارج. هذه الخصوصية الإقتصادية دفعت الولايات المتحدة لكسر جميع الحواجز والمسارعة في العمل على تسوية الأوضاع مع حركة طالبان من أجل بسط سيطرتها بالسلم هذه المرة على الساحة الأفغانية والتي تشكل موقعًا أساسيًا في خاصرة الإتحاد الروسي.

في المقابل، كانت الولايات المتحدة قد سرقت قرابة ال2 ترليون دولار منذ حربها على أفغانستان من موارد طبيعية ووعود بالبناء وتطوير مشاريع إنمائية محلية، دون أن تحقق أي تقدم يُذكر في هذا الإطار. أما اليوم بدأت الأمور تتبدل مع تثبيت دور أفغانستان كعضو مراقب في المنظمة وتوسع علاقاتها مع الدول الأعضاء خاصة روسيا والصين اللتان يمكنهما تقديم الكثير في سبيل إعادة الإعمار فيها.

خطة سلام أمريكية غير قابلة للحياة، والسلام لا يمر إلا في موسكو

إنَّ كل ما تقترحه الولايات المتحدة على أي دولة يصب في خدمة مصالحها الخاصة قبل أي شيءٍ يُذكر، هذا الأمر بات من المُسلمات الواضحة للعلن بعدما جاهر بذلك الرئيس الأمريكي مرارًا وتكرارًا. وبما أنَّ المصالح الأمريكية في العالم لا تلتقي إلا مع المال والسلطة، بات واضحًا أنَّ الخطة الأمريكية التي يقودها المبعوث الأمريكي تتمحور حول كيفية تثبيت أيادي الولايات المتحدة في أفغانستان وتوجيه ضربات جديدة لباكستان التي بدأت تُغرد بالقرب من روسيا والصين والهند والدول المحيطة بها، في المقابل لا طريق للسلام يمكن أن تسلكه أفغانستان دون المرور بموسكو التي تقدم الخطط المفصلة والمدروسة بإستراتيجية من أجل تسوية النزاع وتقريب المسافات بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية قبل الإنتخابات الرئاسية في نيسان من العام 2019.

اليوم وُضِعَ الملف الأفغاني على نارٍ حامية بين ما تُقدمه روسيا لأفغانستان من أجل أن تقودها نحو المصالحة الداخلية من جهة، والمصالحة مع جيرانها في وسط آسيا تحت لواء منظمة شنغهاي وأبعادها الإستراتيجية، في المقابل تعمل الولايات المتحدة على الإبقاء على الفوضى من أجل إبقاء نفوذها في هذه النقطة الإستراتيجية والتي تشكل صلة وصل أساسية في وسط آسيا ونقطة إستراتيجية لربط دول منظمة شنغهاي.

الدكتور المهندس زكريان أحمد حمودان

مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء

المصدر: خاص الوطنية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.